حقوق الإنسان والموازنة بين التنمية والعمالة الوافدة

::cck::1151::/cck::
::introtext::

غدت عبارة (حقوق الإنسان) شعاراً يرفع في كافةأنحاء العالم، ومن كل الجهات والتيارات، ولأغراض مختلفة ومضامين متباينة حتى أصبح على دول العالم الثالث أو الدول الضعيفة أو التابعة أو الهامشية أن تتجه إلى فحص تلك الدوافع والتشكيك في كل ما يصدر عن تلك المنظمات بحقها تجاه مواطنيها أو تجاه حق العمال الوافدين الذين يعملون في نطاق دولها.

::/introtext::
::fulltext::

غدت عبارة (حقوق الإنسان) شعاراً يرفع في كافةأنحاء العالم، ومن كل الجهات والتيارات، ولأغراض مختلفة ومضامين متباينة حتى أصبح على دول العالم الثالث أو الدول الضعيفة أو التابعة أو الهامشية أن تتجه إلى فحص تلك الدوافع والتشكيك في كل ما يصدر عن تلك المنظمات بحقها تجاه مواطنيها أو تجاه حق العمال الوافدين الذين يعملون في نطاق دولها.

استعمل الغرب حقوق الإنسان سلاحاً ضد الاتحاد السوفييتي قبل انهياره وضد الدول التي كانت تسمى المعسكر الشرقي أو المعسكر الشيوعي، حتى أصبحت كل دولة لا تنسجم توجهاتها مع مصالح الغرب تعتبر دولة منتهكة لحقوق الإنسان، أما الدول التي تتناغم توجهاتها مع توجهات مصالح الغرب حتى لو كانت منتهكة لحقوق الإنسان، فإنها تصبح دولاً مسكوتاً عنها، ولا نريد أن نفصل عما يدور في فلسطين المحتلة على أيدي القوات الإسرائيلية ومع ذلك تسمى إسرائيل بالدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها، ولا أريد الخوض أكثر من ذلك، فالشواهد كثيرة وواضحة ولا تحتاج إلى التدليل.

الخلل في التركيبة السكانية أصبح على رأس الأخطار والتحديات التي تهدد دول الخليج

لكن ما أريد مناقشته في هذا المقال هو إشكالية لدى البعض خصوصاً في المواءمة بين مسألة العالمية والخصوصية في مجال حقوق الإنسان، ولا أريد الخوض أيضاً في المقارنة بين معطيات المرجعية الأوروبية ومعطيات المرجعية الإسلامية كي لا نخرج عن جوهر موضوع هذا المقال، لكن أغلبية بنود (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) الذي تم الإعلان عنه من قبل الأمم المتحدة عام 1948 تعد مرجعية تاريخية لا تتعارض معظم بنودها مع معطيات المرجعية الإسلامية، بل إن معظم بنودها مستقاة من المرجعية الإسلامية، ولذلك لا حاجة لنا إلى الطعن كثيراً في عالمية حقوق الإنسان إلا ما كان متعارضاً مع مرجعية التنزيل القطعية، وليس مع أمور ظنية أو تتعارض مع التقاليد والظروف الاجتماعية، وأياً كانت تلك المرجعيات فإن الأهداف والمقاصد متقاربة. وهنا تبرز الحكمة نحو توخي معقولية الأحكام لتجنب الانزلاق إلى الأخطاء التي عادة ما نقع فيها عند محاكمة الحاضر بمقاييس الماضي غير القطعية، مما يستوجب علينا إيقاظ الوعي العربي بعالمية حقوق الإنسان داخل نسق ثقافتنا كي نخلص إلى أن الخصوصية والعالمية ليستا على طرفي نقيض، بل على العكس هما متداخلتان لأن العام يضم الخاص، والخاص هو فرع من العام، وهذا يجعلنا نستحضر مفاهيم عالمية حقوق الإنسان كي ننشئ مؤسسات قادرة على التعامل مع حقوق الإنسان العالمية على اعتبار أنها حقوق أصيلة في الإسلام لا بد من الأخذ والتقيد بها تقيداً كاملاً، حتى لا نخوض في تجارب شبيهة بمحاولات تطبيق الديمقراطية في العالم العربي في ظل غياب مؤسسات المجتمع المدني القادرة على تأسيس الأرضية الصلبة لديمقراطية على النهج الغربي، ففوجئ الغرب بملء هذا الفراغ بإسلاميين تم انتخابهم وهو ما يتعارض مع معتقدات مذهب المحافظين الجدد، لأن انتخابهم كان غير متوافق مع الديمقراطية الغربية، وسبق أن ألغت الإدارة الأمريكية وصول إسلاميين في الجزائر إلى الحكم، وأمرت الجيش الجزائري بالتدخل لإلغاء النجاح الانتخابي لجبهة الإنقاذ الإسلامية المعادية للولايات المتحدة.

وسحق ديمقراطية بهذه الطريقة كان إهانة واضحة للمذهب الجديد الذي اختطه الرئيس جورج بوش الأب ، والذي يهدف إلى نشر الديمقراطية والحرية حول العالم، وإن كانت الإدارة الأمريكية قبلت مؤخراً بوصول إسلاميين عبر الانتخابات إلى الحكم، لكن فرقت بين إسلاميين معتدلين وإسلاميين متشددين.

وأدركت واشنطن أخيراً أن الديمقراطية الليبرالية ليست مجرد نظام يعتمد على الانتخابات فحسب، بل إن الانتخابات في غياب القيود الدستورية والثقافية من الممكن أن تنتج العنف.

ولذلك كان من اللافت للنظر أن تعلن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في شهادتها أمام الكونغرس في وقت سابق من هذا العام عن العناصر الثلاثة المهمة في السياسة الخارجية، والتي تبدأ كلها بحرف الدال، (الدفاع، والدبلوماسية ودعم التنمية) إلا أنها لم تذكر عنصراً رابعاً يبدأ بحرف الدال أيضاً ألا وهو الديمقراطية، الأمر الذي يشير إلى تغيير في السياسة التي تنتهجها إدارة باراك أوباما بعدما كان بيل كلينتون وبوش الأب يستشهدان بأن الديمقراطيات نادراً ما تشتبك في حروب بينها، لكنهما نسياً أن الثقافة الدستورية الليبرالية هي أكثر أهمية من مجرد عقد الانتخابات. ومن الخطأ التدخل والوقوف بجانب فريق وإلغاء فريق آخر، وهي بذلك تعرض مفهوم السيادة الوطنية لامتحان عسير من القوى التقليدية العصبية والتشكيلات الإيديولوجية وتنظيمات المجتمع المدني المتعولمة التي لم تنضج تجربتها بعد.

فالأمن والاستقرار قوتان دافعتان للإصلاح، وهما مسؤولية مشتركة من دول المنطقة والقوى الدولية، والواقع يؤكد أن مسؤولية هذه القوى أكبر، والمجتمع الدولي يعرف متطلبات الأمن والاستقرار، لكنه لا يفعل ما يكفي لتحقيقها، ويشكك البعض بأن الإدارة الأمريكية في الفترة الماضية تبنت خيار التجزئة القومية لحسم إشكاليات السلم العالمي وضمان مسلك الدولة الديمقراطية المستقرة، بحسب النموذج الأوروبي الناجح.

العمالة الرخيصة غير المدربة الجاهلة تشكل خطراً على أمن دول الخليج

ولا شك في أن السمة المميزة للدولة القومية الحديثة هو نزوعها التوحيدي الاندماجي الذي يحولها إلى صانع هوية بدلاً من أن تكون تغييراً تلقائياً عن الروح الجماعية والذاتية الكلية، وهي تعكس نظرة التصورات الليبرالية السائدة وتشبه نظرية ترك السوق لإصلاح نفسه بنفسه التي أثبتت فشلها، وتراجعت الرأسمالية عن تلك النظرية الآن، وكذلك ترك النزعة القومية للدولة تلتئم تلقائياً هو نظرية أثبتت فشلها أيضاً، وأن التجانس اللغوي والثقافي في أعرق البلدان الأوروبية ظاهرة جديدة من فعل وتأثير الدولة القومية، ففي فرنسا مثلاً النموذج الأبرز للمركزية القومية لم تصبح اللغة الفرنسية لغة أغلبية السكان، إلا في بداية القرن العشرين بفضل النظام التعليمي الرسمي والذي فرضها لغة وحيدة جامعة.

إن ثمن الهزيمة أشد وطاة، وثمنها سيكون غداً باهظاً، خصوصاً في المجتمعات الخليجية التي تعاني الجدب السكاني، وتعتمد بنحو كبير على العمالة الوافدة التي تراكمت خلال العقود الأربعة الأخيرة، وأصبحت العمالة الوافدة تمثل الثقل السكاني الأكبر في أغلب الأقطار الخليجية إذا ما استثنينا السعودية وعُمان، فإن الوافدين أصبحوا يشكلون ما بين 70 و 80 في المائة من سكان تلك الأقطار، علماً بأن نسبة الوافدين تجاوزت 90 في المائة في دبي.

فالخلل في التركيبة السكانية أصبح على رأس الأخطار والتحديات التي تهدد دول الخليج وهي ظاهرة سبق أن نبه إليها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بشدة.

ومن المثير للانتباه أن العمالة الهندية تمثل النسبة الأكبر من العمالة الأجنبية الوافدة، إذ تمثل 60 في المائة، الأمر الذي أدى إلى إيجاد كيان هندي قوي في بنية المجتمع الخليجي.

صحيح أن العمالة الوافدة تقوم بدور في مشروعات العمران والنهضة التي تشهدها منطقة الخليج لا يمكن تجاهله، لكن من الصحيح أيضاً أن الخلل في التركيبة السكانية يؤثر في هوية المنطقة وهو أمر لا يمكن تجاهله أيضاً، لأنه يؤثر في أمنها القومي، فالاتفاقيات الدولية أصبحت تضمن للوافدين حقوقاً في الإقامة والرعاية والتجنيس في الدول التي يقيمون فيها مدة خمس سنوات فأكثر.

ومع تعدد تأسيس المجالس المنتخبة في تلك الدول، فليس من المستغرب أن تتحول تلك الجاليات إلى قوى ضاغطة على القرار السياسي إن لم تصبح مشاركة فيه.

كما أن الخلل في التركيبة السكانية يعتبر من أكبر التحديات والمهددات والذي يعطي النفوذ الإيراني فرصة التوغل مستغلة الخلل في موازين القوى بالمنطقة، خصوصاً أن احتلال صدام حسين للكويت وعدم قدرة العرب على تحرير الكويت جعلا دول الخليج تحت المظلة الغربية آخرها قاعدة عسكرية فرنسية في أبوظبي.

ففي ظل غياب ظهير عربي موحد وقوي كان من الطبيعي أن يتمدد النفوذ الإيراني ويتفاوض مع الوجود الغربي على تقاسم النفوذ في المنطقة. وفي ظل هذه الأجواء أهملت دول الخليج متطلبات الأمن الخليجي في أولوية تحديات الخلل في التركيبة السكانية التي أصبحت قنبلة موقوتة.

متطلب حقوق الإنسان مطلب ديني وإنساني قبل أن يكون مطلباً حقوقياً ودولياً

وقبل أن أتطرق إلى كيفية معالجة الخلل في التركيبة السكانية في دول الخليج، نلقي نظرة على القلق العالمي من عامل الهجرة رغم أنها ليست بالمشكلة نفسها في دول الخليج، ولا تمس التركيبة السكانية، لكنها تظل هاجساً استباقياً.

إن الهجرة غير الشرعية في الولايات المتحدة التي تتولاها عصابات تقوم بتهريب العمالة غير الشرعية أعادت العبودية إلى سابق عهدها بسبب العودة إلى استغلال تلك العمالة المهربة لصالح شركات صناعية وزراعية محددة كي تستطيع المنافسة في السوق، وعلى الرغم من أن الأمريكيين يشترون بضائع رخيصة صنعها أناس لقاء تلقي أجور زهيدة جداً مقابل استمرار تواجدهم وتخفيهم عن أعين السلطات الحكومية.

ومن الصناعات التي يعملون فيها كالمياه الغازية وصناعة العصائر وفي صناعة سبك المعادن، أي أن الهجرة أصبحت الآن قضية سياسية ساخنة في كل من أوروبا الغربية وأمريكا، وأصبحت الهجرة مثيرة للجدل حتى إن البحث عن حلول وسط تبدو عقيمة، وكان على الولايات المتحدة في واقع الأمر أن تحد من الهجرة غير الشرعية ببناء سياج كبير على طول حدودها مع المكسيك، وكذلك اتجهت إيطاليا مؤخراً إلى اجتياح مستوطنات المهاجرين بوساطة الجرافات، وفرنسا طردت 21 ألف مهاجر غير شرعي عام 2006، بل إن الرئيس ساركوزي جعل من قضية الهجرة غير المنضبطة دعامة من دعائم حملته للفوز بالرئاسة، وهو الذي دعا إلى إقرار مبدأ (الهجرة المختارة)، ويعني انتخاب المهاجرين من الأجانب الذين تحتاج فرنسا إلى كفاءاتهم في الميادين المختلفة وغلق الباب بشكل شبه كامل أمام الآخرين.

وفي ماليزيا يعتبر المهاجرون العدو الثاني بعد المخدرات وتلاحقهم القوات الخاصة وعقوبتهم الجلد والسجن والترحيل.

ووضعت أوروبا استراتيجية مشتركة بينها وبين إفريقيا لمنع تسلل المهاجرين غير الشرعيين التي عجت الشواطئ بالموتى نتيجة لغرقهم في المياه الإقليمية بقوارب صغيرة غير صالحة للسفر في أعالي البحار.

وما حدث في البحرين والكويت ودبي في أواخر أكتوبر 2007 بقيام أربعة آلاف عامل سد الطرق وإلقاء الحجارة على أفراد الشرطة وكذلك إضراب عشرة آلاف عامل عن العمل للمطالبة برفع رواتبهم نتيجة لانخفاض قيمة الدولار، (حدثت هذه الأعمال في جبل علي والقصيص في دبي)، ورغم أن الجهات الأمنية اتجهت نحو محاسبة مديري الشركات والتحقق من مدى استغلال هؤلاء العمال والإساءة لهم، إلا أن حكومة دبي وجدت نفسها تتعرض لضغوط منظمات العمل الدولية ومنظمات حقوق الإنسان لإعطاء العمال حق الإضراب وتشكيل نقابات والتفاوض مع أصحاب العمل، رغم أن حكومة دبي حاولت إنصاف العمال وحددت الإيجارات التي كانت من ضمن أهم الأسباب الظاهرة. والحقيقة هي أكبر من ذلك وأخطر، رغم حقيقة مطالب العمال بحقوقهم، ربما ذلك كان علامة اقتناع بأن هناك حدوداً للطاقة الاستيعابية للاقتصاد، ومن الأفضل في ظل هذه الظروف أن تتجه دول الخليج إلى (خلجنة) الوظائف لتعزيز التكامل الخليجي والتوجه نحو معالجة الخلل في التركيبة السكانية، كي لا يصبح المواطنون أغراباً وأقلية في وطنهم.

إن المرحلة تتطلب الحكمة والحزم في الوقت نفسه لمعالجة هذه المشكلة لأن عدد العمال الوافدين وصل إلى 17 مليون وافد، ويعملون بنسبة أكثر من 70 في المائة في القطاع الخاص، فإذا ما أضربت هذه العمالة عن العمل فإن الإنتاج سيتوقف خصوصاً في منتجات حساسة، لأن العمالة آسيوية ونسبة الهنود 60 في المائة، لكن الإشكالية في القطاع الخاص الذي يشكل لوبي، ويرفض التنازل عن مصالحه الخاصة مقابل الحفاظ على الأمن والاستقرار، ولا يزال يتصف بالجشع ويستغل العمالة أسوأ استغلال.

وكأننا أصبحنا أمام واقع جديد في تحويل المنطقة إلى منطقة آسيوية بالغالب لأن رجال الأعمال الخليجيين يرفضون المشاريع التي تحدد مدد إقامة العمال، ووقفوا أمام مشروع (3+3) أي إعطاء العمالة الوافدة مدة إقامة ثلاثة أعوام ثم تجدد لمرة واحدة، وقد أحبط هذا المشروع في مراحله النهائية التنفيذية، لأن التجار بحثوا عن مصالحهم المادية الضيقة من دون النظر إلى الآثار الكارثية، وأن توافر عمالة متدنية الأجر منقوصة الحقوق أمر غير مجد لا اقتصادياً ولا إنسانياً ولا قانونياً لما يحمل من آثار سلبية هائلة تنعكس على نمو الاقتصاد واتجاهات تطور المنطقة، فرخص العمالة يشجع على الحد من كثافة استخدام رأس المال، ويشجع أيضاً على الاستخدام الكثيف لليد العاملة، وما يتسبب في بدائية وتخلف أساليب الإنتاج وتواضع نوعية فرص العمل المتاحة في الاقتصاد، ولو توجهت الدول الخليجية نحو الصناعة لما احتاجت إلى هذه الأعداد الهائلة من العمالة، وفي الوقت نفسه تستقطب الكفاءات والقدرات، أي الهجرة المختارة التي يمكن أن تعمل إلى جانبها العمالة الوطنية، لأنها ستكون عمالة ذات أجور تخضع لآليات السوق حتى لو كانت العوائد محدودة آنياً، لكنها على المديين المتوسط والبعيد سترتفع القيمة المضافة، وتتمكن من توطين الوظائف الوطنية مع توطين التقنية نفسها.

فالعمالة الرخيصة غير المدربة الجاهلة تشكل خطراً على أمن دول الخليج، فلا بد أن تكون لدى دول الخليج رؤية تنموية شاملة طويلة الأجل، حتى لو كانت دول الخليج والولايات المتحدة غير موقعة على قانون حقوق العمالة فهذا لا يعني أنها بمعزل عن خطر (تسونامي) يؤدي إلى انفجار قنبلة العمالة الوافدة في وقت ما بسبب غياب الرؤية الشاملة والمستقبلية وكيفية التعاطي معها من خلال أجندات واضحة ومشتركة.

وسبق لدول الخليج أن اجتمعت مع الدول المصدرة للعمالة والمستقبلة في أبوظبي في 22/1/2008 لمناقشة وغلق ملف العمالة الوافدة الشائك، واتفقت على صيغة واحدة هي أن تحفظ الدول المصدرة والمستقبلة حقوق العمال الآسيويين وتعزيز رفاهيتهم، ووافقت الدول المصدرة للعمالة وبشكل نهائي على اعتبار أن مواطنيها حينما يذهبون للعمل في دول الخليج هم عمالة مؤقتة، وليس لهم حق الإقامة الدائمة، ووضعت قرارات (حوار أبوظبي) حداً للممارسات غير المشروعة ضد العمالة الوافدة وتحول دون استغلالهم في دول الإرسال ودول الاستقبال على حد سواء، ولكن تحتاج هذه القرارات إلى تفعيل ومتابعة على أرض الواقع.

وبسبب عدم تفعيل ومتابعة هذه القرارات على أرض الواقع، تعرقلت اتفاقية التجارة الحرة بين الإمارات والولايات المتحدة لأن الولايات المتحدة كانت تضغط على الإمارات بتحسين ظروف عمل العمالة الوافدة كشرط لإجراء مفاوضات نهائية لتوقيع الاتفاقية، وقد تكون هناك خلافات سياسية وتجارية أخرى وقفت حائلاً أمام توقيع هذه الاتفاقية، بينما البحرين وافقت على إلغاء شرط وجود كفيل محلي للعامل الأجنبي، وإن كان معظم المحللين الاقتصاديين يطالبون منذ فترة طويلة بإلغاء نظام الكفيل المهين لخدمة غرضين أولاً احترام الكرامة الإنسانية، والثاني تحرير الأجور في سوق العمل كي تتيح الفرصة أمام العمالة الوطنية في العمل بعدما ترتفع أجور العمالة الوافدة وخصوصاً أجور العمالة الكفؤة والمدربة إلى جانب وضع ضوابط صارمة وملاحقة لكل من يتجاوز قوانين حقوق العمال سواء من الشركات أو من الأفراد، وأن تلتزم الشركات والأفراد بعقود صريحة وواضحة تكفل حقوق جميع الأطراف مع الالتزام بالرعاية الصحية والسكن اللائق.

 فلا بد أن تحصل العمالة الوافدة على حقوقها كاملة غير منقوصة وفي هذا مصلحة لجميع الأطراف أمام الله والقانون والمجتمع الدولي باعتبار أن متطلب حقوق الإنسان مطلب ديني وإنساني قبل أن يكون مطلباً حقوقياً ودولياً.

وقد عادت وأثارت الدول التي وقعت على حوار أبوظبي بعد الأزمة المالية العالمية بعد خشيتها من إعادة عمالتها في هذا التوقيت التي تواجه دول الخليج قلقاً من تأثيرات هذه الأزمة في اقتصاداتها.

ولم تتوصل دول المجلس فيما بينها إلى اتفاق بتحديد مدة بقاء العمالة خمس سنوات عقب اكتشاف دول الخليج أن بعضها وقع على اتفاقية دولية رقم 97 لعام 1994 تقر الدول الموقعة عليها بأنه في حال بقاء العامل الوافد لفترة تصل إلى 5 سنوات يتحول إلى عامل مهاجر، ولا يحق له من الدولة التي يعمل بها بالمغادرة، كما أن له الحقوق السياسية نفسها الممنوحة للمواطن ذاته وهو الأمر الذي يشكل خطورة قانونية على بقاء العمالة الوافدة في دول الخليج، وقد شهد (حوار المنامة) في شهر ديسمبر 2008 بمشاركة وفود أمنية عالية المستوى من دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى دول عربية وآسيوية والذي أدى إلى مطالب هندية صريحة لدول الخليج بتجنيس العمالة الهندية وإعطائها حقوقاً سياسية واعتبارها عمالة مهاجرة وليست مؤقتة، وهو الأمر الذي رفضته دول الخليج بشكل قاطع ودعمتها في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية، واستشهدت الهند على ذلك بفوز باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة. ولو تم تطبيق قرار الحد الأقصى للإقامة خمس سنوات فإن القرار سيشمل العمالة غير الماهرة المقدرة بنحو 88 في المائة من العمالة الحالية أي ما يقارب 15 مليون وافد في دول الخليج، وهذا لا يعني التخلص من العمالة الماهرة والكفؤة وهي نسبة محدودة جداً يمكن لدول الخليج أن تستقطبها وتوطنها وتمنحها جنسيتها للمشاركة في التنمية الصناعية والاقتصادية والتنموية وهو ما نسميه بالهجرة الاختيارية.

::/fulltext::

worker1-6c3
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1151::/cck::
::introtext::

غدت عبارة (حقوق الإنسان) شعاراً يرفع في كافةأنحاء العالم، ومن كل الجهات والتيارات، ولأغراض مختلفة ومضامين متباينة حتى أصبح على دول العالم الثالث أو الدول الضعيفة أو التابعة أو الهامشية أن تتجه إلى فحص تلك الدوافع والتشكيك في كل ما يصدر عن تلك المنظمات بحقها تجاه مواطنيها أو تجاه حق العمال الوافدين الذين يعملون في نطاق دولها.

::/introtext::
::fulltext::

غدت عبارة (حقوق الإنسان) شعاراً يرفع في كافةأنحاء العالم، ومن كل الجهات والتيارات، ولأغراض مختلفة ومضامين متباينة حتى أصبح على دول العالم الثالث أو الدول الضعيفة أو التابعة أو الهامشية أن تتجه إلى فحص تلك الدوافع والتشكيك في كل ما يصدر عن تلك المنظمات بحقها تجاه مواطنيها أو تجاه حق العمال الوافدين الذين يعملون في نطاق دولها.

استعمل الغرب حقوق الإنسان سلاحاً ضد الاتحاد السوفييتي قبل انهياره وضد الدول التي كانت تسمى المعسكر الشرقي أو المعسكر الشيوعي، حتى أصبحت كل دولة لا تنسجم توجهاتها مع مصالح الغرب تعتبر دولة منتهكة لحقوق الإنسان، أما الدول التي تتناغم توجهاتها مع توجهات مصالح الغرب حتى لو كانت منتهكة لحقوق الإنسان، فإنها تصبح دولاً مسكوتاً عنها، ولا نريد أن نفصل عما يدور في فلسطين المحتلة على أيدي القوات الإسرائيلية ومع ذلك تسمى إسرائيل بالدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، ديمقراطية تحترم حقوق مواطنيها، ولا أريد الخوض أكثر من ذلك، فالشواهد كثيرة وواضحة ولا تحتاج إلى التدليل.

الخلل في التركيبة السكانية أصبح على رأس الأخطار والتحديات التي تهدد دول الخليج

لكن ما أريد مناقشته في هذا المقال هو إشكالية لدى البعض خصوصاً في المواءمة بين مسألة العالمية والخصوصية في مجال حقوق الإنسان، ولا أريد الخوض أيضاً في المقارنة بين معطيات المرجعية الأوروبية ومعطيات المرجعية الإسلامية كي لا نخرج عن جوهر موضوع هذا المقال، لكن أغلبية بنود (الإعلان العالمي لحقوق الإنسان) الذي تم الإعلان عنه من قبل الأمم المتحدة عام 1948 تعد مرجعية تاريخية لا تتعارض معظم بنودها مع معطيات المرجعية الإسلامية، بل إن معظم بنودها مستقاة من المرجعية الإسلامية، ولذلك لا حاجة لنا إلى الطعن كثيراً في عالمية حقوق الإنسان إلا ما كان متعارضاً مع مرجعية التنزيل القطعية، وليس مع أمور ظنية أو تتعارض مع التقاليد والظروف الاجتماعية، وأياً كانت تلك المرجعيات فإن الأهداف والمقاصد متقاربة. وهنا تبرز الحكمة نحو توخي معقولية الأحكام لتجنب الانزلاق إلى الأخطاء التي عادة ما نقع فيها عند محاكمة الحاضر بمقاييس الماضي غير القطعية، مما يستوجب علينا إيقاظ الوعي العربي بعالمية حقوق الإنسان داخل نسق ثقافتنا كي نخلص إلى أن الخصوصية والعالمية ليستا على طرفي نقيض، بل على العكس هما متداخلتان لأن العام يضم الخاص، والخاص هو فرع من العام، وهذا يجعلنا نستحضر مفاهيم عالمية حقوق الإنسان كي ننشئ مؤسسات قادرة على التعامل مع حقوق الإنسان العالمية على اعتبار أنها حقوق أصيلة في الإسلام لا بد من الأخذ والتقيد بها تقيداً كاملاً، حتى لا نخوض في تجارب شبيهة بمحاولات تطبيق الديمقراطية في العالم العربي في ظل غياب مؤسسات المجتمع المدني القادرة على تأسيس الأرضية الصلبة لديمقراطية على النهج الغربي، ففوجئ الغرب بملء هذا الفراغ بإسلاميين تم انتخابهم وهو ما يتعارض مع معتقدات مذهب المحافظين الجدد، لأن انتخابهم كان غير متوافق مع الديمقراطية الغربية، وسبق أن ألغت الإدارة الأمريكية وصول إسلاميين في الجزائر إلى الحكم، وأمرت الجيش الجزائري بالتدخل لإلغاء النجاح الانتخابي لجبهة الإنقاذ الإسلامية المعادية للولايات المتحدة.

وسحق ديمقراطية بهذه الطريقة كان إهانة واضحة للمذهب الجديد الذي اختطه الرئيس جورج بوش الأب ، والذي يهدف إلى نشر الديمقراطية والحرية حول العالم، وإن كانت الإدارة الأمريكية قبلت مؤخراً بوصول إسلاميين عبر الانتخابات إلى الحكم، لكن فرقت بين إسلاميين معتدلين وإسلاميين متشددين.

وأدركت واشنطن أخيراً أن الديمقراطية الليبرالية ليست مجرد نظام يعتمد على الانتخابات فحسب، بل إن الانتخابات في غياب القيود الدستورية والثقافية من الممكن أن تنتج العنف.

ولذلك كان من اللافت للنظر أن تعلن وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون في شهادتها أمام الكونغرس في وقت سابق من هذا العام عن العناصر الثلاثة المهمة في السياسة الخارجية، والتي تبدأ كلها بحرف الدال، (الدفاع، والدبلوماسية ودعم التنمية) إلا أنها لم تذكر عنصراً رابعاً يبدأ بحرف الدال أيضاً ألا وهو الديمقراطية، الأمر الذي يشير إلى تغيير في السياسة التي تنتهجها إدارة باراك أوباما بعدما كان بيل كلينتون وبوش الأب يستشهدان بأن الديمقراطيات نادراً ما تشتبك في حروب بينها، لكنهما نسياً أن الثقافة الدستورية الليبرالية هي أكثر أهمية من مجرد عقد الانتخابات. ومن الخطأ التدخل والوقوف بجانب فريق وإلغاء فريق آخر، وهي بذلك تعرض مفهوم السيادة الوطنية لامتحان عسير من القوى التقليدية العصبية والتشكيلات الإيديولوجية وتنظيمات المجتمع المدني المتعولمة التي لم تنضج تجربتها بعد.

فالأمن والاستقرار قوتان دافعتان للإصلاح، وهما مسؤولية مشتركة من دول المنطقة والقوى الدولية، والواقع يؤكد أن مسؤولية هذه القوى أكبر، والمجتمع الدولي يعرف متطلبات الأمن والاستقرار، لكنه لا يفعل ما يكفي لتحقيقها، ويشكك البعض بأن الإدارة الأمريكية في الفترة الماضية تبنت خيار التجزئة القومية لحسم إشكاليات السلم العالمي وضمان مسلك الدولة الديمقراطية المستقرة، بحسب النموذج الأوروبي الناجح.

العمالة الرخيصة غير المدربة الجاهلة تشكل خطراً على أمن دول الخليج

ولا شك في أن السمة المميزة للدولة القومية الحديثة هو نزوعها التوحيدي الاندماجي الذي يحولها إلى صانع هوية بدلاً من أن تكون تغييراً تلقائياً عن الروح الجماعية والذاتية الكلية، وهي تعكس نظرة التصورات الليبرالية السائدة وتشبه نظرية ترك السوق لإصلاح نفسه بنفسه التي أثبتت فشلها، وتراجعت الرأسمالية عن تلك النظرية الآن، وكذلك ترك النزعة القومية للدولة تلتئم تلقائياً هو نظرية أثبتت فشلها أيضاً، وأن التجانس اللغوي والثقافي في أعرق البلدان الأوروبية ظاهرة جديدة من فعل وتأثير الدولة القومية، ففي فرنسا مثلاً النموذج الأبرز للمركزية القومية لم تصبح اللغة الفرنسية لغة أغلبية السكان، إلا في بداية القرن العشرين بفضل النظام التعليمي الرسمي والذي فرضها لغة وحيدة جامعة.

إن ثمن الهزيمة أشد وطاة، وثمنها سيكون غداً باهظاً، خصوصاً في المجتمعات الخليجية التي تعاني الجدب السكاني، وتعتمد بنحو كبير على العمالة الوافدة التي تراكمت خلال العقود الأربعة الأخيرة، وأصبحت العمالة الوافدة تمثل الثقل السكاني الأكبر في أغلب الأقطار الخليجية إذا ما استثنينا السعودية وعُمان، فإن الوافدين أصبحوا يشكلون ما بين 70 و 80 في المائة من سكان تلك الأقطار، علماً بأن نسبة الوافدين تجاوزت 90 في المائة في دبي.

فالخلل في التركيبة السكانية أصبح على رأس الأخطار والتحديات التي تهدد دول الخليج وهي ظاهرة سبق أن نبه إليها المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بشدة.

ومن المثير للانتباه أن العمالة الهندية تمثل النسبة الأكبر من العمالة الأجنبية الوافدة، إذ تمثل 60 في المائة، الأمر الذي أدى إلى إيجاد كيان هندي قوي في بنية المجتمع الخليجي.

صحيح أن العمالة الوافدة تقوم بدور في مشروعات العمران والنهضة التي تشهدها منطقة الخليج لا يمكن تجاهله، لكن من الصحيح أيضاً أن الخلل في التركيبة السكانية يؤثر في هوية المنطقة وهو أمر لا يمكن تجاهله أيضاً، لأنه يؤثر في أمنها القومي، فالاتفاقيات الدولية أصبحت تضمن للوافدين حقوقاً في الإقامة والرعاية والتجنيس في الدول التي يقيمون فيها مدة خمس سنوات فأكثر.

ومع تعدد تأسيس المجالس المنتخبة في تلك الدول، فليس من المستغرب أن تتحول تلك الجاليات إلى قوى ضاغطة على القرار السياسي إن لم تصبح مشاركة فيه.

كما أن الخلل في التركيبة السكانية يعتبر من أكبر التحديات والمهددات والذي يعطي النفوذ الإيراني فرصة التوغل مستغلة الخلل في موازين القوى بالمنطقة، خصوصاً أن احتلال صدام حسين للكويت وعدم قدرة العرب على تحرير الكويت جعلا دول الخليج تحت المظلة الغربية آخرها قاعدة عسكرية فرنسية في أبوظبي.

ففي ظل غياب ظهير عربي موحد وقوي كان من الطبيعي أن يتمدد النفوذ الإيراني ويتفاوض مع الوجود الغربي على تقاسم النفوذ في المنطقة. وفي ظل هذه الأجواء أهملت دول الخليج متطلبات الأمن الخليجي في أولوية تحديات الخلل في التركيبة السكانية التي أصبحت قنبلة موقوتة.

متطلب حقوق الإنسان مطلب ديني وإنساني قبل أن يكون مطلباً حقوقياً ودولياً

وقبل أن أتطرق إلى كيفية معالجة الخلل في التركيبة السكانية في دول الخليج، نلقي نظرة على القلق العالمي من عامل الهجرة رغم أنها ليست بالمشكلة نفسها في دول الخليج، ولا تمس التركيبة السكانية، لكنها تظل هاجساً استباقياً.

إن الهجرة غير الشرعية في الولايات المتحدة التي تتولاها عصابات تقوم بتهريب العمالة غير الشرعية أعادت العبودية إلى سابق عهدها بسبب العودة إلى استغلال تلك العمالة المهربة لصالح شركات صناعية وزراعية محددة كي تستطيع المنافسة في السوق، وعلى الرغم من أن الأمريكيين يشترون بضائع رخيصة صنعها أناس لقاء تلقي أجور زهيدة جداً مقابل استمرار تواجدهم وتخفيهم عن أعين السلطات الحكومية.

ومن الصناعات التي يعملون فيها كالمياه الغازية وصناعة العصائر وفي صناعة سبك المعادن، أي أن الهجرة أصبحت الآن قضية سياسية ساخنة في كل من أوروبا الغربية وأمريكا، وأصبحت الهجرة مثيرة للجدل حتى إن البحث عن حلول وسط تبدو عقيمة، وكان على الولايات المتحدة في واقع الأمر أن تحد من الهجرة غير الشرعية ببناء سياج كبير على طول حدودها مع المكسيك، وكذلك اتجهت إيطاليا مؤخراً إلى اجتياح مستوطنات المهاجرين بوساطة الجرافات، وفرنسا طردت 21 ألف مهاجر غير شرعي عام 2006، بل إن الرئيس ساركوزي جعل من قضية الهجرة غير المنضبطة دعامة من دعائم حملته للفوز بالرئاسة، وهو الذي دعا إلى إقرار مبدأ (الهجرة المختارة)، ويعني انتخاب المهاجرين من الأجانب الذين تحتاج فرنسا إلى كفاءاتهم في الميادين المختلفة وغلق الباب بشكل شبه كامل أمام الآخرين.

وفي ماليزيا يعتبر المهاجرون العدو الثاني بعد المخدرات وتلاحقهم القوات الخاصة وعقوبتهم الجلد والسجن والترحيل.

ووضعت أوروبا استراتيجية مشتركة بينها وبين إفريقيا لمنع تسلل المهاجرين غير الشرعيين التي عجت الشواطئ بالموتى نتيجة لغرقهم في المياه الإقليمية بقوارب صغيرة غير صالحة للسفر في أعالي البحار.

وما حدث في البحرين والكويت ودبي في أواخر أكتوبر 2007 بقيام أربعة آلاف عامل سد الطرق وإلقاء الحجارة على أفراد الشرطة وكذلك إضراب عشرة آلاف عامل عن العمل للمطالبة برفع رواتبهم نتيجة لانخفاض قيمة الدولار، (حدثت هذه الأعمال في جبل علي والقصيص في دبي)، ورغم أن الجهات الأمنية اتجهت نحو محاسبة مديري الشركات والتحقق من مدى استغلال هؤلاء العمال والإساءة لهم، إلا أن حكومة دبي وجدت نفسها تتعرض لضغوط منظمات العمل الدولية ومنظمات حقوق الإنسان لإعطاء العمال حق الإضراب وتشكيل نقابات والتفاوض مع أصحاب العمل، رغم أن حكومة دبي حاولت إنصاف العمال وحددت الإيجارات التي كانت من ضمن أهم الأسباب الظاهرة. والحقيقة هي أكبر من ذلك وأخطر، رغم حقيقة مطالب العمال بحقوقهم، ربما ذلك كان علامة اقتناع بأن هناك حدوداً للطاقة الاستيعابية للاقتصاد، ومن الأفضل في ظل هذه الظروف أن تتجه دول الخليج إلى (خلجنة) الوظائف لتعزيز التكامل الخليجي والتوجه نحو معالجة الخلل في التركيبة السكانية، كي لا يصبح المواطنون أغراباً وأقلية في وطنهم.

إن المرحلة تتطلب الحكمة والحزم في الوقت نفسه لمعالجة هذه المشكلة لأن عدد العمال الوافدين وصل إلى 17 مليون وافد، ويعملون بنسبة أكثر من 70 في المائة في القطاع الخاص، فإذا ما أضربت هذه العمالة عن العمل فإن الإنتاج سيتوقف خصوصاً في منتجات حساسة، لأن العمالة آسيوية ونسبة الهنود 60 في المائة، لكن الإشكالية في القطاع الخاص الذي يشكل لوبي، ويرفض التنازل عن مصالحه الخاصة مقابل الحفاظ على الأمن والاستقرار، ولا يزال يتصف بالجشع ويستغل العمالة أسوأ استغلال.

وكأننا أصبحنا أمام واقع جديد في تحويل المنطقة إلى منطقة آسيوية بالغالب لأن رجال الأعمال الخليجيين يرفضون المشاريع التي تحدد مدد إقامة العمال، ووقفوا أمام مشروع (3+3) أي إعطاء العمالة الوافدة مدة إقامة ثلاثة أعوام ثم تجدد لمرة واحدة، وقد أحبط هذا المشروع في مراحله النهائية التنفيذية، لأن التجار بحثوا عن مصالحهم المادية الضيقة من دون النظر إلى الآثار الكارثية، وأن توافر عمالة متدنية الأجر منقوصة الحقوق أمر غير مجد لا اقتصادياً ولا إنسانياً ولا قانونياً لما يحمل من آثار سلبية هائلة تنعكس على نمو الاقتصاد واتجاهات تطور المنطقة، فرخص العمالة يشجع على الحد من كثافة استخدام رأس المال، ويشجع أيضاً على الاستخدام الكثيف لليد العاملة، وما يتسبب في بدائية وتخلف أساليب الإنتاج وتواضع نوعية فرص العمل المتاحة في الاقتصاد، ولو توجهت الدول الخليجية نحو الصناعة لما احتاجت إلى هذه الأعداد الهائلة من العمالة، وفي الوقت نفسه تستقطب الكفاءات والقدرات، أي الهجرة المختارة التي يمكن أن تعمل إلى جانبها العمالة الوطنية، لأنها ستكون عمالة ذات أجور تخضع لآليات السوق حتى لو كانت العوائد محدودة آنياً، لكنها على المديين المتوسط والبعيد سترتفع القيمة المضافة، وتتمكن من توطين الوظائف الوطنية مع توطين التقنية نفسها.

فالعمالة الرخيصة غير المدربة الجاهلة تشكل خطراً على أمن دول الخليج، فلا بد أن تكون لدى دول الخليج رؤية تنموية شاملة طويلة الأجل، حتى لو كانت دول الخليج والولايات المتحدة غير موقعة على قانون حقوق العمالة فهذا لا يعني أنها بمعزل عن خطر (تسونامي) يؤدي إلى انفجار قنبلة العمالة الوافدة في وقت ما بسبب غياب الرؤية الشاملة والمستقبلية وكيفية التعاطي معها من خلال أجندات واضحة ومشتركة.

وسبق لدول الخليج أن اجتمعت مع الدول المصدرة للعمالة والمستقبلة في أبوظبي في 22/1/2008 لمناقشة وغلق ملف العمالة الوافدة الشائك، واتفقت على صيغة واحدة هي أن تحفظ الدول المصدرة والمستقبلة حقوق العمال الآسيويين وتعزيز رفاهيتهم، ووافقت الدول المصدرة للعمالة وبشكل نهائي على اعتبار أن مواطنيها حينما يذهبون للعمل في دول الخليج هم عمالة مؤقتة، وليس لهم حق الإقامة الدائمة، ووضعت قرارات (حوار أبوظبي) حداً للممارسات غير المشروعة ضد العمالة الوافدة وتحول دون استغلالهم في دول الإرسال ودول الاستقبال على حد سواء، ولكن تحتاج هذه القرارات إلى تفعيل ومتابعة على أرض الواقع.

وبسبب عدم تفعيل ومتابعة هذه القرارات على أرض الواقع، تعرقلت اتفاقية التجارة الحرة بين الإمارات والولايات المتحدة لأن الولايات المتحدة كانت تضغط على الإمارات بتحسين ظروف عمل العمالة الوافدة كشرط لإجراء مفاوضات نهائية لتوقيع الاتفاقية، وقد تكون هناك خلافات سياسية وتجارية أخرى وقفت حائلاً أمام توقيع هذه الاتفاقية، بينما البحرين وافقت على إلغاء شرط وجود كفيل محلي للعامل الأجنبي، وإن كان معظم المحللين الاقتصاديين يطالبون منذ فترة طويلة بإلغاء نظام الكفيل المهين لخدمة غرضين أولاً احترام الكرامة الإنسانية، والثاني تحرير الأجور في سوق العمل كي تتيح الفرصة أمام العمالة الوطنية في العمل بعدما ترتفع أجور العمالة الوافدة وخصوصاً أجور العمالة الكفؤة والمدربة إلى جانب وضع ضوابط صارمة وملاحقة لكل من يتجاوز قوانين حقوق العمال سواء من الشركات أو من الأفراد، وأن تلتزم الشركات والأفراد بعقود صريحة وواضحة تكفل حقوق جميع الأطراف مع الالتزام بالرعاية الصحية والسكن اللائق.

 فلا بد أن تحصل العمالة الوافدة على حقوقها كاملة غير منقوصة وفي هذا مصلحة لجميع الأطراف أمام الله والقانون والمجتمع الدولي باعتبار أن متطلب حقوق الإنسان مطلب ديني وإنساني قبل أن يكون مطلباً حقوقياً ودولياً.

وقد عادت وأثارت الدول التي وقعت على حوار أبوظبي بعد الأزمة المالية العالمية بعد خشيتها من إعادة عمالتها في هذا التوقيت التي تواجه دول الخليج قلقاً من تأثيرات هذه الأزمة في اقتصاداتها.

ولم تتوصل دول المجلس فيما بينها إلى اتفاق بتحديد مدة بقاء العمالة خمس سنوات عقب اكتشاف دول الخليج أن بعضها وقع على اتفاقية دولية رقم 97 لعام 1994 تقر الدول الموقعة عليها بأنه في حال بقاء العامل الوافد لفترة تصل إلى 5 سنوات يتحول إلى عامل مهاجر، ولا يحق له من الدولة التي يعمل بها بالمغادرة، كما أن له الحقوق السياسية نفسها الممنوحة للمواطن ذاته وهو الأمر الذي يشكل خطورة قانونية على بقاء العمالة الوافدة في دول الخليج، وقد شهد (حوار المنامة) في شهر ديسمبر 2008 بمشاركة وفود أمنية عالية المستوى من دول الخليج والولايات المتحدة وأوروبا، بالإضافة إلى دول عربية وآسيوية والذي أدى إلى مطالب هندية صريحة لدول الخليج بتجنيس العمالة الهندية وإعطائها حقوقاً سياسية واعتبارها عمالة مهاجرة وليست مؤقتة، وهو الأمر الذي رفضته دول الخليج بشكل قاطع ودعمتها في ذلك الولايات المتحدة والدول الأوروبية، واستشهدت الهند على ذلك بفوز باراك أوباما برئاسة الولايات المتحدة. ولو تم تطبيق قرار الحد الأقصى للإقامة خمس سنوات فإن القرار سيشمل العمالة غير الماهرة المقدرة بنحو 88 في المائة من العمالة الحالية أي ما يقارب 15 مليون وافد في دول الخليج، وهذا لا يعني التخلص من العمالة الماهرة والكفؤة وهي نسبة محدودة جداً يمكن لدول الخليج أن تستقطبها وتوطنها وتمنحها جنسيتها للمشاركة في التنمية الصناعية والاقتصادية والتنموية وهو ما نسميه بالهجرة الاختيارية.

::/fulltext::
::cck::1151::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *