السعودية وخيارات الرد على إيران نووية

::cck::1098::/cck::
::introtext::

في انتظار المحادثات الأمريكية-الإيرانية المباشرة حول عدد من الملفات العالقة وفي مقدّمتها الملف النووي الإيراني، وما قد يتمخّض عنها من نتائج وتداعيات على المستوى الجيو- سياسي للمنطقة، فإن احتمال إمكانية حيازة إيران السلاح النووي تبقى قائمة، بل ويجب أن تؤخذ جدّياً في عين الاعتبار، ذلك أنّ الرد على هكذا خطوة تزعزع الاستقرار والتوازن الاستراتيجي العسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم يجب أن يتم التحضير له مسبقاً لا أن يتم ارتجاله في حينه.

::/introtext::
::fulltext::

في انتظار المحادثات الأمريكية-الإيرانية المباشرة حول عدد من الملفات العالقة وفي مقدّمتها الملف النووي الإيراني، وما قد يتمخّض عنها من نتائج وتداعيات على المستوى الجيو- سياسي للمنطقة، فإن احتمال إمكانية حيازة إيران السلاح النووي تبقى قائمة، بل ويجب أن تؤخذ جدّياً في عين الاعتبار، ذلك أنّ الرد على هكذا خطوة تزعزع الاستقرار والتوازن الاستراتيجي العسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم يجب أن يتم التحضير له مسبقاً لا أن يتم ارتجاله في حينه.

المملكة العربية السعودية تعارض رسمياً امتلاك أي دولة في الشرق الأوسط للسلاح النووي

ومن المعروف أنّ المملكة العربية السعودية تعارض رسمياً امتلاك أي دولة في الشرق الأوسط للسلاح النووي، وهي لطالما كانت في مقدّمة المجموعة العربية الداعية إلى (شرق أوسط خال من السلاح النووي)، وهي أيضاً من الدول الموقّعة على اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي NPT، وهي لم تبد أي اهتمام أو نشاط نووي على الإطلاق وفق معظم التقارير والدراسات حتى اندلاع الأزمة النووية الإيرانية.

حصول إيران على السلاح النووي يعني توجيه ضربة قاضية لجهود الدول العربية في جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي

ومن المعلوم أنّ حصول إيران على السلاح النووي يعني توجيه ضربة قاضية لجهود الدول العربية في جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي، ولا بد من أن يلقى الإخلال بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة ردّة فعل قوية في هذه الحالة، ذلك أن إمكانية الاحتماء من قوّة نووية يعدّ مستحيلاً (نموذج ومقومات إيران الجيو-سياسية تختلف عن نموذج إسرائيل) ما لم يتم الرد بسلاح نووي رادع أيضاً، خاصّة أنّ عدداً من الخبراء المعتبرين (ومنهم عدد لا بأس به من الإسرائيليين) يرون أنّ الهدف من السلاح النووي الإيراني ليس موازنة السلاح النووي الإسرائيلي، وإنما الحفاظ على النظام الإيراني في الشق الدفاعي الرادع، وفرض الهيمنة على دول الخليج في  الشق الهجومي الناجم عن حظوة امتلاك سلاح نووي.

فالقراءات التاريخية تقول إنّ إيران تحاول دائماً مدّ نفوذها باتّجاه الخليج لتسيّد الإطار الممتد من الشمال (آسيا الوسطى) إلى الجنوب (الخليج) ومن الشرق (أفغانستان) إلى الغرب (العراق وسوريا ولبنان)، ولا شك أنّ امتلاك قنبلة نووية هو الوحيد القادر على تحقيق هذا الحلم. وفي هذا الإطار تأتي وجهة نظر إسرائيلية تقول إنّ إيران لا تعتبر إسرائيل عدواً لها، وإن كان هناك عداء فعلى قاعدة المصالح وليس العقائد، (وقد استفاض في شرح هذه النقطة الخبير تريتا بارزي في كتابه الشهير (حلف المصالح المشتركة: التعاملات السريّة بين إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة)، فإيران لها طموح إقليمي وهي ستعارض كل من يقف في وجهها، والقنبلة الإيرانية هي لتحقيق هذا الطموح.

ومن المعلوم أن لا أطماع لإيران في إسرائيل، وليس لإسرائيل أطماع في إيران، وعليه فإن الأسلحة النووية والصاروخية الإيرانية تصبح في هذه الحالة في خدمة الأهداف الإيرانية في منطقة أخرى بالشرق الأوسط، أقربها بالنسبة إلى إيران وأضعفها هي الدول العربية الخليجية الموجودة على الساحل الغربي المقابل من الخليج، خاصّة أنّ لإيران أطماعاً تاريخية في هذه المنطقة وهي لاتزال تحتل جزراً عربية وترفض بشكل دائم مقترحات للتسوية السلمية أو وساطات لحل الخلاف، وهي لطالما عملت على تخريب الأمن والاستقرار في الدول العربية تحت حجّة مقاومة إسرائيل، وهي تصر على التذكير دوما بأنّ البحرين والإمارات وسواها محافظات إيرانية وأنّ تسمية (الخليج العربي) مؤامرة صهيونية، وكلها أمور تطرح تساؤلاً خطيراً مفاده (إذا كان هذا حال طهران الحالية في التعامل مع الدول العربية والخليجية فماذا سيكون حالها عندما تمتلك السلاح النووي؟)

وفيما يخص الموقف العربي من السلاح النووي الإسرائيلي، نستطيع أن نلاحظ أنّ العرب سعوا دوماً لمبادرة (شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي)، كي تفقد إسرائيل ميزتها النووية، أضف إلى ذلك أنّ إسرائيل نووية أصلاً لن تزيد من قوّتها في مواجهة العرب نظراً للمساحة الشاسعة التي تمتد عليها الدول العربية، وعدد السكان الكبير والضخم، وهي كلها عوامل تحد من قدرة إسرائيل على استعمال سلاحها النووي بشكل حاسم، علماً أنّ الدول العربية خاضت حرباً ضدها في عام 1973 وحققت إنجازاً في وقت كانت إسرائيل تمتلك فيه سلاحها النووي. ذلك لا يعني أنّ سلاح إسرائيل النووي لا يشكّل خطراً أو تهديداً للعرب، لكنّ التعامل مع سلاح واحد يختلف عن التعامل مع سلاحين خاصّة في حالة إيران، إذ سيكون الوضع مختلفاً، وعلى المملكة الاختيار في هذه الحالة بين عدد من الخيارات تتمثل في:

1-     الذهاب نحو برنامج نووي سلمي يتم تحويله في نهاية الأمر إلى برنامج عسكري، وهي الطريقة المتّبعة الآن في معظم الدول التي حصلت على القنبلة النووية.

2-     الدخول في تحالف استراتيجي علني مع قوى نووية تخوّل المملكة الاستفادة من مظلّتها النووية في تأمين ردع استراتيجي للقوى النووية الإقليمية.

3-     شراء سلاح نووي (جاهز) 

* خيار البرنامج النووي السلمي

فيما يتعلق بخيار (الذهاب نحو برنامج نووي سلمي)، يبدو أنّ المملكة قد قررت المضي فيه قدماً بانتظار تبلور الأمور على الصعيد الإقليمي، على اعتبار أنّ هذا الخيار يعدّ الأكثر استهلاكاً للوقت والأطول في الوصول إلى النتائج المرجوة أي إلى سلاح نووي رادع وموازن للقوى الإقليمية النووية. إذ اجتمع وزراء الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي في مارس من العام 2007 في المملكة العربية السعودية لمناقشة المستجدات التي تمّ طرحها في ديسمبر من العام 2006 حول ضرورة إقامة برنامج نووي سلمي جماعي ووقع عدد من دول الخليج العربي إضافة إلى الأردن عدداً من اتفاقيات التعاون النووي مع الكثير من الدول الكبرى خلال هذه الفترة.

ويعدّ هذا الخيار خطوة إيجابية لكنّ مشكلته أنّه يستلزم وقتاً طويلاً، كما أنّ المرور به يعرّض الدولة إلى مخاطر ليس أقلها مواجهة المجتمع الدولي حال وجود شبهات لإمكانية تحوّله من سلمي إلى عسكري، إضافة إلى خرق الالتزامات الدولية التي وقّعت سابقاً حول الالتزام بمنع الانتشار النووي، وتوقّع عدم احتمال إسرائيل لحصول أي لاعب عربي على قدرة نووية عسكرية، فبالنسبة إلى إسرائيل حصول إيران على قنبلة نووية شيء وحصول العرب على قنبلة نووية شيء آخر مختلف تماماً. 

* خيار المظلّة النووية الخارجية

أمّا فيما يتعلّق بالخيار الثاني، فيعتبر الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون من أوائل الذين حاولوا تسويقه حتى قبل أن يتسلم أوباما سدّة الرئاسة. ومخاطر هذا الطرح في هكذا توقيت، يعني أنّ هناك تسويقاً لإمكانية تقبّل إيران نووية. وعلى أي حال، فقد كان توجه اوباما كما كلينتون يقتضي تقديم مظلّة نووية رادعة ليس لإسرائيل فقط وإنما لجميع الحلفاء في المنطقة بما فيهم الدول العربية وأن تتضمن المظلّة حتى تعهداً بالرد المدمّر في حال تعرّضت إيران لإحدى هذه الدول بضربة أولى.

وينطلق هذا العرض من مبدأ أنه لا يمكن مطالبة الدول العربية بعدم السعي لامتلاك قوة نووية رادعة في حال توصلت إيران لقنبلتها ما لم يتم تقديم بديل فاعل لهم ومتمثّل في المظلة النووية. ومن إيجابيات هذا الخيار أنّه لا يضطر الدول التي تقبل بمظلة نووية إلى الإخلال بالتزاماتها الدولية من ناحية المعاهدات والاتفاقيات التي تحد من الانتشار النووي. لكنّ عدداً من المحللين والمسؤولين يرى في هذا الخيار عاملاً سلبياً للولايات المتّحدة وللدول التي يتم منحها المظلة النووية على اعتبار أنّ منح حليف تاريخي واستراتيجي وعداً بالرد على أي ضربة نووية يتعرض لها من قبل أي قوة تسعى إلى هيمنة عالمية يختلف عن منحه إلى شريك صغير وثانوي كالأردن أو الكويت عندما تتعرضان لضربة من قبل قوة تسعى إلى هيمنة إقليمية فقط. إذ من شأن هذا الوعد أن يقوّض من مصداقية أمريكا ويعرّض فكرة الردع الاستراتيجي لمخاطر عديدة خاصة إذا ما تم اختبارها بمشاكل صغيرة وطويلة المدى تدفعها إلى التجرد من قيمتها ومفعولها. كما أنّ الاعتماد على هذه المظلة من قبل الحلفاء سيضعف من توجههم لتطوير منحاهم الدفاعي ويزيد من قدرة أعدائهم على استغلال هذه الثغرة. 

* خيار شراء قنابل نووية

أمّا بالنسبة إلى الخيار الثالث، فهو ممكن وقابل للتطبيق، ويتميز بأنه خيار النتائج السريعة، إذ ليس على المملكة الانتظار عشرات السنوات إلى حين يتم بناء برنامج نووي خاص لموازنة القوى النووية الإقليمية. ولا شك أنّ لهذا الخيار سلبياته العديدة، ولكنه في حدّه الأدنى يوفّر الردع المطلوب إلى أنّ يتم تبني برنامج نووي قومي.

وقد رصدت العديد من التقارير الدولية سابقاً ما يسمى بأنه محاولات سعودية لتفحّص هذا الخيار لا سيما عبر باكستان.إذ كان وزير الدفاع السعودي قد زار في العام 1999 و2002 العديد من المنشآت العسكرية والنووية (السريّة) الباكستانية ومن بينها منشآت لتصنيع الصواريخ وتخصيب اليورانيوم. وقد أثارت هذه الزيارات امتعاض الولايات المتّحدة وخوف كل من إيران وإسرائيل، فيما قام العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان بزيارة إلى المملكة العربية السعودية.

ويعتقد عدد من المحللين العسكريين والخبراء في المجال الأمني أنّ السعودية ستلجأ إلى خيار شراء قنابل نووية بدلاً من الدخول في المجال النووي من الصفر لأسباب عديدة منها:

1- أنّ السعودية موقّعة على معاهدة منع الانتشار النووي، وهذا يعني أنّ أي نشاط نووي سعودي خارج الإطار السلمي سيعتبر خرقاً للمعاهدة وهو ما سيسبب لها مشاكل دولية كبيرة جداً.

2- أنّ خيار (شراء النووي) يعطي المملكة حريّة حركة وسرعة أكبر بكثير من الطرق التقليدية، ما من شأنه أن يخترق أية محاولات دولية لعرقلة أو منع حصولها على القدرة النووية في حال كان هناك وضع إقليمي استثنائي خطير.

3- أنّ ذلك يوفّر للسعوديين رادعاً وغطاء بديلاً عن المظلة النووية الأمريكية التي باتت العديد من الأوساط تشكك بفاعليتها خاصة مع نموذج شرق آسيا، حيث التهديد الكوري الشمالي لليابان وكوريا الجنوبية.

 وعلى الرغم من أنّ كلاً من المملكة العربية السعودية وباكستان نفتا في حينه التعاون النووي والغطاء النووي، الاّ أنّ الحملات على الطرفين عادت لتتكثّف في العام 2003 خاصّة من قبل الولايات المتّحدة والهند في ظل هواجس كل من إسرائيل وإيران.

ففي أكتوبر 2003 صرح رئيس الاستخبارات العسكرية للقوات المسلحة الإسرائيلية (آهارون زائيفي) أمام الكنيست الصهيوني أن (السعودية وباكستان يتفاوضان على صفقة لتزويد السعودية برؤوس نووية على الصواريخ). وفي نوفمبر 2004 عبّر مصدر إيراني مسؤول عن قلقه من أن تكون السعودية امتلكت الأسلحة النووية أو التكنولوجيا النووية عبر باكستان، وأنها وقعت صفقة في عام 2003 مع باكستان لتزويدها بتلك الأسلحة وبصواريخ بالستية حديثة لاستبدال صواريخ DF-3A الصينية القديمة.

ويعتقد على مجال واسع أنّ المملكة ستلجأ إلى خيار شراء (نووي جاهز) لا سيما من باكستان إذا ما تم حجب بقية الخيارات المتاحة عنها أو فشل منع الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط، خاصّة أنّ المملكة لجأت سابقاً إلى خيارات صعبة في فترات متعددة، بعيداً عن حلفائها الأساسيين ولا سيما الولايات المتّحدة الأمريكية، وكان أبرزها صفقة شراء صواريخ بالستية متوسطة المدى CSS 2 من الصين في نهاية الثمانينات (تشير التقديرات إلى ما بين 36 و60 صاروخاً) قادرة على حمل رؤوس نووية ويبلغ مداها حوالي 3000 كلم وهي قادرة نظرياً على الوصول إلى معظم مناطق الشرق الأوسط، ونجحت المملكة في حينه من إخفاء الموضوع حتى على الأمريكيين أنفسهم.

لكنّ المشكلة في هذا السيناريو الأخير، أنّه على المملكة أن تعلن أنها أصبحت قوة نووية حال امتلاكها للرؤوس النووية والصواريخ القادرة على حملها، لأن إخفاء الموضوع سيحرمها من الهدف الأساسي الذي تمتلك من أجله القوّة النووية ألا وهو الردع.

 

::/fulltext::

man1-077
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1098::/cck::
::introtext::

في انتظار المحادثات الأمريكية-الإيرانية المباشرة حول عدد من الملفات العالقة وفي مقدّمتها الملف النووي الإيراني، وما قد يتمخّض عنها من نتائج وتداعيات على المستوى الجيو- سياسي للمنطقة، فإن احتمال إمكانية حيازة إيران السلاح النووي تبقى قائمة، بل ويجب أن تؤخذ جدّياً في عين الاعتبار، ذلك أنّ الرد على هكذا خطوة تزعزع الاستقرار والتوازن الاستراتيجي العسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم يجب أن يتم التحضير له مسبقاً لا أن يتم ارتجاله في حينه.

::/introtext::
::fulltext::

في انتظار المحادثات الأمريكية-الإيرانية المباشرة حول عدد من الملفات العالقة وفي مقدّمتها الملف النووي الإيراني، وما قد يتمخّض عنها من نتائج وتداعيات على المستوى الجيو- سياسي للمنطقة، فإن احتمال إمكانية حيازة إيران السلاح النووي تبقى قائمة، بل ويجب أن تؤخذ جدّياً في عين الاعتبار، ذلك أنّ الرد على هكذا خطوة تزعزع الاستقرار والتوازن الاستراتيجي العسكري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم يجب أن يتم التحضير له مسبقاً لا أن يتم ارتجاله في حينه.

المملكة العربية السعودية تعارض رسمياً امتلاك أي دولة في الشرق الأوسط للسلاح النووي

ومن المعروف أنّ المملكة العربية السعودية تعارض رسمياً امتلاك أي دولة في الشرق الأوسط للسلاح النووي، وهي لطالما كانت في مقدّمة المجموعة العربية الداعية إلى (شرق أوسط خال من السلاح النووي)، وهي أيضاً من الدول الموقّعة على اتفاقية حظر انتشار السلاح النووي NPT، وهي لم تبد أي اهتمام أو نشاط نووي على الإطلاق وفق معظم التقارير والدراسات حتى اندلاع الأزمة النووية الإيرانية.

حصول إيران على السلاح النووي يعني توجيه ضربة قاضية لجهود الدول العربية في جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي

ومن المعلوم أنّ حصول إيران على السلاح النووي يعني توجيه ضربة قاضية لجهود الدول العربية في جعل منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي، ولا بد من أن يلقى الإخلال بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة ردّة فعل قوية في هذه الحالة، ذلك أن إمكانية الاحتماء من قوّة نووية يعدّ مستحيلاً (نموذج ومقومات إيران الجيو-سياسية تختلف عن نموذج إسرائيل) ما لم يتم الرد بسلاح نووي رادع أيضاً، خاصّة أنّ عدداً من الخبراء المعتبرين (ومنهم عدد لا بأس به من الإسرائيليين) يرون أنّ الهدف من السلاح النووي الإيراني ليس موازنة السلاح النووي الإسرائيلي، وإنما الحفاظ على النظام الإيراني في الشق الدفاعي الرادع، وفرض الهيمنة على دول الخليج في  الشق الهجومي الناجم عن حظوة امتلاك سلاح نووي.

فالقراءات التاريخية تقول إنّ إيران تحاول دائماً مدّ نفوذها باتّجاه الخليج لتسيّد الإطار الممتد من الشمال (آسيا الوسطى) إلى الجنوب (الخليج) ومن الشرق (أفغانستان) إلى الغرب (العراق وسوريا ولبنان)، ولا شك أنّ امتلاك قنبلة نووية هو الوحيد القادر على تحقيق هذا الحلم. وفي هذا الإطار تأتي وجهة نظر إسرائيلية تقول إنّ إيران لا تعتبر إسرائيل عدواً لها، وإن كان هناك عداء فعلى قاعدة المصالح وليس العقائد، (وقد استفاض في شرح هذه النقطة الخبير تريتا بارزي في كتابه الشهير (حلف المصالح المشتركة: التعاملات السريّة بين إسرائيل وإيران والولايات المتّحدة)، فإيران لها طموح إقليمي وهي ستعارض كل من يقف في وجهها، والقنبلة الإيرانية هي لتحقيق هذا الطموح.

ومن المعلوم أن لا أطماع لإيران في إسرائيل، وليس لإسرائيل أطماع في إيران، وعليه فإن الأسلحة النووية والصاروخية الإيرانية تصبح في هذه الحالة في خدمة الأهداف الإيرانية في منطقة أخرى بالشرق الأوسط، أقربها بالنسبة إلى إيران وأضعفها هي الدول العربية الخليجية الموجودة على الساحل الغربي المقابل من الخليج، خاصّة أنّ لإيران أطماعاً تاريخية في هذه المنطقة وهي لاتزال تحتل جزراً عربية وترفض بشكل دائم مقترحات للتسوية السلمية أو وساطات لحل الخلاف، وهي لطالما عملت على تخريب الأمن والاستقرار في الدول العربية تحت حجّة مقاومة إسرائيل، وهي تصر على التذكير دوما بأنّ البحرين والإمارات وسواها محافظات إيرانية وأنّ تسمية (الخليج العربي) مؤامرة صهيونية، وكلها أمور تطرح تساؤلاً خطيراً مفاده (إذا كان هذا حال طهران الحالية في التعامل مع الدول العربية والخليجية فماذا سيكون حالها عندما تمتلك السلاح النووي؟)

وفيما يخص الموقف العربي من السلاح النووي الإسرائيلي، نستطيع أن نلاحظ أنّ العرب سعوا دوماً لمبادرة (شرق أوسط خالٍ من السلاح النووي)، كي تفقد إسرائيل ميزتها النووية، أضف إلى ذلك أنّ إسرائيل نووية أصلاً لن تزيد من قوّتها في مواجهة العرب نظراً للمساحة الشاسعة التي تمتد عليها الدول العربية، وعدد السكان الكبير والضخم، وهي كلها عوامل تحد من قدرة إسرائيل على استعمال سلاحها النووي بشكل حاسم، علماً أنّ الدول العربية خاضت حرباً ضدها في عام 1973 وحققت إنجازاً في وقت كانت إسرائيل تمتلك فيه سلاحها النووي. ذلك لا يعني أنّ سلاح إسرائيل النووي لا يشكّل خطراً أو تهديداً للعرب، لكنّ التعامل مع سلاح واحد يختلف عن التعامل مع سلاحين خاصّة في حالة إيران، إذ سيكون الوضع مختلفاً، وعلى المملكة الاختيار في هذه الحالة بين عدد من الخيارات تتمثل في:

1-     الذهاب نحو برنامج نووي سلمي يتم تحويله في نهاية الأمر إلى برنامج عسكري، وهي الطريقة المتّبعة الآن في معظم الدول التي حصلت على القنبلة النووية.

2-     الدخول في تحالف استراتيجي علني مع قوى نووية تخوّل المملكة الاستفادة من مظلّتها النووية في تأمين ردع استراتيجي للقوى النووية الإقليمية.

3-     شراء سلاح نووي (جاهز) 

* خيار البرنامج النووي السلمي

فيما يتعلق بخيار (الذهاب نحو برنامج نووي سلمي)، يبدو أنّ المملكة قد قررت المضي فيه قدماً بانتظار تبلور الأمور على الصعيد الإقليمي، على اعتبار أنّ هذا الخيار يعدّ الأكثر استهلاكاً للوقت والأطول في الوصول إلى النتائج المرجوة أي إلى سلاح نووي رادع وموازن للقوى الإقليمية النووية. إذ اجتمع وزراء الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي في مارس من العام 2007 في المملكة العربية السعودية لمناقشة المستجدات التي تمّ طرحها في ديسمبر من العام 2006 حول ضرورة إقامة برنامج نووي سلمي جماعي ووقع عدد من دول الخليج العربي إضافة إلى الأردن عدداً من اتفاقيات التعاون النووي مع الكثير من الدول الكبرى خلال هذه الفترة.

ويعدّ هذا الخيار خطوة إيجابية لكنّ مشكلته أنّه يستلزم وقتاً طويلاً، كما أنّ المرور به يعرّض الدولة إلى مخاطر ليس أقلها مواجهة المجتمع الدولي حال وجود شبهات لإمكانية تحوّله من سلمي إلى عسكري، إضافة إلى خرق الالتزامات الدولية التي وقّعت سابقاً حول الالتزام بمنع الانتشار النووي، وتوقّع عدم احتمال إسرائيل لحصول أي لاعب عربي على قدرة نووية عسكرية، فبالنسبة إلى إسرائيل حصول إيران على قنبلة نووية شيء وحصول العرب على قنبلة نووية شيء آخر مختلف تماماً. 

* خيار المظلّة النووية الخارجية

أمّا فيما يتعلّق بالخيار الثاني، فيعتبر الرئيس أوباما ووزيرة الخارجية الأمريكية كلينتون من أوائل الذين حاولوا تسويقه حتى قبل أن يتسلم أوباما سدّة الرئاسة. ومخاطر هذا الطرح في هكذا توقيت، يعني أنّ هناك تسويقاً لإمكانية تقبّل إيران نووية. وعلى أي حال، فقد كان توجه اوباما كما كلينتون يقتضي تقديم مظلّة نووية رادعة ليس لإسرائيل فقط وإنما لجميع الحلفاء في المنطقة بما فيهم الدول العربية وأن تتضمن المظلّة حتى تعهداً بالرد المدمّر في حال تعرّضت إيران لإحدى هذه الدول بضربة أولى.

وينطلق هذا العرض من مبدأ أنه لا يمكن مطالبة الدول العربية بعدم السعي لامتلاك قوة نووية رادعة في حال توصلت إيران لقنبلتها ما لم يتم تقديم بديل فاعل لهم ومتمثّل في المظلة النووية. ومن إيجابيات هذا الخيار أنّه لا يضطر الدول التي تقبل بمظلة نووية إلى الإخلال بالتزاماتها الدولية من ناحية المعاهدات والاتفاقيات التي تحد من الانتشار النووي. لكنّ عدداً من المحللين والمسؤولين يرى في هذا الخيار عاملاً سلبياً للولايات المتّحدة وللدول التي يتم منحها المظلة النووية على اعتبار أنّ منح حليف تاريخي واستراتيجي وعداً بالرد على أي ضربة نووية يتعرض لها من قبل أي قوة تسعى إلى هيمنة عالمية يختلف عن منحه إلى شريك صغير وثانوي كالأردن أو الكويت عندما تتعرضان لضربة من قبل قوة تسعى إلى هيمنة إقليمية فقط. إذ من شأن هذا الوعد أن يقوّض من مصداقية أمريكا ويعرّض فكرة الردع الاستراتيجي لمخاطر عديدة خاصة إذا ما تم اختبارها بمشاكل صغيرة وطويلة المدى تدفعها إلى التجرد من قيمتها ومفعولها. كما أنّ الاعتماد على هذه المظلة من قبل الحلفاء سيضعف من توجههم لتطوير منحاهم الدفاعي ويزيد من قدرة أعدائهم على استغلال هذه الثغرة. 

* خيار شراء قنابل نووية

أمّا بالنسبة إلى الخيار الثالث، فهو ممكن وقابل للتطبيق، ويتميز بأنه خيار النتائج السريعة، إذ ليس على المملكة الانتظار عشرات السنوات إلى حين يتم بناء برنامج نووي خاص لموازنة القوى النووية الإقليمية. ولا شك أنّ لهذا الخيار سلبياته العديدة، ولكنه في حدّه الأدنى يوفّر الردع المطلوب إلى أنّ يتم تبني برنامج نووي قومي.

وقد رصدت العديد من التقارير الدولية سابقاً ما يسمى بأنه محاولات سعودية لتفحّص هذا الخيار لا سيما عبر باكستان.إذ كان وزير الدفاع السعودي قد زار في العام 1999 و2002 العديد من المنشآت العسكرية والنووية (السريّة) الباكستانية ومن بينها منشآت لتصنيع الصواريخ وتخصيب اليورانيوم. وقد أثارت هذه الزيارات امتعاض الولايات المتّحدة وخوف كل من إيران وإسرائيل، فيما قام العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان بزيارة إلى المملكة العربية السعودية.

ويعتقد عدد من المحللين العسكريين والخبراء في المجال الأمني أنّ السعودية ستلجأ إلى خيار شراء قنابل نووية بدلاً من الدخول في المجال النووي من الصفر لأسباب عديدة منها:

1- أنّ السعودية موقّعة على معاهدة منع الانتشار النووي، وهذا يعني أنّ أي نشاط نووي سعودي خارج الإطار السلمي سيعتبر خرقاً للمعاهدة وهو ما سيسبب لها مشاكل دولية كبيرة جداً.

2- أنّ خيار (شراء النووي) يعطي المملكة حريّة حركة وسرعة أكبر بكثير من الطرق التقليدية، ما من شأنه أن يخترق أية محاولات دولية لعرقلة أو منع حصولها على القدرة النووية في حال كان هناك وضع إقليمي استثنائي خطير.

3- أنّ ذلك يوفّر للسعوديين رادعاً وغطاء بديلاً عن المظلة النووية الأمريكية التي باتت العديد من الأوساط تشكك بفاعليتها خاصة مع نموذج شرق آسيا، حيث التهديد الكوري الشمالي لليابان وكوريا الجنوبية.

 وعلى الرغم من أنّ كلاً من المملكة العربية السعودية وباكستان نفتا في حينه التعاون النووي والغطاء النووي، الاّ أنّ الحملات على الطرفين عادت لتتكثّف في العام 2003 خاصّة من قبل الولايات المتّحدة والهند في ظل هواجس كل من إسرائيل وإيران.

ففي أكتوبر 2003 صرح رئيس الاستخبارات العسكرية للقوات المسلحة الإسرائيلية (آهارون زائيفي) أمام الكنيست الصهيوني أن (السعودية وباكستان يتفاوضان على صفقة لتزويد السعودية برؤوس نووية على الصواريخ). وفي نوفمبر 2004 عبّر مصدر إيراني مسؤول عن قلقه من أن تكون السعودية امتلكت الأسلحة النووية أو التكنولوجيا النووية عبر باكستان، وأنها وقعت صفقة في عام 2003 مع باكستان لتزويدها بتلك الأسلحة وبصواريخ بالستية حديثة لاستبدال صواريخ DF-3A الصينية القديمة.

ويعتقد على مجال واسع أنّ المملكة ستلجأ إلى خيار شراء (نووي جاهز) لا سيما من باكستان إذا ما تم حجب بقية الخيارات المتاحة عنها أو فشل منع الانتشار النووي في منطقة الشرق الأوسط، خاصّة أنّ المملكة لجأت سابقاً إلى خيارات صعبة في فترات متعددة، بعيداً عن حلفائها الأساسيين ولا سيما الولايات المتّحدة الأمريكية، وكان أبرزها صفقة شراء صواريخ بالستية متوسطة المدى CSS 2 من الصين في نهاية الثمانينات (تشير التقديرات إلى ما بين 36 و60 صاروخاً) قادرة على حمل رؤوس نووية ويبلغ مداها حوالي 3000 كلم وهي قادرة نظرياً على الوصول إلى معظم مناطق الشرق الأوسط، ونجحت المملكة في حينه من إخفاء الموضوع حتى على الأمريكيين أنفسهم.

لكنّ المشكلة في هذا السيناريو الأخير، أنّه على المملكة أن تعلن أنها أصبحت قوة نووية حال امتلاكها للرؤوس النووية والصواريخ القادرة على حملها، لأن إخفاء الموضوع سيحرمها من الهدف الأساسي الذي تمتلك من أجله القوّة النووية ألا وهو الردع.

 

::/fulltext::
::cck::1098::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *