أثر الدين والاتجاهات العقائدية في العلاقات الخليجية ـ الإيرانية

::cck::1100::/cck::
::introtext::

يُشكّلُ العامل الديني أحد أهم محاور العلاقات الخليجية ـ الإيرانية، وذلك أنّ الدين يمثّل أحد أبرز محددات السياسة الخارجية لكلٍ من الطـرفين تجاه الطـرف الآخر، فضـلاً عـن أن الدين يمثل ـ كذلك ـ أبرز مكونات الثقافة لكليهما.

::/introtext::
::fulltext::

يُشكّلُ العامل الديني أحد أهم محاور العلاقات الخليجية ـ الإيرانية، وذلك أنّ الدين يمثّل أحد أبرز محددات السياسة الخارجية لكلٍ من الطـرفين تجاه الطـرف الآخر، فضـلاً عـن أن الدين يمثل ـ كذلك ـ أبرز مكونات الثقافة لكليهما. 

على سبيل البدء.. الدين كأحد محددات صنع السياسة

يمثل المكوّن الديني عموماً منطقة شدٍّ وجذب في عموم النظم السياسية، وذلك لأنه يرتبط بالنواحي العقائدية، والنظام العام لأية دولة أو شعب أو أمة. كما أن الدين ـ أي دين ـ له قدسيته في نفوس أتباعه، ومن ثمّ فإن الدين يلعب دوراً مهماً في تعبئة الجماهير، وشحذ هممهم تجاه القضايا المعينة التي يتبناها من يتحدّث باسم الدين في هذا البلد أو ذاك. ويتعاظم دور العامل الديني في العلاقات الدولية عندما يكون لرجال الدين دور كبير في النظام السياسي، مثل ما هو حادث في إيران الآن ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية على إثر الثورة التي قام بها الإمام الخميني في العام 1979.

وبتعاظم هذا الدور لرجال الدين، وإقحام الدين في كل القضايا السياسية، بمعنى أنْ يكون الدين تابعاً للسياسة وليس العكس، يجعل من الدين طرفاً وخصماً في الصراعات السياسية. وإنْ كان البعضُ قد تحدّّث عن انتهاء الصراع الأيديولوجي مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، فهذا صحيح إلى حدٍ بعيد. إلاّ أننا يجب ألاّ نغفل حديث البعض عن صدام الحضارات أو التصادم بين الثقافات. وكان صاحب هذه النظرية يشير إلى المكوّن الديني في هذه الحضارات، وعلى وجه الخصوص أشار إلى الحضارة الغربية المسيحية والحضارة العربية الإسلامية في إطار ما كان يشير إليه صمويل هانتجتون بأنه البحث عن عدو جديد يحل محل الاتحاد السوفييتي. وهذه الأفكار رغم انتقادها من جانب العديد من المفكرين، وظهور أفكار مضادة تدعو إلى (حوار الحضارات) و(تحالف الحضارات) و(حوار الثقافات)، فإن أفكار هانتجتون يُستفادُ منها في إبراز أهمية العامل الديني كأحد أبرز مكونات هذه الحضارات وتلك الثقافات.

ويمكن بلورة هذا الدور وهذه الأهمية للعامل الديني في أنّ الدين قد تحول من كونه أيديولوجيا جامدة تحرك الصراع بين الدول والحضارات إلى كونه أهم مكونات الثقافات المختلفة التي ـ وحسب الأفكار الجديدة ـ من الممكن أن تتصادم أو تتحالف ويجري بينها حوارٌ حضاري.

وإذا كان للعامل الديني أهميته في العلاقات السياسية عموماً، فإنَّ هذه الأهمية تبرز بوجهٍ خاص عند الحديث عن منطقة الخليج العربي وإيران. وذلك لاحتلال الدين مكانةً خاصةً لدى شعوب هذه المنطقة من ناحية، وتداخل وتعقد العلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي من ناحيةٍ أخرى. ويختلف موقع الدين من النظام السياسي في كل من دول الخليج العربية وإيران الفارسية. ومن ثمّ يختلف تأثير العامل الديني والاتجاهات العقائدية في سياسة كل طرف، وفي العلاقات بين الطرفين كذلك.

أولاً: بالنسبة إلى دول الخليج العربي

1- تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي الدين الإسلامي بمذهبه السني مذهباً رسمياً لها، استناداً لمبدأ (قرآن وسنة بفهم سلف الأمة). ووفقاً لهذه الرؤية التي لا تعترف بدولة الكهنوت ولا بدور لرجال الدين في نظم الحكم، تكون المؤسسات ذات الطابع الديني في دول الخليج مؤسسات مستقلة عن هيكل النظام السياسي بعكس إيران، ويتركز عملها ـ كمؤسسات للمجتمع المدني ـ في الأنشطة الخيرية والعمل الأهلي وتقديم العون والمساعدات للمحتاجين، انطلاقاً من قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى)، وقول النبي الكريم: (المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً)، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد…).

  تمثل دول الخليج العربي مجتمعاً شبه متجانس من حيث الثقافة واللغة والدين والتاريخ المشترك بين دول هذه المنطقة وتقارب نظمها السياسية  والاقتصادية وغيرها من عوامل التقارب، واستشعاراً لعظم المسؤولية أمام شعوبها، وإدراكاً لحجم المخاطر الإقليمية والدولية قررت دول الخليج إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو 1981 في اجتماع قادة دول الخليج بمدينة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة لتعزيز التعاون الخليجي وتفعيل العمل المشترك، والذي كان من أهم دوافع إنشائه التوحد في مواجهة تهديد خطة (تصدير الثورة) التي تبناها النظام الإيراني بعد ثورة الخميني عام 1979.

ثانياً: بالنسبة إلى إيران:

1- منذ سقوط نظام الشاه على يد ثورة الخميني في عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، احتل رجال الدين مكانة مهمة، وجعلوا أنفسهم في صدارة المشهد السياسي، وعلى قمة النظام الحاكم في إيران، وذلك من خلال تدشين نظرية (ولاية الفقيه) التي أرساها الخميني وأقام عليها النظام السياسي المعاصر في إيران. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أكثر مراحل التاريخ الإيراني التي يسيطر فيها رجال الدين على النظام السياسي، هي تلك الفترة التي امتدت من عام 1979 وحتى الآن.  وقد ظهر ذلك جليّاً في مؤسسات الدولة التي يسيطر عليها رجال الدين بدايةً من منصب المرشد الأعلى للثورة، ومروراً بكافة أجهزة ومؤسسات الدولة. ولعل دليل سيطرة رجال الدين على النظام السياسي الإيراني تتمثل في أنّ الدستور ينص على أن أعلى سلطة في البلاد هي المرشد الأعلى وأن الرئاسة تالية لهذا المنصب، كما أن مجلس تشخيص مصلحة النظام ـ والذي تم تأسيسه عام 1988 ـ مهمته حسم الخلاف بين مجلس الشورى ومجلس الأوصياء ويعين المرشد أعضاء المجلس الذين يضاف إليهم رؤساء السلطات الثلاث. كما أن المرشد يُعين رئيس السلطة القضائية، ومجلس صيانة الدستور الذي يمثل الغرفة الثانية في السلطة التشريعية وله الحق في نقض التشريعات الصادرة عن مجلس الشورى المنتخب يسيطر عليه رجال المرشد. هذا إضافة إلى أن المرشد يملك ذراعاً قوية للسيطرة على البلاد وهي قوات الحرس الثوري الموازية للجيش، ومن ثمَّ يضمن إحكام سيطرته وأعوانه من رجال الدين على الحكم.

لا توجد دولة في العالم فيها مجتمع واحد متجانس تماماً من حيث العرق واللغة والدين

2- تُعدّ إيران الدولة غير العربية الوحيدة على الخليج العربي، والتي لها ميراث صراعي مع عدد من دول الخليج العربية منذ أن كانت بلاد فارس والتي فتحها العرب المسلمون في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ ومروراً بالدولة الصفويّة، وحتى إيران الحديثة لها نزاعات مع بعض دول الخليج باحتلالها جزر دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سبعينات القرن الماضي، وتجدد إيران هذه التوترات بالتصريحات العدائية تجاه دول الخليج ذات المذهب السني، ومحاولة إثارة القلاقل من وقت لآخر بتصريحات مستفزة تجاه الأقلية الشيعية في دول الخليج.

3- اتخذت إيران منذ ثورتها عام 1979م ضد نظام الشاه اتجاه تصدير الثورة، فمنذ بداية انتصارها لم يكتف التيار المؤيد لهذا الاتجاه بالدعاية في الخارج للنموذج الإيراني، بل تقديم مساعدات ودعم لقوى سياسية خارج إيران، وبخاصة القوى المعادية للنظم القائمة في العالم الإسلامي، فقد طلب الخميني بتكرار ثورة إيران في البلاد الإسلامية الأخرى، كخطوة أولى نحو التوحّد مع إيران في دولة واحدة يكون مركزها إيران، في المواجهة مع من أسماهم أعداء الإسلام في الشرق والغرب، وتعهّد بتصدير الثورة الإيرانية لكافة أرجاء الأرض، واتفقت معظم الأدبيات الثورية الإيرانية منذ عام 1979م، على تصنيف حكام معظم البلدان الإسلامية مثلهم مثل دول الغرب بأنهم يمارسون الاستكبار ضد شعوبهم، وحثّت هذه الشعوب على التخلّص من حكامها الذين يخدمون حسب الرؤية الإيرانية مصالح أعداء الإسلام، وهو ما انعكس في الدستور الإيراني، فقد حددت ديباجة الدستور ضمن أهداف الجمهورية الإسلامية السعي مع الحركات الإسلامية والجماهيرية الأخرى، لبناء الأمة العالمية وإنقاذ المحرومين في كل مكان على الأرض. ويدخل في هذا الإطار الجانب التعليمي والذي يُعد من أبرز الجوانب لتصدير الثورة في إيران حيث تعطي الحكومة الإيرانية في كل سنة آلاف المنح الجامعية التعليمية لبعض الدول، وتحاول من خلالها استقطاب بعض الطلبة المتفوقين للدراسة في طهران وعلى حساب حكومتها، حيث يتعلمون مع التخصصات العلمية الأخرى المذهب الاثنى عشري، ويستقطب منهم الذين يلمسون منهم قرباً وقناعة بهم، فتعطى لهم منحاً أطول للدراسات العليا وغيرها، ليعودوا لبلادهم دعاة لهذا المذهب الساعي لسيطرة الأمة الفارسية باعتبارها رافعة رايته في العالم.

يتعاظم دور العامل الديني في العلاقات الدولية عندما يكون لرجال الدين دور كبير في النظام السياسي

4- تعتنق إيران المذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري مذهباً رسمياً لها منذ أعلنه إسماعيل الصفوي مذهباً رسمياً للبلاد في عام 907 هـ (وتنص المادة 12 من الدستور الإيراني الصادر بعد الثورة عام 1979 على أن المذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري هو المذهب الرسمي للدولة). ويعتنق أنصار المذهب الشيعي الإثنى عشري أفكاراً مخالفةً لصحيح الدين الإسلامي كما يفهمه أهل السنة عن سلف الأمة الصالح. هذه الأفكار مثل نظرية الإمامة وما تنطوي عليه من مخالفات صريحة لأحكام الدين الصحيح، وآرائهم في الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين، وتحريفهم لكثيرٍ من آيات القرآن، وبغضهم لأهل السنة (ويسمونهم العامة)، وغيرها من المسائل التي لا مجال لشرحها هنا. كل هذه الأمور والاختلافات تؤثر في علاقة إيران بدول الخليج العربي السنيّّة.

وقد انعكس هذا الاختلاف لموقع الدين في النظام السياسي  بشكلٍ كبير على العلاقات بين الجانبين (دول الخليج العربي من ناحية وإيران من ناحية أخرى)، وكذلك كان لهذه التباينات العقائدية والمذهبية تأثير في توجهات السياسة الخارجية لكل طرف تجاه الآخر. خصوصاً وأن ثمة ملفات عديدة شائكة ومتداخلة بين الطرفين أبرزها قضايا أمن الخليج، واحتلال الجزر الإماراتية من جانب إيران، والنفوذ الإيراني في العراق، وتصريحات إيران العدائية تجاه دول الخليج، وعلاقة إيران بسوريا وحزب الله اللبناني وحركة حماس وغيرها من القضايا التي تمس الأمن القومي لدول الخليج العربي.

ويمكننا تناول أثر هذه الاختلافات العقائدية في أبرز هذه القضايا وانعكاساتها على مسار واتجاهات العلاقات الخليجية الإيرانية، على النحو التالي:

قضية شيعة الخليج والعلاقات الخليجية الإيرانية:

مثلها مثل بقية دول العالم، توجد بعض الأقليات في دول الخليج العربي، إذْ لا توجد دولة في العالم فيها مجتمع واحد متجانس تماماً من حيث العرق واللغة والدين، وتنتمي الأقليات الدينية في دول الخليج العربي للمذهب الشيعي. وعلى الرغم من تمتّع هذه الأقليات بحقوق المواطنة في دول الخليج، ومشاركتهم في إدارة شؤون بلادهم وصنع مستقبلهم، إلاّ أن إيران تستغل هذه القضية لتوتير العلاقات مع دول الخليج من وقتٍ لآخر، بإطلاق تصريحات مثيرة للجدل حول المواطنين الشيعة بدول الخليج. ولعل التصريحات الأخيرة التي أطلقها مسؤول إيراني في الذكرى الثلاثين للثورة الإيرانية في فبراير الماضي تعدُّ نموذجاً للاستفزازت الإيرانية لدول الخليج، خصوصاً في ظل سيطرة فكرة تصدير الصورة على الفكر الإيراني الشيعي. وتحاول دول مجلس التعاون الخليجي التعامل مع هذه القضية الحساسة بحكمة شديدة، ودون تهوّر عن طريق تبني برامج تنموية شاملة تستهدف دمج كافة مواطني دول الخليج على اختلافاتهم المذهبية في إطار المجتمع تحقيقاً للمواطنة والحفاظ على النسيج العربي للمجتمعات الخليجية. هذا على المستوى القطري. وعلى المستوى الجماعي تحاول دول مجلس التعاون تحقيق مزيد من الخطوات على طريق الوحدة الاقتصادية الشاملة، ولعل آخر هذه الخطوات؛ الاتحاد الجمركي الخليجي والبنك المركزي الخليجي.

 النفوذ الإيراني المتنامي وقضايا الأمن القومي الخليجي:

من أبرز القضايا التي تبرز فيها الاختلافات العقائدية بين دول الخليج وإيران، والمرتبطة من ناحية أخرى بخطة إيران لـتصدير الثورة، ذلك النفوذ المتنامي لإيران في المنطقة العربية، واستغلال النظام الإيراني للقضايا العربية لتحقيق كسب مواقع جديدة للنفوذ وتعزيز موقعه في المحيط الإقليمي في المنطقة، حيث تستغل إيران الدين للدخول إلى هذه القضايا والتأثير فيها. ومثال ذلك النفوذ الإيراني في العراق، والعلاقات مع حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية والنظام السوري.

وهذه القضايا تمثل قضايا أمن قومي لدول الخليج العربي، فالعراق ـ رغم الخلاف ـ يمثل قضية أمن قومي حيوية لدول الخليج، ومن ثمَّ فالتغلغل الإيراني في العراق وسيطرة الشيعة الموالين لإيران على السلطة في بغداد هو أمر يسبب قلقاً شديداً بالنسبة إلى دول الخليج، إذ إنه بالسيطرة الإيرانية على العراق ـ لا قدّر الله ـ يزداد الحصار الشيعي الإيراني للمجتمعات الخليجية. وتزداد رغبة الإيرانيين في العمل على تصدير ثورتهم. ولا شكّ أن هذه القضية تمثل أولوية على قضايا السياسة الخارجية لدول الخليج التي تعمل على تجاوز الخلافات مع العراق ومساعدته على العودة لمحيطه العربي، لبدء مرحلة جديدة من التعاون بين العراق والدول العربية الشقيقة وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي.

والقضية الأخرى المهمة في هذا الصدد، هي نفوذ إيران المتنامي لدى بعض الأطراف الفاعلة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي مثل حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية والنظام السوري، وتستغل إيران الانتماء الشيعي لحزب الله لتحقيق مصالحها في المنطقة ولو على حساب مستقبل لبنان الموحد ذاته. كما تستغل الدعاية باسم الإسلام للتقارب مع حماس السُنيّة، وتستغل شعارات رفض الهيمنة الأمريكية والإمبريالية الغربية للتحالف مع سوريا، على الرغم من أن ذلك لا يعدو كونه غطاءً لتحقيق المصالح الإيرانية في المنطقة، وهو ما يؤثر بشكلٍ سلبي في مسار واتجاهات العلاقات الخليجية ـ الإيرانية.

هذا إضافة إلى وجود قضايا أخرى شائكة وعالقة في العلاقات الخليجية الإيرانية، أبرزها أمن الخليج والبرنامج النووي الإيراني وتعاظم قوتها العسكرية، واستمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث. وما يزيد الأمور تعقيداً أن الفكر الشيعي يغلّف هذه القضايا بغلاف ديني، وغالباً ما تكون الدعاية الدينية عاملاً في زيادة التوتر في العلاقات الخارجية لإيران مع دول العالم ومنها دول الخليج العربي. فإيران تزعم أن امتلاك السلاح النووي لمواجهة الغطرسة الأمريكية (الشيطان الأكبر) ولنسف إسرائيل ومحوها من على الخريطة، رغم احتفاظها تاريخياً بعلاقات استراتيجية مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل (لا مجال للحديث عنها هنا). ولا شكّ أن نظرية (التقيّة) التي يتبناها الفكر الشيعي الإيراني تجعل الشكوك الخليجية تجاه نوايا إيران غير الواضحة شكوكاً في محلّها. حيث ترفض إيران تقديم أية بوادر أو دلائل على حسن النية تجاه جيرانها في الخليج العربي، وذلك باستمرار احتلالها لجزر الإمارات، واستمرار التصريحات العدائية المستفزّة تجاه دول الخليج، وبلعب دور (مريب) في العراق، على الرغم من أن السنوات القليلة الماضية شهدت انفراجاً نسبياً في العلاقات بين الجانبين عن ذي قبل بتبادل الزيارات على مستوى مسؤولين رفيعي المستوى من كلا الجانبين.

تبقى هناك قضية أخرى يجب الإشارة إليها، وهي أيضاً تدخل في إطار القضايا التي تؤثر فيها الاختلافات العقائدية والمذهبية بين دول الخليج السنية وإيران الشيعية. وهي قضية (السنّّة في إيران) حيث يوجد في إيران عدد كبير من أهل السنة (يمثلون حوالي 15 ــ 20% من إجمالي سكان إيران). ورغم هذه النسبة المهمة فالسلطات الإيرانية تتعامل مع سنة إيران كمواطنين من الدرجة الثانية، وتسلب حقوقهم، وتمارس ضدهم القمع، ولا يتم تمثيلهم تمثيلاً عادلاً في الوظائف العامة ومجالس الحكم في إيران، في حين تعامل الجالية اليهودية في إيران معاملة أفضل من أهل السنة الذين يمثلون النسبة الثانية في البلاد بعد الفرس الشيعة. هذه القضية لا شك تؤثر سلباً في العلاقات الإيرانية الخليجية، حيث ترفض الأخيرة ـ التي تعتنق المذهب السني ـ هذا التعنت الإيراني والتمييز بين المواطنين على أساس من الاختلاف المذهبي.

الخلاصة إذاً، أن الاتجاهات العقائدية والاختلافات المذهبية ما بين سنة في الخليج وشيعة في إيران تؤثر في مجمل قضايا العلاقات الخليجية الإيرانية كما أوضحنا. ويبدو أن هذه القضايا الخلافية ستستمر لفترة طويلة، مادام الفكر الشيعي المسيطر في إيران هو نظرية  (ولاية الفقيه) ومبدأ (تصدير الثورة). وإن كان البعض قد بدأ يتحدث مؤخراً عن إمكانية إحداث تحول في العلاقات الإيرانية الخليجية إلى الأفضل في ضوء التطورات الأخيرة في إيران التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في يونيو الماضي، وما صاحبها من احتجاجات واضطرابات غير مسبوقة وتوقعات البعض بانهيار نظام ولاية الفقيه وحدوث تغييرات جذرية في النظام السياسي الإيراني. إلاّ أنّّه في رأينا أن هذا لايزال غير متوقع ـ على الأقل ـ في الأمدين القريب والمتوسط، ومن ثم على دول الخليج التعامل مع مصادر الخطر الإيرانية من منطلق المصلحة الوطنية الخليجية حتى إشعار آخر.  

محطات أساسية

البيان

الوصف

637 – 651م

الفتح الإسلامي لبلاد فارس في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.

907هـ

إسماعيل الصفويّ يعلن المذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري مذهباً رسمياً لبلاد فارس (إيران) في عهد الدولة الصفوية.

17 نوفمبر 1971

احتلال إيران لجزر دولة الإمارات العربية المتحدة (أبو موسى وطُنب الصغرى وطُنب الكبرى).

11 فبراير 1979

قيام الثورة على نظام الشاه في إيران بقيادة الإمام الخميني بعد عودته من  المنفى، وإعلان (جمهورية إيران الإسلامية).

المادة (12) من دستور الثورة (الجمهورية)

النص على أن الدين الإسلامي، والمذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري هو المذهب الرسمي لجمهورية إيران الإسلامية تحت حكم ولاية الفقيه.

المادة (13) من الدستور الإيراني

لا تعترف لا بالعرب ولا بالسنة أقلية داخل إيران، حيث تنص على (الإيرانيون الزرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليات الدينية المعترف بها، وتتمتع بالحرية في أداء مراسمها الدينية ضمن نطاق القانون). وهو ما يعنى تفضيل الجمهورية الإسلامية لليهود والمسيحيين والمجوس على أهل السنة في إيران.

22 سبتمبر 1980

اندلعت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، واستمرت ثماني سنوات واستنزفت من كلا الجانبين ولم يكن هناك رابح أو خاسر بشكل واضح وإن كان المكسب نسبياً لصالح العراق.

 71.2 مليون نسمة

هو عدد سكان إيران (2007) حسب موقع منظمة اليونسكو، وحسب موقع وزارة الخارجية الإيرانية 70.47 مليون نسمة.

36.2 مليون نسمة

هو عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي حسب بيانات الموقع الرسمي للمجلس لعام 2007.

15- 20 %

نسبة المسلمين السنة في إيران حسب تقديرات محايدة يتوزعون بين (أكراد وتركمان وعرب وبلوش). في حين أن التقديرات الرسمية لإيران 10% فقط، وتقديرات السنة ما بين 20 – 25 %.

12%

نسبة الشيعة في دول مجلس التعاون الخليجي، وتختلف النسب بين الدول الست.

4 مارس 2007

أول زيارة رسمية للرئيس الإيراني أحمدي نجاد للمملكة العربية السعودية، وكان قبلها قد زار المملكة لأداء فريضة الحج.

13 مايو 2007

أول زيارة لرئيس إيراني (أحمدي نجاد) لدولة الإمارات منذ نشأة دولة الإمارات العربية المتحدة.

 

::/fulltext::

khatamy-749
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1100::/cck::
::introtext::

يُشكّلُ العامل الديني أحد أهم محاور العلاقات الخليجية ـ الإيرانية، وذلك أنّ الدين يمثّل أحد أبرز محددات السياسة الخارجية لكلٍ من الطـرفين تجاه الطـرف الآخر، فضـلاً عـن أن الدين يمثل ـ كذلك ـ أبرز مكونات الثقافة لكليهما.

::/introtext::
::fulltext::

يُشكّلُ العامل الديني أحد أهم محاور العلاقات الخليجية ـ الإيرانية، وذلك أنّ الدين يمثّل أحد أبرز محددات السياسة الخارجية لكلٍ من الطـرفين تجاه الطـرف الآخر، فضـلاً عـن أن الدين يمثل ـ كذلك ـ أبرز مكونات الثقافة لكليهما. 

على سبيل البدء.. الدين كأحد محددات صنع السياسة

يمثل المكوّن الديني عموماً منطقة شدٍّ وجذب في عموم النظم السياسية، وذلك لأنه يرتبط بالنواحي العقائدية، والنظام العام لأية دولة أو شعب أو أمة. كما أن الدين ـ أي دين ـ له قدسيته في نفوس أتباعه، ومن ثمّ فإن الدين يلعب دوراً مهماً في تعبئة الجماهير، وشحذ هممهم تجاه القضايا المعينة التي يتبناها من يتحدّث باسم الدين في هذا البلد أو ذاك. ويتعاظم دور العامل الديني في العلاقات الدولية عندما يكون لرجال الدين دور كبير في النظام السياسي، مثل ما هو حادث في إيران الآن ومنذ قيام الجمهورية الإسلامية على إثر الثورة التي قام بها الإمام الخميني في العام 1979.

وبتعاظم هذا الدور لرجال الدين، وإقحام الدين في كل القضايا السياسية، بمعنى أنْ يكون الدين تابعاً للسياسة وليس العكس، يجعل من الدين طرفاً وخصماً في الصراعات السياسية. وإنْ كان البعضُ قد تحدّّث عن انتهاء الصراع الأيديولوجي مع نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، فهذا صحيح إلى حدٍ بعيد. إلاّ أننا يجب ألاّ نغفل حديث البعض عن صدام الحضارات أو التصادم بين الثقافات. وكان صاحب هذه النظرية يشير إلى المكوّن الديني في هذه الحضارات، وعلى وجه الخصوص أشار إلى الحضارة الغربية المسيحية والحضارة العربية الإسلامية في إطار ما كان يشير إليه صمويل هانتجتون بأنه البحث عن عدو جديد يحل محل الاتحاد السوفييتي. وهذه الأفكار رغم انتقادها من جانب العديد من المفكرين، وظهور أفكار مضادة تدعو إلى (حوار الحضارات) و(تحالف الحضارات) و(حوار الثقافات)، فإن أفكار هانتجتون يُستفادُ منها في إبراز أهمية العامل الديني كأحد أبرز مكونات هذه الحضارات وتلك الثقافات.

ويمكن بلورة هذا الدور وهذه الأهمية للعامل الديني في أنّ الدين قد تحول من كونه أيديولوجيا جامدة تحرك الصراع بين الدول والحضارات إلى كونه أهم مكونات الثقافات المختلفة التي ـ وحسب الأفكار الجديدة ـ من الممكن أن تتصادم أو تتحالف ويجري بينها حوارٌ حضاري.

وإذا كان للعامل الديني أهميته في العلاقات السياسية عموماً، فإنَّ هذه الأهمية تبرز بوجهٍ خاص عند الحديث عن منطقة الخليج العربي وإيران. وذلك لاحتلال الدين مكانةً خاصةً لدى شعوب هذه المنطقة من ناحية، وتداخل وتعقد العلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي من ناحيةٍ أخرى. ويختلف موقع الدين من النظام السياسي في كل من دول الخليج العربية وإيران الفارسية. ومن ثمّ يختلف تأثير العامل الديني والاتجاهات العقائدية في سياسة كل طرف، وفي العلاقات بين الطرفين كذلك.

أولاً: بالنسبة إلى دول الخليج العربي

1- تعتمد دول مجلس التعاون الخليجي الدين الإسلامي بمذهبه السني مذهباً رسمياً لها، استناداً لمبدأ (قرآن وسنة بفهم سلف الأمة). ووفقاً لهذه الرؤية التي لا تعترف بدولة الكهنوت ولا بدور لرجال الدين في نظم الحكم، تكون المؤسسات ذات الطابع الديني في دول الخليج مؤسسات مستقلة عن هيكل النظام السياسي بعكس إيران، ويتركز عملها ـ كمؤسسات للمجتمع المدني ـ في الأنشطة الخيرية والعمل الأهلي وتقديم العون والمساعدات للمحتاجين، انطلاقاً من قوله تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى)، وقول النبي الكريم: (المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً)، وقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد…).

  تمثل دول الخليج العربي مجتمعاً شبه متجانس من حيث الثقافة واللغة والدين والتاريخ المشترك بين دول هذه المنطقة وتقارب نظمها السياسية  والاقتصادية وغيرها من عوامل التقارب، واستشعاراً لعظم المسؤولية أمام شعوبها، وإدراكاً لحجم المخاطر الإقليمية والدولية قررت دول الخليج إنشاء مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو 1981 في اجتماع قادة دول الخليج بمدينة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة لتعزيز التعاون الخليجي وتفعيل العمل المشترك، والذي كان من أهم دوافع إنشائه التوحد في مواجهة تهديد خطة (تصدير الثورة) التي تبناها النظام الإيراني بعد ثورة الخميني عام 1979.

ثانياً: بالنسبة إلى إيران:

1- منذ سقوط نظام الشاه على يد ثورة الخميني في عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية في إيران، احتل رجال الدين مكانة مهمة، وجعلوا أنفسهم في صدارة المشهد السياسي، وعلى قمة النظام الحاكم في إيران، وذلك من خلال تدشين نظرية (ولاية الفقيه) التي أرساها الخميني وأقام عليها النظام السياسي المعاصر في إيران. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن أكثر مراحل التاريخ الإيراني التي يسيطر فيها رجال الدين على النظام السياسي، هي تلك الفترة التي امتدت من عام 1979 وحتى الآن.  وقد ظهر ذلك جليّاً في مؤسسات الدولة التي يسيطر عليها رجال الدين بدايةً من منصب المرشد الأعلى للثورة، ومروراً بكافة أجهزة ومؤسسات الدولة. ولعل دليل سيطرة رجال الدين على النظام السياسي الإيراني تتمثل في أنّ الدستور ينص على أن أعلى سلطة في البلاد هي المرشد الأعلى وأن الرئاسة تالية لهذا المنصب، كما أن مجلس تشخيص مصلحة النظام ـ والذي تم تأسيسه عام 1988 ـ مهمته حسم الخلاف بين مجلس الشورى ومجلس الأوصياء ويعين المرشد أعضاء المجلس الذين يضاف إليهم رؤساء السلطات الثلاث. كما أن المرشد يُعين رئيس السلطة القضائية، ومجلس صيانة الدستور الذي يمثل الغرفة الثانية في السلطة التشريعية وله الحق في نقض التشريعات الصادرة عن مجلس الشورى المنتخب يسيطر عليه رجال المرشد. هذا إضافة إلى أن المرشد يملك ذراعاً قوية للسيطرة على البلاد وهي قوات الحرس الثوري الموازية للجيش، ومن ثمَّ يضمن إحكام سيطرته وأعوانه من رجال الدين على الحكم.

لا توجد دولة في العالم فيها مجتمع واحد متجانس تماماً من حيث العرق واللغة والدين

2- تُعدّ إيران الدولة غير العربية الوحيدة على الخليج العربي، والتي لها ميراث صراعي مع عدد من دول الخليج العربية منذ أن كانت بلاد فارس والتي فتحها العرب المسلمون في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ـ ومروراً بالدولة الصفويّة، وحتى إيران الحديثة لها نزاعات مع بعض دول الخليج باحتلالها جزر دولة الإمارات العربية المتحدة منذ سبعينات القرن الماضي، وتجدد إيران هذه التوترات بالتصريحات العدائية تجاه دول الخليج ذات المذهب السني، ومحاولة إثارة القلاقل من وقت لآخر بتصريحات مستفزة تجاه الأقلية الشيعية في دول الخليج.

3- اتخذت إيران منذ ثورتها عام 1979م ضد نظام الشاه اتجاه تصدير الثورة، فمنذ بداية انتصارها لم يكتف التيار المؤيد لهذا الاتجاه بالدعاية في الخارج للنموذج الإيراني، بل تقديم مساعدات ودعم لقوى سياسية خارج إيران، وبخاصة القوى المعادية للنظم القائمة في العالم الإسلامي، فقد طلب الخميني بتكرار ثورة إيران في البلاد الإسلامية الأخرى، كخطوة أولى نحو التوحّد مع إيران في دولة واحدة يكون مركزها إيران، في المواجهة مع من أسماهم أعداء الإسلام في الشرق والغرب، وتعهّد بتصدير الثورة الإيرانية لكافة أرجاء الأرض، واتفقت معظم الأدبيات الثورية الإيرانية منذ عام 1979م، على تصنيف حكام معظم البلدان الإسلامية مثلهم مثل دول الغرب بأنهم يمارسون الاستكبار ضد شعوبهم، وحثّت هذه الشعوب على التخلّص من حكامها الذين يخدمون حسب الرؤية الإيرانية مصالح أعداء الإسلام، وهو ما انعكس في الدستور الإيراني، فقد حددت ديباجة الدستور ضمن أهداف الجمهورية الإسلامية السعي مع الحركات الإسلامية والجماهيرية الأخرى، لبناء الأمة العالمية وإنقاذ المحرومين في كل مكان على الأرض. ويدخل في هذا الإطار الجانب التعليمي والذي يُعد من أبرز الجوانب لتصدير الثورة في إيران حيث تعطي الحكومة الإيرانية في كل سنة آلاف المنح الجامعية التعليمية لبعض الدول، وتحاول من خلالها استقطاب بعض الطلبة المتفوقين للدراسة في طهران وعلى حساب حكومتها، حيث يتعلمون مع التخصصات العلمية الأخرى المذهب الاثنى عشري، ويستقطب منهم الذين يلمسون منهم قرباً وقناعة بهم، فتعطى لهم منحاً أطول للدراسات العليا وغيرها، ليعودوا لبلادهم دعاة لهذا المذهب الساعي لسيطرة الأمة الفارسية باعتبارها رافعة رايته في العالم.

يتعاظم دور العامل الديني في العلاقات الدولية عندما يكون لرجال الدين دور كبير في النظام السياسي

4- تعتنق إيران المذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري مذهباً رسمياً لها منذ أعلنه إسماعيل الصفوي مذهباً رسمياً للبلاد في عام 907 هـ (وتنص المادة 12 من الدستور الإيراني الصادر بعد الثورة عام 1979 على أن المذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري هو المذهب الرسمي للدولة). ويعتنق أنصار المذهب الشيعي الإثنى عشري أفكاراً مخالفةً لصحيح الدين الإسلامي كما يفهمه أهل السنة عن سلف الأمة الصالح. هذه الأفكار مثل نظرية الإمامة وما تنطوي عليه من مخالفات صريحة لأحكام الدين الصحيح، وآرائهم في الصحابة الكرام وأمهات المؤمنين، وتحريفهم لكثيرٍ من آيات القرآن، وبغضهم لأهل السنة (ويسمونهم العامة)، وغيرها من المسائل التي لا مجال لشرحها هنا. كل هذه الأمور والاختلافات تؤثر في علاقة إيران بدول الخليج العربي السنيّّة.

وقد انعكس هذا الاختلاف لموقع الدين في النظام السياسي  بشكلٍ كبير على العلاقات بين الجانبين (دول الخليج العربي من ناحية وإيران من ناحية أخرى)، وكذلك كان لهذه التباينات العقائدية والمذهبية تأثير في توجهات السياسة الخارجية لكل طرف تجاه الآخر. خصوصاً وأن ثمة ملفات عديدة شائكة ومتداخلة بين الطرفين أبرزها قضايا أمن الخليج، واحتلال الجزر الإماراتية من جانب إيران، والنفوذ الإيراني في العراق، وتصريحات إيران العدائية تجاه دول الخليج، وعلاقة إيران بسوريا وحزب الله اللبناني وحركة حماس وغيرها من القضايا التي تمس الأمن القومي لدول الخليج العربي.

ويمكننا تناول أثر هذه الاختلافات العقائدية في أبرز هذه القضايا وانعكاساتها على مسار واتجاهات العلاقات الخليجية الإيرانية، على النحو التالي:

قضية شيعة الخليج والعلاقات الخليجية الإيرانية:

مثلها مثل بقية دول العالم، توجد بعض الأقليات في دول الخليج العربي، إذْ لا توجد دولة في العالم فيها مجتمع واحد متجانس تماماً من حيث العرق واللغة والدين، وتنتمي الأقليات الدينية في دول الخليج العربي للمذهب الشيعي. وعلى الرغم من تمتّع هذه الأقليات بحقوق المواطنة في دول الخليج، ومشاركتهم في إدارة شؤون بلادهم وصنع مستقبلهم، إلاّ أن إيران تستغل هذه القضية لتوتير العلاقات مع دول الخليج من وقتٍ لآخر، بإطلاق تصريحات مثيرة للجدل حول المواطنين الشيعة بدول الخليج. ولعل التصريحات الأخيرة التي أطلقها مسؤول إيراني في الذكرى الثلاثين للثورة الإيرانية في فبراير الماضي تعدُّ نموذجاً للاستفزازت الإيرانية لدول الخليج، خصوصاً في ظل سيطرة فكرة تصدير الصورة على الفكر الإيراني الشيعي. وتحاول دول مجلس التعاون الخليجي التعامل مع هذه القضية الحساسة بحكمة شديدة، ودون تهوّر عن طريق تبني برامج تنموية شاملة تستهدف دمج كافة مواطني دول الخليج على اختلافاتهم المذهبية في إطار المجتمع تحقيقاً للمواطنة والحفاظ على النسيج العربي للمجتمعات الخليجية. هذا على المستوى القطري. وعلى المستوى الجماعي تحاول دول مجلس التعاون تحقيق مزيد من الخطوات على طريق الوحدة الاقتصادية الشاملة، ولعل آخر هذه الخطوات؛ الاتحاد الجمركي الخليجي والبنك المركزي الخليجي.

 النفوذ الإيراني المتنامي وقضايا الأمن القومي الخليجي:

من أبرز القضايا التي تبرز فيها الاختلافات العقائدية بين دول الخليج وإيران، والمرتبطة من ناحية أخرى بخطة إيران لـتصدير الثورة، ذلك النفوذ المتنامي لإيران في المنطقة العربية، واستغلال النظام الإيراني للقضايا العربية لتحقيق كسب مواقع جديدة للنفوذ وتعزيز موقعه في المحيط الإقليمي في المنطقة، حيث تستغل إيران الدين للدخول إلى هذه القضايا والتأثير فيها. ومثال ذلك النفوذ الإيراني في العراق، والعلاقات مع حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية والنظام السوري.

وهذه القضايا تمثل قضايا أمن قومي لدول الخليج العربي، فالعراق ـ رغم الخلاف ـ يمثل قضية أمن قومي حيوية لدول الخليج، ومن ثمَّ فالتغلغل الإيراني في العراق وسيطرة الشيعة الموالين لإيران على السلطة في بغداد هو أمر يسبب قلقاً شديداً بالنسبة إلى دول الخليج، إذ إنه بالسيطرة الإيرانية على العراق ـ لا قدّر الله ـ يزداد الحصار الشيعي الإيراني للمجتمعات الخليجية. وتزداد رغبة الإيرانيين في العمل على تصدير ثورتهم. ولا شكّ أن هذه القضية تمثل أولوية على قضايا السياسة الخارجية لدول الخليج التي تعمل على تجاوز الخلافات مع العراق ومساعدته على العودة لمحيطه العربي، لبدء مرحلة جديدة من التعاون بين العراق والدول العربية الشقيقة وفي مقدمتها دول مجلس التعاون الخليجي.

والقضية الأخرى المهمة في هذا الصدد، هي نفوذ إيران المتنامي لدى بعض الأطراف الفاعلة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي مثل حزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية والنظام السوري، وتستغل إيران الانتماء الشيعي لحزب الله لتحقيق مصالحها في المنطقة ولو على حساب مستقبل لبنان الموحد ذاته. كما تستغل الدعاية باسم الإسلام للتقارب مع حماس السُنيّة، وتستغل شعارات رفض الهيمنة الأمريكية والإمبريالية الغربية للتحالف مع سوريا، على الرغم من أن ذلك لا يعدو كونه غطاءً لتحقيق المصالح الإيرانية في المنطقة، وهو ما يؤثر بشكلٍ سلبي في مسار واتجاهات العلاقات الخليجية ـ الإيرانية.

هذا إضافة إلى وجود قضايا أخرى شائكة وعالقة في العلاقات الخليجية الإيرانية، أبرزها أمن الخليج والبرنامج النووي الإيراني وتعاظم قوتها العسكرية، واستمرار احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث. وما يزيد الأمور تعقيداً أن الفكر الشيعي يغلّف هذه القضايا بغلاف ديني، وغالباً ما تكون الدعاية الدينية عاملاً في زيادة التوتر في العلاقات الخارجية لإيران مع دول العالم ومنها دول الخليج العربي. فإيران تزعم أن امتلاك السلاح النووي لمواجهة الغطرسة الأمريكية (الشيطان الأكبر) ولنسف إسرائيل ومحوها من على الخريطة، رغم احتفاظها تاريخياً بعلاقات استراتيجية مع كل من الولايات المتحدة وإسرائيل (لا مجال للحديث عنها هنا). ولا شكّ أن نظرية (التقيّة) التي يتبناها الفكر الشيعي الإيراني تجعل الشكوك الخليجية تجاه نوايا إيران غير الواضحة شكوكاً في محلّها. حيث ترفض إيران تقديم أية بوادر أو دلائل على حسن النية تجاه جيرانها في الخليج العربي، وذلك باستمرار احتلالها لجزر الإمارات، واستمرار التصريحات العدائية المستفزّة تجاه دول الخليج، وبلعب دور (مريب) في العراق، على الرغم من أن السنوات القليلة الماضية شهدت انفراجاً نسبياً في العلاقات بين الجانبين عن ذي قبل بتبادل الزيارات على مستوى مسؤولين رفيعي المستوى من كلا الجانبين.

تبقى هناك قضية أخرى يجب الإشارة إليها، وهي أيضاً تدخل في إطار القضايا التي تؤثر فيها الاختلافات العقائدية والمذهبية بين دول الخليج السنية وإيران الشيعية. وهي قضية (السنّّة في إيران) حيث يوجد في إيران عدد كبير من أهل السنة (يمثلون حوالي 15 ــ 20% من إجمالي سكان إيران). ورغم هذه النسبة المهمة فالسلطات الإيرانية تتعامل مع سنة إيران كمواطنين من الدرجة الثانية، وتسلب حقوقهم، وتمارس ضدهم القمع، ولا يتم تمثيلهم تمثيلاً عادلاً في الوظائف العامة ومجالس الحكم في إيران، في حين تعامل الجالية اليهودية في إيران معاملة أفضل من أهل السنة الذين يمثلون النسبة الثانية في البلاد بعد الفرس الشيعة. هذه القضية لا شك تؤثر سلباً في العلاقات الإيرانية الخليجية، حيث ترفض الأخيرة ـ التي تعتنق المذهب السني ـ هذا التعنت الإيراني والتمييز بين المواطنين على أساس من الاختلاف المذهبي.

الخلاصة إذاً، أن الاتجاهات العقائدية والاختلافات المذهبية ما بين سنة في الخليج وشيعة في إيران تؤثر في مجمل قضايا العلاقات الخليجية الإيرانية كما أوضحنا. ويبدو أن هذه القضايا الخلافية ستستمر لفترة طويلة، مادام الفكر الشيعي المسيطر في إيران هو نظرية  (ولاية الفقيه) ومبدأ (تصدير الثورة). وإن كان البعض قد بدأ يتحدث مؤخراً عن إمكانية إحداث تحول في العلاقات الإيرانية الخليجية إلى الأفضل في ضوء التطورات الأخيرة في إيران التي أعقبت الانتخابات الرئاسية في يونيو الماضي، وما صاحبها من احتجاجات واضطرابات غير مسبوقة وتوقعات البعض بانهيار نظام ولاية الفقيه وحدوث تغييرات جذرية في النظام السياسي الإيراني. إلاّ أنّّه في رأينا أن هذا لايزال غير متوقع ـ على الأقل ـ في الأمدين القريب والمتوسط، ومن ثم على دول الخليج التعامل مع مصادر الخطر الإيرانية من منطلق المصلحة الوطنية الخليجية حتى إشعار آخر.  

محطات أساسية

البيان

الوصف

637 – 651م

الفتح الإسلامي لبلاد فارس في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب.

907هـ

إسماعيل الصفويّ يعلن المذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري مذهباً رسمياً لبلاد فارس (إيران) في عهد الدولة الصفوية.

17 نوفمبر 1971

احتلال إيران لجزر دولة الإمارات العربية المتحدة (أبو موسى وطُنب الصغرى وطُنب الكبرى).

11 فبراير 1979

قيام الثورة على نظام الشاه في إيران بقيادة الإمام الخميني بعد عودته من  المنفى، وإعلان (جمهورية إيران الإسلامية).

المادة (12) من دستور الثورة (الجمهورية)

النص على أن الدين الإسلامي، والمذهب الشيعي الجعفري الإثنى عشري هو المذهب الرسمي لجمهورية إيران الإسلامية تحت حكم ولاية الفقيه.

المادة (13) من الدستور الإيراني

لا تعترف لا بالعرب ولا بالسنة أقلية داخل إيران، حيث تنص على (الإيرانيون الزرادشت واليهود والمسيحيون هم وحدهم الأقليات الدينية المعترف بها، وتتمتع بالحرية في أداء مراسمها الدينية ضمن نطاق القانون). وهو ما يعنى تفضيل الجمهورية الإسلامية لليهود والمسيحيين والمجوس على أهل السنة في إيران.

22 سبتمبر 1980

اندلعت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، واستمرت ثماني سنوات واستنزفت من كلا الجانبين ولم يكن هناك رابح أو خاسر بشكل واضح وإن كان المكسب نسبياً لصالح العراق.

 71.2 مليون نسمة

هو عدد سكان إيران (2007) حسب موقع منظمة اليونسكو، وحسب موقع وزارة الخارجية الإيرانية 70.47 مليون نسمة.

36.2 مليون نسمة

هو عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي حسب بيانات الموقع الرسمي للمجلس لعام 2007.

15- 20 %

نسبة المسلمين السنة في إيران حسب تقديرات محايدة يتوزعون بين (أكراد وتركمان وعرب وبلوش). في حين أن التقديرات الرسمية لإيران 10% فقط، وتقديرات السنة ما بين 20 – 25 %.

12%

نسبة الشيعة في دول مجلس التعاون الخليجي، وتختلف النسب بين الدول الست.

4 مارس 2007

أول زيارة رسمية للرئيس الإيراني أحمدي نجاد للمملكة العربية السعودية، وكان قبلها قد زار المملكة لأداء فريضة الحج.

13 مايو 2007

أول زيارة لرئيس إيراني (أحمدي نجاد) لدولة الإمارات منذ نشأة دولة الإمارات العربية المتحدة.

 

::/fulltext::
::cck::1100::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *