مزيد من (الشفافية) حول ملف حقوق الإنسان في دول الخليج العربية
::cck::1141::/cck::
::introtext::
يستطيع المرء في عالمنا المعاصر أن يتعرّف بشكل شبه دقيق إلى الصور النمطية التي عادة ما تعكسها وتتداولها شبكات الأخبار العالمية (الغربية خصوصاً) عن دول ومجتمعات الخليج العربي. فقد أصبح عالمنا المعاصر بالفعل قرية صغيرة يتم فيها تبادل المعلومات من أي موقع جغرافي إلى آخر خلال ثوان أو دقائق قليلة.
::/introtext::
::fulltext::
يستطيع المرء في عالمنا المعاصر أن يتعرّف بشكل شبه دقيق إلى الصور النمطية التي عادة ما تعكسها وتتداولها شبكات الأخبار العالمية (الغربية خصوصاً) عن دول ومجتمعات الخليج العربي. فقد أصبح عالمنا المعاصر بالفعل قرية صغيرة يتم فيها تبادل المعلومات من أي موقع جغرافي إلى آخر خلال ثوان أو دقائق قليلة.
أصبحت سرعة تداول المعلومات والأخبار حول العالم عنواناً رئيسياً لمسيرة البشرية خلال القرن الواحد والعشرين، وما كان يحدث في البيئة المحلية، وتغطيه الصحف ووسائل الإعلام المحلية في إحدى الدول يمكن أن يتحول خلال دقائق إلى خبر عالمي تتناقله شبكة الـ (سي إن إن) أو (فوكس) أو (يورونيوس) أوغيرها. وهناك جانب سلبي واضح حول هذا التطور الإعلامي يتمثل في استمرار بعض شبكات الأخبار في استخدام فرضيات ونماذج ثقافية متكررة وغير دقيقة عن المجتمعات الخليجية عند صياغتها للخبر الإعلامي يشوبها بعض التشويه المتعمد، فقط من أجل زيادة عدد المشاهدين أو المستمعين.
هناك صورة نمطية غربية سلبية غير عادلة عن المجتمعات والدول الخليجية
على سبيل المثال، لا تزال كثير من شبكات الأخبار العالمية تتعامل مع إقليم الشرق الأوسط بشكل عام ودول الخليج العربي بشكل خاص حسب تصورات ثقافية وسياسية واجتماعية مشوهة نوعاً ما خاصة في ما يتعلق بحقوق الإنسان. فطريقة تعامل الإعلام الغربي وجمعيات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة وأوروبا مع أية حادثة انتهاك لحقوق الإنسان تحصل في دول الخليج تعكس سيناريو نمطياً متكرراً ربما لا يعكس الحقيقة كاملة: (يبدأ الخبر المعتاد بتقرير صحافي في إحدى شبكات الأخبار عن وقوع حادثة انتهاك لحقوق الإنسان في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي. مباشرة ودون تمحيص للخبر يتم بعد ذلك تداوله قياساً لما هو (متوقع) أن يحدث في دول الخليج).
بمعنى آخر، بعض الصحف وشبكات الأخبار الغربية ومنظمات حقوق الإنسان الغربية كذلك ترفق في تقاريرها المختلفة عن المجتمعات الخليجية صوراً نمطية غالباً ما تعكس الثراء (الفاحش) المزعوم وربما يتم وصف هذه المجتمعات الخليجية بالصحراوية وإضافة بعض الصور لجمال تسير بجانب الطرق السريعة أو إظهار صور لمصافي النفط أو المطارات والأسواق الفاخرة! ويتم بعض الأحيان تضخيم حادثة الانتهاك التي ربما حدثت، لكن ليس بالصورة التي عكستها شبكات الأخبار وتقارير منظمات حقوق الإنسان المعدة بشكل سريع: التضخيم وتصوير الانتهاكات المزعومة يعكسان ما حدث من انتهاكات لحقوق بعض العمالة أو بعض الخدم وكأنها نمط اجتماعي خاص ومتكرر يحدث فقط في دول الخليج العربية! بعد ذلك، ووفق صدق أو زيف تلك التقارير الإعلامية الغربية تأتي ردود الفعل الرسمية الخليجية (صارمة وحاسمة في غالب الوقت: فيصرّح المسؤول الخليجي: (هذه أو تلك الحادثة أو الجريمة الشنعاء لا تمثل مجتمعنا.. ونشجب ونستنكر ما حدث وسنعاقب كل من تُسوّل له نفسه تشويه سمعة البلد أو المجتمع..) أو هكذا هو السياق البلاغي الذي يصاغ من خلاله عادة كثير من ردود الفعل الخليجية الرسمية تجاه ادعاءات ومزاعم وجرائم انتهاكات لحقوق الإنسان.

والمشكلة في هذا السياق الخليجي /الغربي/ الإعلامي حول قضايا انتهاك حقوق الإنسان أنّه يطغي غالباً ويضخّمه تكرار صور نمطية غربية سلبية غير عادلة عن المجتمعات والدول الخليجية. هذا التواتر الإعلامي الغربي يؤثر بشكل أو آخر في صياغة تقارير حقوق الإنسان التي تصدر عن مختلف منظمات العفو الدولية. والنتيجة الحتمية لهذا السيناريو المتكرر حول وضع حقوق الإنسان في دول الخليج العربية أنه يشوه سمعة المجتمعات الخليجية في الساحة الدولية. لكن نعتقد أنّه ومن أجل تفادي تكرار مثل هذا النوع من السيناريوهات السلبية حول (حقوق الإنسان في دول الخليج العربية) يجب أن يتم التعامل مع جرائم انتهاك حقوق الإنسان من منطلقات إنسانية وأمنية واجتماعية وقانونية جادة لا تقبل الغموص بل تستند إلى الحرفية التامة والشفافية المطلقة.
أصبح ملف حقوق الإنسان جسراً تعبر من فوقه كل أنواع الاستغلال والتهديدات والمساومات
الارتقاء بحقوق الإنسان يستلزم مزيداً من الشفافية
يمكن للحكومات الخليجية أن تستغل الثورة المعلوماتية في عالمنا المعاصر بشكل أكثر حرفية عمّا يجري حالياً ومن أجل تحقيق مصالحها الخاصة والعامة في ما يتعلق بمكانتها في الساحة الدولية. بمعنى آخر من الممكن مثلاً مواجهة التشويه الإعلامي المتعمد لما يحدث في المجتمعات الخليجية خاصة مع العمالة الآسيوية الوافدة عن طريق اعتناق مزيد من الشفافية الإعلامية. بل نعتقد أن دول الخليج- كما فعلت قطر مؤخراً- يمكن لها كذلك أن تدعو منظمات العفو الدولية أن تفتتح مراكز لها في دول الخليج، وتسهل لها عملية جمع المعلومات حول حالات انتهاك حقوق الإنسان. وفي الوقت الحالي يتميز رد الفعل الخليجي كونه نمطياً يوازي بشكل أو آخر النمطية الغربية المعتادة في نقل الأخبار عن دول الخليج أو في كتابة تقارير حقوق الإنسان المختلفة. فبدلاً من التوجس من نوايا بعض منظمات حقوق الإنسان تجاه الدول الخليجية علينا كخليجيين أن ندعو هذه المنظمات لتشاركنا مكافحة هذا النوع من الانتهاكات. إضافة إلى ذلك نستطيع نحن كخليجيين مواجهة التشويه الإعلامي الغربي حول حالة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا عن طريق إصدار تشريعات قوانين جديدة تواكب المعايير والمبادئ التي تستند إليها أغلب منظمات حقوق الإنسان العالمية. على سبيل المثال، يمكن للحكومات الخليجية أن تعطي منظمات حقوق الإنسان المحلية مزيداً من الحرية، بل تشارك في جهودها عن طريق الدعم المادي والمعلوماتي.
لقد جادلنا في مقال سابق حول مكافحة الفساد في دول الخليج نشر في مجلة (آراء حول الخليج) بأنّه على الحكومات الخليجية دعم (منظمات الشفافية) المحلية ومنحها كل التسهيلات الإجرائية والقانونية الضرورية لكي تمارس صلاحياتها كاملة. ولقد استندنا في تلك المناقشة السابقة حول الفساد إلى الفرضية التالية: إذا سمحت الحكومات الخليجية لمنظمات المجتمع المدني بمزيد من الاستقلالية والحرية فهي ستستفيد آخر الأمر. ومن أجل أن تتم مكافحة الظواهر السلبية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان يجب أن تتم إتاحة المجال للمنظمات المحلية المستقلة أن تراقب أياً من الإجراءات الحكومية والسلوكيات الفردية السلبية التي تنتهك بشكل أو آخر حقوق الإنسان. هذا التعاون بين منظمات حقوق الإنسان في دول الخليج وحكوماتها سيساعدنا جميعاً على التوصل إلى حلول حاسمة لملف ساخن أصبح على ما يبدو جسراً تعبر من فوقه كل أنواع الاستغلال والتهديد والمساومات المختلفة. وفي المحصلة الأخيرة إن مزيداً من الشفافية والرقابة الشعبية/المحلية الطوعية يعني اختفاء تدريجياً لأي نوع من الانتهاكات. فإضافة إلى المكاسب السياسية التي من الممكن أن تجنيها الحكومات الخليجية محلياً إذا هي سمحت بمزيد من الشفافية، فتفعيل إجراءات صارمة حول هذا الشأن أصبح ضرورياً ويصب في المصلحة العامة.
حرية الصحافة وحقوق الإنسان في دول الخليج
إن السماح بمزيد من الشفافية يشير بالطبع إلى أهمية التأكيد على حرية الصحافة الخليجية. فبدلاً من أن تحاول بعض الحكومات الخليجية تقييد حرية صحافتها المحلية عن طريق سن قوانين جديدة أو إنشاء مؤسسات رقابية تضع عراقيل إضافية أمام (السلطة الرابعة) يستحسن تغيير هذه الطرق التقليدية في التعامل مع الإعلام الخاص، حيث غدت الصحافة غير الحكومية في عالم اليوم مختلفة تماماً عمّا كانت عليه الصحافة المطبوعة في الخمسينات أو الستينات من القرن الماضي أي أن الجهات الإعلامية الرسمية لم يعد لها تأثير كبير في تشكيل الرأي العام كما كان يحدث في السابق. على سبيل المثال، تحتل الصحافة الإلكترونية حيزاً كبيراً في الفضاء الإعلامي العالمي، وتؤثر بشكل كبير في أذهان الأجيال الخليجية الجديدة والتي تتابع ما ينشر في الإنترنت، وتتفاعل معه، وتتأثر به، وتؤثر فيه كذلك. كل هذا التفاعل الإعلامي يحدث في الأثير من دون أن تستطيع مراقبته أو حجبه على الدوام. ومن هذا المنطلق يبدو تقليل عدد القيود على الصحافة المحلية المطبوعة والإلكترونية كذلك تحصيل حاصل، حيث تصعب حالياً مراقبة أو منع الصحافة الإلكترونية أو المنتديات أو غيرها، فلماذا لا يتم احتضانها بدلاً من استعدائها. وهناك أمر آخر يساهم بشكل رئيسي في تشويه أوضاع حقوق الإنسان في دول الخليج العربية هو نظام الكفيل.
نظام الكفيل وانتهاكات حقوق الإنسان
في تقريرها الأخير (مايو 2009) تحت عنوان (العمل القسري: حقائق وأرقام) عن أوضاع العمالة الوافدة في الشرق الأوسط وفي دول الخليج العربية تذكر (منظمة العمل الدولية) أن نظام الكفيل يؤدي إلى فرض العمل القسري والاتجار في البشر، حيث أوضحت التجارب السابقة أنه يمنح الكفيل سيطرة كبيرة على العامل، ويؤدي كذلك إلى انتشار الاتجار في الإقامات. (يشير التقرير كذلك إلى مشكلة تغيير العقد الأصلي عند وصول العامل الآسيوي إلى دول الخليج العربية حيث يتضّح أن أجور العامل تساوي 10 في المائة مما تم الاتفاق عليه سابقاً عند توقيع العقد في البلد الأصلي. إذ إن نظام الكفيل وخاصة ما يشمل العمالة المنزلية وعمّال الإنشاء وغيرهم من ذوي الأجور المنخفضة يفتح الباب على مصراعيه لانتهاك حقوق الإنسان. ولذلك فإن التخلّص من نظام الكفيل في دول الخليج واستبداله بنظام أكثر كفاءة وعدلاً للعامل ورب العمل سيقللان من حدوث انتهاكات صارخة لحقوق العمالة.
المبادرة إلى مكافحة الانتهاكات اللاإنسانية
لعل من أنجح الوسائل التي يمكن أن تتبعها الحكومات الخليجية هو اتباع منهج المبادرة والسبق في مكافحة أي انتهاك لحقوق الإنسان. فبدلاً من انتظار أن تبدأ الصحافة العالمية تتداول أوضاع حقوق الإنسان في دول الخليج العربية وتفسرها حيثما تشاء ووقتما تشاء وكيفما تشاء يجب علينا كخليجيين أن نتحرك لمواجهة ما يستجد في مجتمعاتنا المحلية: تطبيق مزيد من الإجراءات الاحترازية لمنع انتهاك حقوق الإنسان في ما يخص العمالة الوافدة هو الخطوة الأولى.
وأخيراً من أجل أن نتحاشى تعرض مجتمعاتنا الخليجية للتشويه المتعمد على أيدي الآخرين حريٌ بنا كخليجيين أن نتقبل حقيقة أنّه من دون مزيد من الشفافية حول ملف حقوق الإنسان في مجتمعاتنا فنحن بشكل أو آخر نختار طوعاً أن نقع مرة أخرى في شراك كان يجب علينا تفاديه منذ البداية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1141::/cck::
::introtext::
يستطيع المرء في عالمنا المعاصر أن يتعرّف بشكل شبه دقيق إلى الصور النمطية التي عادة ما تعكسها وتتداولها شبكات الأخبار العالمية (الغربية خصوصاً) عن دول ومجتمعات الخليج العربي. فقد أصبح عالمنا المعاصر بالفعل قرية صغيرة يتم فيها تبادل المعلومات من أي موقع جغرافي إلى آخر خلال ثوان أو دقائق قليلة.
::/introtext::
::fulltext::
يستطيع المرء في عالمنا المعاصر أن يتعرّف بشكل شبه دقيق إلى الصور النمطية التي عادة ما تعكسها وتتداولها شبكات الأخبار العالمية (الغربية خصوصاً) عن دول ومجتمعات الخليج العربي. فقد أصبح عالمنا المعاصر بالفعل قرية صغيرة يتم فيها تبادل المعلومات من أي موقع جغرافي إلى آخر خلال ثوان أو دقائق قليلة.
أصبحت سرعة تداول المعلومات والأخبار حول العالم عنواناً رئيسياً لمسيرة البشرية خلال القرن الواحد والعشرين، وما كان يحدث في البيئة المحلية، وتغطيه الصحف ووسائل الإعلام المحلية في إحدى الدول يمكن أن يتحول خلال دقائق إلى خبر عالمي تتناقله شبكة الـ (سي إن إن) أو (فوكس) أو (يورونيوس) أوغيرها. وهناك جانب سلبي واضح حول هذا التطور الإعلامي يتمثل في استمرار بعض شبكات الأخبار في استخدام فرضيات ونماذج ثقافية متكررة وغير دقيقة عن المجتمعات الخليجية عند صياغتها للخبر الإعلامي يشوبها بعض التشويه المتعمد، فقط من أجل زيادة عدد المشاهدين أو المستمعين.
هناك صورة نمطية غربية سلبية غير عادلة عن المجتمعات والدول الخليجية
على سبيل المثال، لا تزال كثير من شبكات الأخبار العالمية تتعامل مع إقليم الشرق الأوسط بشكل عام ودول الخليج العربي بشكل خاص حسب تصورات ثقافية وسياسية واجتماعية مشوهة نوعاً ما خاصة في ما يتعلق بحقوق الإنسان. فطريقة تعامل الإعلام الغربي وجمعيات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة وأوروبا مع أية حادثة انتهاك لحقوق الإنسان تحصل في دول الخليج تعكس سيناريو نمطياً متكرراً ربما لا يعكس الحقيقة كاملة: (يبدأ الخبر المعتاد بتقرير صحافي في إحدى شبكات الأخبار عن وقوع حادثة انتهاك لحقوق الإنسان في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي. مباشرة ودون تمحيص للخبر يتم بعد ذلك تداوله قياساً لما هو (متوقع) أن يحدث في دول الخليج).
بمعنى آخر، بعض الصحف وشبكات الأخبار الغربية ومنظمات حقوق الإنسان الغربية كذلك ترفق في تقاريرها المختلفة عن المجتمعات الخليجية صوراً نمطية غالباً ما تعكس الثراء (الفاحش) المزعوم وربما يتم وصف هذه المجتمعات الخليجية بالصحراوية وإضافة بعض الصور لجمال تسير بجانب الطرق السريعة أو إظهار صور لمصافي النفط أو المطارات والأسواق الفاخرة! ويتم بعض الأحيان تضخيم حادثة الانتهاك التي ربما حدثت، لكن ليس بالصورة التي عكستها شبكات الأخبار وتقارير منظمات حقوق الإنسان المعدة بشكل سريع: التضخيم وتصوير الانتهاكات المزعومة يعكسان ما حدث من انتهاكات لحقوق بعض العمالة أو بعض الخدم وكأنها نمط اجتماعي خاص ومتكرر يحدث فقط في دول الخليج العربية! بعد ذلك، ووفق صدق أو زيف تلك التقارير الإعلامية الغربية تأتي ردود الفعل الرسمية الخليجية (صارمة وحاسمة في غالب الوقت: فيصرّح المسؤول الخليجي: (هذه أو تلك الحادثة أو الجريمة الشنعاء لا تمثل مجتمعنا.. ونشجب ونستنكر ما حدث وسنعاقب كل من تُسوّل له نفسه تشويه سمعة البلد أو المجتمع..) أو هكذا هو السياق البلاغي الذي يصاغ من خلاله عادة كثير من ردود الفعل الخليجية الرسمية تجاه ادعاءات ومزاعم وجرائم انتهاكات لحقوق الإنسان.

والمشكلة في هذا السياق الخليجي /الغربي/ الإعلامي حول قضايا انتهاك حقوق الإنسان أنّه يطغي غالباً ويضخّمه تكرار صور نمطية غربية سلبية غير عادلة عن المجتمعات والدول الخليجية. هذا التواتر الإعلامي الغربي يؤثر بشكل أو آخر في صياغة تقارير حقوق الإنسان التي تصدر عن مختلف منظمات العفو الدولية. والنتيجة الحتمية لهذا السيناريو المتكرر حول وضع حقوق الإنسان في دول الخليج العربية أنه يشوه سمعة المجتمعات الخليجية في الساحة الدولية. لكن نعتقد أنّه ومن أجل تفادي تكرار مثل هذا النوع من السيناريوهات السلبية حول (حقوق الإنسان في دول الخليج العربية) يجب أن يتم التعامل مع جرائم انتهاك حقوق الإنسان من منطلقات إنسانية وأمنية واجتماعية وقانونية جادة لا تقبل الغموص بل تستند إلى الحرفية التامة والشفافية المطلقة.
أصبح ملف حقوق الإنسان جسراً تعبر من فوقه كل أنواع الاستغلال والتهديدات والمساومات
الارتقاء بحقوق الإنسان يستلزم مزيداً من الشفافية
يمكن للحكومات الخليجية أن تستغل الثورة المعلوماتية في عالمنا المعاصر بشكل أكثر حرفية عمّا يجري حالياً ومن أجل تحقيق مصالحها الخاصة والعامة في ما يتعلق بمكانتها في الساحة الدولية. بمعنى آخر من الممكن مثلاً مواجهة التشويه الإعلامي المتعمد لما يحدث في المجتمعات الخليجية خاصة مع العمالة الآسيوية الوافدة عن طريق اعتناق مزيد من الشفافية الإعلامية. بل نعتقد أن دول الخليج- كما فعلت قطر مؤخراً- يمكن لها كذلك أن تدعو منظمات العفو الدولية أن تفتتح مراكز لها في دول الخليج، وتسهل لها عملية جمع المعلومات حول حالات انتهاك حقوق الإنسان. وفي الوقت الحالي يتميز رد الفعل الخليجي كونه نمطياً يوازي بشكل أو آخر النمطية الغربية المعتادة في نقل الأخبار عن دول الخليج أو في كتابة تقارير حقوق الإنسان المختلفة. فبدلاً من التوجس من نوايا بعض منظمات حقوق الإنسان تجاه الدول الخليجية علينا كخليجيين أن ندعو هذه المنظمات لتشاركنا مكافحة هذا النوع من الانتهاكات. إضافة إلى ذلك نستطيع نحن كخليجيين مواجهة التشويه الإعلامي الغربي حول حالة حقوق الإنسان في مجتمعاتنا عن طريق إصدار تشريعات قوانين جديدة تواكب المعايير والمبادئ التي تستند إليها أغلب منظمات حقوق الإنسان العالمية. على سبيل المثال، يمكن للحكومات الخليجية أن تعطي منظمات حقوق الإنسان المحلية مزيداً من الحرية، بل تشارك في جهودها عن طريق الدعم المادي والمعلوماتي.
لقد جادلنا في مقال سابق حول مكافحة الفساد في دول الخليج نشر في مجلة (آراء حول الخليج) بأنّه على الحكومات الخليجية دعم (منظمات الشفافية) المحلية ومنحها كل التسهيلات الإجرائية والقانونية الضرورية لكي تمارس صلاحياتها كاملة. ولقد استندنا في تلك المناقشة السابقة حول الفساد إلى الفرضية التالية: إذا سمحت الحكومات الخليجية لمنظمات المجتمع المدني بمزيد من الاستقلالية والحرية فهي ستستفيد آخر الأمر. ومن أجل أن تتم مكافحة الظواهر السلبية المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان يجب أن تتم إتاحة المجال للمنظمات المحلية المستقلة أن تراقب أياً من الإجراءات الحكومية والسلوكيات الفردية السلبية التي تنتهك بشكل أو آخر حقوق الإنسان. هذا التعاون بين منظمات حقوق الإنسان في دول الخليج وحكوماتها سيساعدنا جميعاً على التوصل إلى حلول حاسمة لملف ساخن أصبح على ما يبدو جسراً تعبر من فوقه كل أنواع الاستغلال والتهديد والمساومات المختلفة. وفي المحصلة الأخيرة إن مزيداً من الشفافية والرقابة الشعبية/المحلية الطوعية يعني اختفاء تدريجياً لأي نوع من الانتهاكات. فإضافة إلى المكاسب السياسية التي من الممكن أن تجنيها الحكومات الخليجية محلياً إذا هي سمحت بمزيد من الشفافية، فتفعيل إجراءات صارمة حول هذا الشأن أصبح ضرورياً ويصب في المصلحة العامة.
حرية الصحافة وحقوق الإنسان في دول الخليج
إن السماح بمزيد من الشفافية يشير بالطبع إلى أهمية التأكيد على حرية الصحافة الخليجية. فبدلاً من أن تحاول بعض الحكومات الخليجية تقييد حرية صحافتها المحلية عن طريق سن قوانين جديدة أو إنشاء مؤسسات رقابية تضع عراقيل إضافية أمام (السلطة الرابعة) يستحسن تغيير هذه الطرق التقليدية في التعامل مع الإعلام الخاص، حيث غدت الصحافة غير الحكومية في عالم اليوم مختلفة تماماً عمّا كانت عليه الصحافة المطبوعة في الخمسينات أو الستينات من القرن الماضي أي أن الجهات الإعلامية الرسمية لم يعد لها تأثير كبير في تشكيل الرأي العام كما كان يحدث في السابق. على سبيل المثال، تحتل الصحافة الإلكترونية حيزاً كبيراً في الفضاء الإعلامي العالمي، وتؤثر بشكل كبير في أذهان الأجيال الخليجية الجديدة والتي تتابع ما ينشر في الإنترنت، وتتفاعل معه، وتتأثر به، وتؤثر فيه كذلك. كل هذا التفاعل الإعلامي يحدث في الأثير من دون أن تستطيع مراقبته أو حجبه على الدوام. ومن هذا المنطلق يبدو تقليل عدد القيود على الصحافة المحلية المطبوعة والإلكترونية كذلك تحصيل حاصل، حيث تصعب حالياً مراقبة أو منع الصحافة الإلكترونية أو المنتديات أو غيرها، فلماذا لا يتم احتضانها بدلاً من استعدائها. وهناك أمر آخر يساهم بشكل رئيسي في تشويه أوضاع حقوق الإنسان في دول الخليج العربية هو نظام الكفيل.
نظام الكفيل وانتهاكات حقوق الإنسان
في تقريرها الأخير (مايو 2009) تحت عنوان (العمل القسري: حقائق وأرقام) عن أوضاع العمالة الوافدة في الشرق الأوسط وفي دول الخليج العربية تذكر (منظمة العمل الدولية) أن نظام الكفيل يؤدي إلى فرض العمل القسري والاتجار في البشر، حيث أوضحت التجارب السابقة أنه يمنح الكفيل سيطرة كبيرة على العامل، ويؤدي كذلك إلى انتشار الاتجار في الإقامات. (يشير التقرير كذلك إلى مشكلة تغيير العقد الأصلي عند وصول العامل الآسيوي إلى دول الخليج العربية حيث يتضّح أن أجور العامل تساوي 10 في المائة مما تم الاتفاق عليه سابقاً عند توقيع العقد في البلد الأصلي. إذ إن نظام الكفيل وخاصة ما يشمل العمالة المنزلية وعمّال الإنشاء وغيرهم من ذوي الأجور المنخفضة يفتح الباب على مصراعيه لانتهاك حقوق الإنسان. ولذلك فإن التخلّص من نظام الكفيل في دول الخليج واستبداله بنظام أكثر كفاءة وعدلاً للعامل ورب العمل سيقللان من حدوث انتهاكات صارخة لحقوق العمالة.
المبادرة إلى مكافحة الانتهاكات اللاإنسانية
لعل من أنجح الوسائل التي يمكن أن تتبعها الحكومات الخليجية هو اتباع منهج المبادرة والسبق في مكافحة أي انتهاك لحقوق الإنسان. فبدلاً من انتظار أن تبدأ الصحافة العالمية تتداول أوضاع حقوق الإنسان في دول الخليج العربية وتفسرها حيثما تشاء ووقتما تشاء وكيفما تشاء يجب علينا كخليجيين أن نتحرك لمواجهة ما يستجد في مجتمعاتنا المحلية: تطبيق مزيد من الإجراءات الاحترازية لمنع انتهاك حقوق الإنسان في ما يخص العمالة الوافدة هو الخطوة الأولى.
وأخيراً من أجل أن نتحاشى تعرض مجتمعاتنا الخليجية للتشويه المتعمد على أيدي الآخرين حريٌ بنا كخليجيين أن نتقبل حقيقة أنّه من دون مزيد من الشفافية حول ملف حقوق الإنسان في مجتمعاتنا فنحن بشكل أو آخر نختار طوعاً أن نقع مرة أخرى في شراك كان يجب علينا تفاديه منذ البداية.
::/fulltext::
::cck::1141::/cck::
