قمة مسقط.. تجاوز الهموم إلى الآمال
::cck::1796::/cck::
::introtext::
يعيش الواقع الخليجي حالة من عدم الاستقرار منذ أزمة حرب الخليج وتداعياتها انتهاء باحتلال العراق ومروراً بتصاعد الأزمة الإيرانية مع دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بسبب الملف النووي الإيراني، واستمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، ثم الوضع المتردي في الأراضي الفلسطينية واستمرار احتلال إسرائيل للأراضي السورية واللبنانية، مروراً بالوضع في العراق رغم توقيع اتفاقية الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، كما أن الواقع الخليجي يعيش أيضاً ملابسات أزمة اقتصادية عالمية، يسعى قادته إلى إلى توفير سبل وآليات حقيقية لتجنب آثارها المباشرة أو تقليل تداعياتها السلبية على الأقل.
::/introtext::
::fulltext::
يعيش الواقع الخليجي حالة من عدم الاستقرار منذ أزمة حرب الخليج وتداعياتها انتهاء باحتلال العراق ومروراً بتصاعد الأزمة الإيرانية مع دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بسبب الملف النووي الإيراني، واستمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، ثم الوضع المتردي في الأراضي الفلسطينية واستمرار احتلال إسرائيل للأراضي السورية واللبنانية، مروراً بالوضع في العراق رغم توقيع اتفاقية الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، كما أن الواقع الخليجي يعيش أيضاً ملابسات أزمة اقتصادية عالمية، يسعى قادته إلى إلى توفير سبل وآليات حقيقية لتجنب آثارها المباشرة أو تقليل تداعياتها السلبية على الأقل.
لكن هذا الواقع ورغم ما ذكر، فيه عوامل من القوة الكامنة تبعث على التفاؤل بالمستقبل إذا أحسن استثمارها لتزيد معها أسباب القوة والتطور، من أجل الحفاظ على المكتسبات التي تحققت، وذلك بفضل ووعي قادة دول مجلس التعاون بطبيعة المخاطر التي تتعرض لها المنطقة، وكذلك لمعرفتهم ودراستهم المستفيضة للنهوض بها وتجاوز ما يحدها من أزمات.
ولذلك فقد اكتسبت قمة مسقط الخليجية الـ (29) أهمية بالغة لتزامنها مع تطورات إقليمية ودولية مهمة على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ما استلزم بلورة مواقف خليجية نحوها، في ضوء ما هيأته سلطنة عمان من الاستعدادات لاستضافة القمة الخليجية التاسعة والعشرين والتحضيرات والترتيبات لاحتضان الحدث الخليجي المهم الذي يتطلع إليه مواطنو دول المجلس كل عام. ولننقل هنا ما أكده فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء العماني بأن (لقاءات قادة دول مجلس التعاون تحقق كل مرة إضافة جديدة إلى صرح البناء الخليجي المتماسك وبما ينسجم مع المعطيات والمستجدات الدولية، وأن نجاح المجلس وصموده في مواجهة التحديات والأحداث التي شهدتها منطقة الخليج في العقدين الماضيين دليل واضح على عزيمة وإصرار الدول الست للحفاظ على هذا التجمع والتصدي لكل ما من شأنه الإخلال بهذا الترابط الذي تمليه المصالح العليا ووحدة المصير).
إن المواقف الموحدة لدول المجلس تجاه القضايا والمتغيرات العالمية كافة خير دليل على تماسك وقوة المجلس في المضي قدماً لتعزيز مسيرته في كل المجالات بتوفر الإرادة والعزيمة. وإذا كان لكل قمة خليجية خصوصيتها، فإن قمة مسقط عملت على تهيئة المزيد من الفرص لدعم وتطوير مسيرة التعاون القائم، إضافة إلى التعاطي مع المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، خاصة أن القادة الخليجيين استعرضوا كافة ما تواجهه المنطقة من تحديات سياسية واقتصادية، منها ما هو قديم وما هو حديث لم تشهده المنطقة والعالم سوى من أشهر قليلة مثل ظاهرة القرصنة البحرية والأزمة المالية العالمية. ومن هذه التحديات:
التحدي الأول – القضية الفلسطينية:
فمما لا شك فيه أن حالة عدم الاستقرار، التي يمر بها العالم العربي ومن ثم منطقة الخليج منذ عقود عدة كانت في بعض جوانبها من إفرازات ونتائج الفشل في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على أرضه. ومن هنا، فليس مطلوباً أن تتحول القضية إلى شماعة لتعليق الأخطاء. والمهم هو العمل على فضح ممارسات استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، وكيف ترفض إسرائيل مساعي السلام، وعدم جديتها في مفاوضات الحل النهائي الجارية مع الفلسطينيين، لأن كل هذا من شأنه أن يترك شعوراً بالانزعاج من قبل المجتمع الدولي حيال المواقف الإسرائيلية التي تؤثر في فرص إيجاد حل عادل ودائم ودفع الجهود السلمية.

قمة مسقط اعتمدت اتفاقية الاتحاد النقدي ومجلس النقد تمهيداً لإطلاق العملة الموحدة في موعدها
ومن الأجدى أن تعمل الدبلوماسية الخليجية بقوة على حث الأطراف الدولية المؤثرة للضغط على إسرائيل للقبول بقرارات الشرعية الدولية، وتنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين، وصولاً إلى إنهاء احتلالها للأراضي التي احتلتها عام1967، بما فيها القدس الشريف، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة فوق أرضه، وإعادة الأراضي السورية المحتلة في الجولان، وما تبقى من الأراضي اللبنانية، وذلك في إطار التزام عربي بما ورد في مبادرة السلام العربية، التي تدعو إلى صيغة سلام عادل، تضمن الأمن لإسرائيل.
كان هذا العرض سرداً يتعلق بالآمال في ضوء التطورات المتسارعة سياسياً وتمثل هذا في عدوان إسرائيلي غاشم على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولم يتوان قادة الخليج في إدانة الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، محذرين من مغبة السكوت عن هذا الوضع الخطير، وحملوا إسرائيل كامل المسؤولية عنه. فقد حظيت القضية الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط بنقاش واسع في الجانب السياسي من مباحثات القمة، خاصة في ضوء الأحداث المؤلمة الجارية في قطاع غزة وما يجري من تدمير تمارسه آلة القتل العسكرية الإسرائيلية دون أي وازع من ضمير أو اعتبارات إنسانية أو قوانين الشرعية الدولية. ومن ثم قرر القادة إجراء اتصالات عاجلة بالدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن لكي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته. وطالب المجلس إسرائيل بالكف عن ممارسة غطرسة القوة والتنكيل بأبناء الشعب الفلسطيني الأعزل وفك الحصار الجائر المفروض على كافة الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة. وأكد المجلس أن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الحصن والدرع الواقية التي تحمي الشعب الفلسطيني، داعياً كافة الفصائل الفلسطينية إلى لم الشمل وتوحيد الكلمة في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها القضية الفلسطينية ضماناً لوحدة أراضيه واستعادة حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. ومن هذا المنطلق، وأعربت القمة الخليجية عن أملها في أن يولي الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما القضية الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط أولوية قصوى في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية وبما يؤدي إلى الوفاء بالالتزامات والوعود بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش في أمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل والعمل على التوصل إلى سلام دائم وعادل وشامل في منطقة الشرق الأوسط.
التحدي الثاني – الأوضاع في العراق:
ويتعلق يما خلقته الحرب في العراق من تطورات وكيف أدى ذلك إلى نشوء واقع جديد في المنطقة. وكيف يتم تقييم هذا الواقع من زاوية العلاقات الخليجية – العراقية، وأيضاً من زاوية العلاقات العربية – الإيرانية. فالأوضاع في العراق تزيد من عوامل القلق التي تعاني منها المنطقة والخليج تحديداً. فهذه الأوضاع على الرغم من التحسن النسبي في المناخ الأمني وانخفاض وتيرة العنف، تشكل هاجساً مقلقاً، يستدعي بذل مزيد من الجهد حتى يستعيد العراق عافيته، ودوره الإقليمي ومكانته كعامل فاعل من عوامل الاستقرار في المنطقة.
وإذا كان العراق يمر حالياً بمخاض سياسي صعب ومعقد، فإن معاناة الشعب العراقي تدعو إلى توجيه نداء لمختلف القوى السياسية العراقية من أجل العمل على تضييق الهوة وتجنب التشديد على النظرة الضيقة والتركيز على التعايش وتعزيز المواطنة والمصلحة الجماعية للمواطنين والوطن لتمهيد الطريق أمام عراق حر ومستقر ومتسامح.
ومن هذا المنطلق، فإن هناك حاجة ماسة لدفع الموقف الخليجي نحو مزيد من الإيجابية في التعامل مع الأوضاع الخطيرة التي يمر بها العراق بمساندة شعبه وحكومته للخروج من دائرة العنف، وتشجيع جميع مكونات الشعب العراقي وأطيافه على الانخراط بالعملية السياسية، التي تستهدف الحفاظ على هويته العربية ووحدته وسيادته واستقلال أراضيه. علماً بأن الابتعاد العربي عن العراق أدى إلى انفراد بعض القوى الإقليمية بقدرة التأثير في الساحة العراقية، بهدف عزل العراق عن محيطه العربي.
ومن خلال هذا الفهم لمخاطر إبعاد العراق عن دائرته الخليجية والعربية، ومن منطلق الإحساس بالمسؤولية القومية، على الخليج المساهمة في مساعدة الحكومة العراقية على تنفيذ خطط إعادة الإعمار والبناء وتحسين الوضع الأمني، والعمل على فتح سفارات في بغداد كجزء من التزام خليجي بالدعم السياسي والمعنوي للجهود المبذولة على الصعيد الأمني، وتشجيع فئات الشعب العراقي كافة على نبذ كل أشكال العنف الطائفي والمذهبي. ومن شأن هذا أن يكون له تأثير واضح في مسار الأحداث في العراق، ويشكل عاملاً من العوامل المساعدة للحكومة العراقية في استعادة الأمن والاستقرار.
والأمل هو ألا يكون العراق ساحة لاختبار القوى في المنطقة، وأن يلتزم الجميع بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، لأن عراقاً آمناً ومستقراً هو في مصلحة الجميع وفي مصلحة الأمن الإقليمي، وأن أي محاولة لاستثمار الاضطراب الأمني والخلاف السياسي في العراق ستطال شروره الجميع. وهنا نقول إن قمة مسقط متسقة مع الواقع الجديد الذي يعيشه العراق وضرورة احترام وحدته وسيادته واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه الداخلية والحفاظ على هويته العربية والإسلامية، لأن تحقيق الأمن والاستقرار يتطلب الإسراع في تحقيق المصالحة الوطنية العراقية لإنجاح العملية السياسية الشاملة والتي يجب أن تستوعب جميع أبناء الشعب العراقي من دون استثناء أو تمييز.
التحدي الثالث- الموقف حيال إيران:
وينقسم إلى ثلاثة مرتكزات أساسية هي:
1- احتلال الجزر الإماراتية، فعلى الدبلوماسية الخليجية الارتكان إلى المنطق الإماراتي في التعامل مع هذه الأزمة، وهو تعاط يحتكم إلى العقل وحسن الجوار في مطالبها باستعادة جزرها الثلاث المحتلة (أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى). هذا رغم الإجراءات الإيرانية الأخيرة وعدم تجاوب طهران مع الدعوات السلمية الإماراتية والخليجية والعربية. ويتوقف التساؤل على كيفية إقناع إيران بتبني مواقف أو خطوات تتجاوب مع اليد السلمية التي تمدها الإمارات والمبادرات الخليجية والعربية المتتالية في هذا الشأن. ومن نافلة القول إن الإمارات لا تتعاطى مع حقوقها الثابتة بالجزر على شكل ردات فعل، بل لديها منهج واضح، يقوم على مجموعة من الأسس الثابتة، أبرزها التمسك بخيار التسوية السلمية لهذا النزاع، عن طريق تحكيم مبادئ الشرعية الدولية ومبادئ وأحكام القانون الدولي وقبول التحكيم أو الدخول في مفاوضات ثنائية جادة، وهي أسس لم تتبدل أو تتغير على الرغم من كل الإجراءات والعقبات التي اعترضت المسعى السلمي للإمارات. ويجدر القول أيضاً، إنه على الدبلوماسية الخليجية العمل على توظيف المتوفر من العلاقات بين الطرفين في دفع المساعي السلمية لحل النزاع على الجزر، لأن حل هذا النزاع بشكل عادل من شأنه توسيع آفاق التعاون بين دول الخليج والإمارات من جهة وإيران من جهة أخرى وتحسين مناخ الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها. أما الرهان على فرض واقع معين على الأرض فهو رهان خاسر، ولن يؤدي إلى أي نتيجة، ذلك بأنه لن يثني الخليجيين طال الزمن أو قصر عن الاستمرار في المطالبة بحقوقهم المشروعة والعادلة في الجزر.
2- تزايد حجم التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة في ما يتعلق بملف إيران النووي وتهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، مما قد يدفع دول الخليج إلى البحث عن بدائل لعبور الناقلات النفطية، التي تحمل صادراتها من النفط الخام للعالم. هذا مع ضرورة دراسة كيف تقرأ القيادات الإيرانية المخاطر التي تهدد المنطقة في حال اندلاع أي حرب. وتجدر الإشارة إلى أن مضيق هرمز الذي تهدد إيران بإشعاله عند كل أزمة مع الولايات المتحدة، هو الممر المائي الحيوي للاقتصاد الدولي، وهو أحد مفاتيح الأمن والاستقرار ليس للمنطقة فحسب، بل للعالم أجمع. ولذلك فإن مسؤولية تأمين سلامة الملاحة عبره هي مسؤولية دولية، وبالتالي فإنه من غير الملائم أن يصبح هذا الممر الحيوي موضوع مزايدات سياسية.
ولا تزال دول الخليج تعول على نجاح المساعي الدولية المتعددة الأطراف لإقناع إيران بالتجاوب مع ما يريده المجتمع الدولي، وبما يتفق مع التزاماتها وفق عضويتها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولتبديد أي مخاوف أو شكوك حول طبيعة وأغراض برنامجها النووي، على الرغم من القلق الذي نشعر به إزاء استمرار وتصاعد أزمة الملف النووي الإيراني. ويستلزم هذا الفهم الخليجي لطبيعة الصراع المشار إليه الدعوة إلى مواصلة النهج السياسي والدبلوماسي بعيداً عن أي تصعيد أو انفعال، وذلك للتوصل إلى اتفاق سلمي يكفل الأمن والاستقرار لدول المنطقة وشعوبها.
3- موقف إيران الداعي إلى خروج القوات الأجنبية من منطقة الخليج، فإيران تعلن أن الوقت قد حان لخروج هذه القوات لأن الأمن والاستقرار في الخليج يجب أن توفرهما دول المنطقة، وأن دول المنطقة مدعوة لمشاركة جماعية لاستتباب الأمن في ربوع الخليج. وهذا يدفعنا للرد استدلالاً بالمواقف الإيرانية المتناقضة. فطهران تعلن باستمرار أن وجهة نظرها تقوم أساساً على أهمية التعاون الجماعي في ربوع الخليج. وعلى هذه الخلفية، فلا بد وفقاً لوجهة نظرها من القيام سوياً مع دول مجلس التعاون الخليجي بمناورات دفاعية عسكرية وتمارين مشتركة من أجل الارتقاء بالقدرات والإمكانيات المتاحة لدول المنطقة. لكن واقع الحال يؤكد أن إيران تفعل عكس ما تردده وتقوله والوقائع كثيرة على ذلك، وقد تعلم الخليجيون كثيراً من دروس التاريخ.
والقاعدة تقول إن الأمن والاستقرار يتحققان من خلال علاقات جيدة متوازنة واحترام متبادل للسيادة والمصالح، لكن يغيب هذا الوعي عن البعض الذي يعتقد أن الأمن يتحقق بتعزيز القدرات العسكرية والتسابق نحو امتلاك الأسلحة المتطورة، ومن هنا يطرأ للذهن مباشرة تساؤل (ما هي الاستراتيجية الدفاعية التي تعول عليها الدول الخليجية؟). والإجابة تؤكد أن الدول الخليحية تلتزم بالوقوف دائماً ضد محاولات إقحام المنطقة في سباق التسلح، مع عدم الانتقاص من حقها في امتلاك أسلحة متطورة تخدم الاستراتيجية الدفاعية التي تعتمدها، والقائمة على أساس توفير مقومات الدفاع عن مصالحها الحيوية والإسهام بدورها كجزء من مكونات الأمن والاستقرار في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن الرؤية الخليجية تشير إلى أن امتلاك أسلحة متطورة يجب ألا يكون سبباً في تغذية النزعة العدوانية، بل وسيلة لتحسين قدرة القوات المسلحة، وتمكينها من مواكبة التقنيات العسكرية الحديثة، بما يتناسب مع احتياجات الدول الخليجية الدفاعية على المستويين الوطني والإقليمي، مع ضرورة الإشارة إلى الدعوة إلى جعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج العربي منطقة خالية من هذه النوعية من الأسلحة، لأن هذا أفضل ضمان للأمن والاستقرار، والتأكيد على أن الاستقرار يكمن أيضاً في إيجاد حلول عادلة للأزمات الراهنة في المنطقة وفق قرارات ومبادئ الشرعية الدولية، وعلى قاعدة احترام المصالح وحسن الجوار. أما التسابق لامتلاك أسلحة الدمار الشامل في ظل استمرار الأزمات الحالية، فإنه يزيد من أجواء التوتر، ويقوي النزعات العدوانية.
قمة مسقط عملت على تهيئة المزيد من الفرص لدعم وتطوير مسيرة التعاون القائمة
وعلى مستوى قمة مسقط، لم تتوان دول الخليج في التأكيد على أهمية الحوار الهادف لبناء الثقة وتعزيز العلاقات بين دول المجلس وإيران في كافة المجالات وبما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، والتأكيد أيضاً على دعم حق السيادة لدولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) وعلى المياه الإقليمية والإقليم الجوي والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر الثلاث باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات. واستمر القادة الخليجيون في دعوتهم إيران إلى الاستجابة لمساعي دولة الإمارات لحل القضية عن طريق المفاوضات مباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
وإذا انتقلنا إلى الملف النووي الإيراني، فقمة مسقط أكدت أهمية الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية وموقفها الداعي إلى حل هذه الأزمة بالطرق الدبلوماسية، مع الأمل في أن يتم التوصل إلى تسوية دبلوماسية وبما يعزز الاستقرار الإقليمي والدولي، ولم تغفل القمة المطالبة بجعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج خالية من الأسلحة النووية ومن كافة أسلحة الدمار الشامل مع الإقرار بحق دول المنطقة بامتلاك تقنية نووية للاستخدامات السلمية وفي إطار الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
التحدي الرابع- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية:
فمع احتمال تعرض عوائد النفط لاهتزازات كبيرة بسبب انخفاض الأسعار، أصبحت دول الخليج أمام تحد خطير يرتبط بضرورة تأمين مستقبل الاقتصاد والحفاظ على ما تحقق من إنجازات خليجية في هذا المضمار.
بداية، فإن دول الخليج مرت بتجارب سابقة من اهتزازات وتذبذبات في سوق النفط وتعاملت في أوقات سابقة مع اهتزازات تدنت فيها الأسعار إلى أقل مما هي عليه الآن، ويعمل الخليجيون ضمن إطار منظمة الأوبك لمواجهة أية سلبيات من شأنها التأثير في استقرار الأسواق العالمية. ومن هنا، فإن الدول الخليجية تعمل على تنويع مصادر الدخل من خلال بعض الاستثمارات الداخلية والخارجية ضمن سياسة استثمارية رشيدة لضمان بقاء هذه الاستثمارات كعنصر دخل مستدام للأجيال القادمة. وتؤكد طبيعة الأزمة أنه يمكن للدول الخليجية أن تلعب دوراً فائق الأهمية في هذه الفترة من الأزمة المالية العالمية. فلديها أولاً القدرات المالية نتيجة لامتلاكها النفط والموارد الطبيعية الأخرى، وبالتالي هي دول ثرية قادرة على مساعدة الدول الفقيرة، وبإمكانها تقديم المساعدات والمساهمات السخية جداً لأجندة التنمية والتي لها أهداف أمنية أيضاً. كما يوجد نوع من التحول في موازين القوى وأدوار اللاعبين الكبار على الساحة العالمية بسبب الأزمة الاقتصادية، ومن شأن هذا أن تبرز الدول الخليجية كقوى اقتصادية عملاقة بعكس التقديرات المتشائمة التي تتوقع تراجع معدلات النمو في هذه الدول بصورة كبيرة. فالواقع يشير إلى أنه في السنوات المقبلة ستكون القوى الإنتاجية الكبرى هي الدول النامية المتطورة في إشارة إلى دول الخليج.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن اقتصادات الدول الخليجية تتمتع بمعدلات نمو عالية، ومن المتوقع أن تستمر هذه المعدلات العالية رغم الأزمة المالية العالمية من خلال استفادة هذه الدول من الفوائض المالية التي حققتها خلال السنوات الخمس الماضية، فضلاً عن التأثيرات والانعكاسات الإيجابية للسياسات المتحفظة التي انتهجتها المؤسسات المالية الخليجية في مواجهة الأزمة المالية العالمية، وأدى ذلك إلى حماية اقتصادات المؤسسات المالية الخليجية من أي آثار سلبية نتيجة تلك الأزمة، بالإضافة إلى أن وجود آليات للتكامل الاقتصادي يوفر مجالاً عملياً للتعاون والتنسيق بين دول المجلس لمواجهة آثار التنمية والحفاظ على معدلات النمو العالية التي تتمتع بها دول المجلس منذ سنوات.
ولهذا، فقد حظيت الأزمة المالية العالمية بنصيب الأسد في مباحثات القادة في قمة مسقط، انطلاقاً من الإدراك العميق لأهمية وضرورة تفعيل الرؤية المشتركة بين دول المجلس والانتقال بها إلى المراحل التي تخدم مصالح وشعوب دول مجلس التعاون في الحاضر والمستقبل، لا سيما أن الأزمة العالمية تحتم على دول المجلس تحصين اقتصاداتها لمساعدتها على تجاوزها بأقل الخسائر، علماً بأن لدول مجلس التعاون من المعطيات ما يساعدها على تخطي هذه الأزمة بسلام، رغم ارتباط اقتصادات دول مجلس التعاون بالاقتصاد العالمي بصورة كبيرة.
ومما يؤكد أهمية العامل الاقتصادي في قمة مسقط هو اعتماد قادة دول مجلس التعاون اتفاقية الاتحاد النقدي ومجلس النقد تمهيداً لإنشاء البنك المركزي الخليجي وإطلاق العملة الموحدة في موعدها، وستشكل العملة الخليجية خطوة عظيمة الشأن، وتعني الوصول إلى أقصى مراحل التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وذلك في ضوء ما توفره السوق الخليجية المشتركة من حرية تنقل القوى العاملة ورؤوس الأموال بين دول الخليج مع منح مواطنيها حقوقاً متساوية في المناحي الاقتصادية كافّة. والمعروف أن انطلاقة السوق الخليجية المشتركة تزامنت مع حلول عام 2008 كخطوة رئيسية على صعيد التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وقد شكلت مطلباً حيوياً للمضي في مشروع الاتحاد النقدي الخليجي وطرح العملة الخليجية الموحدة.
وإذا كانت السوق الخليجية المشتركة صغيرة نسبياً من منظور عالمي رغم إمكانياتها الضخمة على المستوى الإقليمي، فإن تدشين الاتحاد النقدي وتوحيد السياسات الاقتصادية والمالية وطرح العملة الموحدة، ستسهم في تعزيز مكانة دول الخليج على الخريطة الاقتصادية العالمية نتيجة لحجم تجارتها وعلاقاتها الاستثمارية مع بقية الدول. وستجني دول الخليج حينها ثمار الاتحاد النقدي المتمثلة في تقوية الموقف التفاوضي، وتعزيز المكانة الاقتصادية، واتساع حجم السوق، وتراجع تكلفة المعاملات، وتنامي حجم الاستثمارات البينية. لذا، وجبت الإشارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الخليجي لعام 2007 بلغ نحو 1.5 في المائة من الناتج العالمي، في حين أن صادراتها ووارداتها شكلت نحو 4 و2.1 في المائة من مستواها العالمي على التوالي. وعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في السنوات الأخيرة، فإن تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إليها ما زال متواضعاً، وبلغ في 2007 نحو 43 مليار دولار، أي ما دون 2.4 في المائة من إجمالي تدفق الاستثمارات العالمية.
ارتأت قمة مسقط ضرورة إجراء تنسيق وتعاون إقليمي ودولي لمواجهة ظاهرة القرصنة
التحدي الخامس- ظاهرة القرصنة البحرية:
إن منطقة خليج عدن وبحر العرب تتعرض لظاهرة خطيرة وهي القرصنة بما يؤثر في حركة التجارة العالمية بالنسبة للنفط المتجه من البلدان العربية وإيران إلى الأمريكتين وأوروبا غرباً وشرقاً وإفريقيا. وعلى منطقة الخليج أن تدرك جذور هذه الظاهرة ونشأتها وأسباب تضخمها المتسارع في وتيرته، والآليات الممكنة لمواجهتها في الأجل القصير والأجل الطويل، وتعود كلها إلى صراعات القبائل وأمراء الحرب في الصومال التي تحولت أراضيها إلى بؤر إرهابية أدت إلى تنامي عمليات السطو على السفن في منطقة بحر العرب وخليج عدن من قبل قراصنة محترفين أو عسكريين صوماليين سابقين كانوا ضمن القوات البحرية الصومالية، وتكمن خطورة الظاهرة حتى الآن في عدم مواجهتها بأي ردع إقليمي أو دولي مما أغرى القراصنة بالتوسع ووفر لهم الأموال الضرورية لتوسيع نطاق أعمالهم وتطويرها وشراء المعدات المتطورة الضرورية لها. كما أن الفقر المدقع الذي يعاني منه شعب الصومال في ظل غياب الدولة وفي غيبة أي عملية منظمة للتنمية الاقتصادية وللضمان الاجتماعي، جعل المجتمع الصومالي مستعداً لاحتضان المجموعات الإجرامية عسى أن يناله من عائداتها شيء.
كما ناقشت قمة مسقط هذه المسألة الحيوية بصورة مستفيضة، ورأت أن الحل يكمن في استعادة الصومال عافيته واستقراره، مع مطالبة جميع الأطراف بوقف العنف والتخلي عن كافة العمليات التي تضع العراقيل في طريق جهود المصالحة الوطنية، والالتزام بالاتفاقيات والتعهدات التي تم توقيعها في مدينة جدة السعودية والهادفة إلى وضع حد للمعاناة الإنسانية وتوفير الأمن والاستقرار والرخاء لأبناء الشعب الصومالي الشقيق. فقمة مسقط قد وضعت يدها على أصل الداء، ولم تعمل على مجرد استخدام الكلمات والتعبيرات الفضفاضة، لكنها أدركت مكمن الخطورة، وعلى أمل بعودة دولة الصومال مرة أخرى للحياة، فهي السبيل إلى سلامة الملاحة البحرية في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية التي تشهد تنامي ظاهرة القرصنة حالياً. بيد أنه إذا كان هذا الحل بعيد المنال في الوقت الراهن، فقد ارتأت قمة مسقط ضرورة إجراء تنسيق وتعاون إقليمي ودولي لمواجهة ظاهرة القرصنة بمختلف الوسائل الكفيلة بالقضاء عليها في إطار قرار مجلس الأمن الدولي.
أي محاولة لاستثمار الاضطراب الأمني والخلاف السياسي في العراق ستطال شرورها الجميع
تخطي مرحلة الآمال إلى الواقع
كل ما سبق كان حديثاً عن الآمال، ولكم كان الواقع منسجماً مع هذه التوقعات،فقد خرجت القمة بالعديد من القرارات المهمة، لعل أبرزها الموافقة على تدشين الاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة بما يؤكد التجاوب مع وآمال شعوب دول المجلس في تحقيق تعاون وتكامل خليجي حقيقي، لا سيما أن القمة عقدت وسط تحديات إقليمية كثيرة وظروف دولية صعبة وسبقتها تطلعات خليجية بتجاوز هذه التحديات بأقل الخسائر.
وإذا جاز لنا تقييم مدى نجاحها في تحقيق آمال وتطلعات الخليجيين، وهل نجحت القمة بالفعل في تحقيق هذه الآمال؟ فنقول أن قمة مسقط اتسمت بخصوصية فريدة نظراً لكثرة التحديات كما سبق وذكرنا،وبدا كأن الرأي العام الخليجي يضع أمام القادة الخليجيين في هذه القمة كشف حساب لمسيرة مجلس التعاون الخليجي مع مطالبتهم بقرارات فعالة لدفع عجلة التعاون الاقتصادي بين دول المجلس وإزالة الحواجز التي تحول دون تحقيق التكامل بينها،ويؤكد الواقع الآن بعد ساعات من اختتام قمة مسقط أنها ستمثل بداية مرحلة جديدة للعمل الخليجي المشترك وأيضاً بداية جادة لتحقيق الإنجازات،فقد خرجت القمة بالعديد من القرارات والنتائج المهمة.
ومن الآمال إلى الواقع أيضاً الذي نتحدث عنه، فقد اهتمت قمة مسقط بدراسة الأزمة المالية من كافة جوانبها وأبعادها وتداعياتها وتأثيراتها الاقتصادية، وحسناً فعلت القمة لدى توجيهها اللجان الوزارية المختصة بتكثيف التنسيق بين الدول الأعضاء لاتخاذ التدابير الكفيلة للحد من آثارها السلبية في اقتصادات دول المجلس. ليس هذا فحسب، فقد كلفت القمة أيضاً اللجنة الوزارية المعنية للعمل على كل ما من شأنه أن يسهم في استقرار أسعار النفط بما يحقق التوازن المنشود والمصالح المشتركة للدول المنتجة والمستهلكة. ومن شأن هذا التوجه، أن يعمل على استقرار أسعار النفط وتجنب تداعيات الأزمة المالية العالمية بقدر الإمكان، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن القادة الخليجيين لا يألون جهداً من أجل رفاهية الشعوب الخليجية، وبما يضمن مستقبلاً زاهراً للأجيال القادمة.
وختاماً ربما لم نشر إلى مجمل التحديات التي تواجه منطقة الخليج ومستقبلها، لكن نقول إنه لا سبيل لتحقيق توازن إقليمي من دون حل للنزاعات والصراعات التي تشهدها منطقة الخليج التي شهدت خلال السنوات الماضية أزمات سياسية وأمنية وعسكرية أدت إلى اضطراب وتغييرات دراماتيكية في موازيين القوى الإقليمية كان الخاسر الأكبر فيها الجانب العربي نتيجة للسياسات الخاطئة للدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. ولن يتم إصلاح ذلك الخلل إلا من خلال إيجاد توازن إقليمي في الشرق الأوسط والخليج، والعمل على إيجاد تعاون إقليمي تسانده الدول الإقليمية، ويتطلب هذا توفير شروط التعاون القائم على حل كل النزاعات الإقليمية حلاً عادلاً ودائماً وفي طليعتها بالطبع القضية الفلسطينية. وليس هذا فقط، فهناك تأثيرات عالمية في المنطقة يتعين التخلص منها مثل زج المنطقة في صراعات جديدة وعلى حساب الأمن الإقليمي، مما يستلزم من التكتلات العالمية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التخلي عن سياسة الإملاءات والانفراد بسياسات لا تخدم مصالح دول منطقة الخليج، الأمر الذي يدفع بالتالي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
ومن هنا، تركزت رسالة الخليج إلى الولايات المتحدة في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة على ضرورة الإسراع في إنهاء تسوية النزاع العربي-الإسرائيلي وإعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، والضغط على إسرائيل من أجل وقف الاستيطان وآلة الحرب الشرسة ضد الفلسطينيين، لأن هذا من العوامل الرئيسية التي تثير عدم الاستقرار في المنطقة وتعمل على استمرار العنف والإرهاب.
بالإمكان القول إن من أهم مكتسبات القمة الخليجية التاسعة والعشرين، هو ما أثبتته من قدرة على التجاوب مع آمال المواطن الخليجي على الأقل في حل الصعاب التي تراكمت على طريق تحقيق المواطنة الخليجية والسوق المشتركة وبعض مجالات التعاون والتكامل الأخرى. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن كل التجمعات الإقليمية في العالم تصادف في مسيرتها العديد من الأمور التي تقف حائلاً في استكمال بعض مجالات التعاون المستهدف، وذلك لظروف قد تكون خارجية وأخرى داخلية تتعلق بكل دولة. لكن هذا لا يعني قبول الأمر الواقع، فالتعاون في إطاره المتكامل يعتبر هدفاً لا بد من الوصول إليه آخذاً في الاعتبار الكيفية التي تتناسب وقدرات الدول الأعضاء في تذليل أي صعاب، وهذا هو النهج الذي يسير عليه مجلس التعاون منذ تأسيسه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1796::/cck::
::introtext::
يعيش الواقع الخليجي حالة من عدم الاستقرار منذ أزمة حرب الخليج وتداعياتها انتهاء باحتلال العراق ومروراً بتصاعد الأزمة الإيرانية مع دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بسبب الملف النووي الإيراني، واستمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، ثم الوضع المتردي في الأراضي الفلسطينية واستمرار احتلال إسرائيل للأراضي السورية واللبنانية، مروراً بالوضع في العراق رغم توقيع اتفاقية الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، كما أن الواقع الخليجي يعيش أيضاً ملابسات أزمة اقتصادية عالمية، يسعى قادته إلى إلى توفير سبل وآليات حقيقية لتجنب آثارها المباشرة أو تقليل تداعياتها السلبية على الأقل.
::/introtext::
::fulltext::
يعيش الواقع الخليجي حالة من عدم الاستقرار منذ أزمة حرب الخليج وتداعياتها انتهاء باحتلال العراق ومروراً بتصاعد الأزمة الإيرانية مع دول الغرب والولايات المتحدة الأمريكية بسبب الملف النووي الإيراني، واستمرار احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، ثم الوضع المتردي في الأراضي الفلسطينية واستمرار احتلال إسرائيل للأراضي السورية واللبنانية، مروراً بالوضع في العراق رغم توقيع اتفاقية الشراكة الأمنية مع الولايات المتحدة، كما أن الواقع الخليجي يعيش أيضاً ملابسات أزمة اقتصادية عالمية، يسعى قادته إلى إلى توفير سبل وآليات حقيقية لتجنب آثارها المباشرة أو تقليل تداعياتها السلبية على الأقل.
لكن هذا الواقع ورغم ما ذكر، فيه عوامل من القوة الكامنة تبعث على التفاؤل بالمستقبل إذا أحسن استثمارها لتزيد معها أسباب القوة والتطور، من أجل الحفاظ على المكتسبات التي تحققت، وذلك بفضل ووعي قادة دول مجلس التعاون بطبيعة المخاطر التي تتعرض لها المنطقة، وكذلك لمعرفتهم ودراستهم المستفيضة للنهوض بها وتجاوز ما يحدها من أزمات.
ولذلك فقد اكتسبت قمة مسقط الخليجية الـ (29) أهمية بالغة لتزامنها مع تطورات إقليمية ودولية مهمة على مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ما استلزم بلورة مواقف خليجية نحوها، في ضوء ما هيأته سلطنة عمان من الاستعدادات لاستضافة القمة الخليجية التاسعة والعشرين والتحضيرات والترتيبات لاحتضان الحدث الخليجي المهم الذي يتطلع إليه مواطنو دول المجلس كل عام. ولننقل هنا ما أكده فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء العماني بأن (لقاءات قادة دول مجلس التعاون تحقق كل مرة إضافة جديدة إلى صرح البناء الخليجي المتماسك وبما ينسجم مع المعطيات والمستجدات الدولية، وأن نجاح المجلس وصموده في مواجهة التحديات والأحداث التي شهدتها منطقة الخليج في العقدين الماضيين دليل واضح على عزيمة وإصرار الدول الست للحفاظ على هذا التجمع والتصدي لكل ما من شأنه الإخلال بهذا الترابط الذي تمليه المصالح العليا ووحدة المصير).
إن المواقف الموحدة لدول المجلس تجاه القضايا والمتغيرات العالمية كافة خير دليل على تماسك وقوة المجلس في المضي قدماً لتعزيز مسيرته في كل المجالات بتوفر الإرادة والعزيمة. وإذا كان لكل قمة خليجية خصوصيتها، فإن قمة مسقط عملت على تهيئة المزيد من الفرص لدعم وتطوير مسيرة التعاون القائم، إضافة إلى التعاطي مع المستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية، خاصة أن القادة الخليجيين استعرضوا كافة ما تواجهه المنطقة من تحديات سياسية واقتصادية، منها ما هو قديم وما هو حديث لم تشهده المنطقة والعالم سوى من أشهر قليلة مثل ظاهرة القرصنة البحرية والأزمة المالية العالمية. ومن هذه التحديات:
التحدي الأول – القضية الفلسطينية:
فمما لا شك فيه أن حالة عدم الاستقرار، التي يمر بها العالم العربي ومن ثم منطقة الخليج منذ عقود عدة كانت في بعض جوانبها من إفرازات ونتائج الفشل في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على أرضه. ومن هنا، فليس مطلوباً أن تتحول القضية إلى شماعة لتعليق الأخطاء. والمهم هو العمل على فضح ممارسات استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية، وكيف ترفض إسرائيل مساعي السلام، وعدم جديتها في مفاوضات الحل النهائي الجارية مع الفلسطينيين، لأن كل هذا من شأنه أن يترك شعوراً بالانزعاج من قبل المجتمع الدولي حيال المواقف الإسرائيلية التي تؤثر في فرص إيجاد حل عادل ودائم ودفع الجهود السلمية.

قمة مسقط اعتمدت اتفاقية الاتحاد النقدي ومجلس النقد تمهيداً لإطلاق العملة الموحدة في موعدها
ومن الأجدى أن تعمل الدبلوماسية الخليجية بقوة على حث الأطراف الدولية المؤثرة للضغط على إسرائيل للقبول بقرارات الشرعية الدولية، وتنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين، وصولاً إلى إنهاء احتلالها للأراضي التي احتلتها عام1967، بما فيها القدس الشريف، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة فوق أرضه، وإعادة الأراضي السورية المحتلة في الجولان، وما تبقى من الأراضي اللبنانية، وذلك في إطار التزام عربي بما ورد في مبادرة السلام العربية، التي تدعو إلى صيغة سلام عادل، تضمن الأمن لإسرائيل.
كان هذا العرض سرداً يتعلق بالآمال في ضوء التطورات المتسارعة سياسياً وتمثل هذا في عدوان إسرائيلي غاشم على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ولم يتوان قادة الخليج في إدانة الانتهاكات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، محذرين من مغبة السكوت عن هذا الوضع الخطير، وحملوا إسرائيل كامل المسؤولية عنه. فقد حظيت القضية الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط بنقاش واسع في الجانب السياسي من مباحثات القمة، خاصة في ضوء الأحداث المؤلمة الجارية في قطاع غزة وما يجري من تدمير تمارسه آلة القتل العسكرية الإسرائيلية دون أي وازع من ضمير أو اعتبارات إنسانية أو قوانين الشرعية الدولية. ومن ثم قرر القادة إجراء اتصالات عاجلة بالدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن لكي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته. وطالب المجلس إسرائيل بالكف عن ممارسة غطرسة القوة والتنكيل بأبناء الشعب الفلسطيني الأعزل وفك الحصار الجائر المفروض على كافة الأراضي الفلسطينية بما فيها قطاع غزة. وأكد المجلس أن الوحدة الوطنية الفلسطينية هي الحصن والدرع الواقية التي تحمي الشعب الفلسطيني، داعياً كافة الفصائل الفلسطينية إلى لم الشمل وتوحيد الكلمة في هذه المرحلة الحرجة التي تمر بها القضية الفلسطينية ضماناً لوحدة أراضيه واستعادة حقوقه المشروعة وإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية. ومن هذا المنطلق، وأعربت القمة الخليجية عن أملها في أن يولي الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما القضية الفلسطينية وعملية السلام في الشرق الأوسط أولوية قصوى في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية وبما يؤدي إلى الوفاء بالالتزامات والوعود بإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة تعيش في أمن وسلام إلى جانب دولة إسرائيل والعمل على التوصل إلى سلام دائم وعادل وشامل في منطقة الشرق الأوسط.
التحدي الثاني – الأوضاع في العراق:
ويتعلق يما خلقته الحرب في العراق من تطورات وكيف أدى ذلك إلى نشوء واقع جديد في المنطقة. وكيف يتم تقييم هذا الواقع من زاوية العلاقات الخليجية – العراقية، وأيضاً من زاوية العلاقات العربية – الإيرانية. فالأوضاع في العراق تزيد من عوامل القلق التي تعاني منها المنطقة والخليج تحديداً. فهذه الأوضاع على الرغم من التحسن النسبي في المناخ الأمني وانخفاض وتيرة العنف، تشكل هاجساً مقلقاً، يستدعي بذل مزيد من الجهد حتى يستعيد العراق عافيته، ودوره الإقليمي ومكانته كعامل فاعل من عوامل الاستقرار في المنطقة.
وإذا كان العراق يمر حالياً بمخاض سياسي صعب ومعقد، فإن معاناة الشعب العراقي تدعو إلى توجيه نداء لمختلف القوى السياسية العراقية من أجل العمل على تضييق الهوة وتجنب التشديد على النظرة الضيقة والتركيز على التعايش وتعزيز المواطنة والمصلحة الجماعية للمواطنين والوطن لتمهيد الطريق أمام عراق حر ومستقر ومتسامح.
ومن هذا المنطلق، فإن هناك حاجة ماسة لدفع الموقف الخليجي نحو مزيد من الإيجابية في التعامل مع الأوضاع الخطيرة التي يمر بها العراق بمساندة شعبه وحكومته للخروج من دائرة العنف، وتشجيع جميع مكونات الشعب العراقي وأطيافه على الانخراط بالعملية السياسية، التي تستهدف الحفاظ على هويته العربية ووحدته وسيادته واستقلال أراضيه. علماً بأن الابتعاد العربي عن العراق أدى إلى انفراد بعض القوى الإقليمية بقدرة التأثير في الساحة العراقية، بهدف عزل العراق عن محيطه العربي.
ومن خلال هذا الفهم لمخاطر إبعاد العراق عن دائرته الخليجية والعربية، ومن منطلق الإحساس بالمسؤولية القومية، على الخليج المساهمة في مساعدة الحكومة العراقية على تنفيذ خطط إعادة الإعمار والبناء وتحسين الوضع الأمني، والعمل على فتح سفارات في بغداد كجزء من التزام خليجي بالدعم السياسي والمعنوي للجهود المبذولة على الصعيد الأمني، وتشجيع فئات الشعب العراقي كافة على نبذ كل أشكال العنف الطائفي والمذهبي. ومن شأن هذا أن يكون له تأثير واضح في مسار الأحداث في العراق، ويشكل عاملاً من العوامل المساعدة للحكومة العراقية في استعادة الأمن والاستقرار.
والأمل هو ألا يكون العراق ساحة لاختبار القوى في المنطقة، وأن يلتزم الجميع بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، لأن عراقاً آمناً ومستقراً هو في مصلحة الجميع وفي مصلحة الأمن الإقليمي، وأن أي محاولة لاستثمار الاضطراب الأمني والخلاف السياسي في العراق ستطال شروره الجميع. وهنا نقول إن قمة مسقط متسقة مع الواقع الجديد الذي يعيشه العراق وضرورة احترام وحدته وسيادته واستقلاله وعدم التدخل في شؤونه الداخلية والحفاظ على هويته العربية والإسلامية، لأن تحقيق الأمن والاستقرار يتطلب الإسراع في تحقيق المصالحة الوطنية العراقية لإنجاح العملية السياسية الشاملة والتي يجب أن تستوعب جميع أبناء الشعب العراقي من دون استثناء أو تمييز.
التحدي الثالث- الموقف حيال إيران:
وينقسم إلى ثلاثة مرتكزات أساسية هي:
1- احتلال الجزر الإماراتية، فعلى الدبلوماسية الخليجية الارتكان إلى المنطق الإماراتي في التعامل مع هذه الأزمة، وهو تعاط يحتكم إلى العقل وحسن الجوار في مطالبها باستعادة جزرها الثلاث المحتلة (أبو موسى وطنب الكبرى والصغرى). هذا رغم الإجراءات الإيرانية الأخيرة وعدم تجاوب طهران مع الدعوات السلمية الإماراتية والخليجية والعربية. ويتوقف التساؤل على كيفية إقناع إيران بتبني مواقف أو خطوات تتجاوب مع اليد السلمية التي تمدها الإمارات والمبادرات الخليجية والعربية المتتالية في هذا الشأن. ومن نافلة القول إن الإمارات لا تتعاطى مع حقوقها الثابتة بالجزر على شكل ردات فعل، بل لديها منهج واضح، يقوم على مجموعة من الأسس الثابتة، أبرزها التمسك بخيار التسوية السلمية لهذا النزاع، عن طريق تحكيم مبادئ الشرعية الدولية ومبادئ وأحكام القانون الدولي وقبول التحكيم أو الدخول في مفاوضات ثنائية جادة، وهي أسس لم تتبدل أو تتغير على الرغم من كل الإجراءات والعقبات التي اعترضت المسعى السلمي للإمارات. ويجدر القول أيضاً، إنه على الدبلوماسية الخليجية العمل على توظيف المتوفر من العلاقات بين الطرفين في دفع المساعي السلمية لحل النزاع على الجزر، لأن حل هذا النزاع بشكل عادل من شأنه توسيع آفاق التعاون بين دول الخليج والإمارات من جهة وإيران من جهة أخرى وتحسين مناخ الأمن والاستقرار في المنطقة برمتها. أما الرهان على فرض واقع معين على الأرض فهو رهان خاسر، ولن يؤدي إلى أي نتيجة، ذلك بأنه لن يثني الخليجيين طال الزمن أو قصر عن الاستمرار في المطالبة بحقوقهم المشروعة والعادلة في الجزر.
2- تزايد حجم التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، خاصة في ما يتعلق بملف إيران النووي وتهديد إيران بإغلاق مضيق هرمز، مما قد يدفع دول الخليج إلى البحث عن بدائل لعبور الناقلات النفطية، التي تحمل صادراتها من النفط الخام للعالم. هذا مع ضرورة دراسة كيف تقرأ القيادات الإيرانية المخاطر التي تهدد المنطقة في حال اندلاع أي حرب. وتجدر الإشارة إلى أن مضيق هرمز الذي تهدد إيران بإشعاله عند كل أزمة مع الولايات المتحدة، هو الممر المائي الحيوي للاقتصاد الدولي، وهو أحد مفاتيح الأمن والاستقرار ليس للمنطقة فحسب، بل للعالم أجمع. ولذلك فإن مسؤولية تأمين سلامة الملاحة عبره هي مسؤولية دولية، وبالتالي فإنه من غير الملائم أن يصبح هذا الممر الحيوي موضوع مزايدات سياسية.
ولا تزال دول الخليج تعول على نجاح المساعي الدولية المتعددة الأطراف لإقناع إيران بالتجاوب مع ما يريده المجتمع الدولي، وبما يتفق مع التزاماتها وفق عضويتها في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ولتبديد أي مخاوف أو شكوك حول طبيعة وأغراض برنامجها النووي، على الرغم من القلق الذي نشعر به إزاء استمرار وتصاعد أزمة الملف النووي الإيراني. ويستلزم هذا الفهم الخليجي لطبيعة الصراع المشار إليه الدعوة إلى مواصلة النهج السياسي والدبلوماسي بعيداً عن أي تصعيد أو انفعال، وذلك للتوصل إلى اتفاق سلمي يكفل الأمن والاستقرار لدول المنطقة وشعوبها.
3- موقف إيران الداعي إلى خروج القوات الأجنبية من منطقة الخليج، فإيران تعلن أن الوقت قد حان لخروج هذه القوات لأن الأمن والاستقرار في الخليج يجب أن توفرهما دول المنطقة، وأن دول المنطقة مدعوة لمشاركة جماعية لاستتباب الأمن في ربوع الخليج. وهذا يدفعنا للرد استدلالاً بالمواقف الإيرانية المتناقضة. فطهران تعلن باستمرار أن وجهة نظرها تقوم أساساً على أهمية التعاون الجماعي في ربوع الخليج. وعلى هذه الخلفية، فلا بد وفقاً لوجهة نظرها من القيام سوياً مع دول مجلس التعاون الخليجي بمناورات دفاعية عسكرية وتمارين مشتركة من أجل الارتقاء بالقدرات والإمكانيات المتاحة لدول المنطقة. لكن واقع الحال يؤكد أن إيران تفعل عكس ما تردده وتقوله والوقائع كثيرة على ذلك، وقد تعلم الخليجيون كثيراً من دروس التاريخ.
والقاعدة تقول إن الأمن والاستقرار يتحققان من خلال علاقات جيدة متوازنة واحترام متبادل للسيادة والمصالح، لكن يغيب هذا الوعي عن البعض الذي يعتقد أن الأمن يتحقق بتعزيز القدرات العسكرية والتسابق نحو امتلاك الأسلحة المتطورة، ومن هنا يطرأ للذهن مباشرة تساؤل (ما هي الاستراتيجية الدفاعية التي تعول عليها الدول الخليجية؟). والإجابة تؤكد أن الدول الخليحية تلتزم بالوقوف دائماً ضد محاولات إقحام المنطقة في سباق التسلح، مع عدم الانتقاص من حقها في امتلاك أسلحة متطورة تخدم الاستراتيجية الدفاعية التي تعتمدها، والقائمة على أساس توفير مقومات الدفاع عن مصالحها الحيوية والإسهام بدورها كجزء من مكونات الأمن والاستقرار في المنطقة.
ومن هذا المنطلق، فإن الرؤية الخليجية تشير إلى أن امتلاك أسلحة متطورة يجب ألا يكون سبباً في تغذية النزعة العدوانية، بل وسيلة لتحسين قدرة القوات المسلحة، وتمكينها من مواكبة التقنيات العسكرية الحديثة، بما يتناسب مع احتياجات الدول الخليجية الدفاعية على المستويين الوطني والإقليمي، مع ضرورة الإشارة إلى الدعوة إلى جعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج العربي منطقة خالية من هذه النوعية من الأسلحة، لأن هذا أفضل ضمان للأمن والاستقرار، والتأكيد على أن الاستقرار يكمن أيضاً في إيجاد حلول عادلة للأزمات الراهنة في المنطقة وفق قرارات ومبادئ الشرعية الدولية، وعلى قاعدة احترام المصالح وحسن الجوار. أما التسابق لامتلاك أسلحة الدمار الشامل في ظل استمرار الأزمات الحالية، فإنه يزيد من أجواء التوتر، ويقوي النزعات العدوانية.
قمة مسقط عملت على تهيئة المزيد من الفرص لدعم وتطوير مسيرة التعاون القائمة
وعلى مستوى قمة مسقط، لم تتوان دول الخليج في التأكيد على أهمية الحوار الهادف لبناء الثقة وتعزيز العلاقات بين دول المجلس وإيران في كافة المجالات وبما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة، والتأكيد أيضاً على دعم حق السيادة لدولة الإمارات العربية المتحدة على جزرها الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى) وعلى المياه الإقليمية والإقليم الجوي والجرف القاري والمنطقة الاقتصادية الخالصة للجزر الثلاث باعتبارها جزءاً لا يتجزأ من دولة الإمارات. واستمر القادة الخليجيون في دعوتهم إيران إلى الاستجابة لمساعي دولة الإمارات لحل القضية عن طريق المفاوضات مباشرة أو اللجوء إلى محكمة العدل الدولية.
وإذا انتقلنا إلى الملف النووي الإيراني، فقمة مسقط أكدت أهمية الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية وموقفها الداعي إلى حل هذه الأزمة بالطرق الدبلوماسية، مع الأمل في أن يتم التوصل إلى تسوية دبلوماسية وبما يعزز الاستقرار الإقليمي والدولي، ولم تغفل القمة المطالبة بجعل منطقة الشرق الأوسط بما فيها منطقة الخليج خالية من الأسلحة النووية ومن كافة أسلحة الدمار الشامل مع الإقرار بحق دول المنطقة بامتلاك تقنية نووية للاستخدامات السلمية وفي إطار الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
التحدي الرابع- الأزمة المالية والاقتصادية العالمية:
فمع احتمال تعرض عوائد النفط لاهتزازات كبيرة بسبب انخفاض الأسعار، أصبحت دول الخليج أمام تحد خطير يرتبط بضرورة تأمين مستقبل الاقتصاد والحفاظ على ما تحقق من إنجازات خليجية في هذا المضمار.
بداية، فإن دول الخليج مرت بتجارب سابقة من اهتزازات وتذبذبات في سوق النفط وتعاملت في أوقات سابقة مع اهتزازات تدنت فيها الأسعار إلى أقل مما هي عليه الآن، ويعمل الخليجيون ضمن إطار منظمة الأوبك لمواجهة أية سلبيات من شأنها التأثير في استقرار الأسواق العالمية. ومن هنا، فإن الدول الخليجية تعمل على تنويع مصادر الدخل من خلال بعض الاستثمارات الداخلية والخارجية ضمن سياسة استثمارية رشيدة لضمان بقاء هذه الاستثمارات كعنصر دخل مستدام للأجيال القادمة. وتؤكد طبيعة الأزمة أنه يمكن للدول الخليجية أن تلعب دوراً فائق الأهمية في هذه الفترة من الأزمة المالية العالمية. فلديها أولاً القدرات المالية نتيجة لامتلاكها النفط والموارد الطبيعية الأخرى، وبالتالي هي دول ثرية قادرة على مساعدة الدول الفقيرة، وبإمكانها تقديم المساعدات والمساهمات السخية جداً لأجندة التنمية والتي لها أهداف أمنية أيضاً. كما يوجد نوع من التحول في موازين القوى وأدوار اللاعبين الكبار على الساحة العالمية بسبب الأزمة الاقتصادية، ومن شأن هذا أن تبرز الدول الخليجية كقوى اقتصادية عملاقة بعكس التقديرات المتشائمة التي تتوقع تراجع معدلات النمو في هذه الدول بصورة كبيرة. فالواقع يشير إلى أنه في السنوات المقبلة ستكون القوى الإنتاجية الكبرى هي الدول النامية المتطورة في إشارة إلى دول الخليج.
ومن نافلة القول الإشارة إلى أن اقتصادات الدول الخليجية تتمتع بمعدلات نمو عالية، ومن المتوقع أن تستمر هذه المعدلات العالية رغم الأزمة المالية العالمية من خلال استفادة هذه الدول من الفوائض المالية التي حققتها خلال السنوات الخمس الماضية، فضلاً عن التأثيرات والانعكاسات الإيجابية للسياسات المتحفظة التي انتهجتها المؤسسات المالية الخليجية في مواجهة الأزمة المالية العالمية، وأدى ذلك إلى حماية اقتصادات المؤسسات المالية الخليجية من أي آثار سلبية نتيجة تلك الأزمة، بالإضافة إلى أن وجود آليات للتكامل الاقتصادي يوفر مجالاً عملياً للتعاون والتنسيق بين دول المجلس لمواجهة آثار التنمية والحفاظ على معدلات النمو العالية التي تتمتع بها دول المجلس منذ سنوات.
ولهذا، فقد حظيت الأزمة المالية العالمية بنصيب الأسد في مباحثات القادة في قمة مسقط، انطلاقاً من الإدراك العميق لأهمية وضرورة تفعيل الرؤية المشتركة بين دول المجلس والانتقال بها إلى المراحل التي تخدم مصالح وشعوب دول مجلس التعاون في الحاضر والمستقبل، لا سيما أن الأزمة العالمية تحتم على دول المجلس تحصين اقتصاداتها لمساعدتها على تجاوزها بأقل الخسائر، علماً بأن لدول مجلس التعاون من المعطيات ما يساعدها على تخطي هذه الأزمة بسلام، رغم ارتباط اقتصادات دول مجلس التعاون بالاقتصاد العالمي بصورة كبيرة.
ومما يؤكد أهمية العامل الاقتصادي في قمة مسقط هو اعتماد قادة دول مجلس التعاون اتفاقية الاتحاد النقدي ومجلس النقد تمهيداً لإنشاء البنك المركزي الخليجي وإطلاق العملة الموحدة في موعدها، وستشكل العملة الخليجية خطوة عظيمة الشأن، وتعني الوصول إلى أقصى مراحل التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وذلك في ضوء ما توفره السوق الخليجية المشتركة من حرية تنقل القوى العاملة ورؤوس الأموال بين دول الخليج مع منح مواطنيها حقوقاً متساوية في المناحي الاقتصادية كافّة. والمعروف أن انطلاقة السوق الخليجية المشتركة تزامنت مع حلول عام 2008 كخطوة رئيسية على صعيد التكامل الاقتصادي بين دول مجلس التعاون، وقد شكلت مطلباً حيوياً للمضي في مشروع الاتحاد النقدي الخليجي وطرح العملة الخليجية الموحدة.
وإذا كانت السوق الخليجية المشتركة صغيرة نسبياً من منظور عالمي رغم إمكانياتها الضخمة على المستوى الإقليمي، فإن تدشين الاتحاد النقدي وتوحيد السياسات الاقتصادية والمالية وطرح العملة الموحدة، ستسهم في تعزيز مكانة دول الخليج على الخريطة الاقتصادية العالمية نتيجة لحجم تجارتها وعلاقاتها الاستثمارية مع بقية الدول. وستجني دول الخليج حينها ثمار الاتحاد النقدي المتمثلة في تقوية الموقف التفاوضي، وتعزيز المكانة الاقتصادية، واتساع حجم السوق، وتراجع تكلفة المعاملات، وتنامي حجم الاستثمارات البينية. لذا، وجبت الإشارة إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الخليجي لعام 2007 بلغ نحو 1.5 في المائة من الناتج العالمي، في حين أن صادراتها ووارداتها شكلت نحو 4 و2.1 في المائة من مستواها العالمي على التوالي. وعلى الرغم من الزيادة الملحوظة في السنوات الأخيرة، فإن تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إليها ما زال متواضعاً، وبلغ في 2007 نحو 43 مليار دولار، أي ما دون 2.4 في المائة من إجمالي تدفق الاستثمارات العالمية.
ارتأت قمة مسقط ضرورة إجراء تنسيق وتعاون إقليمي ودولي لمواجهة ظاهرة القرصنة
التحدي الخامس- ظاهرة القرصنة البحرية:
إن منطقة خليج عدن وبحر العرب تتعرض لظاهرة خطيرة وهي القرصنة بما يؤثر في حركة التجارة العالمية بالنسبة للنفط المتجه من البلدان العربية وإيران إلى الأمريكتين وأوروبا غرباً وشرقاً وإفريقيا. وعلى منطقة الخليج أن تدرك جذور هذه الظاهرة ونشأتها وأسباب تضخمها المتسارع في وتيرته، والآليات الممكنة لمواجهتها في الأجل القصير والأجل الطويل، وتعود كلها إلى صراعات القبائل وأمراء الحرب في الصومال التي تحولت أراضيها إلى بؤر إرهابية أدت إلى تنامي عمليات السطو على السفن في منطقة بحر العرب وخليج عدن من قبل قراصنة محترفين أو عسكريين صوماليين سابقين كانوا ضمن القوات البحرية الصومالية، وتكمن خطورة الظاهرة حتى الآن في عدم مواجهتها بأي ردع إقليمي أو دولي مما أغرى القراصنة بالتوسع ووفر لهم الأموال الضرورية لتوسيع نطاق أعمالهم وتطويرها وشراء المعدات المتطورة الضرورية لها. كما أن الفقر المدقع الذي يعاني منه شعب الصومال في ظل غياب الدولة وفي غيبة أي عملية منظمة للتنمية الاقتصادية وللضمان الاجتماعي، جعل المجتمع الصومالي مستعداً لاحتضان المجموعات الإجرامية عسى أن يناله من عائداتها شيء.
كما ناقشت قمة مسقط هذه المسألة الحيوية بصورة مستفيضة، ورأت أن الحل يكمن في استعادة الصومال عافيته واستقراره، مع مطالبة جميع الأطراف بوقف العنف والتخلي عن كافة العمليات التي تضع العراقيل في طريق جهود المصالحة الوطنية، والالتزام بالاتفاقيات والتعهدات التي تم توقيعها في مدينة جدة السعودية والهادفة إلى وضع حد للمعاناة الإنسانية وتوفير الأمن والاستقرار والرخاء لأبناء الشعب الصومالي الشقيق. فقمة مسقط قد وضعت يدها على أصل الداء، ولم تعمل على مجرد استخدام الكلمات والتعبيرات الفضفاضة، لكنها أدركت مكمن الخطورة، وعلى أمل بعودة دولة الصومال مرة أخرى للحياة، فهي السبيل إلى سلامة الملاحة البحرية في خليج عدن وقبالة السواحل الصومالية التي تشهد تنامي ظاهرة القرصنة حالياً. بيد أنه إذا كان هذا الحل بعيد المنال في الوقت الراهن، فقد ارتأت قمة مسقط ضرورة إجراء تنسيق وتعاون إقليمي ودولي لمواجهة ظاهرة القرصنة بمختلف الوسائل الكفيلة بالقضاء عليها في إطار قرار مجلس الأمن الدولي.
أي محاولة لاستثمار الاضطراب الأمني والخلاف السياسي في العراق ستطال شرورها الجميع
تخطي مرحلة الآمال إلى الواقع
كل ما سبق كان حديثاً عن الآمال، ولكم كان الواقع منسجماً مع هذه التوقعات،فقد خرجت القمة بالعديد من القرارات المهمة، لعل أبرزها الموافقة على تدشين الاتحاد النقدي والعملة الخليجية الموحدة بما يؤكد التجاوب مع وآمال شعوب دول المجلس في تحقيق تعاون وتكامل خليجي حقيقي، لا سيما أن القمة عقدت وسط تحديات إقليمية كثيرة وظروف دولية صعبة وسبقتها تطلعات خليجية بتجاوز هذه التحديات بأقل الخسائر.
وإذا جاز لنا تقييم مدى نجاحها في تحقيق آمال وتطلعات الخليجيين، وهل نجحت القمة بالفعل في تحقيق هذه الآمال؟ فنقول أن قمة مسقط اتسمت بخصوصية فريدة نظراً لكثرة التحديات كما سبق وذكرنا،وبدا كأن الرأي العام الخليجي يضع أمام القادة الخليجيين في هذه القمة كشف حساب لمسيرة مجلس التعاون الخليجي مع مطالبتهم بقرارات فعالة لدفع عجلة التعاون الاقتصادي بين دول المجلس وإزالة الحواجز التي تحول دون تحقيق التكامل بينها،ويؤكد الواقع الآن بعد ساعات من اختتام قمة مسقط أنها ستمثل بداية مرحلة جديدة للعمل الخليجي المشترك وأيضاً بداية جادة لتحقيق الإنجازات،فقد خرجت القمة بالعديد من القرارات والنتائج المهمة.
ومن الآمال إلى الواقع أيضاً الذي نتحدث عنه، فقد اهتمت قمة مسقط بدراسة الأزمة المالية من كافة جوانبها وأبعادها وتداعياتها وتأثيراتها الاقتصادية، وحسناً فعلت القمة لدى توجيهها اللجان الوزارية المختصة بتكثيف التنسيق بين الدول الأعضاء لاتخاذ التدابير الكفيلة للحد من آثارها السلبية في اقتصادات دول المجلس. ليس هذا فحسب، فقد كلفت القمة أيضاً اللجنة الوزارية المعنية للعمل على كل ما من شأنه أن يسهم في استقرار أسعار النفط بما يحقق التوازن المنشود والمصالح المشتركة للدول المنتجة والمستهلكة. ومن شأن هذا التوجه، أن يعمل على استقرار أسعار النفط وتجنب تداعيات الأزمة المالية العالمية بقدر الإمكان، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن القادة الخليجيين لا يألون جهداً من أجل رفاهية الشعوب الخليجية، وبما يضمن مستقبلاً زاهراً للأجيال القادمة.
وختاماً ربما لم نشر إلى مجمل التحديات التي تواجه منطقة الخليج ومستقبلها، لكن نقول إنه لا سبيل لتحقيق توازن إقليمي من دون حل للنزاعات والصراعات التي تشهدها منطقة الخليج التي شهدت خلال السنوات الماضية أزمات سياسية وأمنية وعسكرية أدت إلى اضطراب وتغييرات دراماتيكية في موازيين القوى الإقليمية كان الخاسر الأكبر فيها الجانب العربي نتيجة للسياسات الخاطئة للدول الكبرى وخاصة الولايات المتحدة. ولن يتم إصلاح ذلك الخلل إلا من خلال إيجاد توازن إقليمي في الشرق الأوسط والخليج، والعمل على إيجاد تعاون إقليمي تسانده الدول الإقليمية، ويتطلب هذا توفير شروط التعاون القائم على حل كل النزاعات الإقليمية حلاً عادلاً ودائماً وفي طليعتها بالطبع القضية الفلسطينية. وليس هذا فقط، فهناك تأثيرات عالمية في المنطقة يتعين التخلص منها مثل زج المنطقة في صراعات جديدة وعلى حساب الأمن الإقليمي، مما يستلزم من التكتلات العالمية مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التخلي عن سياسة الإملاءات والانفراد بسياسات لا تخدم مصالح دول منطقة الخليج، الأمر الذي يدفع بالتالي إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة.
ومن هنا، تركزت رسالة الخليج إلى الولايات المتحدة في ظل الإدارة الأمريكية الجديدة على ضرورة الإسراع في إنهاء تسوية النزاع العربي-الإسرائيلي وإعلان الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، والضغط على إسرائيل من أجل وقف الاستيطان وآلة الحرب الشرسة ضد الفلسطينيين، لأن هذا من العوامل الرئيسية التي تثير عدم الاستقرار في المنطقة وتعمل على استمرار العنف والإرهاب.
بالإمكان القول إن من أهم مكتسبات القمة الخليجية التاسعة والعشرين، هو ما أثبتته من قدرة على التجاوب مع آمال المواطن الخليجي على الأقل في حل الصعاب التي تراكمت على طريق تحقيق المواطنة الخليجية والسوق المشتركة وبعض مجالات التعاون والتكامل الأخرى. هذا مع الأخذ في الاعتبار أن كل التجمعات الإقليمية في العالم تصادف في مسيرتها العديد من الأمور التي تقف حائلاً في استكمال بعض مجالات التعاون المستهدف، وذلك لظروف قد تكون خارجية وأخرى داخلية تتعلق بكل دولة. لكن هذا لا يعني قبول الأمر الواقع، فالتعاون في إطاره المتكامل يعتبر هدفاً لا بد من الوصول إليه آخذاً في الاعتبار الكيفية التي تتناسب وقدرات الدول الأعضاء في تذليل أي صعاب، وهذا هو النهج الذي يسير عليه مجلس التعاون منذ تأسيسه.
::/fulltext::
::cck::1796::/cck::
