التكتل الاقتصادي الخليجي: رؤى ونظرات عامة

::cck::1091::/cck::
::introtext::

 استقر الغرب الحديث اقتصادياً على أسس أربعة هي: ليبرالية اقتصادية وحرية تداول المنتج والسلعة في ظل سوق مفتوحة (مسنودة بنظام سياسي ديمقراطي حر تداولي). سيطرة شبه مطلقة على موارد الطاقة الطبيعية. (ظاهرة الاستعمار القديم والحديث). هيمنة كاملة على سوق تصريف المنتجات التي يصنِّعها (مستعمرات كبيرة وممتدة جغرافياً وبشرياً تحولت إلى سوق ضخم مستهلك لمنتج المستعمِر). التحكم في مواقع الإنتاج ووسائل الاتصال وطرق النقل ومنافذ البيع الدولية.

::/introtext::
::fulltext::

 استقر الغرب الحديث اقتصادياً على أسس أربعة هي: ليبرالية اقتصادية وحرية تداول المنتج والسلعة في ظل سوق مفتوحة (مسنودة بنظام سياسي ديمقراطي حر تداولي). سيطرة شبه مطلقة على موارد الطاقة الطبيعية. (ظاهرة الاستعمار القديم والحديث). هيمنة كاملة على سوق تصريف المنتجات التي يصنِّعها (مستعمرات كبيرة وممتدة جغرافياً وبشرياً تحولت إلى سوق ضخم مستهلك لمنتج المستعمِر). التحكم في مواقع الإنتاج ووسائل الاتصال وطرق النقل ومنافذ البيع الدولية.

ضمن هذا السياق، وفي هذه الظروف (البحث عن أسواق لتصريف المنتجات ـ البحث عن أيدٍ عاملة رخيصة ـ البحث عن مواد خام) ولدت فكرة الاستعمار، وأدت إلى التحكم بالدول والأوطان، والسيطرة على مواقعها وثرواتها، ونهب خيراتها وطاقاتها المادية والبشرية الهائلة، وعلى خلفية ذلك اشتعلت الحروب وساد الدمار والانقسام والتفكك في كثير من الأمم والحضارات، قديمها وجديدها.

مفهوم السوق المشتركة يرتكز أساساً على الأهمية الحيوية لمنح وسائل الإنتاج مطلق الحرية في التنقل

ولم تخلُ أوروبا ـ على عكس صورتها المستقرة الراهنة ـ من الأزمات والانهيارات، بل إنها مرت بمراحل صعبة من التفكك والدمار عاشت خلالها حروباً أهلية على مديات زمنية طويلة، ثم عادت وهيمنت هي بدورها على شعوب وحضارات أخرى بأكملها، وانطلقت لتغزو العالم سياسياً واقتصادياً وعلمياً بعد ذلك.

وبعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية نشأت في أوروبا فكرة وجود تجمع أو تكتل اقتصادي يجمع بين عدة دول، وكان الهدف منه زيادة المزايا النسبية في الإنتاج المادي للسلع والبضائع ومختلف أنواع المنتوجات، ومحاولة التخفيف من الآثار السلبية المترتبة على حركة المنافسة (بطابعها السلمي الرمزي أحياناً والحربي العنيف أحياناً أخرى) التي كانت تهيمن على العلاقات الدولية، بعد خروج الدول الأوروبية من الحرب منقسمة ومتعبة ومحمَّلة بأعباء وتكاليف باهظة الثمن، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، وقررت أن تستعيد وضعها ضمن القوى الدولية الكبرى من خلال عملها على ما يلي:

ـ إنشاء منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي.

ـ قبول خطة مارشال الأمريكية لإعادة تعمير أوروبا.

ـ إنشاء المنظمة الأوروبية العليا للفحم والصلب.

ـ وأخيراً السوق الأوروبية المشتركة التي قادت بدورها إلى قيام الاتحاد الأوروبي بعملته الاقتصادية وطابعه السياسي المؤثر والفاعل في الساحة الدولية.            

وبعد فترة من الزمن قامت الدول الأوروبية بمجموعة فعاليات ونشاطات اقتصادية أفضت إلى توقيع اتفاقية التجارة الدولية (الغات)، وكان من أهدافها:

1ـ تحرير التجارة الدولية من كل الحواجز والمعوقات على المستوى القطري والعالمي.

2ـ تسوية المنازعات والخصومات التجارية التي قد تحدث بين الدول الأعضاء.

3ـ الإشراف على تجارة السلع والخدمات في العالم. 

تمثل المشروعات المشتركة صيغة تنسيقية في المجال الإنتاجي لزيادة الاعتمادات المتبادلة بين اقتصادات دول المجلس التعاون

في هذا المناخ (السياسي ـ الاقتصادي) الضاغط بقوة (عبر قواه الكبرى المالكة لثلاثية القوة: المعرفة والسلطة والثروة) نأتي إلى عالمنا العربي الكبير، وبالأخص منه دولنا في مجلس التعاون الخليجي، التي كانت تبحث عن تكتل اقتصادي يجمع ويوحد الطاقات والموارد الطبيعية الهائلة التي تمتلكها بلدان الخليج العربي، ضمن بوتقة واحدة فاعلة ومؤثرة في عالم مليء بالتحديات والمنافسات والمصالح.. أقول: نأتي، لنتساءل مع كثيرين هنا وهناك، عن طبيعة هذا الموقع الذي يشغله الخليج العربي من تلك التحديات الاقتصادية على مستوى الهضم والاستيعاب والتأثير؟! وإلى أين وصلت أفكار القائمين على المجلس لجهة مواجهة النتائج العملية الناجمة عن وجود تلك التكتلات الاقتصادية الدولية الكبرى التي تعتنق مذهباً وحيداً هو مذهب المصالح والتبادلية والتنافسية والجودة؟!

في الإجابة نشير إلى أن قادة وزعماء دول الخليج العربي وقعوا على قرارهم التاريخي بإنشاء مجلس التعاون الخليجي في العام 1981، بهدف مواجهة أخطار عديدة خارجية محدقة بهم، ربما كان التحدي الاقتصادي أحد أسباب هذه النشأة التكتلية الأولية.

ومنذ ذلك التاريخ، لاتزال حزمة غير قليلة من القرارات الاقتصادية ـ التي وقع عليها القادة ـ حبراً على ورق، تنتظر اللحظة المناسبة للتحول من حيز الكلام إلى حيز الفعل.. حتى وصل الأمر أن اعتقد كثيرٌ من المراقبين أن ولادة سوق خليجي مشترك أو اتحاد جمركي موحد تحتاج إلى ما يشبه المعجزة، لإثبات أن الأمل لايزال مشروعاً في ظل التلكؤ والتباطؤ الذي ساد طوال فترة زمنية ليست بقليلة، أحدثت شكوكاً واسعة تجاه أن يكون لهذا المجلس أصلاً أي طموح تكاملي يذكر في ظل الأسباب السياسية التي دفعت لإنشائه، إبان حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران.

إن المخاطر والأثمان الكبيرة المطلوب دفعها (بالنظر إلى حجم النتائج السلبية المترتبة على عامل التأخر الزمني في الاستجابة لمقتضيات التحولات الاقتصادية الكبرى) قد ارتفعت أسهمها، وتزايدت بوتائر عالية، حيث الهيمنة الكاملة للتكتلات الاقتصادية للدول الكبرى على الساحة الدولية (مجموعة الدول الثماني)، بما لها من قدرات ضخمة وإمكانيات تنافسية هائلة في الإنتاج والتوزيع، مما جعلها تمتلك اليد الطولى التي تتحكم من خلالها في أسواق العالم النامي.

وهذا ما يظهر عملياً عند دخول مؤسسات ومجموعات غير مصرفية في الأسواق المالية، وتطور أنظمة المدفوعات الإلكترونية، وهذا من شأنه أن يفرض ضغوطاً على الأنظمة الرقابية وأنظمة المدفوعات والتسويات الدولية، وكذلك على مقدرة السلطات النقدية على احتواء الصدمات الاقتصادية والمالية داخل حدودها الجغرافية، والحيلولة دون امتدادها عبر الحدود.

التحدي الاقتصادي ربما يكون أحد الأسباب التي أدت لنشأة مجلس التعاون الخليجي

كما أن النظام الدولي ـ بكل ما يحمل من خصائص اقتصادية وسياسية فعالة ـ سيؤدي على الأرجح إلى زيادة دور آلية السوق، وبالتالي فرض اعتبارات وتأثيرات هذا السوق المفتوح على الأحداث والتطورات الاقتصادية والمالية بصورة أكبر من تأثير الحكومات والنظم السياسية القائمة. وفي هذه الأحوال فمن المتوقع زيادة درجة انتقال التأثيرات المالية عبر الحدود بين البلدان.

إزاء هذه المخاطر والتحديات، لا بد لدول الخليج من الاستجابة الفاعلة والتكيف الإيجابي مع هذه الأوضاع والمتغيرات الاقتصادية، ولا غنى لها عن تعديل مجمل الهياكل الاقتصادية القائمة في داخلها، بما يؤهلها لاتخاذ الإجراءات والسياسات الاقتصادية اللازمة لمواكبة المنافسة المنتظرة.

كما أنه وفي ظل ارتفاع أسعار النفط وتراكم الوفورات النفطية في الخزائن والبنوك، والتي جعلت دول الخليج في وضع اقتصادي واجتماعي مريح. فإن الخيار الوحيد أمام هذه الدول للتعامل مع مجمل الاتفاقيات الاقتصادية الدولية (كاتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية ومختلف التكتلات الاقتصادية القائمة بين الدول والتي تعتمد على الجودة والإدارة ومنافسة الابتكار والتميز الصناعي)، هو في وجود تكتل اقتصادي خليجي قوي وفعال كبداية لتكتل اقتصادي عربي موسع مشابه للتكتلات القائمة. ولكن السؤال المطروح هنا: هل أن وجود ثروة مادية كبيرة بيد الخليجيين كافٍ لإيجاد تنمية اقتصادية حقيقية في بلدانهم، بما يفضي إلى رفع مستويات المعيشة، وتحسين ظروف الحياة، وبحيث يدفعها ويوفر لها الإمكانية الفعلية لتعزيز القدرة على القيام بتكتل اقتصادي فيما بينها لاحقاً؟!

إن الإجابة العملية على هذا التساؤل تبرز الأهمية المعقودة على مجلس التعاون الخليجي لاتخاذ مزيد من الخطوات العملية السائرة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي.

اعتقد كثيرٌ من المراقبين أن ولادة سوق خليجي مشترك أو اتحاد جمركي موحد تحتاج إلى ما يشبه المعجزة

ولعل من بديهيات هذا التكامل الاقتصادي المنشود بين دول الخليج هو في البدء بتطبيق عدة أمور: 

الأول: تفعيل الواقع الاقتصادي وتحريره في داخل كل دولة من الدول الخليجية من القيود الداخلية السياسية والاقتصادية. وهذا يتطلب رفع كفاءة البشر في تلك البلدان حيث لاتزال الأنظمة التعليمية عاجزة عن توفير عمالة وطنية متمكنة من تحمل مسؤوليات الاقتصادات الوطنية. وهنا تؤكد المعلومات الإحصائية أن بلدان الخليج لاتزال فقيرة في مواردها البشرية، وفي الوقت ذاته يتم توظيف كثير من هذه الموارد على أسس غير رشيدة وغير محسوبة العواقب، وبداعي التنفيع والكسب الخاص، وليس بهدف بناء الخبرة المهنية، واكتساب المهارات النوعية، والتميز في الأداء الاقتصادي.

إضافةً إلى ذلك ـ وقبل ذلك ـ يجب الاهتمام الكافي بالجانب النظري التعليمي الخاص بتنشئة الأجيال وأسلوب تربيتها وتدريبها، على مستوى معالجة نظم التدريب من أجل تحسين مخرجات التعليم، وهذا يتطلب:

ـ توفير المباني التعليمية المجهزة والمهيأة بشكل مناسب للعملية التعليمية.

ـ تحسين المستويات العلمية والخبرات العملية للهيئات التدريسية.

ـ استخدام مناهج علمية متطورة حديثة.

ـ الابتعاد عن الأسلوب التلقيني في التعليم، والتركيز على الأسلوب التحليلي القائم على تحريض وتحفيز المواهب والقدرات الذاتية للفرد، تفكيكاً وتحليلاً واستنتاجاً.

ـ اعتماد كل الوسائل والأدوات التعليمية العصرية التي تعزز كفاءة الأفراد، وتعظيم مبادراتهم الذاتية، وصقل تجاربهم العملية. 

الثاني: زيادة حجم المشاريع المشتركة بين تلك الدول (وضرورة السعي إلى توسيع رقعتها الجغرافية والمادية، بما يخلق قاعدة مادية عريضة لقيام وتطور الأشكال الأخرى للتعاون). حيث تمثل المشروعات المشتركة صيغة تنسيقية في المجال الإنتاجي لزيادة الاعتمادات المتبادلة بين اقتصادات دول المجلس التعاون، مما يخلق حاجة موضوعية للتنسيق والتكامل فيما بينها. كما أن تلك الاعتمادات سوف تقلص من حجم انكشاف الاقتصادات الخليجية على العالم الخارجي، وبالتالي سيكون ذلك تقليصاً للآثار السلبية لهذه الظاهرة مثل تقلبات أسعار الواردات والصرف ومعدلات التضخم.. والأهم من ذلك أن صيغة المشروعات المشتركة سوف تمكن من إقامة وحدات إنتاجية كبيرة، والاستفادة من الموفورات الداخلية، وخلق التشابك بين القطاعات الإنتاجية على المستويين القطري والإقليمي، وهو الأمر الذي سيمكن من زيادة القدرة الاستيعابية سواء فيما يخص الموارد المالية أو البشرية أو المادية الأخرى، واستثمارها بشكل أكفأ وأكثر فاعلية لتنفيذ برامج التنمية طويلة الأمد.                                                                                 

الثالث: زيادة وتطوير الطاقة الإنتاجية كماً ونوعاً في البلدان الخليجية، بما يجعلها مؤهلة لتلبية متطلبات السوق الأكبر من السوق المحلية (من مختلف السلع والمنتجات والبضائع)، ولكي يصار لاحقاً إلى البدء بتحرير التبادل التجاري بينهم. 

الرابع: فسح المجال للتحرك والانتقال السلس والحر لعناصر الإنتاج، والاستثمار بين دول مجلس التعاون الخليجي. خصوصاً عندما توجد مجموعة مشاريع مشتركة بين تلك الدول، مما يقتضي زيادةً في التنسيق الصناعي والإنتاجي والاستثماري. حيث إن مفهوم السوق المشتركة يرتكز أساساً على الأهمية الحيوية لمنح وسائل الإنتاج مطلق الحرية في التنقل بين الدول الأعضاء. 

الخامس: ينبغي على دول الخليج العربي ـ في سياق رغبتها الملحّة بتحقيق التكامل الاقتصادي أو (على الأقل) في سياق توجهها نحو التوحيد الاقتصادي والتوافق على السياسات الاقتصادية المتعددة والمتنوعة ـ تنسيق الخطط التنموية بينها، لكي تكون متكاملة ومتسقة، وبحيث تأتي ثمارها ونتائجها الميدانية متوافقة ومنسجمة مع تعزيز أهداف الوحدة الاقتصادية أو التكتل الاقتصادي الخليجي المطلوب. 

السادس: توحيد القوانين والتشريعات التي تحكم وتنظم العمل الاقتصادي في دول الخليج.. وإذا كان الهدف هو الاستفادة من الأموال المتاحة لدى الحكومات والأفراد والمؤسسات الخاصة من أجل تنويع القاعدة الاقتصادية، فإنه من المفروض أن تسهل عملية الاستثمار، ويوضع حد للعراقيل التي تحول دون التملك في الأصول في بعض القطاعات والأنشطة لغير المواطنين المحليين. 

السابع: إنّ التنسيق الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي ينبغي أن يتم بالتوازي مع التنسيق السياسي والتنسيق العسكري فيما بينها، كما عبر عن ذلك الراحل الشيخ زايد (رحمه الله تعالى)، ولا يمكن لهذا التكامل الاقتصادي أن يتحقق من دون وجود أمن واستقرار حقيقي.. أي أن التنسيق والتكامل الاقتصادي يحتاجان إلى حماية أمنية، كما أنهما يشكلان ـ في الوقت نفسه ـ دعماً كبيراً للخطط الأمنية، ويشكلان معها حلقات مترابطة تهدف في النهاية إلى تحقيق الرخاء والخير للمواطن في هذه المنطقة. 

الثامن: البدء بتطبيق تداول العملة الخليجية الموحدة (نظرياً حدد الموعد في العام 2010).

وأخيراً، فإننا نؤكد أن ضرورات التنمية والاسـتجابة لمتطلبات التكتلات الاقتصادية الكبيرة والمتزايدة في هذا العالم (من التجمع الأوروبي الاقتصادي المشترك(EEC) إلى رابطة الدول الآسيوية المعروفة بمجموعة الآسيان ـ إلى التكتل الأمريكي الشمالي بين كل من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا ((NAFTA، وغيرها من الكتل الاقتصادية الإقليمية في أنحاء متفرقة من العالم)، إن ذلك كله يقتضي تفعيل وإغناء تجربة مجلس التعاون الخليجي، بما يساهم في إنجاز الأهداف والتطلعات الاقتصادية لشعوب المنطقة. وهذا يتطلب بدوره إعادة قراءة جديدة ومراجعة نقدية جادة لكل المرحلة السابقة من تجربة هذا المجلس على الصعيد الاقتصادي منذ قيامه وحتى الآن، كما أن ذلك يلزم تلك المنظومة الخليجية بأمرين: 

الأول: تفعيل وتعميق أواصر التعاون والتكامل بين دولها، وتحويل الاتفاقات الموقعة منذ فترة إلى واقع حي ملموس. ومن ثم تفعيل التعاون بين دول المجلس مجتمعة وبين تلك التكتلات بما يحقق تطوير المبادلات التجارية بين الطرفين والتغلب على العوائق التجارية.

الثاني: إعادة النظر بآليات رسم الاستراتيجيات الاقتصادية الخليجية، بشكل ينعكس على الارتقاء بقدرتها التنافسية مع تلك التكتلات الاقتصادية. 

وباعتقادي فإن التكتل الخليجي الاقتصادي الموحد المطلوب من قبل الجميع هناك، لن يصبح أمراً واقعاً، ما لم تلتزم دول الخليج بتنفيذ وتطبيق جميع البنود والنقاط الواردة ضمن الاتفاقية الاقتصادية الموحدة.

لذلك ـ وإن كنا ننظر إلى النواحي الإيجابية لمجمل النتائج المتوخاة من التكتل الاقتصادي لدول الخليج ـ فإن سلبيات عديدة تبرز أمامها، تجعلها تواجه عقبات اقتصادية في طريق التطبيق، يزداد وقعها سنة بعد أخرى، ويتسع نطاق انعكاساتها على جوانب الحياة المختلفة بوتيرة متسارعة حتى أوشكت تلك المعضلات أن تخلف وراءها سلسلة من التبعات الاجتماعية والسياسية لم يحسن الاقتصاد الخليجي في الجملة التعامل معها حتى الآن. بل إن بعض جوانب الاقتصاد الخليجي بات يتكامل مع الاقتصاد العولمي ـ بدليل اتفاقيات التجارة الحرة ـ بأسرع مما يتكامل ذاتياً.

::/fulltext::

fffire-b95
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1091::/cck::
::introtext::

 استقر الغرب الحديث اقتصادياً على أسس أربعة هي: ليبرالية اقتصادية وحرية تداول المنتج والسلعة في ظل سوق مفتوحة (مسنودة بنظام سياسي ديمقراطي حر تداولي). سيطرة شبه مطلقة على موارد الطاقة الطبيعية. (ظاهرة الاستعمار القديم والحديث). هيمنة كاملة على سوق تصريف المنتجات التي يصنِّعها (مستعمرات كبيرة وممتدة جغرافياً وبشرياً تحولت إلى سوق ضخم مستهلك لمنتج المستعمِر). التحكم في مواقع الإنتاج ووسائل الاتصال وطرق النقل ومنافذ البيع الدولية.

::/introtext::
::fulltext::

 استقر الغرب الحديث اقتصادياً على أسس أربعة هي: ليبرالية اقتصادية وحرية تداول المنتج والسلعة في ظل سوق مفتوحة (مسنودة بنظام سياسي ديمقراطي حر تداولي). سيطرة شبه مطلقة على موارد الطاقة الطبيعية. (ظاهرة الاستعمار القديم والحديث). هيمنة كاملة على سوق تصريف المنتجات التي يصنِّعها (مستعمرات كبيرة وممتدة جغرافياً وبشرياً تحولت إلى سوق ضخم مستهلك لمنتج المستعمِر). التحكم في مواقع الإنتاج ووسائل الاتصال وطرق النقل ومنافذ البيع الدولية.

ضمن هذا السياق، وفي هذه الظروف (البحث عن أسواق لتصريف المنتجات ـ البحث عن أيدٍ عاملة رخيصة ـ البحث عن مواد خام) ولدت فكرة الاستعمار، وأدت إلى التحكم بالدول والأوطان، والسيطرة على مواقعها وثرواتها، ونهب خيراتها وطاقاتها المادية والبشرية الهائلة، وعلى خلفية ذلك اشتعلت الحروب وساد الدمار والانقسام والتفكك في كثير من الأمم والحضارات، قديمها وجديدها.

مفهوم السوق المشتركة يرتكز أساساً على الأهمية الحيوية لمنح وسائل الإنتاج مطلق الحرية في التنقل

ولم تخلُ أوروبا ـ على عكس صورتها المستقرة الراهنة ـ من الأزمات والانهيارات، بل إنها مرت بمراحل صعبة من التفكك والدمار عاشت خلالها حروباً أهلية على مديات زمنية طويلة، ثم عادت وهيمنت هي بدورها على شعوب وحضارات أخرى بأكملها، وانطلقت لتغزو العالم سياسياً واقتصادياً وعلمياً بعد ذلك.

وبعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية نشأت في أوروبا فكرة وجود تجمع أو تكتل اقتصادي يجمع بين عدة دول، وكان الهدف منه زيادة المزايا النسبية في الإنتاج المادي للسلع والبضائع ومختلف أنواع المنتوجات، ومحاولة التخفيف من الآثار السلبية المترتبة على حركة المنافسة (بطابعها السلمي الرمزي أحياناً والحربي العنيف أحياناً أخرى) التي كانت تهيمن على العلاقات الدولية، بعد خروج الدول الأوروبية من الحرب منقسمة ومتعبة ومحمَّلة بأعباء وتكاليف باهظة الثمن، خصوصاً على المستوى الاقتصادي، وقررت أن تستعيد وضعها ضمن القوى الدولية الكبرى من خلال عملها على ما يلي:

ـ إنشاء منظمة التعاون الاقتصادي الأوروبي.

ـ قبول خطة مارشال الأمريكية لإعادة تعمير أوروبا.

ـ إنشاء المنظمة الأوروبية العليا للفحم والصلب.

ـ وأخيراً السوق الأوروبية المشتركة التي قادت بدورها إلى قيام الاتحاد الأوروبي بعملته الاقتصادية وطابعه السياسي المؤثر والفاعل في الساحة الدولية.            

وبعد فترة من الزمن قامت الدول الأوروبية بمجموعة فعاليات ونشاطات اقتصادية أفضت إلى توقيع اتفاقية التجارة الدولية (الغات)، وكان من أهدافها:

1ـ تحرير التجارة الدولية من كل الحواجز والمعوقات على المستوى القطري والعالمي.

2ـ تسوية المنازعات والخصومات التجارية التي قد تحدث بين الدول الأعضاء.

3ـ الإشراف على تجارة السلع والخدمات في العالم. 

تمثل المشروعات المشتركة صيغة تنسيقية في المجال الإنتاجي لزيادة الاعتمادات المتبادلة بين اقتصادات دول المجلس التعاون

في هذا المناخ (السياسي ـ الاقتصادي) الضاغط بقوة (عبر قواه الكبرى المالكة لثلاثية القوة: المعرفة والسلطة والثروة) نأتي إلى عالمنا العربي الكبير، وبالأخص منه دولنا في مجلس التعاون الخليجي، التي كانت تبحث عن تكتل اقتصادي يجمع ويوحد الطاقات والموارد الطبيعية الهائلة التي تمتلكها بلدان الخليج العربي، ضمن بوتقة واحدة فاعلة ومؤثرة في عالم مليء بالتحديات والمنافسات والمصالح.. أقول: نأتي، لنتساءل مع كثيرين هنا وهناك، عن طبيعة هذا الموقع الذي يشغله الخليج العربي من تلك التحديات الاقتصادية على مستوى الهضم والاستيعاب والتأثير؟! وإلى أين وصلت أفكار القائمين على المجلس لجهة مواجهة النتائج العملية الناجمة عن وجود تلك التكتلات الاقتصادية الدولية الكبرى التي تعتنق مذهباً وحيداً هو مذهب المصالح والتبادلية والتنافسية والجودة؟!

في الإجابة نشير إلى أن قادة وزعماء دول الخليج العربي وقعوا على قرارهم التاريخي بإنشاء مجلس التعاون الخليجي في العام 1981، بهدف مواجهة أخطار عديدة خارجية محدقة بهم، ربما كان التحدي الاقتصادي أحد أسباب هذه النشأة التكتلية الأولية.

ومنذ ذلك التاريخ، لاتزال حزمة غير قليلة من القرارات الاقتصادية ـ التي وقع عليها القادة ـ حبراً على ورق، تنتظر اللحظة المناسبة للتحول من حيز الكلام إلى حيز الفعل.. حتى وصل الأمر أن اعتقد كثيرٌ من المراقبين أن ولادة سوق خليجي مشترك أو اتحاد جمركي موحد تحتاج إلى ما يشبه المعجزة، لإثبات أن الأمل لايزال مشروعاً في ظل التلكؤ والتباطؤ الذي ساد طوال فترة زمنية ليست بقليلة، أحدثت شكوكاً واسعة تجاه أن يكون لهذا المجلس أصلاً أي طموح تكاملي يذكر في ظل الأسباب السياسية التي دفعت لإنشائه، إبان حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران.

إن المخاطر والأثمان الكبيرة المطلوب دفعها (بالنظر إلى حجم النتائج السلبية المترتبة على عامل التأخر الزمني في الاستجابة لمقتضيات التحولات الاقتصادية الكبرى) قد ارتفعت أسهمها، وتزايدت بوتائر عالية، حيث الهيمنة الكاملة للتكتلات الاقتصادية للدول الكبرى على الساحة الدولية (مجموعة الدول الثماني)، بما لها من قدرات ضخمة وإمكانيات تنافسية هائلة في الإنتاج والتوزيع، مما جعلها تمتلك اليد الطولى التي تتحكم من خلالها في أسواق العالم النامي.

وهذا ما يظهر عملياً عند دخول مؤسسات ومجموعات غير مصرفية في الأسواق المالية، وتطور أنظمة المدفوعات الإلكترونية، وهذا من شأنه أن يفرض ضغوطاً على الأنظمة الرقابية وأنظمة المدفوعات والتسويات الدولية، وكذلك على مقدرة السلطات النقدية على احتواء الصدمات الاقتصادية والمالية داخل حدودها الجغرافية، والحيلولة دون امتدادها عبر الحدود.

التحدي الاقتصادي ربما يكون أحد الأسباب التي أدت لنشأة مجلس التعاون الخليجي

كما أن النظام الدولي ـ بكل ما يحمل من خصائص اقتصادية وسياسية فعالة ـ سيؤدي على الأرجح إلى زيادة دور آلية السوق، وبالتالي فرض اعتبارات وتأثيرات هذا السوق المفتوح على الأحداث والتطورات الاقتصادية والمالية بصورة أكبر من تأثير الحكومات والنظم السياسية القائمة. وفي هذه الأحوال فمن المتوقع زيادة درجة انتقال التأثيرات المالية عبر الحدود بين البلدان.

إزاء هذه المخاطر والتحديات، لا بد لدول الخليج من الاستجابة الفاعلة والتكيف الإيجابي مع هذه الأوضاع والمتغيرات الاقتصادية، ولا غنى لها عن تعديل مجمل الهياكل الاقتصادية القائمة في داخلها، بما يؤهلها لاتخاذ الإجراءات والسياسات الاقتصادية اللازمة لمواكبة المنافسة المنتظرة.

كما أنه وفي ظل ارتفاع أسعار النفط وتراكم الوفورات النفطية في الخزائن والبنوك، والتي جعلت دول الخليج في وضع اقتصادي واجتماعي مريح. فإن الخيار الوحيد أمام هذه الدول للتعامل مع مجمل الاتفاقيات الاقتصادية الدولية (كاتفاقية الجات ومنظمة التجارة العالمية ومختلف التكتلات الاقتصادية القائمة بين الدول والتي تعتمد على الجودة والإدارة ومنافسة الابتكار والتميز الصناعي)، هو في وجود تكتل اقتصادي خليجي قوي وفعال كبداية لتكتل اقتصادي عربي موسع مشابه للتكتلات القائمة. ولكن السؤال المطروح هنا: هل أن وجود ثروة مادية كبيرة بيد الخليجيين كافٍ لإيجاد تنمية اقتصادية حقيقية في بلدانهم، بما يفضي إلى رفع مستويات المعيشة، وتحسين ظروف الحياة، وبحيث يدفعها ويوفر لها الإمكانية الفعلية لتعزيز القدرة على القيام بتكتل اقتصادي فيما بينها لاحقاً؟!

إن الإجابة العملية على هذا التساؤل تبرز الأهمية المعقودة على مجلس التعاون الخليجي لاتخاذ مزيد من الخطوات العملية السائرة نحو تحقيق التكامل الاقتصادي الخليجي.

اعتقد كثيرٌ من المراقبين أن ولادة سوق خليجي مشترك أو اتحاد جمركي موحد تحتاج إلى ما يشبه المعجزة

ولعل من بديهيات هذا التكامل الاقتصادي المنشود بين دول الخليج هو في البدء بتطبيق عدة أمور: 

الأول: تفعيل الواقع الاقتصادي وتحريره في داخل كل دولة من الدول الخليجية من القيود الداخلية السياسية والاقتصادية. وهذا يتطلب رفع كفاءة البشر في تلك البلدان حيث لاتزال الأنظمة التعليمية عاجزة عن توفير عمالة وطنية متمكنة من تحمل مسؤوليات الاقتصادات الوطنية. وهنا تؤكد المعلومات الإحصائية أن بلدان الخليج لاتزال فقيرة في مواردها البشرية، وفي الوقت ذاته يتم توظيف كثير من هذه الموارد على أسس غير رشيدة وغير محسوبة العواقب، وبداعي التنفيع والكسب الخاص، وليس بهدف بناء الخبرة المهنية، واكتساب المهارات النوعية، والتميز في الأداء الاقتصادي.

إضافةً إلى ذلك ـ وقبل ذلك ـ يجب الاهتمام الكافي بالجانب النظري التعليمي الخاص بتنشئة الأجيال وأسلوب تربيتها وتدريبها، على مستوى معالجة نظم التدريب من أجل تحسين مخرجات التعليم، وهذا يتطلب:

ـ توفير المباني التعليمية المجهزة والمهيأة بشكل مناسب للعملية التعليمية.

ـ تحسين المستويات العلمية والخبرات العملية للهيئات التدريسية.

ـ استخدام مناهج علمية متطورة حديثة.

ـ الابتعاد عن الأسلوب التلقيني في التعليم، والتركيز على الأسلوب التحليلي القائم على تحريض وتحفيز المواهب والقدرات الذاتية للفرد، تفكيكاً وتحليلاً واستنتاجاً.

ـ اعتماد كل الوسائل والأدوات التعليمية العصرية التي تعزز كفاءة الأفراد، وتعظيم مبادراتهم الذاتية، وصقل تجاربهم العملية. 

الثاني: زيادة حجم المشاريع المشتركة بين تلك الدول (وضرورة السعي إلى توسيع رقعتها الجغرافية والمادية، بما يخلق قاعدة مادية عريضة لقيام وتطور الأشكال الأخرى للتعاون). حيث تمثل المشروعات المشتركة صيغة تنسيقية في المجال الإنتاجي لزيادة الاعتمادات المتبادلة بين اقتصادات دول المجلس التعاون، مما يخلق حاجة موضوعية للتنسيق والتكامل فيما بينها. كما أن تلك الاعتمادات سوف تقلص من حجم انكشاف الاقتصادات الخليجية على العالم الخارجي، وبالتالي سيكون ذلك تقليصاً للآثار السلبية لهذه الظاهرة مثل تقلبات أسعار الواردات والصرف ومعدلات التضخم.. والأهم من ذلك أن صيغة المشروعات المشتركة سوف تمكن من إقامة وحدات إنتاجية كبيرة، والاستفادة من الموفورات الداخلية، وخلق التشابك بين القطاعات الإنتاجية على المستويين القطري والإقليمي، وهو الأمر الذي سيمكن من زيادة القدرة الاستيعابية سواء فيما يخص الموارد المالية أو البشرية أو المادية الأخرى، واستثمارها بشكل أكفأ وأكثر فاعلية لتنفيذ برامج التنمية طويلة الأمد.                                                                                 

الثالث: زيادة وتطوير الطاقة الإنتاجية كماً ونوعاً في البلدان الخليجية، بما يجعلها مؤهلة لتلبية متطلبات السوق الأكبر من السوق المحلية (من مختلف السلع والمنتجات والبضائع)، ولكي يصار لاحقاً إلى البدء بتحرير التبادل التجاري بينهم. 

الرابع: فسح المجال للتحرك والانتقال السلس والحر لعناصر الإنتاج، والاستثمار بين دول مجلس التعاون الخليجي. خصوصاً عندما توجد مجموعة مشاريع مشتركة بين تلك الدول، مما يقتضي زيادةً في التنسيق الصناعي والإنتاجي والاستثماري. حيث إن مفهوم السوق المشتركة يرتكز أساساً على الأهمية الحيوية لمنح وسائل الإنتاج مطلق الحرية في التنقل بين الدول الأعضاء. 

الخامس: ينبغي على دول الخليج العربي ـ في سياق رغبتها الملحّة بتحقيق التكامل الاقتصادي أو (على الأقل) في سياق توجهها نحو التوحيد الاقتصادي والتوافق على السياسات الاقتصادية المتعددة والمتنوعة ـ تنسيق الخطط التنموية بينها، لكي تكون متكاملة ومتسقة، وبحيث تأتي ثمارها ونتائجها الميدانية متوافقة ومنسجمة مع تعزيز أهداف الوحدة الاقتصادية أو التكتل الاقتصادي الخليجي المطلوب. 

السادس: توحيد القوانين والتشريعات التي تحكم وتنظم العمل الاقتصادي في دول الخليج.. وإذا كان الهدف هو الاستفادة من الأموال المتاحة لدى الحكومات والأفراد والمؤسسات الخاصة من أجل تنويع القاعدة الاقتصادية، فإنه من المفروض أن تسهل عملية الاستثمار، ويوضع حد للعراقيل التي تحول دون التملك في الأصول في بعض القطاعات والأنشطة لغير المواطنين المحليين. 

السابع: إنّ التنسيق الاقتصادي بين دول مجلس التعاون الخليجي ينبغي أن يتم بالتوازي مع التنسيق السياسي والتنسيق العسكري فيما بينها، كما عبر عن ذلك الراحل الشيخ زايد (رحمه الله تعالى)، ولا يمكن لهذا التكامل الاقتصادي أن يتحقق من دون وجود أمن واستقرار حقيقي.. أي أن التنسيق والتكامل الاقتصادي يحتاجان إلى حماية أمنية، كما أنهما يشكلان ـ في الوقت نفسه ـ دعماً كبيراً للخطط الأمنية، ويشكلان معها حلقات مترابطة تهدف في النهاية إلى تحقيق الرخاء والخير للمواطن في هذه المنطقة. 

الثامن: البدء بتطبيق تداول العملة الخليجية الموحدة (نظرياً حدد الموعد في العام 2010).

وأخيراً، فإننا نؤكد أن ضرورات التنمية والاسـتجابة لمتطلبات التكتلات الاقتصادية الكبيرة والمتزايدة في هذا العالم (من التجمع الأوروبي الاقتصادي المشترك(EEC) إلى رابطة الدول الآسيوية المعروفة بمجموعة الآسيان ـ إلى التكتل الأمريكي الشمالي بين كل من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا ((NAFTA، وغيرها من الكتل الاقتصادية الإقليمية في أنحاء متفرقة من العالم)، إن ذلك كله يقتضي تفعيل وإغناء تجربة مجلس التعاون الخليجي، بما يساهم في إنجاز الأهداف والتطلعات الاقتصادية لشعوب المنطقة. وهذا يتطلب بدوره إعادة قراءة جديدة ومراجعة نقدية جادة لكل المرحلة السابقة من تجربة هذا المجلس على الصعيد الاقتصادي منذ قيامه وحتى الآن، كما أن ذلك يلزم تلك المنظومة الخليجية بأمرين: 

الأول: تفعيل وتعميق أواصر التعاون والتكامل بين دولها، وتحويل الاتفاقات الموقعة منذ فترة إلى واقع حي ملموس. ومن ثم تفعيل التعاون بين دول المجلس مجتمعة وبين تلك التكتلات بما يحقق تطوير المبادلات التجارية بين الطرفين والتغلب على العوائق التجارية.

الثاني: إعادة النظر بآليات رسم الاستراتيجيات الاقتصادية الخليجية، بشكل ينعكس على الارتقاء بقدرتها التنافسية مع تلك التكتلات الاقتصادية. 

وباعتقادي فإن التكتل الخليجي الاقتصادي الموحد المطلوب من قبل الجميع هناك، لن يصبح أمراً واقعاً، ما لم تلتزم دول الخليج بتنفيذ وتطبيق جميع البنود والنقاط الواردة ضمن الاتفاقية الاقتصادية الموحدة.

لذلك ـ وإن كنا ننظر إلى النواحي الإيجابية لمجمل النتائج المتوخاة من التكتل الاقتصادي لدول الخليج ـ فإن سلبيات عديدة تبرز أمامها، تجعلها تواجه عقبات اقتصادية في طريق التطبيق، يزداد وقعها سنة بعد أخرى، ويتسع نطاق انعكاساتها على جوانب الحياة المختلفة بوتيرة متسارعة حتى أوشكت تلك المعضلات أن تخلف وراءها سلسلة من التبعات الاجتماعية والسياسية لم يحسن الاقتصاد الخليجي في الجملة التعامل معها حتى الآن. بل إن بعض جوانب الاقتصاد الخليجي بات يتكامل مع الاقتصاد العولمي ـ بدليل اتفاقيات التجارة الحرة ـ بأسرع مما يتكامل ذاتياً.

::/fulltext::
::cck::1091::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *