النفوذ الإيراني في العراق وأثره على دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية
::cck::1099::/cck::
::introtext::
ظهر في العراق ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، نفوذ إيراني معبر عنه بطرق مختلفة، وبخاصة أن إيران قد تمددت في هذا البلد حتى غدت تحتله بشكل عملي، هذا النفوذ بات يؤثر على علاقة العراق بدول مجلس التعاون. كما أنه (أي النفوذ) أعطى لإيران مكانة إقليمية لا تتفق وواقعها الطبيعي في علاقات القوى، بل ضخمها، وهذا أثر وسيؤثر على نظرة دول الخليج العربية لإيران. وسيؤثر على العلاقة الخليجية-الإيرانية كمحصلة. ومن هذا المنطلق تفرض الأسئلة الآتية نفسها على المتتبع: ما هو حجم النفوذ الإيراني في العراق؟ وهل سيؤثر على العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي مع جمهورية إيران الإسلامية؟ كيف سيحصل ذلك؟ ولماذا؟
::/introtext::
::fulltext::
ظهر في العراق ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، نفوذ إيراني معبر عنه بطرق مختلفة، وبخاصة أن إيران قد تمددت في هذا البلد حتى غدت تحتله بشكل عملي، هذا النفوذ بات يؤثر على علاقة العراق بدول مجلس التعاون. كما أنه (أي النفوذ) أعطى لإيران مكانة إقليمية لا تتفق وواقعها الطبيعي في علاقات القوى، بل ضخمها، وهذا أثر وسيؤثر على نظرة دول الخليج العربية لإيران. وسيؤثر على العلاقة الخليجية-الإيرانية كمحصلة. ومن هذا المنطلق تفرض الأسئلة الآتية نفسها على المتتبع: ما هو حجم النفوذ الإيراني في العراق؟ وهل سيؤثر على العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي مع جمهورية إيران الإسلامية؟ كيف سيحصل ذلك؟ ولماذا؟
البعد التاريخي للنفوذ الإيراني في العراق
تمتد علاقات العراق بإيران إلى عصور ما قبل الميلاد، حيث ربطت شعوب الإقليمين علاقات تفاعل مثل تفاعل الشعوب الأخمينية والعيلامية وغيرها مع شعوب مملكة اور وأكد وغيرهما. وفي تلك الأثناء كانت مظاهر العبادات والتقاليد الاجتماعية متقاربة، ومتداخلة أحياناً. وبعد الفتح الإسلامي لأرض العراق في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قبل الفرس قسراً بالإسلام وتفاعلوا مرغمين مع المجتمع العربي الإسلامي عبر أرض العراق، وإذا كان قد تأسس في أرضهم حواضر إسلامية مثل خراسان، إلا أن تأثيرهم الأبرز كان في الجوانب الآتية:
أ- حضورهم قريباً من مركز الخلافة الإسلامية (بغداد)، وهذا ما جرى تلمسه في العهد العباسي.
ب- استعمالهم الحرف العربي في تدوين اللغة الفارسية، وهذا أتاح لهم تفاعلاً ثقافياً مع الثقافة العربية الإسلامية، حتى إن بعضاً من شهد له بتلك الحضارة كان فارسياً.
ولم يظهر لهم اختلاف واسع مع الحضارة العربية ـ الإسلامية الا زمن الدولة الصفوية، عندما بدأ إسماعيل الصفوي بفرض التشيع (وفقاً للفهم الفارسي) على الفرس في القرن السادس عشر، في مقابل سياسات الدولة العثمانية التي اعتمدت المذهب الحنفي في تسيير شؤون البلاد. وخلالها أسست بلاد فارس لنفوذ ثقافي (ذي أوجه مذهبية وسياسية) في بعض مناطق وسط وجنوب أرض العراق الحالية. وما زاد من هذا النفوذ الفسحة التي أعطتها الدولة العثمانية بتقسيم العراقيين إلى رعاية دولة عثمانية ورعاية دولة فارسية، وكان الناس يقبلون على الأخيرة هرباً من التجنيد والضرائب، فتوسع التشيع في العراق بعد أن كانت أغلب مدن العراق تتبع المذاهب السنية في القرن السابع عشر (انظر، محمد عبد اللطيف هريدي: الحروب العثمانية الفارسية).
كان العراق طوال عقود ثلاثة مضت عنصراً موازناً لقوة إيران خليجياً
واستمر الحال أعلاه يجري حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث بدأ يتصاعد المد القومي (العربي) فشمل أغلب أرض العراق، واستمر الحال إلى ثمانينات القرن الماضي، وخلال تلك المدة نجحت إيران بشكل متواز وخفي في أن توسع مجال العلاقات الثقافية في العراق، وفي نشر التشيع حتى وصل إلى صلاح الدين (الدجيل وبلد) وإلى الموصل (تلعفر)، ونشر أيضاً في البصرة… وعند حدوث التغيير في النظام السياسي في إيران عام 1979 بدأت تظهر إلى السطح أحجام ومستويات التغلغل الإيراني. فإزاء المد القومي الذي اعتمدته السلطة في بغداد، كان هناك استذكار مذهبي شعبي، قبل في قسم منه أطروحات الثورة الإيرانية، وعند اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية ظهرت لدى بعض العراقيين هشاشة فكرة الولاء للدولة العراقية، إلا تحت سلطة القسر، وخلال تلك المدة استطاعت السلطات في إيران من تجنيد عشرات الآلاف من الشباب مستغلة عوامل التنشئة الثقافية الأسرية التي تربت على كون بلاد فارس حامية مذهب التشيع…
كما استغلت بعض عرب الأحواز لنشر توجهاتها وبخاصة أنه يكاد حجم التشابه بينهم وبين سكان مناطق جنوب العراق يصل إلى التطابق في المظهر واللهجة، يقابل ذلك الانتماء إلى التشيع، التزاوج والتواصل لانفتاح الحدود. كما استغلت السلطات في إيران قسماً من (الأسرى العراقيين لديها، المرحلين، الهاربين من عسف السلطات، والخلايا النائمة من المتذمرين من عسف السلطة، والولاءات الإرادية) أسوأ استغلال، إذ جعلتهم في مواجهة السلطة، وتحديداً في أعقاب أحداث تسعينات القرن الماضي.
هل أدرك أولئك حقيقة السياسة الإيرانية في استغلالهم ضد السلطات في بغداد؟ الجواب يمكن تلمسه في التوسع الذي حصل في النفوذ الإيراني في ذلك العقد، حيث رسخ الإيرانيون نفوذهم في كردستان العراق، إضافة إلى الجنوب والوسط، فما إن حدثت عمليات التدخل الأمريكي ضد العراق حتى وجد العراق نفسه بعد إبريل 2003 محتلاً بشكل فعلي من قبل إيران.
وخلال المدة 2003-2008 كان العراق واحداً من ساحات تصفية الحسابات بين إيران وإجمالي دول المنطقة (تغيير خريطة التوازن الإقليمي وإنهاء عروبة العراق)، ومع الولايات المتحدة تحديداً، حيث لوحظ أنه في أثناء كل زيارة لمسؤول أمريكي للمنطقة يتم تناول الشأن الإيراني، أو في أثناء كل تصعيد أمريكي ضد إيران يقابله تصعيد للعنف في العراق. ومرجع القدرة الإيرانية في العراق هو الآتي:
أ- الانتشار الاستخباري الإيراني في العراق، بأغطية شركات تجارية، ومؤسسات دينية ومؤسسات ثقافية…، والذي يقدره بعض من له اطلاع في العراق بنحو 18 ألف عنصر استخباري، لهم مراكز في أغلب مدن العراق.
ب-اختراق الجيش الأمريكي نفسه عبر المترجمين، حتى أصبح الجيش الأمريكي نفسه في موضع سهل القتل بحكم انكشافه (نسبياً).
ج-الولاءات التقليدية من بين العراقيين الذين يعتقدون أن إيران تحمي المذهب.
د-تدرك القيادات الكردية ان إيران هي الملجأ الأكثر أمنا لها، من تركيا وسوريا في حالة تردي العلاقة مع بغداد، ومع الولايات المتحدة.
هـ- كما نجحت إيران في المساعدة على تغيير نتائج الانتخابات في العراق عام 2005، على نحو غير من النتائج لمصلحة بعض القوى السياسية المحسوبة عليها.
وبالتالي، أصبح العراق كله أفقياً وعمودياً مفتوحاً على إيران، وهو ما اعترفت به الولايات المتحدة فعلياً عامي 2006-2007 عندما أعلنت مفاوضاتها مع إيران بشأن العراق، وحددت مجالات المفاوضة بـ: ضبط أعمال المليشيات المنفلتة، وقف تدفق الأسلحة، ضبط الحدود…
النفوذ الإيراني في الشأن العراق وتأثيره على الدول الخليجية: المسببات والمظاهر
مما تقدم، المسألة التي يصعب تجاوزها أن العراق أصبح ساحة نفوذ مفتوحة لإيران، قادرة على التأثير في سياساته، الأمر الذي يصعب القول معه بوجود سياسة عراقية تراعي مصالح البلد، بل إن اعتبارات تقاطع الإرادات الأمريكية الإيرانية تطغى في أحيان على ما عداها. وبالنتيجة، أصبح النفوذ الإيراني في المرحلة الحالية مؤثراً جداً على علاقات العراق الإقليمية، وبضمنها علاقاته مع دول مجلس التعاون الخليجي، والسؤال هو كيف ولماذا؟
النفوذ الإيراني في العراق أعطى إيران مكانه إقليمية لا تتفق وواقعها الطبيعي في موازين القوى
ولنسأل قبلها، هل هناك تقاطع خليجي-إيراني؟ وعلى الرغم من وجود علاقات خليجية إيرانية متداخلة ومتعددة، ولكن بالمقابل هناك العديد من نقاط التقاطع لعل أهمها الآتي:
أ-ادعاءات إيرانية بفارسية الخليج، مقابل رؤى عربية وخليجية بعروبة الخليج، ورفض مطالب التوسط بإسلامية الخليج العربي أو حتى بحياديته (الخليج).
ب- الادعاءات بملكية أراضٍ عربية: الادعاء بالبحرين، واحتلال الجزر الإماراتية الثلاث.
مازالت إيران تعتبر دول الخليج العربية والعراق منطقة المجال الحيوي لها
ج- مازالت إيران تعتبر دول الخليج العربية والعراق منطقة المجال الحيوي لها وتعمل بكل ما تستطيع نحو تطبيق ما يسمى بتصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إليها وبما يحقق عقلية الوصاية على العرب، بل الادعاء بالوصاية المذهبية على العرب الشيعة في العراق.
د- دعم لحركات إسلامية متشددة ضد أمن واستقرار أنظمة الحكم الخليجية، وتشجيع الطعن بشرعية تلك الأنظمة.
هـ- السعي لفرض النفوذ والسيطرة، وليس إلى التفاعل القائم على الاحترام المتبادل.
ن- السعي لنقل ساحات وميادين الخلاف مع الولايات المتحدة إلى الأرض العربية، لتقليل الخسائر الإيرانية…
واذا ما أتينا إلى الفضاءات التي يمكن لما آل إليه وضع العراق، ان يؤثر في دول مجلس التعاون، نلحظها في أربعة، هي : تغيير التوازن الإقليمي لمصلحة إيران، إنهاء متعمد لعروبة العراق، كما صار الوضع في العراق عامل إثارة للأحقاد الطائفية إقليمياً، وأخيراً تعززت مكانة الولايات المتحدة إقليمياً بحكم حاجة دول الإقليم إليها.
لقد كان العراق طوال عقود ثلاثة مضت عنصر موازن لقوة إيران خليجياً، رغم الخلاف (والتبعات) الذي تسبب به غزوه للكويت عام 1990، وهو ما باتت تدركه أكثر من دوله خليجية. ورغم وجود اختلاف بين الأطروحات العراقية والخليجية آنذاك بشأن كيفية حفظ الأمن في الخليج، إلا أنه انتهى بعد العام 2003، إلى موقف مغاير. ففي مؤتمر لاتحاد البرلمانيين العرب الذي عقد في كردستان العراق عام 2009، طرحت جهات حكومية نافذة في العراق أن الجزر الإماراتية هي جزر إيرانية، بل وأنكرت التدخل الإيراني في العراق ـ في الوقت الذي يؤكده كل من الأمريكيين والبريطانيين. بل أصبحت تسمية الخليج الفارسي أمراً مقبولاً في العراق. والأخطر من ذلك، أن عروبة العراق قد أصابها ثلم، فدستورياً (وتحت تأثير عدة قوى مؤثرة) أصبح العراق عضواً في جامعة الدول العربية، وليس بلداً عربياً. وأصبح الحج إلى إيران أو استرضاء قياداتها ومراجعها مطلباً أساسياً للرضا الرسمي عن أية شخصية تطمح إلى الحصول على منصب سياسي.
وقد يطرح البعض أن هناك خلافاً بشأن ما طرح أعلاه، ودليله أن العراق أصبح عضواً في اجتماعات (1+6+3) أي الولايات المتحدة ودول المجلس ومصر والأردن، وأصبح يشارك في اجتماع المنامة السنوي للأمن الإقليمي، وهذا دليل على أن للعراق مشاغل أمنية خاصة. وهناك تسطيح للمسألة، فهي أبواب ومداخل للمفاوضة أكثر منها تعبيراً عن انشغالات فعلية. فأين تكمن مصلحة العراق الفعلية؟ سؤال لم تجرِ الإجابة عنه عراقياً. وإنكار عروبة العراق مسألة لم تجرِ مراجعتها بشكل فعلي.
ولعل انعكاسات ذلك على الدول الخليجية أكثر وضوحاً، كون إيران باتت تتعامل معها عبر بوابات ثلاث (فإضافة إلى التفاعل المباشر، وعبر الولايات المتحدة، حيث تستغل الأخيرة مخاوف دول المجلس من إيران لتزيد من ضغوطها على تلك الدول، وتحصل منها على التزامات سياسية متعددة)، صار العراق مجالاً للتفاعل. فالأخير كان يمكنه أن يدخل قبل عام 2003 في المعادلات الأمنية الخليجية (6+1)، أو (6+2 مع اليمن)، اما الآن، فإنه سيكون معبراً عن انشغالات إيران ومطالبها في منطقة الخليج العربي بشكل أو بآخر طالما لم تتأسس دولة لها مصالح واضحة، وبالتالي لا فائدة خليجية من ربطه بها في مجلس التعاون أو في أي منظومة أمنية، لأنه يكون عائقاً وعبئاً والأجدى التفاوض مع إيران كأصل؛ لحفظ العلاقات الإقليمية. وهذا مدرك من خلال حجم ارتباط النخب (التي تتحكم بمقدرات العراق) بإيران ثقافياً وسياسياً واقتصادياً، فهناك حرص لديها غير مباشر على تزكية أي واقعة أو قرار أو شخص عبر بوابات ثقافية، تحرص على ربط العراق بإيران.

كما ان فقدان الأمن في العراق، والذي يرجع في الأصل إلى مسببات إيرانية ـ أمريكية بات ينتقل نحو تشكيل خلايا نائمة في دول المجلس بفعل السياسات الإيرانية التي أعطت أولوية لإعلاء شأن الأحقاد المذهبية، مستغلة حرج الدول العربية والخليجية خصوصاً من طرح هذه المسألة.
ولدراسة الأسباب وراء هكذا تأثير، نقول باختصار إنها تكمن في الآتي:
1- في العراق نفسه، حيث إنه على امتداد تاريخه الرسمي الحديث (1921-2003) جرى التأكيد على هوية ذات توجهات عروبية، وإحداث ربط تاريخي لأمنه الوطني بأمن دول الخليج العربي، وكان الاختلاف حول ذلك يرجعه المخالفون في الغالب إلى الاحتماء ليس بالهويات الأولية بل بدول الجوار، وكنت إيران الأكثر احتضاناً لذلك.
2- في إيران نفسها، حيث أرادت الأخيرة التوسع على حساب الضعف العربي والعراقي تحديداً، وأرادت نقل ساحات الصراع مع خصومها إلى الجوار العربي طالما أن ابتذال الدم والمال والحرمات والأرض متوافر عند الجوار أكثر منه في إيران.
3- في العرب أنفسهم، وبضمنهم الخليجيون، فهم قد أسهموا في تسريع وتيرة إحداث التغيير في العراق لأجل التغيير فقط، دون إيجاد بدائل. ثم تركوا الأخير يسقط سريعاً، وسكتوا عندما تمكنت قوى عدة تعادي العروبة من امتلاك سطوة الثروة والسلطة والعنف فيه، وأيضاً خلال المجازر التي أصابت المكون العربي (بمذهبيه) طوال المدة 2005-2008 والتي راح ضحيتها نحو مليوني عربي، ونحو 4 ملايين لاجئ، منهم مقابل استقدام عدة تكوينات قومية وثقافية (يقدرها البعض بين 2-3 ملايين إنسان من إيران) لغرض تغيير التركيبة السكانية في العراق. وإن غياب الدعم العربي عن عرب العراق والذي وقع ضمن مبررات وصفها الأستاذ عبد العزيز بن عثمان بن صقر (محنة العراق بين الغياب العربي والتغلغل الإيراني، صحيفة الشرق الأوسط، عدد 11113) بالمبررات التي تُصنَّف اليوم ضمن الخيال السياسي والعالم الافتراضي الذي لا يمت للواقع العراقي بأية صلة.
4- وفي الولايات المتحدة كذلك، فهي أرادت التغيير في العراق، وتوافق مشروعها مع الرؤية الإيرانية في الآتي:
أ- التركيز على كون الحكم قد خضع تاريخياً لاعتبارات الانتماء المذهبي، وأن هناك ضرورة لتغييره، حيث جرى تغيير الانتماء المذهبي في العراق، والتركيز الضمني هنا أن ذلك التغيير سيجعل الدول العربية المجاورة وتحديداً الخليجية منها تحت رحمة النزعات المذهبية التي تسهل إثارتها إزاء غياب وعي عام بالمخطط الأمريكي.
ب- سيكون العراق مجالاً دائماً للمفاوضة الأمريكية ـ الإيرانية، بشأن قضايا الخلاف وقضايا المنطقة.
ج- إيران والقوى السياسية التي تدعمها لم تطرح مشروع إجهاض الوجود الأمريكي وإنهائه في العراق، ولم تقاومه، بل قبلته، وهذا ما أفرح الولايات المتحدة بل يسر لها إخضاع العراق بالكامل، كون التقاتل أصبح داخلياً وليس موجهاً بالكامل نحو القوات الأمريكية.
د- أرادت الولايات المتحدة الحصول على شرعية عراقية لوجودها، فلم تجد ذلك في المكون العربي، فكان المكون الأقرب إلى إيران والمناهض لعروبة العراق هو الذي أعطى شرعية لوجود القوات الأمريكية وبقائها في العراق، وبات هو الأكثر حظوة لدى الولايات المتحدة (انظر ل.بول بريمر ومالكولم ماكونيل: عام قضيته في العراق ص285،ص351). فأعطت له ويسرت سيطرته على عناصر الثروة والسلطة والقوة.
النفوذ الإيراني في الشأن العراقي وتأثيره على الدول الخليجية:استشراف
إن الاحتمالات أمام علاقات العراق مع دول مجلس التعاون الخليجي في أي ترتيب أمني، أو توسيع للعلاقات قد يطرح خلال المستقبل المنظور، لا تتعدى كونه أداة للمواجهة والتغيير الإقليميين بمعنى كونه أداة ليس أكثر، أو كونه أنموذجاً للتعاون الإقليمي (د.خضر عباس عطوان: خيارات العراق إزاء النظام الأمني الخليجي. مؤتمر الجامعة 2008)، وإزاء حجم التغلغل الإيراني و حجم تحديات بناء سلام عراقي، فإن خيار المواجهة هو الأكثر وروداً في أي تحليل علمي؛ وفي أقل تقدير لن يكون العراق صديقاً لدول المجلس.
ويبقى لنا تساؤل أخير، هل أحدث تسهيل الولايات المتحدة لإيران بتوسيع نفوذها في العراق، تقاطعاً في علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي؟ وهل أحدث ذلك تقاطعاً مع رغبتها بجعل العراق حليفاً استراتيجياً؟
ان الجواب الأكيد من خلال النظر في أعلاه هو أن لا تقاطع استراتيجياً بعيداً بين توسيع النفوذ الإيراني وبين استراتيجيات الولايات المتحدة الإقليمية. فالعراق نفسه قد يصبح ميداناً لإنهاء ذلك النفوذ، عبر استنزافه واتخاذ الذرائع عليه، ولتأليب الرأي العام الدولي ضده. والى ذلك الحين، ستبقى دول المجلس تعاني من معضلة اسمها احتواء (تحديات وضع) العراق الجديد. وستعاني أكثر في علاقاتها مع إيران كون التوسع في القدرة الإيرانية يمسها في الصميم؛ لما تقوم عليه السياسة الإيرانية من مداخل للتوسع والتأثير. مما يتطلب من صناع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي، ضرورة إعادة قراءة تطورات الأحداث لأن ما يقع في العراق سيؤثر وبشكل عميق على الأمن الوطني لدول الخليج العربية، سواء أكان ذلك في الأمد القريب أم على المستوى الاستراتيجي البعيد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1099::/cck::
::introtext::
ظهر في العراق ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، نفوذ إيراني معبر عنه بطرق مختلفة، وبخاصة أن إيران قد تمددت في هذا البلد حتى غدت تحتله بشكل عملي، هذا النفوذ بات يؤثر على علاقة العراق بدول مجلس التعاون. كما أنه (أي النفوذ) أعطى لإيران مكانة إقليمية لا تتفق وواقعها الطبيعي في علاقات القوى، بل ضخمها، وهذا أثر وسيؤثر على نظرة دول الخليج العربية لإيران. وسيؤثر على العلاقة الخليجية-الإيرانية كمحصلة. ومن هذا المنطلق تفرض الأسئلة الآتية نفسها على المتتبع: ما هو حجم النفوذ الإيراني في العراق؟ وهل سيؤثر على العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي مع جمهورية إيران الإسلامية؟ كيف سيحصل ذلك؟ ولماذا؟
::/introtext::
::fulltext::
ظهر في العراق ومنذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، نفوذ إيراني معبر عنه بطرق مختلفة، وبخاصة أن إيران قد تمددت في هذا البلد حتى غدت تحتله بشكل عملي، هذا النفوذ بات يؤثر على علاقة العراق بدول مجلس التعاون. كما أنه (أي النفوذ) أعطى لإيران مكانة إقليمية لا تتفق وواقعها الطبيعي في علاقات القوى، بل ضخمها، وهذا أثر وسيؤثر على نظرة دول الخليج العربية لإيران. وسيؤثر على العلاقة الخليجية-الإيرانية كمحصلة. ومن هذا المنطلق تفرض الأسئلة الآتية نفسها على المتتبع: ما هو حجم النفوذ الإيراني في العراق؟ وهل سيؤثر على العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي مع جمهورية إيران الإسلامية؟ كيف سيحصل ذلك؟ ولماذا؟
البعد التاريخي للنفوذ الإيراني في العراق
تمتد علاقات العراق بإيران إلى عصور ما قبل الميلاد، حيث ربطت شعوب الإقليمين علاقات تفاعل مثل تفاعل الشعوب الأخمينية والعيلامية وغيرها مع شعوب مملكة اور وأكد وغيرهما. وفي تلك الأثناء كانت مظاهر العبادات والتقاليد الاجتماعية متقاربة، ومتداخلة أحياناً. وبعد الفتح الإسلامي لأرض العراق في عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) قبل الفرس قسراً بالإسلام وتفاعلوا مرغمين مع المجتمع العربي الإسلامي عبر أرض العراق، وإذا كان قد تأسس في أرضهم حواضر إسلامية مثل خراسان، إلا أن تأثيرهم الأبرز كان في الجوانب الآتية:
أ- حضورهم قريباً من مركز الخلافة الإسلامية (بغداد)، وهذا ما جرى تلمسه في العهد العباسي.
ب- استعمالهم الحرف العربي في تدوين اللغة الفارسية، وهذا أتاح لهم تفاعلاً ثقافياً مع الثقافة العربية الإسلامية، حتى إن بعضاً من شهد له بتلك الحضارة كان فارسياً.
ولم يظهر لهم اختلاف واسع مع الحضارة العربية ـ الإسلامية الا زمن الدولة الصفوية، عندما بدأ إسماعيل الصفوي بفرض التشيع (وفقاً للفهم الفارسي) على الفرس في القرن السادس عشر، في مقابل سياسات الدولة العثمانية التي اعتمدت المذهب الحنفي في تسيير شؤون البلاد. وخلالها أسست بلاد فارس لنفوذ ثقافي (ذي أوجه مذهبية وسياسية) في بعض مناطق وسط وجنوب أرض العراق الحالية. وما زاد من هذا النفوذ الفسحة التي أعطتها الدولة العثمانية بتقسيم العراقيين إلى رعاية دولة عثمانية ورعاية دولة فارسية، وكان الناس يقبلون على الأخيرة هرباً من التجنيد والضرائب، فتوسع التشيع في العراق بعد أن كانت أغلب مدن العراق تتبع المذاهب السنية في القرن السابع عشر (انظر، محمد عبد اللطيف هريدي: الحروب العثمانية الفارسية).
كان العراق طوال عقود ثلاثة مضت عنصراً موازناً لقوة إيران خليجياً
واستمر الحال أعلاه يجري حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث بدأ يتصاعد المد القومي (العربي) فشمل أغلب أرض العراق، واستمر الحال إلى ثمانينات القرن الماضي، وخلال تلك المدة نجحت إيران بشكل متواز وخفي في أن توسع مجال العلاقات الثقافية في العراق، وفي نشر التشيع حتى وصل إلى صلاح الدين (الدجيل وبلد) وإلى الموصل (تلعفر)، ونشر أيضاً في البصرة… وعند حدوث التغيير في النظام السياسي في إيران عام 1979 بدأت تظهر إلى السطح أحجام ومستويات التغلغل الإيراني. فإزاء المد القومي الذي اعتمدته السلطة في بغداد، كان هناك استذكار مذهبي شعبي، قبل في قسم منه أطروحات الثورة الإيرانية، وعند اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية ظهرت لدى بعض العراقيين هشاشة فكرة الولاء للدولة العراقية، إلا تحت سلطة القسر، وخلال تلك المدة استطاعت السلطات في إيران من تجنيد عشرات الآلاف من الشباب مستغلة عوامل التنشئة الثقافية الأسرية التي تربت على كون بلاد فارس حامية مذهب التشيع…
كما استغلت بعض عرب الأحواز لنشر توجهاتها وبخاصة أنه يكاد حجم التشابه بينهم وبين سكان مناطق جنوب العراق يصل إلى التطابق في المظهر واللهجة، يقابل ذلك الانتماء إلى التشيع، التزاوج والتواصل لانفتاح الحدود. كما استغلت السلطات في إيران قسماً من (الأسرى العراقيين لديها، المرحلين، الهاربين من عسف السلطات، والخلايا النائمة من المتذمرين من عسف السلطة، والولاءات الإرادية) أسوأ استغلال، إذ جعلتهم في مواجهة السلطة، وتحديداً في أعقاب أحداث تسعينات القرن الماضي.
هل أدرك أولئك حقيقة السياسة الإيرانية في استغلالهم ضد السلطات في بغداد؟ الجواب يمكن تلمسه في التوسع الذي حصل في النفوذ الإيراني في ذلك العقد، حيث رسخ الإيرانيون نفوذهم في كردستان العراق، إضافة إلى الجنوب والوسط، فما إن حدثت عمليات التدخل الأمريكي ضد العراق حتى وجد العراق نفسه بعد إبريل 2003 محتلاً بشكل فعلي من قبل إيران.
وخلال المدة 2003-2008 كان العراق واحداً من ساحات تصفية الحسابات بين إيران وإجمالي دول المنطقة (تغيير خريطة التوازن الإقليمي وإنهاء عروبة العراق)، ومع الولايات المتحدة تحديداً، حيث لوحظ أنه في أثناء كل زيارة لمسؤول أمريكي للمنطقة يتم تناول الشأن الإيراني، أو في أثناء كل تصعيد أمريكي ضد إيران يقابله تصعيد للعنف في العراق. ومرجع القدرة الإيرانية في العراق هو الآتي:
أ- الانتشار الاستخباري الإيراني في العراق، بأغطية شركات تجارية، ومؤسسات دينية ومؤسسات ثقافية…، والذي يقدره بعض من له اطلاع في العراق بنحو 18 ألف عنصر استخباري، لهم مراكز في أغلب مدن العراق.
ب-اختراق الجيش الأمريكي نفسه عبر المترجمين، حتى أصبح الجيش الأمريكي نفسه في موضع سهل القتل بحكم انكشافه (نسبياً).
ج-الولاءات التقليدية من بين العراقيين الذين يعتقدون أن إيران تحمي المذهب.
د-تدرك القيادات الكردية ان إيران هي الملجأ الأكثر أمنا لها، من تركيا وسوريا في حالة تردي العلاقة مع بغداد، ومع الولايات المتحدة.
هـ- كما نجحت إيران في المساعدة على تغيير نتائج الانتخابات في العراق عام 2005، على نحو غير من النتائج لمصلحة بعض القوى السياسية المحسوبة عليها.
وبالتالي، أصبح العراق كله أفقياً وعمودياً مفتوحاً على إيران، وهو ما اعترفت به الولايات المتحدة فعلياً عامي 2006-2007 عندما أعلنت مفاوضاتها مع إيران بشأن العراق، وحددت مجالات المفاوضة بـ: ضبط أعمال المليشيات المنفلتة، وقف تدفق الأسلحة، ضبط الحدود…
النفوذ الإيراني في الشأن العراق وتأثيره على الدول الخليجية: المسببات والمظاهر
مما تقدم، المسألة التي يصعب تجاوزها أن العراق أصبح ساحة نفوذ مفتوحة لإيران، قادرة على التأثير في سياساته، الأمر الذي يصعب القول معه بوجود سياسة عراقية تراعي مصالح البلد، بل إن اعتبارات تقاطع الإرادات الأمريكية الإيرانية تطغى في أحيان على ما عداها. وبالنتيجة، أصبح النفوذ الإيراني في المرحلة الحالية مؤثراً جداً على علاقات العراق الإقليمية، وبضمنها علاقاته مع دول مجلس التعاون الخليجي، والسؤال هو كيف ولماذا؟
النفوذ الإيراني في العراق أعطى إيران مكانه إقليمية لا تتفق وواقعها الطبيعي في موازين القوى
ولنسأل قبلها، هل هناك تقاطع خليجي-إيراني؟ وعلى الرغم من وجود علاقات خليجية إيرانية متداخلة ومتعددة، ولكن بالمقابل هناك العديد من نقاط التقاطع لعل أهمها الآتي:
أ-ادعاءات إيرانية بفارسية الخليج، مقابل رؤى عربية وخليجية بعروبة الخليج، ورفض مطالب التوسط بإسلامية الخليج العربي أو حتى بحياديته (الخليج).
ب- الادعاءات بملكية أراضٍ عربية: الادعاء بالبحرين، واحتلال الجزر الإماراتية الثلاث.
مازالت إيران تعتبر دول الخليج العربية والعراق منطقة المجال الحيوي لها
ج- مازالت إيران تعتبر دول الخليج العربية والعراق منطقة المجال الحيوي لها وتعمل بكل ما تستطيع نحو تطبيق ما يسمى بتصدير الثورة الإسلامية الإيرانية إليها وبما يحقق عقلية الوصاية على العرب، بل الادعاء بالوصاية المذهبية على العرب الشيعة في العراق.
د- دعم لحركات إسلامية متشددة ضد أمن واستقرار أنظمة الحكم الخليجية، وتشجيع الطعن بشرعية تلك الأنظمة.
هـ- السعي لفرض النفوذ والسيطرة، وليس إلى التفاعل القائم على الاحترام المتبادل.
ن- السعي لنقل ساحات وميادين الخلاف مع الولايات المتحدة إلى الأرض العربية، لتقليل الخسائر الإيرانية…
واذا ما أتينا إلى الفضاءات التي يمكن لما آل إليه وضع العراق، ان يؤثر في دول مجلس التعاون، نلحظها في أربعة، هي : تغيير التوازن الإقليمي لمصلحة إيران، إنهاء متعمد لعروبة العراق، كما صار الوضع في العراق عامل إثارة للأحقاد الطائفية إقليمياً، وأخيراً تعززت مكانة الولايات المتحدة إقليمياً بحكم حاجة دول الإقليم إليها.
لقد كان العراق طوال عقود ثلاثة مضت عنصر موازن لقوة إيران خليجياً، رغم الخلاف (والتبعات) الذي تسبب به غزوه للكويت عام 1990، وهو ما باتت تدركه أكثر من دوله خليجية. ورغم وجود اختلاف بين الأطروحات العراقية والخليجية آنذاك بشأن كيفية حفظ الأمن في الخليج، إلا أنه انتهى بعد العام 2003، إلى موقف مغاير. ففي مؤتمر لاتحاد البرلمانيين العرب الذي عقد في كردستان العراق عام 2009، طرحت جهات حكومية نافذة في العراق أن الجزر الإماراتية هي جزر إيرانية، بل وأنكرت التدخل الإيراني في العراق ـ في الوقت الذي يؤكده كل من الأمريكيين والبريطانيين. بل أصبحت تسمية الخليج الفارسي أمراً مقبولاً في العراق. والأخطر من ذلك، أن عروبة العراق قد أصابها ثلم، فدستورياً (وتحت تأثير عدة قوى مؤثرة) أصبح العراق عضواً في جامعة الدول العربية، وليس بلداً عربياً. وأصبح الحج إلى إيران أو استرضاء قياداتها ومراجعها مطلباً أساسياً للرضا الرسمي عن أية شخصية تطمح إلى الحصول على منصب سياسي.
وقد يطرح البعض أن هناك خلافاً بشأن ما طرح أعلاه، ودليله أن العراق أصبح عضواً في اجتماعات (1+6+3) أي الولايات المتحدة ودول المجلس ومصر والأردن، وأصبح يشارك في اجتماع المنامة السنوي للأمن الإقليمي، وهذا دليل على أن للعراق مشاغل أمنية خاصة. وهناك تسطيح للمسألة، فهي أبواب ومداخل للمفاوضة أكثر منها تعبيراً عن انشغالات فعلية. فأين تكمن مصلحة العراق الفعلية؟ سؤال لم تجرِ الإجابة عنه عراقياً. وإنكار عروبة العراق مسألة لم تجرِ مراجعتها بشكل فعلي.
ولعل انعكاسات ذلك على الدول الخليجية أكثر وضوحاً، كون إيران باتت تتعامل معها عبر بوابات ثلاث (فإضافة إلى التفاعل المباشر، وعبر الولايات المتحدة، حيث تستغل الأخيرة مخاوف دول المجلس من إيران لتزيد من ضغوطها على تلك الدول، وتحصل منها على التزامات سياسية متعددة)، صار العراق مجالاً للتفاعل. فالأخير كان يمكنه أن يدخل قبل عام 2003 في المعادلات الأمنية الخليجية (6+1)، أو (6+2 مع اليمن)، اما الآن، فإنه سيكون معبراً عن انشغالات إيران ومطالبها في منطقة الخليج العربي بشكل أو بآخر طالما لم تتأسس دولة لها مصالح واضحة، وبالتالي لا فائدة خليجية من ربطه بها في مجلس التعاون أو في أي منظومة أمنية، لأنه يكون عائقاً وعبئاً والأجدى التفاوض مع إيران كأصل؛ لحفظ العلاقات الإقليمية. وهذا مدرك من خلال حجم ارتباط النخب (التي تتحكم بمقدرات العراق) بإيران ثقافياً وسياسياً واقتصادياً، فهناك حرص لديها غير مباشر على تزكية أي واقعة أو قرار أو شخص عبر بوابات ثقافية، تحرص على ربط العراق بإيران.

كما ان فقدان الأمن في العراق، والذي يرجع في الأصل إلى مسببات إيرانية ـ أمريكية بات ينتقل نحو تشكيل خلايا نائمة في دول المجلس بفعل السياسات الإيرانية التي أعطت أولوية لإعلاء شأن الأحقاد المذهبية، مستغلة حرج الدول العربية والخليجية خصوصاً من طرح هذه المسألة.
ولدراسة الأسباب وراء هكذا تأثير، نقول باختصار إنها تكمن في الآتي:
1- في العراق نفسه، حيث إنه على امتداد تاريخه الرسمي الحديث (1921-2003) جرى التأكيد على هوية ذات توجهات عروبية، وإحداث ربط تاريخي لأمنه الوطني بأمن دول الخليج العربي، وكان الاختلاف حول ذلك يرجعه المخالفون في الغالب إلى الاحتماء ليس بالهويات الأولية بل بدول الجوار، وكنت إيران الأكثر احتضاناً لذلك.
2- في إيران نفسها، حيث أرادت الأخيرة التوسع على حساب الضعف العربي والعراقي تحديداً، وأرادت نقل ساحات الصراع مع خصومها إلى الجوار العربي طالما أن ابتذال الدم والمال والحرمات والأرض متوافر عند الجوار أكثر منه في إيران.
3- في العرب أنفسهم، وبضمنهم الخليجيون، فهم قد أسهموا في تسريع وتيرة إحداث التغيير في العراق لأجل التغيير فقط، دون إيجاد بدائل. ثم تركوا الأخير يسقط سريعاً، وسكتوا عندما تمكنت قوى عدة تعادي العروبة من امتلاك سطوة الثروة والسلطة والعنف فيه، وأيضاً خلال المجازر التي أصابت المكون العربي (بمذهبيه) طوال المدة 2005-2008 والتي راح ضحيتها نحو مليوني عربي، ونحو 4 ملايين لاجئ، منهم مقابل استقدام عدة تكوينات قومية وثقافية (يقدرها البعض بين 2-3 ملايين إنسان من إيران) لغرض تغيير التركيبة السكانية في العراق. وإن غياب الدعم العربي عن عرب العراق والذي وقع ضمن مبررات وصفها الأستاذ عبد العزيز بن عثمان بن صقر (محنة العراق بين الغياب العربي والتغلغل الإيراني، صحيفة الشرق الأوسط، عدد 11113) بالمبررات التي تُصنَّف اليوم ضمن الخيال السياسي والعالم الافتراضي الذي لا يمت للواقع العراقي بأية صلة.
4- وفي الولايات المتحدة كذلك، فهي أرادت التغيير في العراق، وتوافق مشروعها مع الرؤية الإيرانية في الآتي:
أ- التركيز على كون الحكم قد خضع تاريخياً لاعتبارات الانتماء المذهبي، وأن هناك ضرورة لتغييره، حيث جرى تغيير الانتماء المذهبي في العراق، والتركيز الضمني هنا أن ذلك التغيير سيجعل الدول العربية المجاورة وتحديداً الخليجية منها تحت رحمة النزعات المذهبية التي تسهل إثارتها إزاء غياب وعي عام بالمخطط الأمريكي.
ب- سيكون العراق مجالاً دائماً للمفاوضة الأمريكية ـ الإيرانية، بشأن قضايا الخلاف وقضايا المنطقة.
ج- إيران والقوى السياسية التي تدعمها لم تطرح مشروع إجهاض الوجود الأمريكي وإنهائه في العراق، ولم تقاومه، بل قبلته، وهذا ما أفرح الولايات المتحدة بل يسر لها إخضاع العراق بالكامل، كون التقاتل أصبح داخلياً وليس موجهاً بالكامل نحو القوات الأمريكية.
د- أرادت الولايات المتحدة الحصول على شرعية عراقية لوجودها، فلم تجد ذلك في المكون العربي، فكان المكون الأقرب إلى إيران والمناهض لعروبة العراق هو الذي أعطى شرعية لوجود القوات الأمريكية وبقائها في العراق، وبات هو الأكثر حظوة لدى الولايات المتحدة (انظر ل.بول بريمر ومالكولم ماكونيل: عام قضيته في العراق ص285،ص351). فأعطت له ويسرت سيطرته على عناصر الثروة والسلطة والقوة.
النفوذ الإيراني في الشأن العراقي وتأثيره على الدول الخليجية:استشراف
إن الاحتمالات أمام علاقات العراق مع دول مجلس التعاون الخليجي في أي ترتيب أمني، أو توسيع للعلاقات قد يطرح خلال المستقبل المنظور، لا تتعدى كونه أداة للمواجهة والتغيير الإقليميين بمعنى كونه أداة ليس أكثر، أو كونه أنموذجاً للتعاون الإقليمي (د.خضر عباس عطوان: خيارات العراق إزاء النظام الأمني الخليجي. مؤتمر الجامعة 2008)، وإزاء حجم التغلغل الإيراني و حجم تحديات بناء سلام عراقي، فإن خيار المواجهة هو الأكثر وروداً في أي تحليل علمي؛ وفي أقل تقدير لن يكون العراق صديقاً لدول المجلس.
ويبقى لنا تساؤل أخير، هل أحدث تسهيل الولايات المتحدة لإيران بتوسيع نفوذها في العراق، تقاطعاً في علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي؟ وهل أحدث ذلك تقاطعاً مع رغبتها بجعل العراق حليفاً استراتيجياً؟
ان الجواب الأكيد من خلال النظر في أعلاه هو أن لا تقاطع استراتيجياً بعيداً بين توسيع النفوذ الإيراني وبين استراتيجيات الولايات المتحدة الإقليمية. فالعراق نفسه قد يصبح ميداناً لإنهاء ذلك النفوذ، عبر استنزافه واتخاذ الذرائع عليه، ولتأليب الرأي العام الدولي ضده. والى ذلك الحين، ستبقى دول المجلس تعاني من معضلة اسمها احتواء (تحديات وضع) العراق الجديد. وستعاني أكثر في علاقاتها مع إيران كون التوسع في القدرة الإيرانية يمسها في الصميم؛ لما تقوم عليه السياسة الإيرانية من مداخل للتوسع والتأثير. مما يتطلب من صناع القرار في دول مجلس التعاون الخليجي، ضرورة إعادة قراءة تطورات الأحداث لأن ما يقع في العراق سيؤثر وبشكل عميق على الأمن الوطني لدول الخليج العربية، سواء أكان ذلك في الأمد القريب أم على المستوى الاستراتيجي البعيد.
::/fulltext::
::cck::1099::/cck::
