إيران في العراق.. تساؤلات عربية مشروعة

::cck::1090::/cck::
::introtext::

 يشوب الغموض نظرة النخب العربية المثقفة إزاء التطورات الأخيرة في إيران، ما بين الحزن والأسف أو الشماتة والانتظار، عما ستسفر عنه في قادم الأيام، ولعل هذا التشويش في النظرة والموقف من إيران يعود إلى عوامل خارجية واستقطابات وملفات غاية في التعقيد لسنا في صدد بحثها، يتعلق بعضها بملف إيران النووي وطموحاتها الإقليمية المتنامية، أو ربما بسبب نظرة دينية ومذهبية ضيقة ومغلقة، لكن هذا التعقيد لا ينفي وجود مبررات موضوعية وذاتية تقف وراء المخاوف والهواجس من طبيعة وأبعاد المشروع الإيراني في المنطقة، وكعادة هذه النخب والتي يقع على عاتقها تحديد بوصلة الشعب العربي وصياغة تصوراته وأحكامه وتوجهاته، فالطريقة المعهودة لديها في قياس الأمور، هي النظرة الأحادية التي تختلط فيها مستويات المصالح وتتداخل أولويات التهديدات، وكثيراً ما تقع في فخ النظر من زاوية واحدة، وتفتقر إلى الرؤى الشمولية والمركبة كمحصلة نهائية لحاصل الجمع والطرح وتفاعل وتكامل الرؤية من كافة الزوايا، والنتيجة إما مع إيران أو ضدها، فعلى سبيل المثال أن ما قد يحسب لإيران في فلسطين ولبنان، يقابله ما يحسب عليها خصوصاً في العراق وبقية المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

يشوب الغموض نظرة النخب العربية المثقفة إزاء التطورات الأخيرة في إيران، ما بين الحزن والأسف أو الشماتة والانتظار، عما ستسفر عنه في قادم الأيام، ولعل هذا التشويش في النظرة والموقف من إيران يعود إلى عوامل خارجية واستقطابات وملفات غاية في التعقيد لسنا في صدد بحثها، يتعلق بعضها بملف إيران النووي وطموحاتها الإقليمية المتنامية، أو ربما بسبب نظرة دينية ومذهبية ضيقة ومغلقة، لكن هذا التعقيد لا ينفي وجود مبررات موضوعية وذاتية تقف وراء المخاوف والهواجس من طبيعة وأبعاد المشروع الإيراني في المنطقة، وكعادة هذه النخب والتي يقع على عاتقها تحديد بوصلة الشعب العربي وصياغة تصوراته وأحكامه وتوجهاته، فالطريقة المعهودة لديها في قياس الأمور، هي النظرة الأحادية التي تختلط فيها مستويات المصالح وتتداخل أولويات التهديدات، وكثيراً ما تقع في فخ النظر من زاوية واحدة، وتفتقر إلى الرؤى الشمولية والمركبة كمحصلة نهائية لحاصل الجمع والطرح وتفاعل وتكامل الرؤية من كافة الزوايا، والنتيجة إما مع إيران أو ضدها، فعلى سبيل المثال أن ما قد يحسب لإيران في فلسطين ولبنان، يقابله ما يحسب عليها خصوصاً في العراق وبقية المنطقة.

وبقدر تعلق الأمر بالدور الإيراني في العراق، فقد تنامت لدى العراقيين منذ بداية الاحتلال علامات تعجب، ثم ما لبثت أن تحولت إلى علامات استفهام كبيرة، وأسئلة تحوم حولها الشكوك والاتهامات حول النوايا الحقيقية لإيران في العراق. 

الجيرة القلقة

لا يمكن الإنكار عند استعراض طبيعة العلاقة التاريخية والجغرافية بين العراق وإيران في أن سمة عدم التعاون والصراع والحذر في أحسن الأحوال كانت هي السمة الغالبة على وتيرة هذه العلاقة، وتعود هذه الخاصية لاعتبارات حضارية وجغرافية متكررة وإن اتخذت ستاراً سياسياً أو مذهبياً في مراحل لاحقة، فمنذ فجر التاريخ يؤدي العراق وظيفة استراتيجية من خلال موقعه الجغرافي، تتمثل بوقوفه نيابة عن الوطن العربي كمصد أول ضد طموحات وموجات توسع الإمبراطورية الفارسية في كافة مراحلها، فالأقوام التي تقطن على الهضاب والصحارى الجرداء تتطلع وتنجذب دائماً نحو سهول وادي الرافدين، وما تحتويه من خيرات، التي طالما أغرت هذه الأقوام وكلما أمكن ذلك في النظر والنزول إليها.

جاء احتلال العراق ليشكل زلزالاً وصدمة ليس للعراقيين فحسب بل للعرب جميعاً

ولعل الصفحة الأقسى من نوبات الصراع الدامي بين العراق وإيران في العصر الحديث، كانت تلك الحرب التي امتدت على طول عقد الثمانينات من القرن المنصرم، في هذه الحرب تمكن العراق بدماء أبنائه من امتصاص المد الإيراني المندفع بقوة، وتأجيل زخمه مدة ربع قرن باتجاه دول الخليج والمشرق العربي، ذلك الزخم الذي اتخذ شعار تصدير الثورة غطاء له، وراهن على مظلومية طائفة ومذهب في العراق في استسهال اجتياح العراق، رافعاً شعار تحرير العراق وأن طريق القدس يمر عبر بغداد، وفي هذه الحرب الضروس ثمة درسان بليغان ينبغي الالتفات إليهما، الدرس الأول أن القيادة العراقية وخلال الحرب ورغم ضراوة القتال كانت تثقف طلبة المدارس على أن العدو الأول بالنسبة إلى العراق هو إسرائيل وليس إيران، والدرس الثاني، أن النسبة الأكبر من الذين قاتلوا طيلة سنين الحرب دفاعاً عن العراق وعروبته كانت من أبناء العشائر العربية في وسط وجنوب العراق. 

ازدواجية المواقف

جاء احتلال العراق ليشكل زلزالاً وصدمة ليس للعراقيين فحسب، بل للعرب جميعاً، ففي غضون أسابيع ابتلعت الولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة عربية عسكرياً بعد حصار استمر طيلة عقد التسعينات، في الوقت الذي سقطت فيه معاهدة الدفاع العربي المشترك، وسقطت فيه ورقة التوت عن حقيقة النظام الرسمي العربي، وفي الوقت الذي اكتفت فيه تركيا في بداية الاحتلال بملفي الأكراد وكركوك، فإن إيران كان لها شأن آخر في كيفية التعامل مع (الشيطان الأكبر) في العراق.

حين شكلت إدارة الاحتلال في يوليو 2003 مجلساً للحكم برئاسة حاكم أمريكي مدني، تم اختيار أعضائه على أساس محاصصة طائفية وعرقية، وفور تشكيله كانت إيران الدولة الأولى التي اعترفت بهذا المجلس وقبل جميع دول العالم، المحطة الثانية التي كانت مثار استغراب القوى الوطنية العراقية كانت مباركة القيادة الإيرانية لقوى حاكمة في العراق، تم تصميمها وتصنيعها في إيران تتبنى فيدرالية الجنوب، ثم جاءت محطة مباركة الدستور الذي وضعه الاحتلال، والذي لا يعترف في الباب الأول منه بعروبة العراق، أما التناقض والتساؤل الكبير فقد كان دعم إيران للمقاومة اللبنانية التي تقاتل الكيان الصهيوني، واعتبارها ممثل حقيقي للشعب اللبناني في الوقت الذي يتم الاعتراف فيه بحكومة يرأسها ممثل (الشيطان الأكبر)، ويتم دعمها في حين توصف المقاومة العراقية وهي شقيقة المقاومة اللبنانية وتقاتل نفس العدو، بأنها وكل من يعارض حكومة الاحتلال (فاسقون)، عشرات المحطات والأسئلة بقيت من دون أجوبة. 

استغلال المحنة

تمكنت إيران بذكاء وبتدرج من احتواء وترويض الثور الأمريكي في العراق من خلال سياسة الشد والإرخاء، فهي تارة تساعد في تكريس ودعم عملية الاحتلال السياسية من خلال الاعتراف الفوري بكافة محطاتها، وزج أدواتها للمشاركة بفاعلية في هذه المحطات، وتشجيع الكثير من الميليشيات والمجاميع العسكرية المرتبطة بها على الانخراط في أجهزة الأمن والشرطة، إلى حد التحكم عن بعد بوزارتي الدفاع والداخلية، ومن جهة أخرى تناور خارج العملية السياسية من خلال دعم وتسليح العشرات من المجاميع الخاصة، لإثارة الاضطرابات بل وضرب القوات الأمريكية، والتحكم بالهدنة أو مواصلة القتال، الأمر الذي دفع في نهاية المطاف الثور الأمريكي إلى الاعتراف بقوة النفوذ الإيراني والتعامل معه كلاعب رئيسي في العراق، بل والتفاوض معه على هذا الأساس إلى الحد الذي طالب فيه الرئيس الإيراني بملء الفراغ في العراق في حال انسحاب القوات الأمريكية من العراق.

من الواضح أن إيران، بالإضافة إلى حقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها، فإن لديها مشروعاً توسعياً قومياً واضحاً في العراق، لا يختلف في جوهره عن أي حلقة من حلقات الصراع الحضاري المزمن، بغض النظر عن غطاء وستار المظلومية ودغدغة المشاعر الطائفية، الذي تتخذه كاستراتيجية ناعمة لمد نفوذها وزعانفها انطلاقاً من العراق كمنصة لابتلاع المنطقة تدريجياً، وإلا ما تفسير تحويل مجرى أكثر من خمسة أنهر تصب في شط العرب والمحافظات الجنوبية إلى داخل الأراضي الإيرانية، والعراق يعاني من أشد مرحلة من الجفاف في تاريخه، وكذلك عملها على الاستحواذ على آبار النفط العراقية المحاذية لحدودها، والسعي بجد إلى حرف خط التالوك في شط العرب لمصلحتها بسبب تراكم الطمي والغوارق في الجانب العراقي مما يهدد بابتلاع إيران لموانئ عراقية على شط العرب.

تسعى إيران من وراء هذه السياسية المزدوجة التي تصل حد النفاق السياسي إلى تحقيق ثلاثة أهداف:

ـ استثمار ورقة العراق واعتباره ساحة لتحسين شروط تفاوضها مع الولايات المتحدة والغرب بخصوص الملف النووي.

ـ ابتلاع العراق كمنطقة مجال حيوي لها من خلال فرض وتكريس نفوذها العسكري والأمني والاقتصادي والسياسي ودعم حكومة مزدوجة الولاء، ظاهرها أمريكي وباطنها إيراني.

ـ إزالة العراق كحجر زاوية في توازن المنطقة وإبقائه دولة مفككة وضعيفة وضمان طمس هويته العربية والإسلامية. 

العرب والعراق

تبقى مفاهيم علاقات حسن الجوار وعدم التدخل بالشؤون الداخلية، مفاهيم غامضة، ما لم تخضع لمعايير واختبارات واضحة، وبالنسبة للعراقيين فإن الأمور باتت شديدة الوضوح فيما يخص دور إيران السلبي في العراق، ولكنهم في الوقت نفسه يدركون جيداً في ترتيب أولويات المخاطر التي تهددهم، أن الاحتلال الأمريكي هو الأولوية الأولى، ثم يليه في الخطر النفوذ الإيراني، وهذا النفوذ في حال هزيمة الاحتلال، سيتقلص وتزول أذنابه من العراق، لأنها تعيش طفيلياً ويرتبط مصيرها ببقاء الاحتلال.

ما يحسب لإيران في فلسطين ولبنان يقابله ما يحسب عليها في العراق وبقية المنطقة 

ومن الواضح أيضاً أن العراقيين، وهم يقاتلون لانتزاع استقلالهم، وفي الوقت الذي يرفضون فيه أن تجعل إيران من العراق ساحة لتصفية حساباتها مع الغرب، فإنهم في ذات الوقت لن يكونوا حطباً ووقوداً، ويخدعوا مرة أخرى ليقاتلوا نيابة عن مشاريع دول أخرى في المنطقة وأجندات أجنبية، تحاول أن تتلاعب بهم وبأولويات الصراع في العراق طبقاً لمصالحها، تحت أغطية ومحاور تقوم على أسس مذهبية وليست موضوعية، ستسهم بصورة أو بأخرى في تعميق وإثارة الفتنة والتقسيم في العراق.

كما آن للعرب ابتداء بالنظام الرسمي العربي أن يعرف أن عروبة العراق ووحدته خطاً أحمراً في التعامل مع ما يجري في العراق، وأن الذي يقاوم الاحتلال في العراق اليوم، إنما يقاتل نيابة عن هوية ومستقبل ومصير الأمتين العربية والإسلامية، وعلى العرب الوقوف بمسافة متساوية من جميع العراقيين، ودعم الشعب العراقي بكافة مكوناته، ابتداء بمقاومته الباسلة وانتهاء بالمراجع الدينية والعشائر العربية الأصيلة في وسط وجنوب العراق وما بينهما، وذلك لمساعدته على النهوض مرة أخرى كعراق عربي موحد، والقيام بوظيفته التاريخية والجيو ـ سياسية كجناح شرقي للوطن العربي، كما ويخطئ البعض من الإخوة عندما يظن أن تقسيم العراق والتشجيع على انفصال مدينة البصرة كإقليم قد يفيده بالتخلص من عقدته التاريخية، لأن الحسابات الاستراتيجية الدقيقة تشير إلى أنه بهذا العمل سيكون هو أول من سيبتلع ويصبح أثراً بعد عين، وفي أحسن الأحوال سيكون مصيره كمصير إمارة المحمرة العربية.

ويبدو أن العد التنازلي لإيران في أن تشرب من نفس الكأس التي سُقي منه العراق قد بدأ مبكراً، ولكن باستراتيجية غربية غير مباشرة، فالشرخ الداخلي العميق اليوم في بنية النظام الإيراني، والتناقض الحاد بين فلسفة النظام السياسية الثيوقراطية وهياكلها القديمة، التي لم تعد تستجيب لمتطلبات الأجيال الشابة والجديدة، هذا التناقض آخذ في الانتشار والتوسع على عدة مستويات خطيرة، سواء على مستوى القواعد الشعبية أو على مستوى النخب السياسية، والأخطر من ذلك على مستوى المراجع الدينية، ويمكن تشبيه التطورات في إيران بجسم السد الضخم، حيث لا تبدو التشققات والتصدعات الداخلية في بادئ الأمر ظاهرة للعيان، لكنها قد تتنامى وتتسارع تحت الضغط الداخلي، خاصة إذا ما تزامنت مع فعل خارجي، وتؤدي إلى انهيار مفاجئ suddenly  failure  ، فهل ستعيد إيران حساباتها مع العراق والعرب؟ وتعرف أن حكومتها المدللة في بغداد ستسلم عنق الخليج العربي إلى بريطانيا بموجب الاتفاقية البحرية بينهما، كما سبق لها وأن حولت العراق بموجب الاتفاقية الأمنية مع الاحتلال الأمريكي إلى ثكنة عسكرية أمريكية كبرى، ومنصة للعدوان على دول الجوار، وهل ستتعظ من دروس التاريخ وفي مقدمتها المثل المعروف (من يزرع الريح في أرض غيره يحصد العواصف في أرضه).

::/fulltext::

hamas-288
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1090::/cck::
::introtext::

 يشوب الغموض نظرة النخب العربية المثقفة إزاء التطورات الأخيرة في إيران، ما بين الحزن والأسف أو الشماتة والانتظار، عما ستسفر عنه في قادم الأيام، ولعل هذا التشويش في النظرة والموقف من إيران يعود إلى عوامل خارجية واستقطابات وملفات غاية في التعقيد لسنا في صدد بحثها، يتعلق بعضها بملف إيران النووي وطموحاتها الإقليمية المتنامية، أو ربما بسبب نظرة دينية ومذهبية ضيقة ومغلقة، لكن هذا التعقيد لا ينفي وجود مبررات موضوعية وذاتية تقف وراء المخاوف والهواجس من طبيعة وأبعاد المشروع الإيراني في المنطقة، وكعادة هذه النخب والتي يقع على عاتقها تحديد بوصلة الشعب العربي وصياغة تصوراته وأحكامه وتوجهاته، فالطريقة المعهودة لديها في قياس الأمور، هي النظرة الأحادية التي تختلط فيها مستويات المصالح وتتداخل أولويات التهديدات، وكثيراً ما تقع في فخ النظر من زاوية واحدة، وتفتقر إلى الرؤى الشمولية والمركبة كمحصلة نهائية لحاصل الجمع والطرح وتفاعل وتكامل الرؤية من كافة الزوايا، والنتيجة إما مع إيران أو ضدها، فعلى سبيل المثال أن ما قد يحسب لإيران في فلسطين ولبنان، يقابله ما يحسب عليها خصوصاً في العراق وبقية المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

يشوب الغموض نظرة النخب العربية المثقفة إزاء التطورات الأخيرة في إيران، ما بين الحزن والأسف أو الشماتة والانتظار، عما ستسفر عنه في قادم الأيام، ولعل هذا التشويش في النظرة والموقف من إيران يعود إلى عوامل خارجية واستقطابات وملفات غاية في التعقيد لسنا في صدد بحثها، يتعلق بعضها بملف إيران النووي وطموحاتها الإقليمية المتنامية، أو ربما بسبب نظرة دينية ومذهبية ضيقة ومغلقة، لكن هذا التعقيد لا ينفي وجود مبررات موضوعية وذاتية تقف وراء المخاوف والهواجس من طبيعة وأبعاد المشروع الإيراني في المنطقة، وكعادة هذه النخب والتي يقع على عاتقها تحديد بوصلة الشعب العربي وصياغة تصوراته وأحكامه وتوجهاته، فالطريقة المعهودة لديها في قياس الأمور، هي النظرة الأحادية التي تختلط فيها مستويات المصالح وتتداخل أولويات التهديدات، وكثيراً ما تقع في فخ النظر من زاوية واحدة، وتفتقر إلى الرؤى الشمولية والمركبة كمحصلة نهائية لحاصل الجمع والطرح وتفاعل وتكامل الرؤية من كافة الزوايا، والنتيجة إما مع إيران أو ضدها، فعلى سبيل المثال أن ما قد يحسب لإيران في فلسطين ولبنان، يقابله ما يحسب عليها خصوصاً في العراق وبقية المنطقة.

وبقدر تعلق الأمر بالدور الإيراني في العراق، فقد تنامت لدى العراقيين منذ بداية الاحتلال علامات تعجب، ثم ما لبثت أن تحولت إلى علامات استفهام كبيرة، وأسئلة تحوم حولها الشكوك والاتهامات حول النوايا الحقيقية لإيران في العراق. 

الجيرة القلقة

لا يمكن الإنكار عند استعراض طبيعة العلاقة التاريخية والجغرافية بين العراق وإيران في أن سمة عدم التعاون والصراع والحذر في أحسن الأحوال كانت هي السمة الغالبة على وتيرة هذه العلاقة، وتعود هذه الخاصية لاعتبارات حضارية وجغرافية متكررة وإن اتخذت ستاراً سياسياً أو مذهبياً في مراحل لاحقة، فمنذ فجر التاريخ يؤدي العراق وظيفة استراتيجية من خلال موقعه الجغرافي، تتمثل بوقوفه نيابة عن الوطن العربي كمصد أول ضد طموحات وموجات توسع الإمبراطورية الفارسية في كافة مراحلها، فالأقوام التي تقطن على الهضاب والصحارى الجرداء تتطلع وتنجذب دائماً نحو سهول وادي الرافدين، وما تحتويه من خيرات، التي طالما أغرت هذه الأقوام وكلما أمكن ذلك في النظر والنزول إليها.

جاء احتلال العراق ليشكل زلزالاً وصدمة ليس للعراقيين فحسب بل للعرب جميعاً

ولعل الصفحة الأقسى من نوبات الصراع الدامي بين العراق وإيران في العصر الحديث، كانت تلك الحرب التي امتدت على طول عقد الثمانينات من القرن المنصرم، في هذه الحرب تمكن العراق بدماء أبنائه من امتصاص المد الإيراني المندفع بقوة، وتأجيل زخمه مدة ربع قرن باتجاه دول الخليج والمشرق العربي، ذلك الزخم الذي اتخذ شعار تصدير الثورة غطاء له، وراهن على مظلومية طائفة ومذهب في العراق في استسهال اجتياح العراق، رافعاً شعار تحرير العراق وأن طريق القدس يمر عبر بغداد، وفي هذه الحرب الضروس ثمة درسان بليغان ينبغي الالتفات إليهما، الدرس الأول أن القيادة العراقية وخلال الحرب ورغم ضراوة القتال كانت تثقف طلبة المدارس على أن العدو الأول بالنسبة إلى العراق هو إسرائيل وليس إيران، والدرس الثاني، أن النسبة الأكبر من الذين قاتلوا طيلة سنين الحرب دفاعاً عن العراق وعروبته كانت من أبناء العشائر العربية في وسط وجنوب العراق. 

ازدواجية المواقف

جاء احتلال العراق ليشكل زلزالاً وصدمة ليس للعراقيين فحسب، بل للعرب جميعاً، ففي غضون أسابيع ابتلعت الولايات المتحدة الأمريكية أقوى دولة عربية عسكرياً بعد حصار استمر طيلة عقد التسعينات، في الوقت الذي سقطت فيه معاهدة الدفاع العربي المشترك، وسقطت فيه ورقة التوت عن حقيقة النظام الرسمي العربي، وفي الوقت الذي اكتفت فيه تركيا في بداية الاحتلال بملفي الأكراد وكركوك، فإن إيران كان لها شأن آخر في كيفية التعامل مع (الشيطان الأكبر) في العراق.

حين شكلت إدارة الاحتلال في يوليو 2003 مجلساً للحكم برئاسة حاكم أمريكي مدني، تم اختيار أعضائه على أساس محاصصة طائفية وعرقية، وفور تشكيله كانت إيران الدولة الأولى التي اعترفت بهذا المجلس وقبل جميع دول العالم، المحطة الثانية التي كانت مثار استغراب القوى الوطنية العراقية كانت مباركة القيادة الإيرانية لقوى حاكمة في العراق، تم تصميمها وتصنيعها في إيران تتبنى فيدرالية الجنوب، ثم جاءت محطة مباركة الدستور الذي وضعه الاحتلال، والذي لا يعترف في الباب الأول منه بعروبة العراق، أما التناقض والتساؤل الكبير فقد كان دعم إيران للمقاومة اللبنانية التي تقاتل الكيان الصهيوني، واعتبارها ممثل حقيقي للشعب اللبناني في الوقت الذي يتم الاعتراف فيه بحكومة يرأسها ممثل (الشيطان الأكبر)، ويتم دعمها في حين توصف المقاومة العراقية وهي شقيقة المقاومة اللبنانية وتقاتل نفس العدو، بأنها وكل من يعارض حكومة الاحتلال (فاسقون)، عشرات المحطات والأسئلة بقيت من دون أجوبة. 

استغلال المحنة

تمكنت إيران بذكاء وبتدرج من احتواء وترويض الثور الأمريكي في العراق من خلال سياسة الشد والإرخاء، فهي تارة تساعد في تكريس ودعم عملية الاحتلال السياسية من خلال الاعتراف الفوري بكافة محطاتها، وزج أدواتها للمشاركة بفاعلية في هذه المحطات، وتشجيع الكثير من الميليشيات والمجاميع العسكرية المرتبطة بها على الانخراط في أجهزة الأمن والشرطة، إلى حد التحكم عن بعد بوزارتي الدفاع والداخلية، ومن جهة أخرى تناور خارج العملية السياسية من خلال دعم وتسليح العشرات من المجاميع الخاصة، لإثارة الاضطرابات بل وضرب القوات الأمريكية، والتحكم بالهدنة أو مواصلة القتال، الأمر الذي دفع في نهاية المطاف الثور الأمريكي إلى الاعتراف بقوة النفوذ الإيراني والتعامل معه كلاعب رئيسي في العراق، بل والتفاوض معه على هذا الأساس إلى الحد الذي طالب فيه الرئيس الإيراني بملء الفراغ في العراق في حال انسحاب القوات الأمريكية من العراق.

من الواضح أن إيران، بالإضافة إلى حقها الطبيعي في الدفاع عن نفسها، فإن لديها مشروعاً توسعياً قومياً واضحاً في العراق، لا يختلف في جوهره عن أي حلقة من حلقات الصراع الحضاري المزمن، بغض النظر عن غطاء وستار المظلومية ودغدغة المشاعر الطائفية، الذي تتخذه كاستراتيجية ناعمة لمد نفوذها وزعانفها انطلاقاً من العراق كمنصة لابتلاع المنطقة تدريجياً، وإلا ما تفسير تحويل مجرى أكثر من خمسة أنهر تصب في شط العرب والمحافظات الجنوبية إلى داخل الأراضي الإيرانية، والعراق يعاني من أشد مرحلة من الجفاف في تاريخه، وكذلك عملها على الاستحواذ على آبار النفط العراقية المحاذية لحدودها، والسعي بجد إلى حرف خط التالوك في شط العرب لمصلحتها بسبب تراكم الطمي والغوارق في الجانب العراقي مما يهدد بابتلاع إيران لموانئ عراقية على شط العرب.

تسعى إيران من وراء هذه السياسية المزدوجة التي تصل حد النفاق السياسي إلى تحقيق ثلاثة أهداف:

ـ استثمار ورقة العراق واعتباره ساحة لتحسين شروط تفاوضها مع الولايات المتحدة والغرب بخصوص الملف النووي.

ـ ابتلاع العراق كمنطقة مجال حيوي لها من خلال فرض وتكريس نفوذها العسكري والأمني والاقتصادي والسياسي ودعم حكومة مزدوجة الولاء، ظاهرها أمريكي وباطنها إيراني.

ـ إزالة العراق كحجر زاوية في توازن المنطقة وإبقائه دولة مفككة وضعيفة وضمان طمس هويته العربية والإسلامية. 

العرب والعراق

تبقى مفاهيم علاقات حسن الجوار وعدم التدخل بالشؤون الداخلية، مفاهيم غامضة، ما لم تخضع لمعايير واختبارات واضحة، وبالنسبة للعراقيين فإن الأمور باتت شديدة الوضوح فيما يخص دور إيران السلبي في العراق، ولكنهم في الوقت نفسه يدركون جيداً في ترتيب أولويات المخاطر التي تهددهم، أن الاحتلال الأمريكي هو الأولوية الأولى، ثم يليه في الخطر النفوذ الإيراني، وهذا النفوذ في حال هزيمة الاحتلال، سيتقلص وتزول أذنابه من العراق، لأنها تعيش طفيلياً ويرتبط مصيرها ببقاء الاحتلال.

ما يحسب لإيران في فلسطين ولبنان يقابله ما يحسب عليها في العراق وبقية المنطقة 

ومن الواضح أيضاً أن العراقيين، وهم يقاتلون لانتزاع استقلالهم، وفي الوقت الذي يرفضون فيه أن تجعل إيران من العراق ساحة لتصفية حساباتها مع الغرب، فإنهم في ذات الوقت لن يكونوا حطباً ووقوداً، ويخدعوا مرة أخرى ليقاتلوا نيابة عن مشاريع دول أخرى في المنطقة وأجندات أجنبية، تحاول أن تتلاعب بهم وبأولويات الصراع في العراق طبقاً لمصالحها، تحت أغطية ومحاور تقوم على أسس مذهبية وليست موضوعية، ستسهم بصورة أو بأخرى في تعميق وإثارة الفتنة والتقسيم في العراق.

كما آن للعرب ابتداء بالنظام الرسمي العربي أن يعرف أن عروبة العراق ووحدته خطاً أحمراً في التعامل مع ما يجري في العراق، وأن الذي يقاوم الاحتلال في العراق اليوم، إنما يقاتل نيابة عن هوية ومستقبل ومصير الأمتين العربية والإسلامية، وعلى العرب الوقوف بمسافة متساوية من جميع العراقيين، ودعم الشعب العراقي بكافة مكوناته، ابتداء بمقاومته الباسلة وانتهاء بالمراجع الدينية والعشائر العربية الأصيلة في وسط وجنوب العراق وما بينهما، وذلك لمساعدته على النهوض مرة أخرى كعراق عربي موحد، والقيام بوظيفته التاريخية والجيو ـ سياسية كجناح شرقي للوطن العربي، كما ويخطئ البعض من الإخوة عندما يظن أن تقسيم العراق والتشجيع على انفصال مدينة البصرة كإقليم قد يفيده بالتخلص من عقدته التاريخية، لأن الحسابات الاستراتيجية الدقيقة تشير إلى أنه بهذا العمل سيكون هو أول من سيبتلع ويصبح أثراً بعد عين، وفي أحسن الأحوال سيكون مصيره كمصير إمارة المحمرة العربية.

ويبدو أن العد التنازلي لإيران في أن تشرب من نفس الكأس التي سُقي منه العراق قد بدأ مبكراً، ولكن باستراتيجية غربية غير مباشرة، فالشرخ الداخلي العميق اليوم في بنية النظام الإيراني، والتناقض الحاد بين فلسفة النظام السياسية الثيوقراطية وهياكلها القديمة، التي لم تعد تستجيب لمتطلبات الأجيال الشابة والجديدة، هذا التناقض آخذ في الانتشار والتوسع على عدة مستويات خطيرة، سواء على مستوى القواعد الشعبية أو على مستوى النخب السياسية، والأخطر من ذلك على مستوى المراجع الدينية، ويمكن تشبيه التطورات في إيران بجسم السد الضخم، حيث لا تبدو التشققات والتصدعات الداخلية في بادئ الأمر ظاهرة للعيان، لكنها قد تتنامى وتتسارع تحت الضغط الداخلي، خاصة إذا ما تزامنت مع فعل خارجي، وتؤدي إلى انهيار مفاجئ suddenly  failure  ، فهل ستعيد إيران حساباتها مع العراق والعرب؟ وتعرف أن حكومتها المدللة في بغداد ستسلم عنق الخليج العربي إلى بريطانيا بموجب الاتفاقية البحرية بينهما، كما سبق لها وأن حولت العراق بموجب الاتفاقية الأمنية مع الاحتلال الأمريكي إلى ثكنة عسكرية أمريكية كبرى، ومنصة للعدوان على دول الجوار، وهل ستتعظ من دروس التاريخ وفي مقدمتها المثل المعروف (من يزرع الريح في أرض غيره يحصد العواصف في أرضه).

::/fulltext::
::cck::1090::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *