حقوق الإنسان في دولنا الخليجية باب مشرّع!

::cck::1139::/cck::
::introtext::

في مسألة حقوق الإنسان، بمختلف أشكالها، الكثير تم فعله حتى الآن من قبل دول الخليج العربية، التي كانت من بين الأكثر حرصاً والتزاماً، حتى إن المرء ليجد الوضع مستغرباً فعلاً من كثرة اشتغال جهات الإعلام والتوعية الجماهيرية من خطب مساجد، وأنشطة تجارية، وفعاليات جماهيرية مترافقة مع حجم هائل من وسائل الدعاية والإعلان والتثقيف الجماهيري في كل دول الخليج تقريباً من دون استثناء، للتفاعل مع كل ما تطرحه وتطالب به منظمة العفو الدولية. بل أصبح الأمر يبدو كما لو أنه لا يتفاعل مع سياسات هذه المنظمة أحد سوى هذه المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

في مسألة حقوق الإنسان، بمختلف أشكالها، الكثير تم فعله حتى الآن من قبل دول الخليج العربية، التي كانت من بين الأكثر حرصاً والتزاماً، حتى إن المرء ليجد الوضع مستغرباً فعلاً من كثرة اشتغال جهات الإعلام والتوعية الجماهيرية من خطب مساجد، وأنشطة تجارية، وفعاليات جماهيرية مترافقة مع حجم هائل من وسائل الدعاية والإعلان والتثقيف الجماهيري في كل دول الخليج تقريباً من دون استثناء، للتفاعل مع كل ما تطرحه وتطالب به منظمة العفو الدولية. بل أصبح الأمر يبدو كما لو أنه لا يتفاعل مع سياسات هذه المنظمة أحد سوى هذه المنطقة.

لكن، تبقى العديد من المسائل بحاجة إلى إعادة نظر واعتبار. فمثلاً، هل من المعقول أن يستمر بعضهم في التحدث باسم أمن الدولة عند استدعاء أحدهم للتحقيق معه بشأن اتهام يراه جهاز الأمن خطراً على الأمن الوطني، في مجتمعات خليجية بدأت في الدخول إلى مرحلة ما بعد الحداثة، متجاوزة مراحل من الحداثة، في حين أن المسؤولين عن أمر الأمن الوطني في دول الخليج بدأوا يعون هذه المسألة، ويغيرون تعريف مسماهم الوظيفي إلى (مستشار الأمن الوطني)؟

إن تقارير منظمة العفو الدولية تذكر بعض الحالات التي تم فيها التحفظ على أشخاص لتهم مختلفة، قائلة إن أجهزة أمن الدولة في البلد الخليجي كذا قامت بمثل هذا التحفظ. الدولة هي جهاز تنفيذي معد لخدمة الوطن والمواطن، ولا يمكن أن يكون فوقه، بحيث يحتكر السلطة والنفوذ، باسم الشعب. والقوة يجب ألا تستخدم ضد الشعب بل في صالح الشعب. هذا هو المبدأ العام الإنساني المتعارف عليه. لكن أن يصبح جزء من هذا الجهاز فوق المجتمع، ويمارس سطوته خارج سياق المسائلة، فإن الأمر يغدو عودة إلى عهود قديمة متخلفة، لم يعد التاريخ يقبلها. ودول الخليج أظهرت أنها في الطريق للتحول إلى دول عصرية، تحاول مواكبة أرقى النظم الموجودة على الأرض من أجل الارتقاء بصالح مجتمعاتها.

إن حمل السلاح، أو التمتع باحتكار السلطة، والمساءلة، فيها الكثير من النذر الشيطانية، التي تجعل صاحبها يخرج من النطاق الاجتماعي الإنساني إلى النطاق الغريزي الحيواني. فمتى ما رأيت السلاح أو المنصب المتسلط بيدك يشعرك بقوة خفية تدفعك تجاه الاستحواذ والهيمنة والتسلط، وهو ما تكافحه الدول المتقدمة في السلم الحضاري بالرقابة الشديدة على كل سلطات السطوة والقوة في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن في الدولة، بأجهزة مجتمعية وقانونية أعلى سلطة منها، وأقرب للسلطات المدنية، التي تعطي للشعب حق الرقابة على هذه الأجهزة السلطوية.

إن مجتمعاتنا الخليجية الصغيرة الحجم، الكبيرة الإمكانات الاقتصادية نسبياً، مرشحة لأن تكون جنة الله في الأرض، ومملكته الفاضلة على هذا الكوكب، لو أحسنت وزن كل الأمور، بمنطق العدالة الأسمى، لتأكيد هذا الخلق الراقي الذي نحس جميعاً أنها تنشده. لكن أن تكون هذه العدالة لصالح فئة في هذه المجتمعات، وكأنها فوق هذه المجتمعات، فإنه أمر قد مضى إلى غير رجعة. وتقدم لنا تقارير المنظمات الدولية لحقوق الإنسان نماذج من هذا التغير على كل الصعد، إلى أعلى المستويات، حتى تطال أفراداً من العائلات الحاكمة، كلهم يبدون الآن سواء أمام القانون، الذي يجب أن يحترمه الجميع، صغيراً كان أم كبيراً. وما قرارات المطالبة من النيابات العامة في الخليج بفتح ملفات اتهام لمن يقوم بتجاوزات قانونية مخالفة لحقوق الإنسان والتحفظ عليه، كائناً من كان هذا الشخص، لأمر يبدو مشجعاً جداً في هذا الخصوص.

الأمن أولاً للوطن، بعد مخافة الرب سبحانه وتعالى، وحين توظف الأجهزة المختصة فإنها في الأساس يجب أن تكون لخدمة الوطن والمواطن، لا لتكون عليه. فلم نسمع مثلاً في دول الخليج بأي اعتقالات لأشخاص يتجسسون لصالح أعداء هذا الوطن، ومن لهم مصالح غير مصالح أوطاننا، من أنظمة تريد بها سوء، كالكيان الإسرائيلي، الذي يعتقد أننا خط الدفاع، والسند الأساسي، للنضال الفلسطيني العادل من أجل نيل الحقوق الإنسانية والقانونية والوطنية المشروعة، التي خرقها ويخرقها احتلاله الصهيوني البغيض كل يوم في فلسطين، محدثاً كماً هائلاً من الغضب في الأراضي المحتلة، وفي ما حولها، ومثيراً سخطاً قد يتفجر في عدم استقرار أمني في كل المجتمعات العربية والإسلامية.

لم نسمع عن اعتقالات تمت لأشخاص يتآمرون لمصلحة نظام يحتل أراضينا في الخليج، أو يتجسسون لمصلحته، ويقومون بأعمال تمس الأمن الوطني في ذلك، كما هي الحال في كل دول العالم التي لها مصالح متضاربة مع أنظمة متنافسة أو مختلفة عنها عقائدياً أو سياسياً أو اجتماعياً وغيرها.

ثم على الصعيد الداخلي، هل يحق لجهاز أمن ما أن يكون هو أداة الضبط، والقضاء، والتنفيذ في آن واحد؟ كيف تتحقق العدالة إذا كان من يقوم بالاعتقال ويوجه لائحة الاتهام، هو من يعيّن القاضي الذي سيحكم في أمر صحة هذه الاتهامات، ويقبلها أو يرفضها، في حين هو ليس مستقلاً ومحايداً تماماً، لا علاقة له بالسلطة التنفيذية وجهازها الأمني؟ إن استقلال القضاء أمر في غاية الأهمية لمصداقية الأحكام الصادرة في حق أي إنسان في المجتمعات الإنسانية الحديثة.

ورغم حالات التفاعل الكبير التي تظهرها أنظمتنا الخليجية لمجالات حقوق الإنسان كالاعتداء على الأطفال، والعنف ضدهم وضد المرأة والفئات الضعيفة الأخرى، والتحسن الكبير في القوانين والإجراءات الصادرة بحق العمالة الأجنبية، وفي مسألة عقوبة الإعدام وغيرها، لا يعفينا من هذا الباب المشرّع دائماً ضدنا في المحافل الدولية، والذي يؤثر في سمعتنا ومصداقية إجراءاتنا في هذا الصدد.    

قضية أخرى لاحظها تقرير منظمة العفو الدولية في دول الخليج هي مسألة حق التعبير عن الرأي، إنه لأمر مقلق أن تكون مجتمعاتنا الخليجية الصغيرة العدد في سكانها يكون من بين أعضائها من يقول رأياً، ولم يصل هذا الرأي حتى إلى مرحلة المطالبة بفرضه، أو أسلوب فرضه، ومع ذلك يحقق مع هذا البعض، وتصادر جوازات السفر، ويتم التهديد باستخدام وسائل غير إنسانية في استخراج المعلومات من هؤلاء الأشخاص، حسب تقارير منظمة العفو الدولية.

استقلال القضاء أمر في غاية الأهمية لمصداقية الأحكام الصادرة في حق أي إنسان في المجتمعات الإنسانية الحديثة

إن كل إنسان له الحق في أن يقول رأيه بحرية ما دام هذا الرأي لا يحمل ما يستدعي تقديم صاحبه للقضاء بتهم القذف أو التجديف، أو إحداث ضرر بسمعة أو ملكية شخص ما، أو مؤسسة ما. وحتى لو حصل ذلك فإن هذا الأمر يعود إلى القضاء للفصل فيه متى ما قام شخص ما برفع قضية ضد هذا القول وصاحبه. لكن أن تتدخل جهات تعتبر هذا القول أو الرأي مهدداً لأمن الدولة، ففي ذلك الكثير من النظر. فالدول مؤسسات وأجهزة ضخمة وموارد هائلة، وإذا كان مجرد الرأي سيؤثر في وجودها وأمنها، فإن هذه الدولة من الهشاشة والقابلية للتهاوي تصبح شديدة الوضوح، بحيث تجعل حتى أضعف الدول المنافسة تطمع فيها.

وتبقى نواحي عدة، وإن كان ينظر إليها في الغرب على أنها تحتل سلم الأولويات في قضايا التغيير المطلوب من دول المنطقة تحقيقها، كالتعامل مع المرأة في المجتمعات الخليجية، والعنف ضد الأطفال، والفئات المحتاجة كالعمالة الوافدة  والأقليات وغيرها من القضايا الهامشية في مجال حقوق الإنسان.  

في دول الخليج لا توجد تشريعات تعيق تقدم أو اكتساب  المرأة حقوقها 

وبالنسبة للمرأة في دول الخليج، وإن كانت التقاليد والعادات تلعب في بعضها دوراً معوقاً ومؤثراً، على انخراطها بالحياة العامة، والمشاركة الكبيرة للرجل في صنع القرار في الكثير من الجوانب، فإن هناك من التطورات التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية، ومن أعلى المستويات، تنبئ بتغير كبير في هذا الصدد، ومرشح لأن تحصل تطورات أكبر في المستقبل القريب. ويسود الاعتقاد بأن التطورات في هذا الصدد مرضية جداً، وإن كانت تقارير منظمة العفو تتحدث عن حالات العنف ضد المرأة، وبالذات بالنسبة للعاملات في المنازل، والتي يقوم بها أفراد مختلطون من كل الجنسيات في المجتمعات الخليجية ضد خدم المنازل، الأقل حظاً، والأكثر احتياجاً في هذه المجتمعات، وترى فيهم كفئات ذات حاجة كبيرة للوظائف المقدمة لهم وبأقل الرواتب. 

وبشكل عام فإن المرأة بدأت تحصل على الكثير من العناية في التوظيف وفي الارتقاء الوظيفي، وحتى الانتخابي والمشاركة السياسية، وإن لم يكن النساء أحياناً يشكلن أفضل ما في المجتمع لتمثيل المنصب الذي يرشحن له. لكن يبقى العنف أيضاً له دور في إصابة حالات من هذه الفئة، وإن يكن ضد المعتقدات السائدة في الدين الإسلامي، ويقوم به في الغالب من هم متأثرون بالحياة العصرية، والمتعاطون للمشروبات الروحية والمخدرات التي جاءت مع التغيرات والتحديث الغربي للمجتمعات الخليجية.

أما على صعيد التشريعات الواردة بحق المرأة في دول الخليج، فإنه لا توجد تشريعات تعيق تقدم أو اكتساب المرأة لحقوقها. وحتى الأطر الدينية يعمل بها في حالة من المرونة بحيث تؤخذ بما يساعد على الحصول على المزيد من انعتاقها من الأطر القبلية القديمة والعادات الاجتماعية المعوقة للتطور الاجتماعي. وتبقى هذه العادات والتحفظات القبلية عائقاً أحياناً أمام دخول المرأة معترك الحياة المهنية والاختلاط بالرجال، كما تذكر الدراسات الأخيرة في هذه الصدد. فمثلاً الإناث يشكلن 70 في المائة من المسجلين في مؤسسات التعليم العالي، في حين لا تتجاوز نسبة وجودهن في الأعمال المختلفة نسبة 30 في المائة في المجتمع الإماراتي. وهذا بالطبع قد يعود في جانب منه للعمالة الوافدة التي تشكل أكثر من 80 في المائة من القوى العاملة، وأكثر هذه القوة العاملة الوافدة هي من الرجال، إلا أن العادات الاجتماعية أيضاً، تعيق بعض النساء عن العمل مع الرجال. وهو التطور الذي يحتاج المجتمع إلى وقت لتجاوزه.

أما في ما يتعلق بخادمات المنازل فإن الروايات تذكر حالات عنف من الجانبين، المؤجرين والمستأجرين. وهناك حالات اغتصاب تسجل، وحالات اعتداء من خادمات في المقابل على الأطفال الرضع، وهي وضعية قديمة وجرى النقاش، ولا يزال، حول أسلوب التعاطي مع هذه الفئة من النساء، لكن يظل الوضع على حاله، وإن كان قد شهد مؤخراً تطوراً في التعامل مع الخادمات، إلا أن مقدار الرواتب، وطبيعة العمل الذي تقوم به هذه الفئة، لا يجعلان مجالاً إلا لحدوث مشكلات حقيقية مستمرة. وآن الآوان ليكون هذا الموضوع محل مراجعة إنسانية، واجتماعية واقتصادية حقيقية، تجعل الحال أفضل، ومقبولاً على الصعيد الدولي، وأكثر راحة للأسر الكافلة والمستخدمة لهذه الفئة من النساء.

 أحد الحلول المقترحة في هذا الشأن هو تشكيل شركات حكومية مشتركة بين دول الخليج وتلك المصدّرة للعمالة، بإيجاد شركات خدمات عمالية منزلية، ذات مواصفات تجعل مستوى الرواتب وظروف العمل أفضل لخدم المنازل، ويزيل عنها صفة العبودية التي هي شبه ما تكون عليه الآن، حيث تصادر حرية الخادمات طوال فترة العمل، ويحتجزن في المنازل من دون أدنى اعتبار للحقوق الإنسانية لهن في بعض الحالات، وفي حالات أخرى يؤدي ترك الحرية لهن إلى مشكلات اجتماعية وأمنية كبيرة على الأسر المختلفة نفسها، كنوع من الانتقام المضاد.

وعموماً، تبقى مسألة العنف ضد المرأة ليست مشكلة خليجية أو عربية أو إسلامية فقط، بل هي قضية إنسانية، حيث تذكر لنا التقارير أن حالات العنف في الولايات المتحدة ضد النساء مثلاً، تشكل ظاهرة كبيرة، تظهر في البرامج الاجتماعية التلفزيونية، وفي الدارسات الاجتماعية الواردة من هناك.

وتبقى مسألة الأطفال، وفي صدد الطفولة والتشريعات حولها، فإن الكثير قد تم القيام به في دول الخليج العربية، لكن الأطر التشريعية تحتاج إلى الكثير من العمل لتقوم به، من أجل أن يصبح الوضع مع هذه الفئة من السكان أفضل، ويتناسب مع التشريعات الدولية. إلا أن ما يتم القيام به حالياً هو محل ارتياح في المؤسسات الدولية تجاهنا.

هذه بعض من كثير من الملاحظات الأولية، ضمن إطار المراقبة الأولية لما هو موجود على صعيد التحفظات الواردة في تقارير منظمة العفو الدولية على حالة حقوق الإنسان في دولنا الخليجية. وتظل المسألة هي أن التغييرات، والتحسن في العلاقات الاجتماعية، وفي سيادة روح العدالة، ومساواة الأفراد والمؤسسات جميعاً أمام القوانين الموضوعة، وتحسين هذه القوانين لتكون أكثر عقلانية وإنسانية، وأقرب ما تكون للربانية، هي تطورات يجب أن تكون أصيلة، نابعة من أسس التعامل الثقافي والعقائدي الخاصة بالمنطقة، التي اختط لها الدين الإسلامي خطوطاً ومعالم في السلوك، والآداب، والحقوق والواجبات، ما يجعلها الأقرب إلى روح العدالة السماوية النبيلة بكل عدالتها، وشموليتها وصفائها. ومن ثم فإن أفضل ما في هذه الأصول يعزز الشعور، والإحساس الإنساني لمجتمعاتنا، ويجعلنا أفضل وأقرب إلى مملكة الرب سبحانه وتعالى. وما نحتاجه هو المزيد من العمل على تقوية هذه المشاعر، وتعزيز العمل بها في نطاقنا الاجتماعي، والأخذ بها من قبل المؤسسات الرسمية لكي تكتمل الصورة.      

                                                                            

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1139::/cck::
::introtext::

في مسألة حقوق الإنسان، بمختلف أشكالها، الكثير تم فعله حتى الآن من قبل دول الخليج العربية، التي كانت من بين الأكثر حرصاً والتزاماً، حتى إن المرء ليجد الوضع مستغرباً فعلاً من كثرة اشتغال جهات الإعلام والتوعية الجماهيرية من خطب مساجد، وأنشطة تجارية، وفعاليات جماهيرية مترافقة مع حجم هائل من وسائل الدعاية والإعلان والتثقيف الجماهيري في كل دول الخليج تقريباً من دون استثناء، للتفاعل مع كل ما تطرحه وتطالب به منظمة العفو الدولية. بل أصبح الأمر يبدو كما لو أنه لا يتفاعل مع سياسات هذه المنظمة أحد سوى هذه المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

في مسألة حقوق الإنسان، بمختلف أشكالها، الكثير تم فعله حتى الآن من قبل دول الخليج العربية، التي كانت من بين الأكثر حرصاً والتزاماً، حتى إن المرء ليجد الوضع مستغرباً فعلاً من كثرة اشتغال جهات الإعلام والتوعية الجماهيرية من خطب مساجد، وأنشطة تجارية، وفعاليات جماهيرية مترافقة مع حجم هائل من وسائل الدعاية والإعلان والتثقيف الجماهيري في كل دول الخليج تقريباً من دون استثناء، للتفاعل مع كل ما تطرحه وتطالب به منظمة العفو الدولية. بل أصبح الأمر يبدو كما لو أنه لا يتفاعل مع سياسات هذه المنظمة أحد سوى هذه المنطقة.

لكن، تبقى العديد من المسائل بحاجة إلى إعادة نظر واعتبار. فمثلاً، هل من المعقول أن يستمر بعضهم في التحدث باسم أمن الدولة عند استدعاء أحدهم للتحقيق معه بشأن اتهام يراه جهاز الأمن خطراً على الأمن الوطني، في مجتمعات خليجية بدأت في الدخول إلى مرحلة ما بعد الحداثة، متجاوزة مراحل من الحداثة، في حين أن المسؤولين عن أمر الأمن الوطني في دول الخليج بدأوا يعون هذه المسألة، ويغيرون تعريف مسماهم الوظيفي إلى (مستشار الأمن الوطني)؟

إن تقارير منظمة العفو الدولية تذكر بعض الحالات التي تم فيها التحفظ على أشخاص لتهم مختلفة، قائلة إن أجهزة أمن الدولة في البلد الخليجي كذا قامت بمثل هذا التحفظ. الدولة هي جهاز تنفيذي معد لخدمة الوطن والمواطن، ولا يمكن أن يكون فوقه، بحيث يحتكر السلطة والنفوذ، باسم الشعب. والقوة يجب ألا تستخدم ضد الشعب بل في صالح الشعب. هذا هو المبدأ العام الإنساني المتعارف عليه. لكن أن يصبح جزء من هذا الجهاز فوق المجتمع، ويمارس سطوته خارج سياق المسائلة، فإن الأمر يغدو عودة إلى عهود قديمة متخلفة، لم يعد التاريخ يقبلها. ودول الخليج أظهرت أنها في الطريق للتحول إلى دول عصرية، تحاول مواكبة أرقى النظم الموجودة على الأرض من أجل الارتقاء بصالح مجتمعاتها.

إن حمل السلاح، أو التمتع باحتكار السلطة، والمساءلة، فيها الكثير من النذر الشيطانية، التي تجعل صاحبها يخرج من النطاق الاجتماعي الإنساني إلى النطاق الغريزي الحيواني. فمتى ما رأيت السلاح أو المنصب المتسلط بيدك يشعرك بقوة خفية تدفعك تجاه الاستحواذ والهيمنة والتسلط، وهو ما تكافحه الدول المتقدمة في السلم الحضاري بالرقابة الشديدة على كل سلطات السطوة والقوة في الجيش والشرطة وأجهزة الأمن في الدولة، بأجهزة مجتمعية وقانونية أعلى سلطة منها، وأقرب للسلطات المدنية، التي تعطي للشعب حق الرقابة على هذه الأجهزة السلطوية.

إن مجتمعاتنا الخليجية الصغيرة الحجم، الكبيرة الإمكانات الاقتصادية نسبياً، مرشحة لأن تكون جنة الله في الأرض، ومملكته الفاضلة على هذا الكوكب، لو أحسنت وزن كل الأمور، بمنطق العدالة الأسمى، لتأكيد هذا الخلق الراقي الذي نحس جميعاً أنها تنشده. لكن أن تكون هذه العدالة لصالح فئة في هذه المجتمعات، وكأنها فوق هذه المجتمعات، فإنه أمر قد مضى إلى غير رجعة. وتقدم لنا تقارير المنظمات الدولية لحقوق الإنسان نماذج من هذا التغير على كل الصعد، إلى أعلى المستويات، حتى تطال أفراداً من العائلات الحاكمة، كلهم يبدون الآن سواء أمام القانون، الذي يجب أن يحترمه الجميع، صغيراً كان أم كبيراً. وما قرارات المطالبة من النيابات العامة في الخليج بفتح ملفات اتهام لمن يقوم بتجاوزات قانونية مخالفة لحقوق الإنسان والتحفظ عليه، كائناً من كان هذا الشخص، لأمر يبدو مشجعاً جداً في هذا الخصوص.

الأمن أولاً للوطن، بعد مخافة الرب سبحانه وتعالى، وحين توظف الأجهزة المختصة فإنها في الأساس يجب أن تكون لخدمة الوطن والمواطن، لا لتكون عليه. فلم نسمع مثلاً في دول الخليج بأي اعتقالات لأشخاص يتجسسون لصالح أعداء هذا الوطن، ومن لهم مصالح غير مصالح أوطاننا، من أنظمة تريد بها سوء، كالكيان الإسرائيلي، الذي يعتقد أننا خط الدفاع، والسند الأساسي، للنضال الفلسطيني العادل من أجل نيل الحقوق الإنسانية والقانونية والوطنية المشروعة، التي خرقها ويخرقها احتلاله الصهيوني البغيض كل يوم في فلسطين، محدثاً كماً هائلاً من الغضب في الأراضي المحتلة، وفي ما حولها، ومثيراً سخطاً قد يتفجر في عدم استقرار أمني في كل المجتمعات العربية والإسلامية.

لم نسمع عن اعتقالات تمت لأشخاص يتآمرون لمصلحة نظام يحتل أراضينا في الخليج، أو يتجسسون لمصلحته، ويقومون بأعمال تمس الأمن الوطني في ذلك، كما هي الحال في كل دول العالم التي لها مصالح متضاربة مع أنظمة متنافسة أو مختلفة عنها عقائدياً أو سياسياً أو اجتماعياً وغيرها.

ثم على الصعيد الداخلي، هل يحق لجهاز أمن ما أن يكون هو أداة الضبط، والقضاء، والتنفيذ في آن واحد؟ كيف تتحقق العدالة إذا كان من يقوم بالاعتقال ويوجه لائحة الاتهام، هو من يعيّن القاضي الذي سيحكم في أمر صحة هذه الاتهامات، ويقبلها أو يرفضها، في حين هو ليس مستقلاً ومحايداً تماماً، لا علاقة له بالسلطة التنفيذية وجهازها الأمني؟ إن استقلال القضاء أمر في غاية الأهمية لمصداقية الأحكام الصادرة في حق أي إنسان في المجتمعات الإنسانية الحديثة.

ورغم حالات التفاعل الكبير التي تظهرها أنظمتنا الخليجية لمجالات حقوق الإنسان كالاعتداء على الأطفال، والعنف ضدهم وضد المرأة والفئات الضعيفة الأخرى، والتحسن الكبير في القوانين والإجراءات الصادرة بحق العمالة الأجنبية، وفي مسألة عقوبة الإعدام وغيرها، لا يعفينا من هذا الباب المشرّع دائماً ضدنا في المحافل الدولية، والذي يؤثر في سمعتنا ومصداقية إجراءاتنا في هذا الصدد.    

قضية أخرى لاحظها تقرير منظمة العفو الدولية في دول الخليج هي مسألة حق التعبير عن الرأي، إنه لأمر مقلق أن تكون مجتمعاتنا الخليجية الصغيرة العدد في سكانها يكون من بين أعضائها من يقول رأياً، ولم يصل هذا الرأي حتى إلى مرحلة المطالبة بفرضه، أو أسلوب فرضه، ومع ذلك يحقق مع هذا البعض، وتصادر جوازات السفر، ويتم التهديد باستخدام وسائل غير إنسانية في استخراج المعلومات من هؤلاء الأشخاص، حسب تقارير منظمة العفو الدولية.

استقلال القضاء أمر في غاية الأهمية لمصداقية الأحكام الصادرة في حق أي إنسان في المجتمعات الإنسانية الحديثة

إن كل إنسان له الحق في أن يقول رأيه بحرية ما دام هذا الرأي لا يحمل ما يستدعي تقديم صاحبه للقضاء بتهم القذف أو التجديف، أو إحداث ضرر بسمعة أو ملكية شخص ما، أو مؤسسة ما. وحتى لو حصل ذلك فإن هذا الأمر يعود إلى القضاء للفصل فيه متى ما قام شخص ما برفع قضية ضد هذا القول وصاحبه. لكن أن تتدخل جهات تعتبر هذا القول أو الرأي مهدداً لأمن الدولة، ففي ذلك الكثير من النظر. فالدول مؤسسات وأجهزة ضخمة وموارد هائلة، وإذا كان مجرد الرأي سيؤثر في وجودها وأمنها، فإن هذه الدولة من الهشاشة والقابلية للتهاوي تصبح شديدة الوضوح، بحيث تجعل حتى أضعف الدول المنافسة تطمع فيها.

وتبقى نواحي عدة، وإن كان ينظر إليها في الغرب على أنها تحتل سلم الأولويات في قضايا التغيير المطلوب من دول المنطقة تحقيقها، كالتعامل مع المرأة في المجتمعات الخليجية، والعنف ضد الأطفال، والفئات المحتاجة كالعمالة الوافدة  والأقليات وغيرها من القضايا الهامشية في مجال حقوق الإنسان.  

في دول الخليج لا توجد تشريعات تعيق تقدم أو اكتساب  المرأة حقوقها 

وبالنسبة للمرأة في دول الخليج، وإن كانت التقاليد والعادات تلعب في بعضها دوراً معوقاً ومؤثراً، على انخراطها بالحياة العامة، والمشاركة الكبيرة للرجل في صنع القرار في الكثير من الجوانب، فإن هناك من التطورات التي حدثت خلال السنوات القليلة الماضية، ومن أعلى المستويات، تنبئ بتغير كبير في هذا الصدد، ومرشح لأن تحصل تطورات أكبر في المستقبل القريب. ويسود الاعتقاد بأن التطورات في هذا الصدد مرضية جداً، وإن كانت تقارير منظمة العفو تتحدث عن حالات العنف ضد المرأة، وبالذات بالنسبة للعاملات في المنازل، والتي يقوم بها أفراد مختلطون من كل الجنسيات في المجتمعات الخليجية ضد خدم المنازل، الأقل حظاً، والأكثر احتياجاً في هذه المجتمعات، وترى فيهم كفئات ذات حاجة كبيرة للوظائف المقدمة لهم وبأقل الرواتب. 

وبشكل عام فإن المرأة بدأت تحصل على الكثير من العناية في التوظيف وفي الارتقاء الوظيفي، وحتى الانتخابي والمشاركة السياسية، وإن لم يكن النساء أحياناً يشكلن أفضل ما في المجتمع لتمثيل المنصب الذي يرشحن له. لكن يبقى العنف أيضاً له دور في إصابة حالات من هذه الفئة، وإن يكن ضد المعتقدات السائدة في الدين الإسلامي، ويقوم به في الغالب من هم متأثرون بالحياة العصرية، والمتعاطون للمشروبات الروحية والمخدرات التي جاءت مع التغيرات والتحديث الغربي للمجتمعات الخليجية.

أما على صعيد التشريعات الواردة بحق المرأة في دول الخليج، فإنه لا توجد تشريعات تعيق تقدم أو اكتساب المرأة لحقوقها. وحتى الأطر الدينية يعمل بها في حالة من المرونة بحيث تؤخذ بما يساعد على الحصول على المزيد من انعتاقها من الأطر القبلية القديمة والعادات الاجتماعية المعوقة للتطور الاجتماعي. وتبقى هذه العادات والتحفظات القبلية عائقاً أحياناً أمام دخول المرأة معترك الحياة المهنية والاختلاط بالرجال، كما تذكر الدراسات الأخيرة في هذه الصدد. فمثلاً الإناث يشكلن 70 في المائة من المسجلين في مؤسسات التعليم العالي، في حين لا تتجاوز نسبة وجودهن في الأعمال المختلفة نسبة 30 في المائة في المجتمع الإماراتي. وهذا بالطبع قد يعود في جانب منه للعمالة الوافدة التي تشكل أكثر من 80 في المائة من القوى العاملة، وأكثر هذه القوة العاملة الوافدة هي من الرجال، إلا أن العادات الاجتماعية أيضاً، تعيق بعض النساء عن العمل مع الرجال. وهو التطور الذي يحتاج المجتمع إلى وقت لتجاوزه.

أما في ما يتعلق بخادمات المنازل فإن الروايات تذكر حالات عنف من الجانبين، المؤجرين والمستأجرين. وهناك حالات اغتصاب تسجل، وحالات اعتداء من خادمات في المقابل على الأطفال الرضع، وهي وضعية قديمة وجرى النقاش، ولا يزال، حول أسلوب التعاطي مع هذه الفئة من النساء، لكن يظل الوضع على حاله، وإن كان قد شهد مؤخراً تطوراً في التعامل مع الخادمات، إلا أن مقدار الرواتب، وطبيعة العمل الذي تقوم به هذه الفئة، لا يجعلان مجالاً إلا لحدوث مشكلات حقيقية مستمرة. وآن الآوان ليكون هذا الموضوع محل مراجعة إنسانية، واجتماعية واقتصادية حقيقية، تجعل الحال أفضل، ومقبولاً على الصعيد الدولي، وأكثر راحة للأسر الكافلة والمستخدمة لهذه الفئة من النساء.

 أحد الحلول المقترحة في هذا الشأن هو تشكيل شركات حكومية مشتركة بين دول الخليج وتلك المصدّرة للعمالة، بإيجاد شركات خدمات عمالية منزلية، ذات مواصفات تجعل مستوى الرواتب وظروف العمل أفضل لخدم المنازل، ويزيل عنها صفة العبودية التي هي شبه ما تكون عليه الآن، حيث تصادر حرية الخادمات طوال فترة العمل، ويحتجزن في المنازل من دون أدنى اعتبار للحقوق الإنسانية لهن في بعض الحالات، وفي حالات أخرى يؤدي ترك الحرية لهن إلى مشكلات اجتماعية وأمنية كبيرة على الأسر المختلفة نفسها، كنوع من الانتقام المضاد.

وعموماً، تبقى مسألة العنف ضد المرأة ليست مشكلة خليجية أو عربية أو إسلامية فقط، بل هي قضية إنسانية، حيث تذكر لنا التقارير أن حالات العنف في الولايات المتحدة ضد النساء مثلاً، تشكل ظاهرة كبيرة، تظهر في البرامج الاجتماعية التلفزيونية، وفي الدارسات الاجتماعية الواردة من هناك.

وتبقى مسألة الأطفال، وفي صدد الطفولة والتشريعات حولها، فإن الكثير قد تم القيام به في دول الخليج العربية، لكن الأطر التشريعية تحتاج إلى الكثير من العمل لتقوم به، من أجل أن يصبح الوضع مع هذه الفئة من السكان أفضل، ويتناسب مع التشريعات الدولية. إلا أن ما يتم القيام به حالياً هو محل ارتياح في المؤسسات الدولية تجاهنا.

هذه بعض من كثير من الملاحظات الأولية، ضمن إطار المراقبة الأولية لما هو موجود على صعيد التحفظات الواردة في تقارير منظمة العفو الدولية على حالة حقوق الإنسان في دولنا الخليجية. وتظل المسألة هي أن التغييرات، والتحسن في العلاقات الاجتماعية، وفي سيادة روح العدالة، ومساواة الأفراد والمؤسسات جميعاً أمام القوانين الموضوعة، وتحسين هذه القوانين لتكون أكثر عقلانية وإنسانية، وأقرب ما تكون للربانية، هي تطورات يجب أن تكون أصيلة، نابعة من أسس التعامل الثقافي والعقائدي الخاصة بالمنطقة، التي اختط لها الدين الإسلامي خطوطاً ومعالم في السلوك، والآداب، والحقوق والواجبات، ما يجعلها الأقرب إلى روح العدالة السماوية النبيلة بكل عدالتها، وشموليتها وصفائها. ومن ثم فإن أفضل ما في هذه الأصول يعزز الشعور، والإحساس الإنساني لمجتمعاتنا، ويجعلنا أفضل وأقرب إلى مملكة الرب سبحانه وتعالى. وما نحتاجه هو المزيد من العمل على تقوية هذه المشاعر، وتعزيز العمل بها في نطاقنا الاجتماعي، والأخذ بها من قبل المؤسسات الرسمية لكي تكتمل الصورة.      

                                                                            

 

::/fulltext::
::cck::1139::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *