عودة طالبان: تحدٍّ جديد للولايات المتحدة

::cck::1215::/cck::
::introtext::

كان سقوط حكومة طالبان في أفغانستان في أعقاب الهجوم الذي شنته قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في عام 2001، بمنزلة رسالة إلى العالم مفادها أن ملف طالبان أغلق إلى الأبد، وأن (حكمها الغاشم)الذي امتد إلى ست سنوات أصبح جزءاً من الماضي. وفي حين اعتقدت قوات التحالف أنها قضت على الجماعة، وصفت حركة طالبان هزيمتها وهروب عناصرها بأنه تراجع تكتيكي.

::/introtext::
::fulltext::

كان سقوط حكومة طالبان في أفغانستان في أعقاب الهجوم الذي شنته قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في عام 2001، بمنزلة رسالة إلى العالم مفادها أن ملف طالبان أغلق إلى الأبد، وأن (حكمها الغاشم)الذي امتد إلى ست سنوات أصبح جزءاً من الماضي. وفي حين اعتقدت قوات التحالف أنها قضت على الجماعة، وصفت حركة طالبان هزيمتها وهروب عناصرها بأنه تراجع تكتيكي.

لم تكد تمضي سنوات قليلة، حتى عادت حركة طالبان إلى الظهور مجدداً على الساحة السياسية في أفغانستان، وبقوة فاجأت العالم. وكان السؤال الذي تبادر إلى أذهان معظم الناس هو: كيف يمكن لقوة محبَطة سياسياً ومهزومة عسكرياً، توارَى عناصرها في الجبال، أن تخرج من مخابئها بحماسة جديدة لتشكل تحدياً لأعظم قوة عسكرية في العالم – الولايات المتحدة – وحلفائها في الحرب ضد الإرهاب؟

وربما يكون هناك العديد من الإجابات عن هذا السؤال، لكن الذين شاهدوا عن كثب سلسلة الأحداث التي أعقبت سقوط كابول بيد قوات التحالف، اعتقدوا أن طالبان الباكستانية لعبت دوراً حيوياً في مساعدة طالبان الأفغانية – الحركة الأم – على العودة مجدداً إلى شن عمليات عسكرية شاملة على قوات حلف شمالي الأطلسي (الناتو) التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان.

وبعد سقوط نظام طالبان، وما تبعه من تشكيل حكومة حامد كرزاي في أفغانستان، عبرت غالبية عناصر طالبان الحدود الأفغانية- الباكستانية،واستقرت في المناطق القبلية الباكستانية المحاذية لأفغانستان، حيث وجد هؤلاء العناصر ملاذاً آمناً وسط المتعاطفين معهم. واستغلت حركة طالبان فترة إقامة عناصرها في المناطق القبلية التي تديرها الحكومة الفيدرالية (FATA)، لتعيد بناء وتنظيم نفسها والحصول على دعم المعادين للولايات المتحدة في المنطقة.

وتعززت روابط الصداقة والتعاطف بين السكان المحليين وطالبان الأفغانية،وباتت أقوى من ذي قبل عندما أعلن رجال القبائل حرباً مفتوحة ضد الحكومة الباكستانية، بعد أن أرسلت هذه الأخيرة أكثر من 70 ألفاً من رجال الأمن إلى المنطقة في عام 2003 للقضاء على حركة طالبان ووضع حد لتصاعد تيار التطرف والعنف. واعتبر رجال القبائل ما قامت به الحكومة انتهاكاً صارخاً لاتفاق تم التوصل إليه سابقاً. وتمكن المتشددون من خلال اتهامهم الحكومة بخرق التقاليد القبلية وانتهاك استقلالية المناطق القبلية، من استمالة الرأي العام لمصلحتهم.

تشترك قبائل البشتون المقيمة على جانبي الحدود مع طالبان في كثير من الأشياء

وتشترك قبائل البشتون المقيمة على جانبي الحدود، مع طالبان في كثير من الأشياء، بما في ذلك القيم والعادات والتقاليد واللغة، والدين بالطبع. وقد ساعدت المصالح التجارية المشتركة على تعزيز هذه الروابط. يُضاف إلى ذلك، وجود علاقات زواج ومصاهرة بينهما. ولا شك في أن هذه العوامل مجتمعة ساعدت على التقريب بين طالبان الأفغانية وطالبان الباكستانية.

وحقق تكتل الأحزاب السياسية الدينية الستة – مجلس العمل المتحد (MMA)- فوزاً كاسحاً على منافسيها البشتون العلمانيين القوميين في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي (NWFP). واستغل المجلس الوضع لتوجيه انتقادات للاحتلال الأمريكي لأفغانستان في حملته الانتخابية، وتولَّى السلطة في إقليمي الحدود الشمالية الغربية وبلوشستان، المحافظين نسبياً في البلاد، مع وجود قوة معارضة قوية في الوسط بالطبع.

لكن مجلس العمل المتحد، حتى إن لم يشجع المتشددين، لم يثنِهم عن تنفيذ أي من أنشطتهم العلنية وذلك خلال فترة سنوات حكمه الخمس. فحقيقة الأمر أن هذه الفترة أتاحت للمتشددين فرصة الظهور العلني وبثقة عالية. مثال بسيط على ذلك هو مولانا فضل الله، زعيم المتمردين في وادي سوات. فقد كان اسمه غير معروف حتى محلياً، لكن عدم اكتراث الحكومة لخطاباته التحريضية التي كانت تنقلها محطته الإذاعية غير القانونية – ومعظمها ضد وجود قوات حلف الناتو في أفغانستان، وقبلها حول السياسات الأمريكية المؤيدة للرئيس الباكستاني مشرف – زاد من قوته ونفوذه في المنطقة لدرجة أنه لم يواجه في النهاية أي مقاومة في السيطرة على بلدتي متّى وخاوازاخيلا في غضون أيام معدودة بدعم من قواته المسلحة، وبسط سيطرته ونفوذه على بقية المنطقة. إلا أن تدهور وضع القانون والنظام في الوادي المضطرب لم يترك أي خيار للرئيس الباكستاني السابقمشرف سوى فرض حالة الطوارئ في البلاد في نوفمبر 2007. ولم تُحل الأزمة إلا عندما أرسلت الحكومة فرقة عسكرية من 18 ألف جندي إلى الوادي للقضاء على مولانا فضل الله وقواته.

ولا يستطيع أحد أن ينكر حقيقة أن الانتصارات الكاسحة التي حققتها طالبان من (1994-1996) ضد القوات المعادية لها – قوات التحالف الشمالي والحزب الإسلامي – وفي نهاية المطاف، توطيد السلطة في كابول، لم تكن ممكنة لولا انضمام عدد كبير من العناصر إلى طالبان من مختلِف المدارس الدينية في باكستان، ومحاربتهم جنباً إلى جنب مع طالبان الأفغانية. وكانت دار العلوم الحقانية في بلدة أكورة ختك، ودار العلوم في بلدة سرحد، وكلتاهما تابعتان لمديرية بيشاور، وكذلك مدرسة بلدة بنوري في كراتشي، في طليعة المدارس الدينية التي أرسلت تعزيزات بشرية إلى أفغانستان. وظلّت عناصر طالبان الباكستانية على الدوام تستجيب لدعوات الزعيم أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد كلما دعاها إلى المعركة.

وقاد مولانا صوفي محمد، زعيم تنظيم تطبيق الشريعة المحمدية (TNSM)، ما يزيد على 10 آلاف من الشباب المتحمسين عبر الحدود الباكستانية – الأفغانية للقتال في أفغانستان ضد قوات حلف الناتو التي تقودها الولايات المتحدة وذلك في أعقاب الهجوم الأمريكي على أفغانستان في أكتوبر 2001. ومعظم هؤلاء الشباب قُتِلوا أو شُوِّهوا خلال الحرب، ولا يزال العديد منهم يقبعون في مختلِف السجون الأفغانية. وتم اعتقال مولانا صوفي محمد وصهره مولانا فضل الله – زعيم المتمردين في وادي سوات حالياً – مع 30 عنصراًمن جماعتهم وهم في طريق عودتهم إلى باكستان، وتم إيداعهم السجن. وقام الرئيس الباكستاني برويز مشرف يوم 12 يناير 2002، بحظر نشاط تنظيم تطبيق الشريعة المحمدية وأربع منظمات أخرى من المنظمات الجهادية. وأطلق سراح مولانا فضل الله في 2003، فيما ظل صوفي محمد قيد الاعتقال إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة ومنظمته في 21 مايو 2008.

ما يسهل من حرية حركة طالبان عبر الحدود هو الموقع الاستراتيجي لمنطقة القبائل

وما يسهل من حرية حركة طالبان عبر الحدود، هو الموقع الاستراتيجي لمنطقة القبائل. فهذه المنطقة توفِّر ملاذاً آمناً لمقاتلي عناصر طالبان والقاعدة، حيث يمكنهم بسهولة إعادة تنظيم أنفسهم، ومناقشة استراتيجيات عمل جديدة ووضع الصيغة النهائية لخطط عملهم. وشنَّت قوات التحالف هجوماً على دامادولا في منطقة باجور يوم 13 يناير 2006، أسفر عن مقتل 18 شخصاً من بينهم أربعة من المقاتلين الأجانب. وأعلن الرئيس الباكستاني في حينه، برويز مشرف، أنه على الرغم من تمكن نائب زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري ، من النجاة من ذلك الهجوم، فإن واحداً من أقرب أقربائه قتل في الهجوم (تبين لاحقاً أنه صهر الظواهري، عبدالرحمن المصري المغربي). وكان المفروض أن يحضر أيمن الظواهري حفل عشاء في ذلك المكان في اليوم نفسه، لكن الحظ حالفه، فلم يحضر لسبب ما، ونجا من الهجوم.

وفي أعقاب هجوم بصاروخ أمريكي مُوجَّه على مدرسة دينية في بلدة شيناغاي المجاورة في باجور يوم 30 أكتوبر 2006، نجم عنه مقتل 80 طالباً وجرح ثلاثة آخرين، أعلن زعيم طالبان الهارب فقير محمد على الملأ أنه يشعر بالفخر للترحيب بزعماء حركة طالبان وتنظيم القاعدة،أسامة بن لادن وأيمن الظواهري والملا محمد عمر في منزله. كما قال فقير، وهو أيضاً نائب زعيم حركة تحريك طالبان باكستان (TTP)، في معرض رده على ذلك الحادث أمام حشد ضم أكثر من 20 ألف شخص في ملعب لكرة القدم في بلدة خار بباجور، (إن الولايات المتحدة، بقتلها 80 طالباً، تسببت في إنتاج أكثر من 80 ألف انتحاري، وسنقوم بالانتقام في القريب العاجل). ومعلوم أن فقير محمد مطلوب للسلطات الباكستانية بتهمة استضافة الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري في منزله. وبعد أسبوع واحد فقط، وتحديداً في 8 نوفمبر، هاجمت طالبان قاعدة للجيش الباكستاني في داراجي في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي، مما أدى إلى مقتل 42 من المجنَّدين الجدُد وإصابة 20 آخرين.

وعندما شكلت طالبان الباكستانية رسمياً منظمة مظلة يرأسها بيت الله محسود في 12 ديسمبر 2007، صرح الناطق باسمها مولوي عمر لوسائل الإعلام من مكان مجهول، بأن الأهداف الرئيسية لحركة طالبان باكستان هي تطبيق الشريعة الإسلامية في مناطقها ومحاربة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان. وأضاف أنه، وبالنظر للسياسات الخاطئة للحكومة الباكستانية، (فإننا مضطرون للقتال بأسلوب الجهاد الدفاعي داخل بلادنا).

وظل بيت الله محسود، زعيم طالبان الباكستانية، والذي يدين بالولاء للملا محمد عمر، يردد مراراً وتكراراً أن حركة طالبان الباكستانية ستواصل (الجهاد) حتى طرد قوات حلف الناتو من أفغانستان. وكان محسود قد برز كزعيم غير متنازَع عليه لمنطقة وزيرستان المضطربة وذلك في أعقاب اغتيال سلفه، القائد نك محمد (بهجوم بصاروخ أمريكي مُوجَّه بالليزر في مايو 2004). وظلت منطقة جنوب وزيرستان، باعتبارها منفذاً إلى أفغانستان عبر أنغورا آدا، بمنزلة ملاذ آمن لعناصر طالبان الأفغانية الذين أقاموا عدداً من القواعد في تلك المنطقة، بالإضافة إلى كونها مسرحاً لميليشيات محسود المسلحة. وتتمتع طالبان في المناطق التي تسيطر عليها قوات محسود بحرية تنظيم اجتماعات مجلس الشورى فيها لوضع الصيغة النهائية لاستراتيجيات العمل المقبلة.

وإضافة إلى توفيرها ملاذاً آمناً لطالبان الأفغانية، وفَّرت طالبان الباكستانية إمكانات لتدريب المجندين الجدد وتعليمهم تكتيكات حربية جديدة وذلك قبل قيامهم بشن الهجمات على قوات حلف الناتو والقوات الأفغانية عبر الحدود.

والأهم من ذلك، هو أن المناطق القبلية تستخدم كنقطة انطلاق لمنفذي التفجيرات الانتحارية، الذين ينتمون في الغالب إلى المناطق المحافظة من الإقليم الحدودي الشمالي الغربي. وفي تطور مثير للدهشة والاستغراب، قام مجهولون باقتياد نحو 26 من أطفال مختلِف مدارس وادي سوات المضطرب في أواخر عام 2008، وتم نقلهم إلى مواقع مختلفة. وكشف عدد من الأطفال الذين تُركوا في وقت لاحق، أنه تم نقلهم إلى المناطق القبلية للتدريب العسكري.

يتم نقل الجهاديين المصابين من أفغانستان إلى المناطق القبلية بسهولة

ويتم نقل الجهاديين المصابين من أفغانستان إلى المناطق القبلية بسهولة، ومنها إلى أماكن أخرى في بيشاور وكويتا ولاهور وكراتشي لتلقي العلاج. وتقوم طالبان الباكستانية بتسهيل العملية من خلال توفير الدعم اللوجستي ووسائل النقل ليتم نقل المصابين إلى أماكن علاجهم.

ويأتي معظم المسلحين الأفغان إلى باكستان عبر المناطق القبلية خلال فصل الشتاء، وذلك لأخذ استراحة قبل بدء التحضير لهجمات يشنونها في الربيع التالي. وتوفر مخيمات اللاجئين الباكستانية لهم المأوى، حيث يستريحون فيها من عناء الحرب ضد قوات حلف الناتو والقوات الأفغانية. وقامت الحكومة الباكستانية، نتيجة للضغوط الدولية القوية ومن عامة الناس عليها، بإغلاق مخيم جالوزاي في الآونة الأخيرة، وهو أكبر مخيمات اللاجئين المقامة في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي في باكستان. إلا أن عناصر طالبان ما زالوا قادرين على الوصول إلى مخيمات أخرى، كمخيمات شمشاتو وأكورة ختك.

كما تخوض طالبان حرباً إعلامية ضد قوات التحالف في أفغانستان من خلال الأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية والمواد المطبوعة التي تتهم قوات التحالف بالقيام بأعمال وحشية ضد المدنيين الأفغان، وذلك بطريقة تقنع الإنسان العادي بما تقوله طالبان وتجعله يتعاطف معها بالتالي. كما تقوم طالبان في بعض الأحيان بعرض لقطات للقصف الأمريكي للمساجد والمستشفيات وحفلات الزفاف، مما يحفز جيل الشباب على الانضمام إليها في إطار الكراهية لـ (أعداء الإسلام). وتقوم طالبان الباكستانية بدور أساسي في إنتاج هذه الأقراص وتسويقها. ويتم إنتاج معظم الأقراص المدمجة في الاستوديوهات التي بنيت في المناطق القبلية، ويتم تسويقها في المناطق المجاورة. وتعرض أسواق كارخانو ونشتار عباد في بيشاور مجموعة متنوعة من الأقراص المدمجة الجهادية. وقد دفعت الدعاية المتطورة ضد الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين العديد من المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم وزير الخارجية الامريكي الأسبق كولن باول إلى الاعتراف بأن (أمريكا تخسر الحرب الإعلامية ضد طالبان).

ونخلص مما تقدم إلى أن بروز روابط طالبان الباكستانية-الأفغانية يشكل أخطر تهديد لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان. وهناك من يقول إن شبكة حقاني التي يتزعمها جلال الدين حقاني، أحد المحاربين الأفغان القدامى والمقرب من الملا محمد عمر، هي حلقة الوصل بين طالبان الأفغانية والباكستانية. ويسعى جلال الدين حقاني، الذي يعتقد أنه شارف على نهاية السبعينات من العمر، حالياً إلى إفساح مجال أوسع لابنه سراج الدين حقاني ليقود الشبكة من بعده.

وينتمي سراج الدين الملقب بـ (الخليفة)، إلى قبيلة زادران الأفغانية ذات الجذور القوية أيضاً على الجانب الباكستاني من الحدود. وهو في أوائل الثلاثينات من العمر، وقد تم رصد جائزة بقيمة 200 ألف دولار أمريكي لمن يرشد عنه. وقد دفعت شعبيته المتزايدة في صفوف حركة طالبان على جانبي الحدود، عدداً من مسؤولي حلف الناتو إلى تصنيفه كواحد من أخطر قادة طالبان الذين يقودون التمرد المستمر في أفغانستان.

إلى ذلك، بات نفوذ شبكة حقاني المتنامي على الجانب الباكستاني من الحدود يشكل صداعاً شديداً لإسلام آباد أيضاً. فمواجهة هذا الخطر تحتاج إلى إرادة سياسية قوية وبذل جهود منسقة من جانب حكومتي باكستان وأفغانستان على حد سواء،ويتعين على البلدين وضع حد للعبة بدل توجيه اللوم للآخر، والتكاتف لوقف تقدم حركة طالبان. وفي حال أخفق البلدان في ذلك، فإنه سيتعين على الباكستانيين والأفغان تحمل تبعات ذلك لسنوات عديدة مقبلة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1215::/cck::
::introtext::

كان سقوط حكومة طالبان في أفغانستان في أعقاب الهجوم الذي شنته قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في عام 2001، بمنزلة رسالة إلى العالم مفادها أن ملف طالبان أغلق إلى الأبد، وأن (حكمها الغاشم)الذي امتد إلى ست سنوات أصبح جزءاً من الماضي. وفي حين اعتقدت قوات التحالف أنها قضت على الجماعة، وصفت حركة طالبان هزيمتها وهروب عناصرها بأنه تراجع تكتيكي.

::/introtext::
::fulltext::

كان سقوط حكومة طالبان في أفغانستان في أعقاب الهجوم الذي شنته قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في عام 2001، بمنزلة رسالة إلى العالم مفادها أن ملف طالبان أغلق إلى الأبد، وأن (حكمها الغاشم)الذي امتد إلى ست سنوات أصبح جزءاً من الماضي. وفي حين اعتقدت قوات التحالف أنها قضت على الجماعة، وصفت حركة طالبان هزيمتها وهروب عناصرها بأنه تراجع تكتيكي.

لم تكد تمضي سنوات قليلة، حتى عادت حركة طالبان إلى الظهور مجدداً على الساحة السياسية في أفغانستان، وبقوة فاجأت العالم. وكان السؤال الذي تبادر إلى أذهان معظم الناس هو: كيف يمكن لقوة محبَطة سياسياً ومهزومة عسكرياً، توارَى عناصرها في الجبال، أن تخرج من مخابئها بحماسة جديدة لتشكل تحدياً لأعظم قوة عسكرية في العالم – الولايات المتحدة – وحلفائها في الحرب ضد الإرهاب؟

وربما يكون هناك العديد من الإجابات عن هذا السؤال، لكن الذين شاهدوا عن كثب سلسلة الأحداث التي أعقبت سقوط كابول بيد قوات التحالف، اعتقدوا أن طالبان الباكستانية لعبت دوراً حيوياً في مساعدة طالبان الأفغانية – الحركة الأم – على العودة مجدداً إلى شن عمليات عسكرية شاملة على قوات حلف شمالي الأطلسي (الناتو) التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان.

وبعد سقوط نظام طالبان، وما تبعه من تشكيل حكومة حامد كرزاي في أفغانستان، عبرت غالبية عناصر طالبان الحدود الأفغانية- الباكستانية،واستقرت في المناطق القبلية الباكستانية المحاذية لأفغانستان، حيث وجد هؤلاء العناصر ملاذاً آمناً وسط المتعاطفين معهم. واستغلت حركة طالبان فترة إقامة عناصرها في المناطق القبلية التي تديرها الحكومة الفيدرالية (FATA)، لتعيد بناء وتنظيم نفسها والحصول على دعم المعادين للولايات المتحدة في المنطقة.

وتعززت روابط الصداقة والتعاطف بين السكان المحليين وطالبان الأفغانية،وباتت أقوى من ذي قبل عندما أعلن رجال القبائل حرباً مفتوحة ضد الحكومة الباكستانية، بعد أن أرسلت هذه الأخيرة أكثر من 70 ألفاً من رجال الأمن إلى المنطقة في عام 2003 للقضاء على حركة طالبان ووضع حد لتصاعد تيار التطرف والعنف. واعتبر رجال القبائل ما قامت به الحكومة انتهاكاً صارخاً لاتفاق تم التوصل إليه سابقاً. وتمكن المتشددون من خلال اتهامهم الحكومة بخرق التقاليد القبلية وانتهاك استقلالية المناطق القبلية، من استمالة الرأي العام لمصلحتهم.

تشترك قبائل البشتون المقيمة على جانبي الحدود مع طالبان في كثير من الأشياء

وتشترك قبائل البشتون المقيمة على جانبي الحدود، مع طالبان في كثير من الأشياء، بما في ذلك القيم والعادات والتقاليد واللغة، والدين بالطبع. وقد ساعدت المصالح التجارية المشتركة على تعزيز هذه الروابط. يُضاف إلى ذلك، وجود علاقات زواج ومصاهرة بينهما. ولا شك في أن هذه العوامل مجتمعة ساعدت على التقريب بين طالبان الأفغانية وطالبان الباكستانية.

وحقق تكتل الأحزاب السياسية الدينية الستة – مجلس العمل المتحد (MMA)- فوزاً كاسحاً على منافسيها البشتون العلمانيين القوميين في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي (NWFP). واستغل المجلس الوضع لتوجيه انتقادات للاحتلال الأمريكي لأفغانستان في حملته الانتخابية، وتولَّى السلطة في إقليمي الحدود الشمالية الغربية وبلوشستان، المحافظين نسبياً في البلاد، مع وجود قوة معارضة قوية في الوسط بالطبع.

لكن مجلس العمل المتحد، حتى إن لم يشجع المتشددين، لم يثنِهم عن تنفيذ أي من أنشطتهم العلنية وذلك خلال فترة سنوات حكمه الخمس. فحقيقة الأمر أن هذه الفترة أتاحت للمتشددين فرصة الظهور العلني وبثقة عالية. مثال بسيط على ذلك هو مولانا فضل الله، زعيم المتمردين في وادي سوات. فقد كان اسمه غير معروف حتى محلياً، لكن عدم اكتراث الحكومة لخطاباته التحريضية التي كانت تنقلها محطته الإذاعية غير القانونية – ومعظمها ضد وجود قوات حلف الناتو في أفغانستان، وقبلها حول السياسات الأمريكية المؤيدة للرئيس الباكستاني مشرف – زاد من قوته ونفوذه في المنطقة لدرجة أنه لم يواجه في النهاية أي مقاومة في السيطرة على بلدتي متّى وخاوازاخيلا في غضون أيام معدودة بدعم من قواته المسلحة، وبسط سيطرته ونفوذه على بقية المنطقة. إلا أن تدهور وضع القانون والنظام في الوادي المضطرب لم يترك أي خيار للرئيس الباكستاني السابقمشرف سوى فرض حالة الطوارئ في البلاد في نوفمبر 2007. ولم تُحل الأزمة إلا عندما أرسلت الحكومة فرقة عسكرية من 18 ألف جندي إلى الوادي للقضاء على مولانا فضل الله وقواته.

ولا يستطيع أحد أن ينكر حقيقة أن الانتصارات الكاسحة التي حققتها طالبان من (1994-1996) ضد القوات المعادية لها – قوات التحالف الشمالي والحزب الإسلامي – وفي نهاية المطاف، توطيد السلطة في كابول، لم تكن ممكنة لولا انضمام عدد كبير من العناصر إلى طالبان من مختلِف المدارس الدينية في باكستان، ومحاربتهم جنباً إلى جنب مع طالبان الأفغانية. وكانت دار العلوم الحقانية في بلدة أكورة ختك، ودار العلوم في بلدة سرحد، وكلتاهما تابعتان لمديرية بيشاور، وكذلك مدرسة بلدة بنوري في كراتشي، في طليعة المدارس الدينية التي أرسلت تعزيزات بشرية إلى أفغانستان. وظلّت عناصر طالبان الباكستانية على الدوام تستجيب لدعوات الزعيم أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد كلما دعاها إلى المعركة.

وقاد مولانا صوفي محمد، زعيم تنظيم تطبيق الشريعة المحمدية (TNSM)، ما يزيد على 10 آلاف من الشباب المتحمسين عبر الحدود الباكستانية – الأفغانية للقتال في أفغانستان ضد قوات حلف الناتو التي تقودها الولايات المتحدة وذلك في أعقاب الهجوم الأمريكي على أفغانستان في أكتوبر 2001. ومعظم هؤلاء الشباب قُتِلوا أو شُوِّهوا خلال الحرب، ولا يزال العديد منهم يقبعون في مختلِف السجون الأفغانية. وتم اعتقال مولانا صوفي محمد وصهره مولانا فضل الله – زعيم المتمردين في وادي سوات حالياً – مع 30 عنصراًمن جماعتهم وهم في طريق عودتهم إلى باكستان، وتم إيداعهم السجن. وقام الرئيس الباكستاني برويز مشرف يوم 12 يناير 2002، بحظر نشاط تنظيم تطبيق الشريعة المحمدية وأربع منظمات أخرى من المنظمات الجهادية. وأطلق سراح مولانا فضل الله في 2003، فيما ظل صوفي محمد قيد الاعتقال إلى أن تم التوصل إلى اتفاق بين الحكومة ومنظمته في 21 مايو 2008.

ما يسهل من حرية حركة طالبان عبر الحدود هو الموقع الاستراتيجي لمنطقة القبائل

وما يسهل من حرية حركة طالبان عبر الحدود، هو الموقع الاستراتيجي لمنطقة القبائل. فهذه المنطقة توفِّر ملاذاً آمناً لمقاتلي عناصر طالبان والقاعدة، حيث يمكنهم بسهولة إعادة تنظيم أنفسهم، ومناقشة استراتيجيات عمل جديدة ووضع الصيغة النهائية لخطط عملهم. وشنَّت قوات التحالف هجوماً على دامادولا في منطقة باجور يوم 13 يناير 2006، أسفر عن مقتل 18 شخصاً من بينهم أربعة من المقاتلين الأجانب. وأعلن الرئيس الباكستاني في حينه، برويز مشرف، أنه على الرغم من تمكن نائب زعيم تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري ، من النجاة من ذلك الهجوم، فإن واحداً من أقرب أقربائه قتل في الهجوم (تبين لاحقاً أنه صهر الظواهري، عبدالرحمن المصري المغربي). وكان المفروض أن يحضر أيمن الظواهري حفل عشاء في ذلك المكان في اليوم نفسه، لكن الحظ حالفه، فلم يحضر لسبب ما، ونجا من الهجوم.

وفي أعقاب هجوم بصاروخ أمريكي مُوجَّه على مدرسة دينية في بلدة شيناغاي المجاورة في باجور يوم 30 أكتوبر 2006، نجم عنه مقتل 80 طالباً وجرح ثلاثة آخرين، أعلن زعيم طالبان الهارب فقير محمد على الملأ أنه يشعر بالفخر للترحيب بزعماء حركة طالبان وتنظيم القاعدة،أسامة بن لادن وأيمن الظواهري والملا محمد عمر في منزله. كما قال فقير، وهو أيضاً نائب زعيم حركة تحريك طالبان باكستان (TTP)، في معرض رده على ذلك الحادث أمام حشد ضم أكثر من 20 ألف شخص في ملعب لكرة القدم في بلدة خار بباجور، (إن الولايات المتحدة، بقتلها 80 طالباً، تسببت في إنتاج أكثر من 80 ألف انتحاري، وسنقوم بالانتقام في القريب العاجل). ومعلوم أن فقير محمد مطلوب للسلطات الباكستانية بتهمة استضافة الرجل الثاني في تنظيم القاعدة، أيمن الظواهري في منزله. وبعد أسبوع واحد فقط، وتحديداً في 8 نوفمبر، هاجمت طالبان قاعدة للجيش الباكستاني في داراجي في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي، مما أدى إلى مقتل 42 من المجنَّدين الجدُد وإصابة 20 آخرين.

وعندما شكلت طالبان الباكستانية رسمياً منظمة مظلة يرأسها بيت الله محسود في 12 ديسمبر 2007، صرح الناطق باسمها مولوي عمر لوسائل الإعلام من مكان مجهول، بأن الأهداف الرئيسية لحركة طالبان باكستان هي تطبيق الشريعة الإسلامية في مناطقها ومحاربة قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة في أفغانستان. وأضاف أنه، وبالنظر للسياسات الخاطئة للحكومة الباكستانية، (فإننا مضطرون للقتال بأسلوب الجهاد الدفاعي داخل بلادنا).

وظل بيت الله محسود، زعيم طالبان الباكستانية، والذي يدين بالولاء للملا محمد عمر، يردد مراراً وتكراراً أن حركة طالبان الباكستانية ستواصل (الجهاد) حتى طرد قوات حلف الناتو من أفغانستان. وكان محسود قد برز كزعيم غير متنازَع عليه لمنطقة وزيرستان المضطربة وذلك في أعقاب اغتيال سلفه، القائد نك محمد (بهجوم بصاروخ أمريكي مُوجَّه بالليزر في مايو 2004). وظلت منطقة جنوب وزيرستان، باعتبارها منفذاً إلى أفغانستان عبر أنغورا آدا، بمنزلة ملاذ آمن لعناصر طالبان الأفغانية الذين أقاموا عدداً من القواعد في تلك المنطقة، بالإضافة إلى كونها مسرحاً لميليشيات محسود المسلحة. وتتمتع طالبان في المناطق التي تسيطر عليها قوات محسود بحرية تنظيم اجتماعات مجلس الشورى فيها لوضع الصيغة النهائية لاستراتيجيات العمل المقبلة.

وإضافة إلى توفيرها ملاذاً آمناً لطالبان الأفغانية، وفَّرت طالبان الباكستانية إمكانات لتدريب المجندين الجدد وتعليمهم تكتيكات حربية جديدة وذلك قبل قيامهم بشن الهجمات على قوات حلف الناتو والقوات الأفغانية عبر الحدود.

والأهم من ذلك، هو أن المناطق القبلية تستخدم كنقطة انطلاق لمنفذي التفجيرات الانتحارية، الذين ينتمون في الغالب إلى المناطق المحافظة من الإقليم الحدودي الشمالي الغربي. وفي تطور مثير للدهشة والاستغراب، قام مجهولون باقتياد نحو 26 من أطفال مختلِف مدارس وادي سوات المضطرب في أواخر عام 2008، وتم نقلهم إلى مواقع مختلفة. وكشف عدد من الأطفال الذين تُركوا في وقت لاحق، أنه تم نقلهم إلى المناطق القبلية للتدريب العسكري.

يتم نقل الجهاديين المصابين من أفغانستان إلى المناطق القبلية بسهولة

ويتم نقل الجهاديين المصابين من أفغانستان إلى المناطق القبلية بسهولة، ومنها إلى أماكن أخرى في بيشاور وكويتا ولاهور وكراتشي لتلقي العلاج. وتقوم طالبان الباكستانية بتسهيل العملية من خلال توفير الدعم اللوجستي ووسائل النقل ليتم نقل المصابين إلى أماكن علاجهم.

ويأتي معظم المسلحين الأفغان إلى باكستان عبر المناطق القبلية خلال فصل الشتاء، وذلك لأخذ استراحة قبل بدء التحضير لهجمات يشنونها في الربيع التالي. وتوفر مخيمات اللاجئين الباكستانية لهم المأوى، حيث يستريحون فيها من عناء الحرب ضد قوات حلف الناتو والقوات الأفغانية. وقامت الحكومة الباكستانية، نتيجة للضغوط الدولية القوية ومن عامة الناس عليها، بإغلاق مخيم جالوزاي في الآونة الأخيرة، وهو أكبر مخيمات اللاجئين المقامة في الإقليم الحدودي الشمالي الغربي في باكستان. إلا أن عناصر طالبان ما زالوا قادرين على الوصول إلى مخيمات أخرى، كمخيمات شمشاتو وأكورة ختك.

كما تخوض طالبان حرباً إعلامية ضد قوات التحالف في أفغانستان من خلال الأقراص المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية والمواد المطبوعة التي تتهم قوات التحالف بالقيام بأعمال وحشية ضد المدنيين الأفغان، وذلك بطريقة تقنع الإنسان العادي بما تقوله طالبان وتجعله يتعاطف معها بالتالي. كما تقوم طالبان في بعض الأحيان بعرض لقطات للقصف الأمريكي للمساجد والمستشفيات وحفلات الزفاف، مما يحفز جيل الشباب على الانضمام إليها في إطار الكراهية لـ (أعداء الإسلام). وتقوم طالبان الباكستانية بدور أساسي في إنتاج هذه الأقراص وتسويقها. ويتم إنتاج معظم الأقراص المدمجة في الاستوديوهات التي بنيت في المناطق القبلية، ويتم تسويقها في المناطق المجاورة. وتعرض أسواق كارخانو ونشتار عباد في بيشاور مجموعة متنوعة من الأقراص المدمجة الجهادية. وقد دفعت الدعاية المتطورة ضد الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين العديد من المسؤولين الأمريكيين، بمن فيهم وزير الخارجية الامريكي الأسبق كولن باول إلى الاعتراف بأن (أمريكا تخسر الحرب الإعلامية ضد طالبان).

ونخلص مما تقدم إلى أن بروز روابط طالبان الباكستانية-الأفغانية يشكل أخطر تهديد لقوات التحالف التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان. وهناك من يقول إن شبكة حقاني التي يتزعمها جلال الدين حقاني، أحد المحاربين الأفغان القدامى والمقرب من الملا محمد عمر، هي حلقة الوصل بين طالبان الأفغانية والباكستانية. ويسعى جلال الدين حقاني، الذي يعتقد أنه شارف على نهاية السبعينات من العمر، حالياً إلى إفساح مجال أوسع لابنه سراج الدين حقاني ليقود الشبكة من بعده.

وينتمي سراج الدين الملقب بـ (الخليفة)، إلى قبيلة زادران الأفغانية ذات الجذور القوية أيضاً على الجانب الباكستاني من الحدود. وهو في أوائل الثلاثينات من العمر، وقد تم رصد جائزة بقيمة 200 ألف دولار أمريكي لمن يرشد عنه. وقد دفعت شعبيته المتزايدة في صفوف حركة طالبان على جانبي الحدود، عدداً من مسؤولي حلف الناتو إلى تصنيفه كواحد من أخطر قادة طالبان الذين يقودون التمرد المستمر في أفغانستان.

إلى ذلك، بات نفوذ شبكة حقاني المتنامي على الجانب الباكستاني من الحدود يشكل صداعاً شديداً لإسلام آباد أيضاً. فمواجهة هذا الخطر تحتاج إلى إرادة سياسية قوية وبذل جهود منسقة من جانب حكومتي باكستان وأفغانستان على حد سواء،ويتعين على البلدين وضع حد للعبة بدل توجيه اللوم للآخر، والتكاتف لوقف تقدم حركة طالبان. وفي حال أخفق البلدان في ذلك، فإنه سيتعين على الباكستانيين والأفغان تحمل تبعات ذلك لسنوات عديدة مقبلة.

::/fulltext::
::cck::1215::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *