المحافظون الإيرانيون يعززون نفوذهم (4-4)
::cck::1150::/cck::
::introtext::
يحظى المسعى الإيراني لامتلاك التكنولوجيا النووية بدعم قوي من جميع أعضاء الدائرة الحاكمة على الرغم من اختلاف الأسباب التي تقف وراء ذلك الدعم. فهناك إجماع وطني إيراني تجسد عبر اتفاق جميع فئات وشرائح المجتمع الإيراني والدائرة الحاكمة على ضرورة امتلاك إيران التكنولوجيا النووية، إن لم يكن امتلاك الأسلحة النووية.
::/introtext::
::fulltext::
العنوان: المحافظون الإيرانيون يعززون نفوذهم
الكاتب: علي قيصري ووالي نصر
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية
سرفايفل (Survival)، المجلد السابع والأربعون، العدد الثاني، صيف عام 2005 (ص 175–190)
القضية النووية
يحظى المسعى الإيراني لامتلاك التكنولوجيا النووية بدعم قوي من جميع أعضاء الدائرة الحاكمة على الرغم من اختلاف الأسباب التي تقف وراء ذلك الدعم. فهناك إجماع وطني إيراني تجسد عبر اتفاق جميع فئات وشرائح المجتمع الإيراني والدائرة الحاكمة على ضرورة امتلاك إيران التكنولوجيا النووية، إن لم يكن امتلاك الأسلحة النووية. كما يُجمِع الإيرانيون حكومة وشعباً على أنه ليس من حق أي قوة أجنبية منع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية. أضف إلى ذلك أن العديد من الإيرانيين (كالهنود والباكستانيين) يرون في امتلاك إيران للأسلحة النووية الوسيلة المثلى لتعزيز مكانتها الدوليةلأنها ستفرض اعتراف القوى الإقليمية والدولية بمنزلة مميزة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي حال نجاح المشروع النووي الإيراني على الرغم من العقوبات الدولية المفروضة على إيران، فسيضيف الإيرانيون مزيداً من الوزن والقيمة إلى إنجازهم النووي. ولا شك في أن تعصب الإيرانيين لقوميتهم وشعورهم بالتفوق على جيرانهم العرب أمران يعود تاريخهما إلى فترة الإمبراطورية الفارسية،ولكنهما يلعبان دوراً مهماً في القضية النووية الإيرانية. وعلى الرغم من أن هذه المشاعر القومية والتطلع إلى مكانة إقليمية ودولية أسمى لإيران يفسران الدعم المحلي الواسع الذي يحظى به المشروع النووي الإيراني، فإن أياً من هذين العاملين لم يشكل الدافع الحقيقي لظهورالبرنامج النووي الإيراني. فلا شك في أن ضمان الأمن القومي الإيراني يشكل الحافز الرئيسي والسبب المباشر الذي دفع الدائرة الإيرانية الحاكمة للإنفاق بسخاء على برنامجها النووي والمخاطرة بالتعرض لعقوبات تفرضها عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
ويتفق الإيرانيون عموماً على أن بلادهم تعرضت خلال حربها مع العراق إلى هجمات قاسية بأسلحة الدمار الشامل، وأنها عانت الأمرّين من جرّاء تعرض مناطقها السكنية للهجمات الصاروخية العراقية المتواصلة (التي كانت تُحدِث هلعاً كبيراً في نفوس الإيرانيين بسبب احتمال أن تكون مزودة برؤوس كيميائية). وكانت طهران أكثر المدن تعرضاً للقصف بصواريخ (سكود) العراقية. ونتيجة لذلك، يسود الاعتقاد لدى الإيرانيين بأنه يجب على إيران امتلاك القدرات العسكرية الكافية لردع أي قوة خارجية. وهكذا، يشكل الدعم الشعبي الإيراني الواسع لامتلاك إيران الأسلحة النووية حافزاً مهماً لاستمرار الحكام المحافظين في الإصرار على سياساتهم الراهنة. والجدير بالذكر أن القضية النووية ربما تكون القضية الوحيدة التي تمثل الدائرة الحاكمة من خلالها الإرادة الحقيقية للشعب الإيراني وتتعهد أمامه بإنجازها. ومن هنا، يتضح أن هناك عوامل سياسية تشجع الدائرة الحاكمة على الدفاع عن امتلاك إيران السلاح النووي وتدفعها إلى استخدام المعارضة الخارجية لهذا المسعى الإيراني في حشد التأييد الجماهيري لها وإضعاف نفوذ حكومة محمد خاتمي وبقية قوى المعارضة الداخلية. والجدير بالذكر أيضاً أنه لولا القضية النووية لعارضت أغلبية الشعب الإيراني حكم المحافظين. ومن المحتمل أن يؤدي الضغط الغربي المفروض على إيران إلى ظهور مقاومة شعبية إيرانية مماثلة لتلك التي ظهرت في الفترة الممتدة من عام 1951 وحتى عام 1953 نتيجة للإصرار الغربي المتواصل على ضرورة إلغاء الإيرانيين قرارهم بتأميم قطاع صناعة النفط.
أما بالنسبة لخامنئي، فإن تمكنه من إدارة هذه القضية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لفائدة إيران سيكون في غاية الأهمية بالنسبة لمستقبله السياسي. بعبارة أخرى، يمكن القول إنه في حال نجاح المجلس الأعلى للأمن القومي في كسب تعاطف الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع البرنامج النووي الإيراني وتخفيف الضغوط الخارجية المفروضة على إيران عبر تطبيق خطة العمل التي وضعها خامنئي لهذا الغرض فإن خامنئي سيستطيع بالتأكيد إظهار قيمة مكتبه، وسيعزز مكانته كمرشد أعلى للثورة الإسلامية في إيران. فالقضية الإيرانية تشكل الاختبار الصعب لحكمة خامنئي وحنكته السياسية في نظر حلفائه المحافظين وأغلبية الشعب الإيراني الذين يؤيدون تحول إيران إلى دولة نووية. ويكتسي امتلاك إيران السلاح النووي أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة للدائرة الإيرانية الحاكمة، حيث ترى إيران أن الولايات المتحدة تنتهج سياسة متعنتةتميل إلى افتعال المواجهات العسكرية. أضف إلى ذلك أنه في أوائل عام 2001 بدأت الولايات المتحدة الحديث عن تغيير النظام الإيراني، الأمر الذي دفع المحافظين الإيرانيين إلى البحث عن سبل إفشال المخططات الأمريكية التي تستهدف إيران من ناحية، وتعزيز قدرة طهران التفاوضية من أجل تخفيف الضغوط الأمريكية المفروضة عليها من ناحية أخرى. فالأسلحة النووية تزود النظام الإيراني بقدرات استراتيجية حقيقية تعزز فرص استمرار بقائه وتشكل عنصراً حيوياً لاستكمال استراتيجية البقاء التي استخدمها المحافظون ضد حكومة خاتمي. وتجدر الإشارة إلى أن المسألة الجوهرية الأولى المتعلقة بامتلاك السلاح النووي بالنسبة لحكام طهران ليست ذات طبيعة عسكرية صرفة، وإنما تتمحور حول ضمان استمرار بقاء نظامهم. وليس من المحتمل أن يطرأ أي تغيير على الإجماع الإيراني حول هذه المسألة إلا في حال تراجع حجم التحديات الاستراتيجية والتهديدات الخارجية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ففي أعقاب عملية تغيير النظام العراقي، أصبح الإيرانيون في غاية الحرص على استقرارهم الداخلي وفي غاية الحذر من أي تدخل خارجي في السياسات التي تنتهجها طهران.
ويُستنتَج مما تقدم أن القضية النووية الإيرانية تحظى بدعم شعبي ورسمي واسع لاعتبارها بمثابة الضمانة الحقيقية للأمن والاستقرار في إيران. ويصر الحرس الثوري بوجه خاص على امتلاك الخيار النووي، لأنه أكثر الخيارات قدرة على تلبية احتياجاته وأكثرها انسجاماً مع رؤيته الاستراتيجية. فالحرس الثوري الإيراني يسيطر على برنامج إنتاج صواريخ (شهاب)، وليس من المستبعد أن يرى في السلاح النووي الخطوة الطبيعية التالية لتعزيز قدراته العسكرية وإيجاد رادع إيراني فاعل عبر الجمع بين القدرات الصاروخية والنووية لمنع أي اعتداء خارجي محتمل. وتتشكل القيادة الحالية للحرس الثوري من المحاربين القدامى الذين عايشوا الحرب الإيرانية-العراقية وشاهدوا الأهوال التي أحدثتها الأسلحة الكيميائية العراقية بأم أعينهم. ولذلك يُعرِب هؤلاء القادة عن قناعتهم بوجوب امتلاك إيران قدرات عسكرية تمكِّنها من منع حدوث أي اعتداء على أراضيها كالاعتداء العراقي الذي تعرضت له في الثمانينات. كما أنهم يؤكدون ضرورة امتلاك إيران قدرات عسكرية كافية لتعزيز نفوذها الإقليمي، مع التشديد على أن إيران عجزت عن تعزيز نفوذها الإقليمي في الثمانينات لافتقارها آنذاك إلى القدرات العسكرية التقليدية الكفيلة بتحقيق ذلك الهدف. ونظراً للعزلة السياسية المفروضة حالياً على إيران، فإن قيادة الحرس الثوري ترى في السلاح النووي الوسيلة الكفيلة بضمان استمرار بقاء الدائرة الحاكمة وتعزيز النفوذ الإقليمي الإيراني في آن معاً. أضف إلى ذلك أن الحرس الثوري لا يؤيد إجراء أي تعزيز لقدرات الجيش النظامي الإيراني، لأنه يعارض الوضع المميز الذي يتمتع به الحرس الثوري في المرحلة الراهنة. بعبارة أخرى، يبدو أن الحرس الثوري يرغب في إيجاد رادع إيراني فاعل وفي تعزيز النفوذ الإقليمي الإيراني من دون اللجوء إلى تقوية الجيش النظامي الإيراني. ولا يمكن تحقيق هذين الهدفين من دون تطوير قدرات الجيش النظامي الإيراني إلا عبر امتلاك إيران أسلحة نووية.
محدوديات تعزيز نفوذ المحافظين
تتمتع القيادة الإيرانية في الوقت الراهن بأكبر قدر من السلطة والنفوذ منذ وفاة الخميني في عام 1988. وتتركز القيادة الإيرانية الحاكمة في مكتب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران وتعتمد إلى حد كبير على قوات الحرس الثوري ورجال الدين المحافظين. وتسيطر القيادة الإيرانية على المؤسسة الدستورية، ويمتد نفوذها إلى الجيش والاقتصاد عبر حلفائها وأنصارها الذين يسيطرون على القطاعين العام والخاص. كما أن هذه القيادة الإيرانية تحكم البلاد عبر سيطرتها على عملية صنع القرار التي باتت تُحسم في المجلس الأعلى للأمن القومي الخاضع لنفوذها،والذي يتمتع باستقلالية كبيرة عن قنوات الحكومة الرسمية، مما أضعف الدور السياسي لحكومة الرئيس خاتمي. وبعد عام 1997، تخلت الجمهورية الإسلامية عن ترسيخ نظامها الديني في سبيل توطيد دعائم نظامها الاستبدادي الناشئ في ذلك الوقت.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، لجأت القيادة الإيرانية المحافظة إلى نهج اجتماعي جديد هدفه حشد التأييد الجماهيري لها عبر توسيع قاعدتها الشعبية على أساس المحسوبيات وحل بعض المشكلات الاجتماعية وليس على أساس إيديولوجي. وقد دُفعت القيادة الإيرانية إلى توسيع شعبيتها بسبب الخطرين الداخلي والخارجي اللذين كانا يهددان وجود الجمهورية الإسلامية: أما الخطر الداخلي فكان مصدره جموع الناخبين الإيرانيين الداعمين للإصلاح، بينما تمثل الخطر الخارجي في السياسة الخارجية الأمريكية التي أصبحت بعد الحادي عشر من سبتمبر2001 تنزع إلى التعنت واستخدام القوة العسكرية. ومهما يكن من أمر، فإن الدائرة الإيرانية الحاكمة لم تتمكن من تعزيز نظامها الاستبدادي إلا عبر استخدام الحوافز الاقتصادية لتحسين علاقاتها الاجتماعية وتوسيع قاعدتها الجماهيرية. وعلى الرغم من أن بناء المحسوبيات التي تربط شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني بالدائرة الحاكمة أسهم في تعزيز نفوذ المحافظين على المدى القصير فإنه سيولد على المدى البعيد ضغطاً إصلاحياً جديداً من القاعدة الشعبية على الدائرة الحاكمة. أضف إلى ذلك أن التنوع الاقتصادي ودينامية القطاع الخاص الذي يغذي علاقة المحسوبيات سيتطلبان مزيداً من الانفتاح السياسي والثقافي، ناهيك عن ضرورة توسيع العلاقات التجارية الإيرانية الخارجية، مما سيحتِّم على القيادة الإيرانية تبني سياسة خارجية جديدة. أما داخلياً، فإنه سيتعين على المحافظين العمل على توسيع القطاع الخاص ومعالجة مشكلاته ومشكلة البطالة حتى إن فعلوا ذلك ببطء وبشكل تدريجي ووفقاً للشروط التي يفرضونها. ومن المؤكد أن هذا النهج المحافظ لن يؤدي إلى إرساء أي ديمقراطية حقيقية في إيران، لكنه سيؤدي إلى ظهور مزيج من الاستبدادية والبراغماتية نتيجة لحرص التيار المحافظ على تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي في إيران.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1150::/cck::
::introtext::
يحظى المسعى الإيراني لامتلاك التكنولوجيا النووية بدعم قوي من جميع أعضاء الدائرة الحاكمة على الرغم من اختلاف الأسباب التي تقف وراء ذلك الدعم. فهناك إجماع وطني إيراني تجسد عبر اتفاق جميع فئات وشرائح المجتمع الإيراني والدائرة الحاكمة على ضرورة امتلاك إيران التكنولوجيا النووية، إن لم يكن امتلاك الأسلحة النووية.
::/introtext::
::fulltext::
العنوان: المحافظون الإيرانيون يعززون نفوذهم
الكاتب: علي قيصري ووالي نصر
المصدر: المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية
سرفايفل (Survival)، المجلد السابع والأربعون، العدد الثاني، صيف عام 2005 (ص 175–190)
القضية النووية
يحظى المسعى الإيراني لامتلاك التكنولوجيا النووية بدعم قوي من جميع أعضاء الدائرة الحاكمة على الرغم من اختلاف الأسباب التي تقف وراء ذلك الدعم. فهناك إجماع وطني إيراني تجسد عبر اتفاق جميع فئات وشرائح المجتمع الإيراني والدائرة الحاكمة على ضرورة امتلاك إيران التكنولوجيا النووية، إن لم يكن امتلاك الأسلحة النووية. كما يُجمِع الإيرانيون حكومة وشعباً على أنه ليس من حق أي قوة أجنبية منع إيران من امتلاك التكنولوجيا النووية. أضف إلى ذلك أن العديد من الإيرانيين (كالهنود والباكستانيين) يرون في امتلاك إيران للأسلحة النووية الوسيلة المثلى لتعزيز مكانتها الدوليةلأنها ستفرض اعتراف القوى الإقليمية والدولية بمنزلة مميزة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي حال نجاح المشروع النووي الإيراني على الرغم من العقوبات الدولية المفروضة على إيران، فسيضيف الإيرانيون مزيداً من الوزن والقيمة إلى إنجازهم النووي. ولا شك في أن تعصب الإيرانيين لقوميتهم وشعورهم بالتفوق على جيرانهم العرب أمران يعود تاريخهما إلى فترة الإمبراطورية الفارسية،ولكنهما يلعبان دوراً مهماً في القضية النووية الإيرانية. وعلى الرغم من أن هذه المشاعر القومية والتطلع إلى مكانة إقليمية ودولية أسمى لإيران يفسران الدعم المحلي الواسع الذي يحظى به المشروع النووي الإيراني، فإن أياً من هذين العاملين لم يشكل الدافع الحقيقي لظهورالبرنامج النووي الإيراني. فلا شك في أن ضمان الأمن القومي الإيراني يشكل الحافز الرئيسي والسبب المباشر الذي دفع الدائرة الإيرانية الحاكمة للإنفاق بسخاء على برنامجها النووي والمخاطرة بالتعرض لعقوبات تفرضها عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها.
ويتفق الإيرانيون عموماً على أن بلادهم تعرضت خلال حربها مع العراق إلى هجمات قاسية بأسلحة الدمار الشامل، وأنها عانت الأمرّين من جرّاء تعرض مناطقها السكنية للهجمات الصاروخية العراقية المتواصلة (التي كانت تُحدِث هلعاً كبيراً في نفوس الإيرانيين بسبب احتمال أن تكون مزودة برؤوس كيميائية). وكانت طهران أكثر المدن تعرضاً للقصف بصواريخ (سكود) العراقية. ونتيجة لذلك، يسود الاعتقاد لدى الإيرانيين بأنه يجب على إيران امتلاك القدرات العسكرية الكافية لردع أي قوة خارجية. وهكذا، يشكل الدعم الشعبي الإيراني الواسع لامتلاك إيران الأسلحة النووية حافزاً مهماً لاستمرار الحكام المحافظين في الإصرار على سياساتهم الراهنة. والجدير بالذكر أن القضية النووية ربما تكون القضية الوحيدة التي تمثل الدائرة الحاكمة من خلالها الإرادة الحقيقية للشعب الإيراني وتتعهد أمامه بإنجازها. ومن هنا، يتضح أن هناك عوامل سياسية تشجع الدائرة الحاكمة على الدفاع عن امتلاك إيران السلاح النووي وتدفعها إلى استخدام المعارضة الخارجية لهذا المسعى الإيراني في حشد التأييد الجماهيري لها وإضعاف نفوذ حكومة محمد خاتمي وبقية قوى المعارضة الداخلية. والجدير بالذكر أيضاً أنه لولا القضية النووية لعارضت أغلبية الشعب الإيراني حكم المحافظين. ومن المحتمل أن يؤدي الضغط الغربي المفروض على إيران إلى ظهور مقاومة شعبية إيرانية مماثلة لتلك التي ظهرت في الفترة الممتدة من عام 1951 وحتى عام 1953 نتيجة للإصرار الغربي المتواصل على ضرورة إلغاء الإيرانيين قرارهم بتأميم قطاع صناعة النفط.
أما بالنسبة لخامنئي، فإن تمكنه من إدارة هذه القضية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لفائدة إيران سيكون في غاية الأهمية بالنسبة لمستقبله السياسي. بعبارة أخرى، يمكن القول إنه في حال نجاح المجلس الأعلى للأمن القومي في كسب تعاطف الوكالة الدولية للطاقة الذرية مع البرنامج النووي الإيراني وتخفيف الضغوط الخارجية المفروضة على إيران عبر تطبيق خطة العمل التي وضعها خامنئي لهذا الغرض فإن خامنئي سيستطيع بالتأكيد إظهار قيمة مكتبه، وسيعزز مكانته كمرشد أعلى للثورة الإسلامية في إيران. فالقضية الإيرانية تشكل الاختبار الصعب لحكمة خامنئي وحنكته السياسية في نظر حلفائه المحافظين وأغلبية الشعب الإيراني الذين يؤيدون تحول إيران إلى دولة نووية. ويكتسي امتلاك إيران السلاح النووي أهمية استراتيجية بالغة بالنسبة للدائرة الإيرانية الحاكمة، حيث ترى إيران أن الولايات المتحدة تنتهج سياسة متعنتةتميل إلى افتعال المواجهات العسكرية. أضف إلى ذلك أنه في أوائل عام 2001 بدأت الولايات المتحدة الحديث عن تغيير النظام الإيراني، الأمر الذي دفع المحافظين الإيرانيين إلى البحث عن سبل إفشال المخططات الأمريكية التي تستهدف إيران من ناحية، وتعزيز قدرة طهران التفاوضية من أجل تخفيف الضغوط الأمريكية المفروضة عليها من ناحية أخرى. فالأسلحة النووية تزود النظام الإيراني بقدرات استراتيجية حقيقية تعزز فرص استمرار بقائه وتشكل عنصراً حيوياً لاستكمال استراتيجية البقاء التي استخدمها المحافظون ضد حكومة خاتمي. وتجدر الإشارة إلى أن المسألة الجوهرية الأولى المتعلقة بامتلاك السلاح النووي بالنسبة لحكام طهران ليست ذات طبيعة عسكرية صرفة، وإنما تتمحور حول ضمان استمرار بقاء نظامهم. وليس من المحتمل أن يطرأ أي تغيير على الإجماع الإيراني حول هذه المسألة إلا في حال تراجع حجم التحديات الاستراتيجية والتهديدات الخارجية التي تواجهها الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ففي أعقاب عملية تغيير النظام العراقي، أصبح الإيرانيون في غاية الحرص على استقرارهم الداخلي وفي غاية الحذر من أي تدخل خارجي في السياسات التي تنتهجها طهران.
ويُستنتَج مما تقدم أن القضية النووية الإيرانية تحظى بدعم شعبي ورسمي واسع لاعتبارها بمثابة الضمانة الحقيقية للأمن والاستقرار في إيران. ويصر الحرس الثوري بوجه خاص على امتلاك الخيار النووي، لأنه أكثر الخيارات قدرة على تلبية احتياجاته وأكثرها انسجاماً مع رؤيته الاستراتيجية. فالحرس الثوري الإيراني يسيطر على برنامج إنتاج صواريخ (شهاب)، وليس من المستبعد أن يرى في السلاح النووي الخطوة الطبيعية التالية لتعزيز قدراته العسكرية وإيجاد رادع إيراني فاعل عبر الجمع بين القدرات الصاروخية والنووية لمنع أي اعتداء خارجي محتمل. وتتشكل القيادة الحالية للحرس الثوري من المحاربين القدامى الذين عايشوا الحرب الإيرانية-العراقية وشاهدوا الأهوال التي أحدثتها الأسلحة الكيميائية العراقية بأم أعينهم. ولذلك يُعرِب هؤلاء القادة عن قناعتهم بوجوب امتلاك إيران قدرات عسكرية تمكِّنها من منع حدوث أي اعتداء على أراضيها كالاعتداء العراقي الذي تعرضت له في الثمانينات. كما أنهم يؤكدون ضرورة امتلاك إيران قدرات عسكرية كافية لتعزيز نفوذها الإقليمي، مع التشديد على أن إيران عجزت عن تعزيز نفوذها الإقليمي في الثمانينات لافتقارها آنذاك إلى القدرات العسكرية التقليدية الكفيلة بتحقيق ذلك الهدف. ونظراً للعزلة السياسية المفروضة حالياً على إيران، فإن قيادة الحرس الثوري ترى في السلاح النووي الوسيلة الكفيلة بضمان استمرار بقاء الدائرة الحاكمة وتعزيز النفوذ الإقليمي الإيراني في آن معاً. أضف إلى ذلك أن الحرس الثوري لا يؤيد إجراء أي تعزيز لقدرات الجيش النظامي الإيراني، لأنه يعارض الوضع المميز الذي يتمتع به الحرس الثوري في المرحلة الراهنة. بعبارة أخرى، يبدو أن الحرس الثوري يرغب في إيجاد رادع إيراني فاعل وفي تعزيز النفوذ الإقليمي الإيراني من دون اللجوء إلى تقوية الجيش النظامي الإيراني. ولا يمكن تحقيق هذين الهدفين من دون تطوير قدرات الجيش النظامي الإيراني إلا عبر امتلاك إيران أسلحة نووية.
محدوديات تعزيز نفوذ المحافظين
تتمتع القيادة الإيرانية في الوقت الراهن بأكبر قدر من السلطة والنفوذ منذ وفاة الخميني في عام 1988. وتتركز القيادة الإيرانية الحاكمة في مكتب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران وتعتمد إلى حد كبير على قوات الحرس الثوري ورجال الدين المحافظين. وتسيطر القيادة الإيرانية على المؤسسة الدستورية، ويمتد نفوذها إلى الجيش والاقتصاد عبر حلفائها وأنصارها الذين يسيطرون على القطاعين العام والخاص. كما أن هذه القيادة الإيرانية تحكم البلاد عبر سيطرتها على عملية صنع القرار التي باتت تُحسم في المجلس الأعلى للأمن القومي الخاضع لنفوذها،والذي يتمتع باستقلالية كبيرة عن قنوات الحكومة الرسمية، مما أضعف الدور السياسي لحكومة الرئيس خاتمي. وبعد عام 1997، تخلت الجمهورية الإسلامية عن ترسيخ نظامها الديني في سبيل توطيد دعائم نظامها الاستبدادي الناشئ في ذلك الوقت.
ومن أجل تحقيق هذا الهدف، لجأت القيادة الإيرانية المحافظة إلى نهج اجتماعي جديد هدفه حشد التأييد الجماهيري لها عبر توسيع قاعدتها الشعبية على أساس المحسوبيات وحل بعض المشكلات الاجتماعية وليس على أساس إيديولوجي. وقد دُفعت القيادة الإيرانية إلى توسيع شعبيتها بسبب الخطرين الداخلي والخارجي اللذين كانا يهددان وجود الجمهورية الإسلامية: أما الخطر الداخلي فكان مصدره جموع الناخبين الإيرانيين الداعمين للإصلاح، بينما تمثل الخطر الخارجي في السياسة الخارجية الأمريكية التي أصبحت بعد الحادي عشر من سبتمبر2001 تنزع إلى التعنت واستخدام القوة العسكرية. ومهما يكن من أمر، فإن الدائرة الإيرانية الحاكمة لم تتمكن من تعزيز نظامها الاستبدادي إلا عبر استخدام الحوافز الاقتصادية لتحسين علاقاتها الاجتماعية وتوسيع قاعدتها الجماهيرية. وعلى الرغم من أن بناء المحسوبيات التي تربط شريحة كبيرة من المجتمع الإيراني بالدائرة الحاكمة أسهم في تعزيز نفوذ المحافظين على المدى القصير فإنه سيولد على المدى البعيد ضغطاً إصلاحياً جديداً من القاعدة الشعبية على الدائرة الحاكمة. أضف إلى ذلك أن التنوع الاقتصادي ودينامية القطاع الخاص الذي يغذي علاقة المحسوبيات سيتطلبان مزيداً من الانفتاح السياسي والثقافي، ناهيك عن ضرورة توسيع العلاقات التجارية الإيرانية الخارجية، مما سيحتِّم على القيادة الإيرانية تبني سياسة خارجية جديدة. أما داخلياً، فإنه سيتعين على المحافظين العمل على توسيع القطاع الخاص ومعالجة مشكلاته ومشكلة البطالة حتى إن فعلوا ذلك ببطء وبشكل تدريجي ووفقاً للشروط التي يفرضونها. ومن المؤكد أن هذا النهج المحافظ لن يؤدي إلى إرساء أي ديمقراطية حقيقية في إيران، لكنه سيؤدي إلى ظهور مزيج من الاستبدادية والبراغماتية نتيجة لحرص التيار المحافظ على تعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي في إيران.
::/fulltext::
::cck::1150::/cck::
