آفاق السوق الخليجية المشتركة: المنافع والتكاليف
::cck::1083::/cck::
::introtext::
تحولات اقتصادية واجتماعية ومنافع وتكاليف؛ تلك هي ما تنطوي عليه السوق الخليجية المشتركة التي أعلنت في قمة الدوحة عام 2007، والتي يمكن أن توصف بأنها (قمة إعلان السوق الخليجية المشتركة)، لما يتضمنه هذا (الإعلان) من تحول جوهري ستكون له انعكاسات كبيرة على مستقبل المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
تحولات اقتصادية واجتماعية ومنافع وتكاليف؛ تلك هي ما تنطوي عليه السوق الخليجية المشتركة التي أعلنت في قمة الدوحة عام 2007، والتي يمكن أن توصف بأنها (قمة إعلان السوق الخليجية المشتركة)، لما يتضمنه هذا (الإعلان) من تحول جوهري ستكون له انعكاسات كبيرة على مستقبل المنطقة.
السوق المشتركة تعد الأداة الأساسية في التعاون الاقتصادي التكاملي الفعلي
فالسوق المشتركة تعد الأداة الأساسية في التعاون الاقتصادي التكاملي الفعلي، وهي تعني تحرير تجارة الخدمات والاستثمار، وتسهيل حركة رؤوس الأموال والعمالة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنحها المعاملة الوطنية المحلية. وانطلاقاً من هذا المفهوم الجديد الذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 2008 والمتضمن تغيراً في أشكال العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، فسوف يترتب على هذا التغير بالضرورة منافع تعود على دول وأبناء المنطقة، كما ينتج عنه أيضاً كأي فعل تغييري غير معهود تكاليف وصعوبات أو معوقات عديدة تتطلب تجاوزها أو التكيف معها أو معالجتها، ويمكن استشراف أهم معالم هذا التغير وآفاقه بالآتي:
تتيح السوق المشتركة لدول مجلس التعاون تنويع مصادر دخلها عبر الاستفادة من الميزات التي تتمتع بها كل دولة
المنافع
لقد كان منطلق التفكير بإنشاء السوق الخليجية المشتركة تحقيق مصالح جميع الدول التي تتكون منها هذه السوق بوصفها تجمعاً إقليمياً، وكذلك تحقيق فوائد ومنافع لأبنائها على المستوى الفردي. ويمكن رصد وتحليل أهم هذه المنافع على المستويين، بما يلي:
1ـ تتيح السوق المشتركة لدول مجلس التعاون تنويع مصادر دخلها عبر الاستفادة من الميزات التي تتمتع بها كل دولة، رغم التشابه في مصادر الدخل الأساسي بالنسبة إلى جميع دول المجلس المتأتية من النفط والغاز؛ فمثلاً تمتلك بعض هذه الدول بنية تحتية صناعية متقدمة ولديها قوة بشرية كبيرة كالمملكة العربية السعودية، وبعضها تعد متطورة في قطاع تجارة الخدمات مع العالم كالإمارات العربية المتحدة وبخاصة إمارة دبي، وبعضها لديه مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة كسلطنة عمان. لذا فإن إطلاق الحرية لرأس المال والشركات والعمالة في الحركة والعمل في أي من هذه الدول، قد ينتج عنه أشكال جديدة من الأعمال الاقتصادية الكبرى التي تعود فائدتها على مجمل المنطقة، وتوفر مصادر جديدة للدخل مستفيدة من الميزات المتوفرة في المنطقة ككل.
2ـ قد تصبح السوق الخليجية المشتركة وعاء يستوعب الفوائض المالية الموجودة في دولها؛ فمعظم هذه الدول لديها فوائض مالية كبيرة كنتيجة للارتفاع القياسي بأسعار الطاقة، وتتطلع إلى استثمارات خارج نطاقها، ويمكن أن تكون المنطقة بمجملها مكاناً ملائماً لتوطين هذه الفوائض واستثمارها. إذ تشكل محدودية نطاق كل دولة بمفردها قياساً بحجم هذه الفوائض، وعدم قدرتها على استيعابها وتوظيفها توظيفاً ملائماً، عائقاً أمام حكومات هذه الدول، وكذلك أمام رجال الأعمال والشركات الكبرى التي كانت ولاتزال تتطلع إلى الخارج بحثاً عن بيئات استثمارية ناضجة وملائمة. ومع اتساع النطاق المكاني وتنوعه أمام حكومات وشركات وأفراد دول المجلس وتوفر معايير وإجراءات ومعاملة تفضيلية مماثلة لتلك المحلية في جميع الدول، فإن ذلك يتيح استيعاب جزء غير يسير من تلك الفوائض.
توفر السوق الخليجية المشتركة إمكانية قيام تعاون أوسع مع التكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية
3ـ توفر السوق الخليجية المشتركة إمكانية قيام تعاون أوسع مع التكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية، إذ إن هذه التكتلات ستدفع نحو زيادة تعاملاتها حين تجد في موازاتها سوقاً كبيرة واحدة ذات تشريعات وسياسات موحدة، وليس ست دول كل لها تشريعات وقوانين وكل منها تحتاج إلى اتفاقية منفصلة ذات شروط، قد تكون مختلفة عن الأخرى. وهذا ما يمنح في الوقت نفسه مجلس التعاون قدرات تفاوضية أكبر مع التكتلات الاقتصادية العالمية، كالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، الذي قطعت هذه الدول شوطاً كبيراً في المفاوضات معه لتوقيع اتفاقية إنشاء منطقة تجارة حرة بينهما، وقد كان عدم قيام السوق المشتركة بين دول الخليج وعدم وجود تشريعات جمركية وتجارية موحدة أحد أسباب تعثر أو تأخر إنجازها.
4ـ زيادة معدلات النمو وارتفاع حجم الإنتاج، فاتساع نطاق السوق وإزالة العراقيل والقوانين التي تحد من حرية التبادل التجاري وانسياب السلع يؤدي إلى زيادة حجم الإنتاج وانخفاض التكاليف ومن ثم الأسعار. كما تؤدي المنافسة الناشئة عن حرية تأسيس وانتقال المصانع والشركات إلى رفع مستوى وكفاءة المنتجات، مما يمنحها ميزة تنافسية إضافية على المستويين الإقليمي والدولي.
5ـ أما على صعيد استفادة الأفراد في دول مجلس التعاون من قيام السوق الخليجية المشتركة، فتتمثل بشكل أساسي في معاملتهم بصورة متساوية في كل مناحي الحياة في أي دولة من الدول الست، فوفق المادة الثالثة من الاتفاقية الاقتصادية التي تم اتخاذ قرار إنشاء السوق المشتركة على أساسها عام 2001، فسوف (يعامل مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في أية دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية).
ولم تترك هذه (المجالات الاقتصادية) دون تحديد، فقد أوضحت المادة نفسها أن هذه المجالات تتضمن: التنقل والإقامة، والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وممارسة المهن والحرف، ومزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، وتملك العقار، وتنقل رؤوس الأموال، والمعاملة الضريبية، وتداول وشراء الأسهم، وتأسيس الشركات، والحق في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. أي أن هذه الميزات سينتفع بها جميع مواطني هذه الدول في أي مكان فيها، وهو ما يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة للعمالة وينمي مهاراتها، ويسهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية لمواطني الدول الأعضاء، ويؤدي إلى تطبيق مفهوم (المواطنة الخليجية) عندما يحظى كل مواطن من مواطني الدول الست بنفس المعاملة التي تتوفر له في بلده.

التكاليف والصعوبات
وكما أن لهذه السوق الجديدة منافع كبيرة، فإنها تنطوي على تكاليف وصعوبات ستواجه دول المنطقة وأبناءها. وقد لا تظهر هذه التحديات فور دخول السوق حيز التنفيذ، ولكنها قد تبرز بمرور الوقت ومع تزايد حالة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، منها:
1ـ قد تشهد المنطقة تحولات اجتماعية غير مسبوقة، بفعل تغير نمط النشاطات الاقتصادية وطبيعتها، والتي تنشأ من توسع السوق وانعدام الحواجز بين دولها، مما يخلق تغيرات في نمط الحياة الاجتماعية للأفراد ويؤدي إلى الاندماج الاجتماعي التدريجي. فالتنقل الجديد للعمالة بين هذه الدول بسبب المساواة في فرص العمل وفي الواجبات والحقوق قد ينتج عنه بمرور الزمن توطن بعض الأفراد وعائلاتهم في غير دولهم التي كانوا فيها. كما قد ينتج عن ذلك زيادة في معدلات الزواج بين هؤلاء الأفراد أو أبنائهم وبين أبناء الدولة التي أقاموا فيها. ويسهم في ذلك التقارب الاجتماعي والقبلي والتشارك في كثير من السمات العامة في المنطقة. وكنتيجة لهذا الاندماج، يمكن بعد جيل أو جيلين تحويل مفهوم ما سمي بـ(المواطنة الخليجية الاقتصادية) إلى مواطنة خليجية اجتماعية فعلية، بحكم الأمر الواقع.
2ـ ظهور حدة التنافس في سوق العمل بين العمالة الخليجية، إذ كما ستفتح السوق المشتركة أبواب الاستثمار في القطاعات الاقتصادية في الدول الست أمام جميع مواطنيها، فإنها ستنفتح بالطبع أمام العمالة أيضاً. وحيث إن بعض دول المجلس تشكو من بطالة بين مواطنيها فإنها سوف تنافس مواطني الدول الأخرى التي تكاد تختفي لديها ظاهرة البطالة، مما سيخلق مزاحمة وتنافساً على الوظائف، لم تعهد من قبل. وقد يتوجب على مواطني دول المنطقة جميعهم رفع كفاءاتهم والحصول على مؤهلات مناسبة واكتساب مهارات جديدة تلائم الوضع الجديد الذي ربما سيعتمد على العرض والطلب.
3ـ أن تطبيق السوق المشتركة سوف يواجه بصعوبات إدارية وببطء في تطبيق التشريعات الجديدة بسبب التعقيدات الإدارية السابقة التي تحتاج إلى فترة كي يتم تجاوزها، والتكيف مع الأوضاع الجديدة بانفتاح وشفافية. ويتطلب ذلك برامج توعية محلية وإقليمية بشأن المعاملة الجديدة المتساوية التي يجب أن يتم التعامل معها مع كافة الأفراد والمؤسسات من مختلف الدول الخليجية، كما يتطلب تطوير المؤسسات المعنية بانتهاج هذه السياسة، ووضع معايير موحدة لبناها وهياكلها.
4ـ إن هذه السوق قد خصت مواطني دول الخليج العربية بحرية انتقال رؤوس الأموال والاستثمار والتنقل والإقامة وانسياب السلع، فيما لم تأت على كل ذلك بما يتعلق بالمقيمين على أراضيها، وخصوصاً رجال الأعمال والشركات، الذين قد تتأثر أعمالهم نتيجة استمرار الوضع القائم لأعمالهم التي تنحصر في دولة واحدة، فما السبيل إذا ما أرادوا الاستفادة من انفتاح السوق المشتركة وتوسيع أعمالهم في المنطقة كلها دون الحاجة إلى إجراءات متكررة في كل دولة. وينبغي عند النظر في هذه المسألة الأخذ في الاعتبار أن المنطقة في المستقبل القريب ستكون جاذبة للاستثمارات الأجنبية الكبيرة، التي ستتطلب وجود تشريعات موحدة وواحدة تجاهها. وما لم تتضح معالم ذلك فإنه سيؤثر في مستقبل الاستثمارات الأجنبية ويقلل من جاذبية المنطقة لها، بسبب الشروط التفضيلية الممنوحة للشركات الخليجية المحلية المنافسة.
5ـ رغم أن قمة الدوحة أكدت على إطلاق العملة الخليجية الموحدة عام 2010، فإنه خلال الفترة المتبقية إلى ذلك التاريخ، ستواجه بعض الفئات في بعض الدول الخليجية صعوبات بسبب تفاوت قيمة العملات واختلاف نسب التضخم في الدول الست. كما أن هناك احتمالاً بأن يتأخر موعد إطلاق العملة، أو تتأخر بعض الدول في الانضمام إليها، أو ربما تنفرد دولة أو اثنتان بقرار عدم الانضمام للعملة الموحدة كما حصل مع عمان والإمارات. وكل ذلك سيؤثر سلبياً في انسيابية وسهولة التعامل النقدي في عموم السوق المشتركة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1083::/cck::
::introtext::
تحولات اقتصادية واجتماعية ومنافع وتكاليف؛ تلك هي ما تنطوي عليه السوق الخليجية المشتركة التي أعلنت في قمة الدوحة عام 2007، والتي يمكن أن توصف بأنها (قمة إعلان السوق الخليجية المشتركة)، لما يتضمنه هذا (الإعلان) من تحول جوهري ستكون له انعكاسات كبيرة على مستقبل المنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
تحولات اقتصادية واجتماعية ومنافع وتكاليف؛ تلك هي ما تنطوي عليه السوق الخليجية المشتركة التي أعلنت في قمة الدوحة عام 2007، والتي يمكن أن توصف بأنها (قمة إعلان السوق الخليجية المشتركة)، لما يتضمنه هذا (الإعلان) من تحول جوهري ستكون له انعكاسات كبيرة على مستقبل المنطقة.
السوق المشتركة تعد الأداة الأساسية في التعاون الاقتصادي التكاملي الفعلي
فالسوق المشتركة تعد الأداة الأساسية في التعاون الاقتصادي التكاملي الفعلي، وهي تعني تحرير تجارة الخدمات والاستثمار، وتسهيل حركة رؤوس الأموال والعمالة بين دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ومنحها المعاملة الوطنية المحلية. وانطلاقاً من هذا المفهوم الجديد الذي دخل حيز التنفيذ مطلع عام 2008 والمتضمن تغيراً في أشكال العلاقات الاقتصادية والاجتماعية، فسوف يترتب على هذا التغير بالضرورة منافع تعود على دول وأبناء المنطقة، كما ينتج عنه أيضاً كأي فعل تغييري غير معهود تكاليف وصعوبات أو معوقات عديدة تتطلب تجاوزها أو التكيف معها أو معالجتها، ويمكن استشراف أهم معالم هذا التغير وآفاقه بالآتي:
تتيح السوق المشتركة لدول مجلس التعاون تنويع مصادر دخلها عبر الاستفادة من الميزات التي تتمتع بها كل دولة
المنافع
لقد كان منطلق التفكير بإنشاء السوق الخليجية المشتركة تحقيق مصالح جميع الدول التي تتكون منها هذه السوق بوصفها تجمعاً إقليمياً، وكذلك تحقيق فوائد ومنافع لأبنائها على المستوى الفردي. ويمكن رصد وتحليل أهم هذه المنافع على المستويين، بما يلي:
1ـ تتيح السوق المشتركة لدول مجلس التعاون تنويع مصادر دخلها عبر الاستفادة من الميزات التي تتمتع بها كل دولة، رغم التشابه في مصادر الدخل الأساسي بالنسبة إلى جميع دول المجلس المتأتية من النفط والغاز؛ فمثلاً تمتلك بعض هذه الدول بنية تحتية صناعية متقدمة ولديها قوة بشرية كبيرة كالمملكة العربية السعودية، وبعضها تعد متطورة في قطاع تجارة الخدمات مع العالم كالإمارات العربية المتحدة وبخاصة إمارة دبي، وبعضها لديه مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة الصالحة للزراعة كسلطنة عمان. لذا فإن إطلاق الحرية لرأس المال والشركات والعمالة في الحركة والعمل في أي من هذه الدول، قد ينتج عنه أشكال جديدة من الأعمال الاقتصادية الكبرى التي تعود فائدتها على مجمل المنطقة، وتوفر مصادر جديدة للدخل مستفيدة من الميزات المتوفرة في المنطقة ككل.
2ـ قد تصبح السوق الخليجية المشتركة وعاء يستوعب الفوائض المالية الموجودة في دولها؛ فمعظم هذه الدول لديها فوائض مالية كبيرة كنتيجة للارتفاع القياسي بأسعار الطاقة، وتتطلع إلى استثمارات خارج نطاقها، ويمكن أن تكون المنطقة بمجملها مكاناً ملائماً لتوطين هذه الفوائض واستثمارها. إذ تشكل محدودية نطاق كل دولة بمفردها قياساً بحجم هذه الفوائض، وعدم قدرتها على استيعابها وتوظيفها توظيفاً ملائماً، عائقاً أمام حكومات هذه الدول، وكذلك أمام رجال الأعمال والشركات الكبرى التي كانت ولاتزال تتطلع إلى الخارج بحثاً عن بيئات استثمارية ناضجة وملائمة. ومع اتساع النطاق المكاني وتنوعه أمام حكومات وشركات وأفراد دول المجلس وتوفر معايير وإجراءات ومعاملة تفضيلية مماثلة لتلك المحلية في جميع الدول، فإن ذلك يتيح استيعاب جزء غير يسير من تلك الفوائض.
توفر السوق الخليجية المشتركة إمكانية قيام تعاون أوسع مع التكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية
3ـ توفر السوق الخليجية المشتركة إمكانية قيام تعاون أوسع مع التكتلات الاقتصادية الإقليمية والدولية، إذ إن هذه التكتلات ستدفع نحو زيادة تعاملاتها حين تجد في موازاتها سوقاً كبيرة واحدة ذات تشريعات وسياسات موحدة، وليس ست دول كل لها تشريعات وقوانين وكل منها تحتاج إلى اتفاقية منفصلة ذات شروط، قد تكون مختلفة عن الأخرى. وهذا ما يمنح في الوقت نفسه مجلس التعاون قدرات تفاوضية أكبر مع التكتلات الاقتصادية العالمية، كالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، الذي قطعت هذه الدول شوطاً كبيراً في المفاوضات معه لتوقيع اتفاقية إنشاء منطقة تجارة حرة بينهما، وقد كان عدم قيام السوق المشتركة بين دول الخليج وعدم وجود تشريعات جمركية وتجارية موحدة أحد أسباب تعثر أو تأخر إنجازها.
4ـ زيادة معدلات النمو وارتفاع حجم الإنتاج، فاتساع نطاق السوق وإزالة العراقيل والقوانين التي تحد من حرية التبادل التجاري وانسياب السلع يؤدي إلى زيادة حجم الإنتاج وانخفاض التكاليف ومن ثم الأسعار. كما تؤدي المنافسة الناشئة عن حرية تأسيس وانتقال المصانع والشركات إلى رفع مستوى وكفاءة المنتجات، مما يمنحها ميزة تنافسية إضافية على المستويين الإقليمي والدولي.
5ـ أما على صعيد استفادة الأفراد في دول مجلس التعاون من قيام السوق الخليجية المشتركة، فتتمثل بشكل أساسي في معاملتهم بصورة متساوية في كل مناحي الحياة في أي دولة من الدول الست، فوفق المادة الثالثة من الاتفاقية الاقتصادية التي تم اتخاذ قرار إنشاء السوق المشتركة على أساسها عام 2001، فسوف (يعامل مواطنو دول المجلس الطبيعيون والاعتباريون في أية دولة من الدول الأعضاء نفس معاملة مواطنيها دون تفريق أو تمييز في كافة المجالات الاقتصادية).
ولم تترك هذه (المجالات الاقتصادية) دون تحديد، فقد أوضحت المادة نفسها أن هذه المجالات تتضمن: التنقل والإقامة، والعمل في القطاعات الحكومية والأهلية، والتأمين الاجتماعي والتقاعد، وممارسة المهن والحرف، ومزاولة جميع الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية والخدمية، وتملك العقار، وتنقل رؤوس الأموال، والمعاملة الضريبية، وتداول وشراء الأسهم، وتأسيس الشركات، والحق في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية. أي أن هذه الميزات سينتفع بها جميع مواطني هذه الدول في أي مكان فيها، وهو ما يمكن أن يخلق فرص عمل جديدة للعمالة وينمي مهاراتها، ويسهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية لمواطني الدول الأعضاء، ويؤدي إلى تطبيق مفهوم (المواطنة الخليجية) عندما يحظى كل مواطن من مواطني الدول الست بنفس المعاملة التي تتوفر له في بلده.

التكاليف والصعوبات
وكما أن لهذه السوق الجديدة منافع كبيرة، فإنها تنطوي على تكاليف وصعوبات ستواجه دول المنطقة وأبناءها. وقد لا تظهر هذه التحديات فور دخول السوق حيز التنفيذ، ولكنها قد تبرز بمرور الوقت ومع تزايد حالة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي، منها:
1ـ قد تشهد المنطقة تحولات اجتماعية غير مسبوقة، بفعل تغير نمط النشاطات الاقتصادية وطبيعتها، والتي تنشأ من توسع السوق وانعدام الحواجز بين دولها، مما يخلق تغيرات في نمط الحياة الاجتماعية للأفراد ويؤدي إلى الاندماج الاجتماعي التدريجي. فالتنقل الجديد للعمالة بين هذه الدول بسبب المساواة في فرص العمل وفي الواجبات والحقوق قد ينتج عنه بمرور الزمن توطن بعض الأفراد وعائلاتهم في غير دولهم التي كانوا فيها. كما قد ينتج عن ذلك زيادة في معدلات الزواج بين هؤلاء الأفراد أو أبنائهم وبين أبناء الدولة التي أقاموا فيها. ويسهم في ذلك التقارب الاجتماعي والقبلي والتشارك في كثير من السمات العامة في المنطقة. وكنتيجة لهذا الاندماج، يمكن بعد جيل أو جيلين تحويل مفهوم ما سمي بـ(المواطنة الخليجية الاقتصادية) إلى مواطنة خليجية اجتماعية فعلية، بحكم الأمر الواقع.
2ـ ظهور حدة التنافس في سوق العمل بين العمالة الخليجية، إذ كما ستفتح السوق المشتركة أبواب الاستثمار في القطاعات الاقتصادية في الدول الست أمام جميع مواطنيها، فإنها ستنفتح بالطبع أمام العمالة أيضاً. وحيث إن بعض دول المجلس تشكو من بطالة بين مواطنيها فإنها سوف تنافس مواطني الدول الأخرى التي تكاد تختفي لديها ظاهرة البطالة، مما سيخلق مزاحمة وتنافساً على الوظائف، لم تعهد من قبل. وقد يتوجب على مواطني دول المنطقة جميعهم رفع كفاءاتهم والحصول على مؤهلات مناسبة واكتساب مهارات جديدة تلائم الوضع الجديد الذي ربما سيعتمد على العرض والطلب.
3ـ أن تطبيق السوق المشتركة سوف يواجه بصعوبات إدارية وببطء في تطبيق التشريعات الجديدة بسبب التعقيدات الإدارية السابقة التي تحتاج إلى فترة كي يتم تجاوزها، والتكيف مع الأوضاع الجديدة بانفتاح وشفافية. ويتطلب ذلك برامج توعية محلية وإقليمية بشأن المعاملة الجديدة المتساوية التي يجب أن يتم التعامل معها مع كافة الأفراد والمؤسسات من مختلف الدول الخليجية، كما يتطلب تطوير المؤسسات المعنية بانتهاج هذه السياسة، ووضع معايير موحدة لبناها وهياكلها.
4ـ إن هذه السوق قد خصت مواطني دول الخليج العربية بحرية انتقال رؤوس الأموال والاستثمار والتنقل والإقامة وانسياب السلع، فيما لم تأت على كل ذلك بما يتعلق بالمقيمين على أراضيها، وخصوصاً رجال الأعمال والشركات، الذين قد تتأثر أعمالهم نتيجة استمرار الوضع القائم لأعمالهم التي تنحصر في دولة واحدة، فما السبيل إذا ما أرادوا الاستفادة من انفتاح السوق المشتركة وتوسيع أعمالهم في المنطقة كلها دون الحاجة إلى إجراءات متكررة في كل دولة. وينبغي عند النظر في هذه المسألة الأخذ في الاعتبار أن المنطقة في المستقبل القريب ستكون جاذبة للاستثمارات الأجنبية الكبيرة، التي ستتطلب وجود تشريعات موحدة وواحدة تجاهها. وما لم تتضح معالم ذلك فإنه سيؤثر في مستقبل الاستثمارات الأجنبية ويقلل من جاذبية المنطقة لها، بسبب الشروط التفضيلية الممنوحة للشركات الخليجية المحلية المنافسة.
5ـ رغم أن قمة الدوحة أكدت على إطلاق العملة الخليجية الموحدة عام 2010، فإنه خلال الفترة المتبقية إلى ذلك التاريخ، ستواجه بعض الفئات في بعض الدول الخليجية صعوبات بسبب تفاوت قيمة العملات واختلاف نسب التضخم في الدول الست. كما أن هناك احتمالاً بأن يتأخر موعد إطلاق العملة، أو تتأخر بعض الدول في الانضمام إليها، أو ربما تنفرد دولة أو اثنتان بقرار عدم الانضمام للعملة الموحدة كما حصل مع عمان والإمارات. وكل ذلك سيؤثر سلبياً في انسيابية وسهولة التعامل النقدي في عموم السوق المشتركة.
::/fulltext::
::cck::1083::/cck::
