النفط وآثار الأزمة المالية العالمية في منطقة الخليج العربية

::cck::1209::/cck::
::introtext::

لاشك في أن اللعب على أسعار النفط كان دائماً حاضراً في الدوائر السياسية العالمية ودهاليزها التي لا نرى منها سوى إشارات تظهر باستمرار في أجواء المنطقة العربية عموماً ومنطقة الخليج العربية خصوصاً، تقابلها سياسات محلية بعضها يدرك العمق الاستراتيجي لأبعاد اللعبة الدولية، وبعضها الآخر لايعبر عن حقائقها إلا بما يمكن أن يظهر مباشرة من توقعات آنية ومستقبلية تحتمها العلاقات الدولية الراهنة والتي ترسم ملامحها الولايات المتحدة الأمريكية ومراكزها الأساسية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها إسرائيل، بحيث تدار السياسة تجاه المنطقة بما يحقق المصالح الأمريكية والغربية وبما يضمن لها الاستمرار وفق مقياس الزمن المرتبط بوجود النفط.

::/introtext::
::fulltext::

لاشك في أن اللعب على أسعار النفط كان دائماً حاضراً في الدوائر السياسية العالمية ودهاليزها التي لا نرى منها سوى إشارات تظهر باستمرار في أجواء المنطقة العربية عموماً ومنطقة الخليج العربية خصوصاً، تقابلها سياسات محلية بعضها يدرك العمق الاستراتيجي لأبعاد اللعبة الدولية، وبعضها الآخر لايعبر عن حقائقها إلا بما يمكن أن يظهر مباشرة من توقعات آنية ومستقبلية تحتمها العلاقات الدولية الراهنة والتي ترسم ملامحها الولايات المتحدة الأمريكية ومراكزها الأساسية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها إسرائيل، بحيث تدار السياسة تجاه المنطقة بما يحقق المصالح الأمريكية والغربية وبما يضمن لها الاستمرار وفق مقياس الزمن المرتبط بوجود النفط.

اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تتمتع بمرونة عالية في الأزمة الائتمانية العالمية 

إذا كانت أسعار النفط تؤشر لدى البعض خلال حقبة السبعينات إلى انتصار للدول المنتجة إلا أن حقائق الواقع كشفت نتائج جديدة عكسية تماماً، واتضح أن ذلك كان نتيجة لسياسة عالمية تريد أن تضع المجتمعات النامية، ولاسيما النفطية منها، أمام واقع اقتصادي استهلاكي لا تقدر على مواجهته، بل حتى تلك المليارات من الدولارات لم تتمكن من تقديم العلاج اللازم للاقتصادات الوطنية المحلية طالما أنها خارج خريطة الإنتاج الصناعي، وقد كشف الخبير الدولي في شؤون النفط وسياساته الدكتور أحمد زكي يماني وزير النفط السعودي الأسبق في محاضرة قدمها مؤخراً في القاهرة عن النفط ووسائل الطاقة الأخرى حينما أوضح موقفه إزاء أسعار النفط خلال السبعينات وكيف خالف فكرتها التي كان من يعارضها ينعت من قبل الدول العربية اليسارية آنذاك بالشخص المنحاز إلى جانب الغرب الاستعماري، وحينما كانت إيران الشاه آنذاك لها موقف من ارتفاع أسعار النفط أرسله الملك فيصل (رحمه الله) إلى شاه إيران حول هذه القضية، وجد أن هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك كان يضغط على شاه إيران كي يرفع  سعر النفط وهو خلاف ما كان يمارسه من ضغط على الدول الخليجية لخفض أسعار نفطها، وكشف هذه المعلومة يدل على حقيقة علمية آمن بها الدكتور يماني وهي أن ارتفاع أسعار النفط نفسها كانت بإرادة سياسية كي تدخل الدول النامية ومنها المنتجة للنفط في حقبة اقتصادية لا تقدر على مواجهتها نتيجة لارتفاع أسعار السلع الغربية لتأخذ ارتفاعاً خطيراً في السوق العربي المستهلك الكبير لها، فضلاً عن إدامة بحثها عن مصادر ووسائل أخرى للطاقة وهو ما بدأ يتصاعد فعلاً في الآونة الأخيرة إبان الارتفاع العالي لأسعار النفط، وهنا إذا جاز لنا ربط ذلك بما يجري حالياً من تفاقم الأزمة المالية وتأثيرها في اقتصاد الدول الخليجية، بأهداف سياسية لها علاقة بالصراعات الدائرة بين الغرب من جهة وأطراف عدة في العالم من جهة أخرى مما قد يجعل المنطقة تتأثر بأحداث خطيرة قد تحصل في أي لحظة تهدد الأمن القومي العربي بكامله إذا لم توضع سياسات حكيمة نابعة من الذات العربية وتفتح الأوراق بين العرب أنفسهم أولاً وبينهم وبين جيرانهم ثانياً. 

أولاً: أسعار النفط والأزمة المالية

يجد المتتبع لظاهرة ارتفاع أسعار النفط حالة جديدة بدأت تطفو على سطح الاقتصاد العالمي والتي يبدو أنها مرتبطة أصلاً بحيثيات الاقتصاد الحر الذي بدأ يعاني انحساراً خطيراً في المرحلة الراهنة، وإذا كان أحد أهم عوامل ذلك سياسة الحروب الأمريكية ولاسيما بعد أحداث سبتمبر عام 2001 وما تم من رصد أموال ضخمة لمحاربة الإرهاب وتصوير المشهد على أنه يهدد العالم المتحضر صاحب القوة العملاقة في تكنولوجيا المعلومات سواء العلمية أو الاستخبارية، والتي وظفت بشكل أو آخر بأحداث سياسية وعسكرية في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى، أدخل الاقتصاد العالمي في حقبة أزمة جديدة، ولعل ظاهرة ارتفاع أسعار النفط وما قابلها من ارتفاع أسعار السلع المصنعة الغربية وتكاليف المعيشة في الغرب وفي المجتمعات النامية بطريقة مخيفة باتت معها تهدد النسيج الثقافي لهذه المجتمعات وتزيد من معاناتها وتدخلها في أتون صراعات داخلية مما قلل من فرص التقدم الاجتماعي والاقتصادي فيها، بل إن كثيراً من الآمال على المدى القريب تراجعت عما كان متوقعاً في اقتصاداتها، وقد رافق ذلك تزايد مخاوف المجتمع الإنساني من نتائج تلك الأزمة لاسيما أن البعض يرى أن لها أبعاداً سياسية إلى جانب تحكماتها الاقتصادية، وبالمحصلة يمكن القول إن الدول المنتجة للنفط في منطقة الخليج وغيرها من الدول النامية خسرت أكثر من (2500) مليار دولار وهو مبلغ يمكن به تحقيق نهضة علمية وصناعية مميزة على امتداد منطقة الشرق الأوسط. 

ثانياً: الأزمة المالية وانعكاساتها على اقتصاد الخليج العربي

المشكلة الأساسية في منطقة الخليج العربية تكمن في اعتمادها الرئيسي على النفط الذي تتصارع عليه قوى إقليمية وعالمية لتحقيق مشاريع سياسية كلٌ منها له أجندته الخاصة، ولعل من المفيد القول إن هذه المنطقة المسالمة تحاط بأزمات إيديولوجية واقتصادية حادة كلها تقوم على مراهنات ولعب مصالح تتم على حساب المنطقة، الأمر الذي يتطلب من صناع القرار وضع برنامج سياسي استراتيجي يتعامل مع كل المصالح على أساس أن يكون لدول المنطقة دور فاعل وليس على أساس الاعتماد على هذا الطرف أو ذاك، مع حضور الرؤية المتوازنة التي تأخذ كل الاحتمالات بما فيها نتائج الأزمة المالية على اقتصاد الخليج العربي لاسيما أن إمكانية استثمار قوة الاقتصاد الخليجي ممكنة في المرحلة الراهنة إذا أحسنت إدارته.

الاقتصاد الخليجي له قدرة على الممانعة إلا أنه ينبغي عدم الاكتفاء بذلك بل يجب اتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على متانته

وقد أشار تقرير نشره صندوق النقد الدولي حسب ما ورد في موقع (الجزيرة نت)، أن اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تتمتع بمرونة عالية في الأزمة الائتمانية العالمية، لكنه توقع تراجع النمو في عام 2009 كما توقع انخفاض معدل النمو الاقتصادي في منطقة الخليج العربية من (7.1 في المائة) خلال عام 2008 إلى (6.6 في المائة) خلال عام 2009 وتراجع التضخم من (11.5 في المائة) إلى (10 في المائة). ومن جانب آخر إشارت مؤسسة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز إلى مواصلة تلك الدول في تحقيق فوائض بالميزانية حتى إذا وصل سعر النفط إلى (79) دولاراً للبرميل، وأضافت أنه إذا انخفض السعر دون (40) دولاراً للبرميل وظل في هذا النطاق حتى عام 2015م وهو أسوأ التصورات فإن عواصم الدول الخليجية ما عدا أبوظبي ستواجه عجزاً مالياًً، وعلى الرغم من ذلك فإنها ترى أيضاً قوة الميزانيات العمومية للحكومات الخليجية في مواجهة الصدامات السلبية لأسعار النفط، وفي ذلك دلالة على أن الاقتصاد الخليجي له قدرة على الممانعة إلا أنه ينبغي عدم الاكتفاء بذلك بل يجب اتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على متانته، لاسيما وحسب المصدر آنف الذكر أن المملكة العربية السعودية أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم وجاراتها في منطقة الخليج العربية عرضة رغم ذلك لمخاطر تقلب أسعاره في الوقت الذي تمكنت فيه من الاستفادة من ذلك الارتفاع لتحقيق فوائض ضخمة وظفت في البنى التحتية ومشروعات صناعية، وفي ذلك إشارة واضحة إلى انتباه القائمين على الأمر لتوظيف تلك الإيرادات لخدمة بلدانهم إلا أن ذلك وحده لايكفي أيضاً بل يتطلب عملاً سياسياً يضع استراتيجية وطنية للتعامل مع الأزمة بكل أبعادها.

 ثالثاً: المستخلص من الأزمة وتوقعات مستقبلية

ينبغي على دول الخليج العربية توجيه مراكز الأبحاث الاستراتيجية التخصصية بوضع تصوراتها المستقبلية عن الآثار المختلفة التي يمكن أن تتركها هذه الأزمة على الاقتصاد الخليجي آخذة في الاعتبار كل العوامل والدوافع والمتغيرات السياسية التي يمكن أن تلعب دورها في أي لحظة من التاريخ، وتزداد أهمية ذلك أيضاً مع عدم امتلاك المنطقة مبادرة حقيقية لتحقيق نهضة علمية وصناعية تضعها في خضم التوازنات الدولية أو الإقليمية، وعلى الرغم من وجود بعض التوجهات نحو ذلك فإنه ينبغي التأكيد على أنه بالعلم وحده تعالج أزمات المنطقة ابتداء من النسق الأسري إلى الأنساق الفاعلة الأخرى ذات الارتباط العميق بعملية التحول الحضاري وهو ما يجب وضعه ضمن استراتيجية العمل في حساب نتائج الأزمة أو التعامل معها في ظرفها الآني.

والذي يمكن قراءته من إشارات هذه الأزمة ونتائجها الأولية أن هناك مشكلات حقيقية بدأت تظهر في المنطقة ومحيطها الإقليمي يمكن أن تشكل تحديات خطيرة للاقتصاد والنموذج السياسي والحضاري الذي أرست مرتكزاته الدول الخليجية الحديثة في القرن العشرين ولاسيما خلال النصف الثاني منه ولا تزال، ومن جملة تلك المخاوف توقع ظهور صراعات محلية وربما دولية في المحيط الخليجي أو في الجوار العربي الخليجي ولاسيما في اليمن الذي يعاني اقتصاده من مشكلات حقيقية فضلاً عما يمثله نسيجه الاجتماعي والثقافي من حالة نشاط حيوي في مجال ارتفاع نسبة الخصوبة وبالتالي ارتفاع السكان بطريقة سريعة فيه في ظل مفاهيم اجتماعية قبلية، ويمكن أن تكون هذه الخاصية مترافقة مع ارتفاع تكاليف المعيشة في اليمن عاملاً مساعداً على ظهور حركات دينية متطرفة تتخذ من البيئة اليمنية الوعرة مرتكزاً لها، ويمكن أن توظف سلبياً في زعزعة أمن المنطقة، وتظهر خطورة ذلك مع ارتفاع بعض الأصوات السياسية التي تدعو إلى انفصال الجنوب اليمني عن شماله محاولاً كل طرف استثمار هذه الظروف لصالحه مع عدم إغفال حقائق الواقع الصعب المحرك لمثل هذه النوايا وغياب الرؤية السياسية والثقافية التي ينبغي أن تأخذ ذلك في الاعتبار وتتعامل مع قضية الوحدة على أساس اندماج اجتماعي يمني يقوم على المواطنة والحقوق المتكافئة ومنع تسلل أصحاب المصالح الضيقة وبعض المفسدين من أجل إلحاق الضرر بالبلد ووحدته. وفي هذا السياق ينبغي على الدول الخليجية العربية أن تضع هذا المتغير المرتبط بشكل أو آخر بنتائج الأزمة المالية العالمية في الاعتبار، ولعل ما طرحته المملكة العربية السعودية مؤخراً، حسب ما تناقلته بعض وكالات الأنباء، حول ما يمكن أن تقوم به من استيعاب العمالة اليمنية ودعم اليمن يكون حلاً عقلانياً ومنطقياً لحالة خطيرة إذا ما تفاقمت فإن نتائجها السلبية لا تكون على منطقة الخليج وحدها فحسب، وإنما تتعداها إلى مناطق أخرى من الوطن العربي، ومن أجل تحقيق حالة أقوى من الاستقرار ينبغي الوقوف إلى جانب العراق ولملمة جراحه وجعله يتفاعل مع محيطه العربي، وهي مسألة ضرورية لدعم المنطقة بكاملها وجعلها موحدة إزاء أزمة مالية عالمية لها أبعادها المتنوعة.

::/fulltext::

154-590
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1209::/cck::
::introtext::

لاشك في أن اللعب على أسعار النفط كان دائماً حاضراً في الدوائر السياسية العالمية ودهاليزها التي لا نرى منها سوى إشارات تظهر باستمرار في أجواء المنطقة العربية عموماً ومنطقة الخليج العربية خصوصاً، تقابلها سياسات محلية بعضها يدرك العمق الاستراتيجي لأبعاد اللعبة الدولية، وبعضها الآخر لايعبر عن حقائقها إلا بما يمكن أن يظهر مباشرة من توقعات آنية ومستقبلية تحتمها العلاقات الدولية الراهنة والتي ترسم ملامحها الولايات المتحدة الأمريكية ومراكزها الأساسية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها إسرائيل، بحيث تدار السياسة تجاه المنطقة بما يحقق المصالح الأمريكية والغربية وبما يضمن لها الاستمرار وفق مقياس الزمن المرتبط بوجود النفط.

::/introtext::
::fulltext::

لاشك في أن اللعب على أسعار النفط كان دائماً حاضراً في الدوائر السياسية العالمية ودهاليزها التي لا نرى منها سوى إشارات تظهر باستمرار في أجواء المنطقة العربية عموماً ومنطقة الخليج العربية خصوصاً، تقابلها سياسات محلية بعضها يدرك العمق الاستراتيجي لأبعاد اللعبة الدولية، وبعضها الآخر لايعبر عن حقائقها إلا بما يمكن أن يظهر مباشرة من توقعات آنية ومستقبلية تحتمها العلاقات الدولية الراهنة والتي ترسم ملامحها الولايات المتحدة الأمريكية ومراكزها الأساسية في الشرق الأوسط، وعلى رأسها إسرائيل، بحيث تدار السياسة تجاه المنطقة بما يحقق المصالح الأمريكية والغربية وبما يضمن لها الاستمرار وفق مقياس الزمن المرتبط بوجود النفط.

اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تتمتع بمرونة عالية في الأزمة الائتمانية العالمية 

إذا كانت أسعار النفط تؤشر لدى البعض خلال حقبة السبعينات إلى انتصار للدول المنتجة إلا أن حقائق الواقع كشفت نتائج جديدة عكسية تماماً، واتضح أن ذلك كان نتيجة لسياسة عالمية تريد أن تضع المجتمعات النامية، ولاسيما النفطية منها، أمام واقع اقتصادي استهلاكي لا تقدر على مواجهته، بل حتى تلك المليارات من الدولارات لم تتمكن من تقديم العلاج اللازم للاقتصادات الوطنية المحلية طالما أنها خارج خريطة الإنتاج الصناعي، وقد كشف الخبير الدولي في شؤون النفط وسياساته الدكتور أحمد زكي يماني وزير النفط السعودي الأسبق في محاضرة قدمها مؤخراً في القاهرة عن النفط ووسائل الطاقة الأخرى حينما أوضح موقفه إزاء أسعار النفط خلال السبعينات وكيف خالف فكرتها التي كان من يعارضها ينعت من قبل الدول العربية اليسارية آنذاك بالشخص المنحاز إلى جانب الغرب الاستعماري، وحينما كانت إيران الشاه آنذاك لها موقف من ارتفاع أسعار النفط أرسله الملك فيصل (رحمه الله) إلى شاه إيران حول هذه القضية، وجد أن هنري كيسنجر وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك كان يضغط على شاه إيران كي يرفع  سعر النفط وهو خلاف ما كان يمارسه من ضغط على الدول الخليجية لخفض أسعار نفطها، وكشف هذه المعلومة يدل على حقيقة علمية آمن بها الدكتور يماني وهي أن ارتفاع أسعار النفط نفسها كانت بإرادة سياسية كي تدخل الدول النامية ومنها المنتجة للنفط في حقبة اقتصادية لا تقدر على مواجهتها نتيجة لارتفاع أسعار السلع الغربية لتأخذ ارتفاعاً خطيراً في السوق العربي المستهلك الكبير لها، فضلاً عن إدامة بحثها عن مصادر ووسائل أخرى للطاقة وهو ما بدأ يتصاعد فعلاً في الآونة الأخيرة إبان الارتفاع العالي لأسعار النفط، وهنا إذا جاز لنا ربط ذلك بما يجري حالياً من تفاقم الأزمة المالية وتأثيرها في اقتصاد الدول الخليجية، بأهداف سياسية لها علاقة بالصراعات الدائرة بين الغرب من جهة وأطراف عدة في العالم من جهة أخرى مما قد يجعل المنطقة تتأثر بأحداث خطيرة قد تحصل في أي لحظة تهدد الأمن القومي العربي بكامله إذا لم توضع سياسات حكيمة نابعة من الذات العربية وتفتح الأوراق بين العرب أنفسهم أولاً وبينهم وبين جيرانهم ثانياً. 

أولاً: أسعار النفط والأزمة المالية

يجد المتتبع لظاهرة ارتفاع أسعار النفط حالة جديدة بدأت تطفو على سطح الاقتصاد العالمي والتي يبدو أنها مرتبطة أصلاً بحيثيات الاقتصاد الحر الذي بدأ يعاني انحساراً خطيراً في المرحلة الراهنة، وإذا كان أحد أهم عوامل ذلك سياسة الحروب الأمريكية ولاسيما بعد أحداث سبتمبر عام 2001 وما تم من رصد أموال ضخمة لمحاربة الإرهاب وتصوير المشهد على أنه يهدد العالم المتحضر صاحب القوة العملاقة في تكنولوجيا المعلومات سواء العلمية أو الاستخبارية، والتي وظفت بشكل أو آخر بأحداث سياسية وعسكرية في أفغانستان والعراق ومناطق أخرى، أدخل الاقتصاد العالمي في حقبة أزمة جديدة، ولعل ظاهرة ارتفاع أسعار النفط وما قابلها من ارتفاع أسعار السلع المصنعة الغربية وتكاليف المعيشة في الغرب وفي المجتمعات النامية بطريقة مخيفة باتت معها تهدد النسيج الثقافي لهذه المجتمعات وتزيد من معاناتها وتدخلها في أتون صراعات داخلية مما قلل من فرص التقدم الاجتماعي والاقتصادي فيها، بل إن كثيراً من الآمال على المدى القريب تراجعت عما كان متوقعاً في اقتصاداتها، وقد رافق ذلك تزايد مخاوف المجتمع الإنساني من نتائج تلك الأزمة لاسيما أن البعض يرى أن لها أبعاداً سياسية إلى جانب تحكماتها الاقتصادية، وبالمحصلة يمكن القول إن الدول المنتجة للنفط في منطقة الخليج وغيرها من الدول النامية خسرت أكثر من (2500) مليار دولار وهو مبلغ يمكن به تحقيق نهضة علمية وصناعية مميزة على امتداد منطقة الشرق الأوسط. 

ثانياً: الأزمة المالية وانعكاساتها على اقتصاد الخليج العربي

المشكلة الأساسية في منطقة الخليج العربية تكمن في اعتمادها الرئيسي على النفط الذي تتصارع عليه قوى إقليمية وعالمية لتحقيق مشاريع سياسية كلٌ منها له أجندته الخاصة، ولعل من المفيد القول إن هذه المنطقة المسالمة تحاط بأزمات إيديولوجية واقتصادية حادة كلها تقوم على مراهنات ولعب مصالح تتم على حساب المنطقة، الأمر الذي يتطلب من صناع القرار وضع برنامج سياسي استراتيجي يتعامل مع كل المصالح على أساس أن يكون لدول المنطقة دور فاعل وليس على أساس الاعتماد على هذا الطرف أو ذاك، مع حضور الرؤية المتوازنة التي تأخذ كل الاحتمالات بما فيها نتائج الأزمة المالية على اقتصاد الخليج العربي لاسيما أن إمكانية استثمار قوة الاقتصاد الخليجي ممكنة في المرحلة الراهنة إذا أحسنت إدارته.

الاقتصاد الخليجي له قدرة على الممانعة إلا أنه ينبغي عدم الاكتفاء بذلك بل يجب اتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على متانته

وقد أشار تقرير نشره صندوق النقد الدولي حسب ما ورد في موقع (الجزيرة نت)، أن اقتصادات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى تتمتع بمرونة عالية في الأزمة الائتمانية العالمية، لكنه توقع تراجع النمو في عام 2009 كما توقع انخفاض معدل النمو الاقتصادي في منطقة الخليج العربية من (7.1 في المائة) خلال عام 2008 إلى (6.6 في المائة) خلال عام 2009 وتراجع التضخم من (11.5 في المائة) إلى (10 في المائة). ومن جانب آخر إشارت مؤسسة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز إلى مواصلة تلك الدول في تحقيق فوائض بالميزانية حتى إذا وصل سعر النفط إلى (79) دولاراً للبرميل، وأضافت أنه إذا انخفض السعر دون (40) دولاراً للبرميل وظل في هذا النطاق حتى عام 2015م وهو أسوأ التصورات فإن عواصم الدول الخليجية ما عدا أبوظبي ستواجه عجزاً مالياًً، وعلى الرغم من ذلك فإنها ترى أيضاً قوة الميزانيات العمومية للحكومات الخليجية في مواجهة الصدامات السلبية لأسعار النفط، وفي ذلك دلالة على أن الاقتصاد الخليجي له قدرة على الممانعة إلا أنه ينبغي عدم الاكتفاء بذلك بل يجب اتخاذ الإجراءات المناسبة للحفاظ على متانته، لاسيما وحسب المصدر آنف الذكر أن المملكة العربية السعودية أكبر الدول المصدرة للنفط في العالم وجاراتها في منطقة الخليج العربية عرضة رغم ذلك لمخاطر تقلب أسعاره في الوقت الذي تمكنت فيه من الاستفادة من ذلك الارتفاع لتحقيق فوائض ضخمة وظفت في البنى التحتية ومشروعات صناعية، وفي ذلك إشارة واضحة إلى انتباه القائمين على الأمر لتوظيف تلك الإيرادات لخدمة بلدانهم إلا أن ذلك وحده لايكفي أيضاً بل يتطلب عملاً سياسياً يضع استراتيجية وطنية للتعامل مع الأزمة بكل أبعادها.

 ثالثاً: المستخلص من الأزمة وتوقعات مستقبلية

ينبغي على دول الخليج العربية توجيه مراكز الأبحاث الاستراتيجية التخصصية بوضع تصوراتها المستقبلية عن الآثار المختلفة التي يمكن أن تتركها هذه الأزمة على الاقتصاد الخليجي آخذة في الاعتبار كل العوامل والدوافع والمتغيرات السياسية التي يمكن أن تلعب دورها في أي لحظة من التاريخ، وتزداد أهمية ذلك أيضاً مع عدم امتلاك المنطقة مبادرة حقيقية لتحقيق نهضة علمية وصناعية تضعها في خضم التوازنات الدولية أو الإقليمية، وعلى الرغم من وجود بعض التوجهات نحو ذلك فإنه ينبغي التأكيد على أنه بالعلم وحده تعالج أزمات المنطقة ابتداء من النسق الأسري إلى الأنساق الفاعلة الأخرى ذات الارتباط العميق بعملية التحول الحضاري وهو ما يجب وضعه ضمن استراتيجية العمل في حساب نتائج الأزمة أو التعامل معها في ظرفها الآني.

والذي يمكن قراءته من إشارات هذه الأزمة ونتائجها الأولية أن هناك مشكلات حقيقية بدأت تظهر في المنطقة ومحيطها الإقليمي يمكن أن تشكل تحديات خطيرة للاقتصاد والنموذج السياسي والحضاري الذي أرست مرتكزاته الدول الخليجية الحديثة في القرن العشرين ولاسيما خلال النصف الثاني منه ولا تزال، ومن جملة تلك المخاوف توقع ظهور صراعات محلية وربما دولية في المحيط الخليجي أو في الجوار العربي الخليجي ولاسيما في اليمن الذي يعاني اقتصاده من مشكلات حقيقية فضلاً عما يمثله نسيجه الاجتماعي والثقافي من حالة نشاط حيوي في مجال ارتفاع نسبة الخصوبة وبالتالي ارتفاع السكان بطريقة سريعة فيه في ظل مفاهيم اجتماعية قبلية، ويمكن أن تكون هذه الخاصية مترافقة مع ارتفاع تكاليف المعيشة في اليمن عاملاً مساعداً على ظهور حركات دينية متطرفة تتخذ من البيئة اليمنية الوعرة مرتكزاً لها، ويمكن أن توظف سلبياً في زعزعة أمن المنطقة، وتظهر خطورة ذلك مع ارتفاع بعض الأصوات السياسية التي تدعو إلى انفصال الجنوب اليمني عن شماله محاولاً كل طرف استثمار هذه الظروف لصالحه مع عدم إغفال حقائق الواقع الصعب المحرك لمثل هذه النوايا وغياب الرؤية السياسية والثقافية التي ينبغي أن تأخذ ذلك في الاعتبار وتتعامل مع قضية الوحدة على أساس اندماج اجتماعي يمني يقوم على المواطنة والحقوق المتكافئة ومنع تسلل أصحاب المصالح الضيقة وبعض المفسدين من أجل إلحاق الضرر بالبلد ووحدته. وفي هذا السياق ينبغي على الدول الخليجية العربية أن تضع هذا المتغير المرتبط بشكل أو آخر بنتائج الأزمة المالية العالمية في الاعتبار، ولعل ما طرحته المملكة العربية السعودية مؤخراً، حسب ما تناقلته بعض وكالات الأنباء، حول ما يمكن أن تقوم به من استيعاب العمالة اليمنية ودعم اليمن يكون حلاً عقلانياً ومنطقياً لحالة خطيرة إذا ما تفاقمت فإن نتائجها السلبية لا تكون على منطقة الخليج وحدها فحسب، وإنما تتعداها إلى مناطق أخرى من الوطن العربي، ومن أجل تحقيق حالة أقوى من الاستقرار ينبغي الوقوف إلى جانب العراق ولملمة جراحه وجعله يتفاعل مع محيطه العربي، وهي مسألة ضرورية لدعم المنطقة بكاملها وجعلها موحدة إزاء أزمة مالية عالمية لها أبعادها المتنوعة.

::/fulltext::
::cck::1209::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *