قراءة في طبيعة الأزمة اليمنية القائمة

::cck::1972::/cck::
::introtext::

تبدو صورة اليمن من الخارج مثيرة للكثير من القلق على هذا البلد الذي يبدو كأنه على شفا جرف، فالتحديات أمامه متعددة والصعوبات كبيرة والعوائق كثيرة، فجزء من هذه التحديات سياسي بامتياز فيما تبدو الصعوبات اقتصادية بكل المقاييس، وتتلخص العوائق في مسألة البناء المؤسسي للدولة التي يمكن اعتبار التاريخ الحقيقي لبدايتها هو مرحلة ما بعد حرب صيف 1994م.

::/introtext::
::fulltext::

تبدو صورة اليمن من الخارج مثيرة للكثير من القلق على هذا البلد الذي يبدو كأنه على شفا جرف، فالتحديات أمامه متعددة والصعوبات كبيرة والعوائق كثيرة، فجزء من هذه التحديات سياسي بامتياز فيما تبدو الصعوبات اقتصادية بكل المقاييس، وتتلخص العوائق في مسألة البناء المؤسسي للدولة التي يمكن اعتبار التاريخ الحقيقي لبدايتها هو مرحلة ما بعد حرب صيف 1994م.

من الصعب اعتبار قيام النظام الجمهوري في شمال اليمن عام 1962م أو استقلال جنوب اليمن عام 1967م بداية لمرحلة بناء الدولة بسبب التشطير وصراعات الشطرين من ناحية وبسبب الصراعات الداخلية في كل شطر على حدة من ناحية أخرى، كما يصعب اعتبار يوم 22 مايو 1990م تاريخ إعلان الوحدة بينهما، هو مرحلة الشروع ببناء الدولة لأن حزبي الحكم كانا منشغلين بالخلاف فيما بينهما، وكان استمرار انقسام الجيش في الولاء بينهما أكبر خطر يهدد الوحدة، وبالفعل فقد انفجرت الحرب النظامية بين وحدات الجيش في صيف 94 لتنتهي بهزيمة الحزب الاشتراكي اليمني ومشروعه الانفصالي وتوحيد الجيش وانتهاء كل أشكال الخطر من تجدد مشروع الانفصال، وبذلك توحدت أداة الدولة ولم يبق إلا البدء في البناء المؤسسي لها.

واليوم ونحن في أواخر عام 2009م، أي بعد أكثر من تسعة عشر عاماً على إعادة توحيد اليمن وبعد خمسة عشر عاماً من انتهاء حرب صيف 94 تبدو الصورة على النحو التالي: حراك سياسي في المحافظات الجنوبية يطالب باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب قبل مايو 1990م، تمرد شيعي مسلح في شمال الشمال بمحافظة صعدة المحاذية لجنوب المملكة العربية السعودية، نشاط سياسي وإعلامي واضح لتنظيم القاعدة عقب إعلانه توحيد منظماته في دول شبه الجزيرة العربية في إطار تنظيمي واحد مقره اليمن، خلاف سياسي حاد بين حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم وأحزاب المعارضة الرئيسية التي يجمعها (تكتل اللقاء المشترك) أدى إلى الاتفاق على تأجيل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في إبريل الماضي لعامين كاملين ثم عاد الخلاف مجدداً حول آليات تنفيذ هذا الاتفاق، أزمة اقتصادية حادة نتيجة لشح موارد البلد في الأساس زادتها تفاقماً الأزمة المالية العالمية وما صاحبها من انخفاض في أسعار النفط، وبنيان مؤسسي ضعيف ليس لكونه حديث النشأة فقط، بل لأنه أيضاً لم يجد الوقت الكافي ليتأسس بصورة أفضل مما هو قائم في بلد لا تزال نسبة الأمية فيه تتجاوز 65 في المائة وحظه من ثقافة الإدارة وبنائها ضعيف ومحدود جداً نتيجة لضعف الدولة المركزية وغياب الاستقرار لعقود طويلة تمتد لثلاثة قرون على الأقل لم تمكّن الدول المتوالية من إحداث تراكم إداري.

الفقر عدو قاتل

باختصار يمكن القول إن شح الموارد والفقر مع هشاشة البنيان المؤسسي للدولة وأجهزتها هما السبب الأساسي لمعظم الأزمات التي يعاني منها اليمن، فالحكومة غير قادرة على تلبية الاحتياجات التنموية لأكثر من عشرين مليون مواطن يتوزعون على أكثر من خمسين ألف تجمع سكاني في بلد يمتلك تضاريس جغرافية متنوعة بدءاً من المناخ الصحراوي الجاف مروراً بالمناخ الجبلي الوعر وانتهاء بالمناخ الساحلي الحار وحرمته عهود الإمامة المتخلفة في الشمال وعهد الاحتلال والسلاطين في الجنوب من أبسط مقومات التنمية بل الحياة البسيطة. وباستثناء مدينة عدن التي أعطاها البريطانيون اهتماماً خاصاً بسبب مينائها ذي الموقع الفريد فإن بقية أنحاء اليمن كان يعاني أسوأ أنواع التخلف الذي لا يمكن أن يصدقه أحد اليوم، فالمدارس لا تزيد على عدد أصابع اليدين حيث التعليم مقصور فيها على فئات محددة من المواطنين، ولا مجال للحديث عن أي نوع من أنواع الخدمات بدءاً من المستشفيات التي كانت أقرب إلى اسطبلات وانتهاء بالكهرباء والمياه النقية والاتصالات ووسائل الإعلام والطرق المعبدة وغير ذلك مما لم يعرفه اليمنيون قبل عام 1962م إلا في أضيق نطاق فيما كان العالم قد عرفه خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولذلك كان الإرث الذي خلفه حكم الأئمة والسلاطين والاحتلال للنظامين الجمهوريين في الشمال والجنوب صعباً وثقيلاً. وفيما عدا ثماني سنوات (1982 – 1990) التي تمثل فترة استقرار حقيقي في الشمال وتسع سنوات (1969 – 1978) التي تمثل فترة استقرار في الجنوب كانت الصراعات هي سمة الوضع في كل منهما على حدة وفيما بينهما كذلك من خلال حربين اندلعتا في عامي (1972 ـ 1979)، ولذلك كانت عملية استعادة الوحدة هي الإنقاذ الحقيقي للنظامين من ناحية والمشروع الحضاري الذي سيحقق لليمن ازدهاره واستقراره من ناحية أخرى.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1972::/cck::
::introtext::

تبدو صورة اليمن من الخارج مثيرة للكثير من القلق على هذا البلد الذي يبدو كأنه على شفا جرف، فالتحديات أمامه متعددة والصعوبات كبيرة والعوائق كثيرة، فجزء من هذه التحديات سياسي بامتياز فيما تبدو الصعوبات اقتصادية بكل المقاييس، وتتلخص العوائق في مسألة البناء المؤسسي للدولة التي يمكن اعتبار التاريخ الحقيقي لبدايتها هو مرحلة ما بعد حرب صيف 1994م.

::/introtext::
::fulltext::

تبدو صورة اليمن من الخارج مثيرة للكثير من القلق على هذا البلد الذي يبدو كأنه على شفا جرف، فالتحديات أمامه متعددة والصعوبات كبيرة والعوائق كثيرة، فجزء من هذه التحديات سياسي بامتياز فيما تبدو الصعوبات اقتصادية بكل المقاييس، وتتلخص العوائق في مسألة البناء المؤسسي للدولة التي يمكن اعتبار التاريخ الحقيقي لبدايتها هو مرحلة ما بعد حرب صيف 1994م.

من الصعب اعتبار قيام النظام الجمهوري في شمال اليمن عام 1962م أو استقلال جنوب اليمن عام 1967م بداية لمرحلة بناء الدولة بسبب التشطير وصراعات الشطرين من ناحية وبسبب الصراعات الداخلية في كل شطر على حدة من ناحية أخرى، كما يصعب اعتبار يوم 22 مايو 1990م تاريخ إعلان الوحدة بينهما، هو مرحلة الشروع ببناء الدولة لأن حزبي الحكم كانا منشغلين بالخلاف فيما بينهما، وكان استمرار انقسام الجيش في الولاء بينهما أكبر خطر يهدد الوحدة، وبالفعل فقد انفجرت الحرب النظامية بين وحدات الجيش في صيف 94 لتنتهي بهزيمة الحزب الاشتراكي اليمني ومشروعه الانفصالي وتوحيد الجيش وانتهاء كل أشكال الخطر من تجدد مشروع الانفصال، وبذلك توحدت أداة الدولة ولم يبق إلا البدء في البناء المؤسسي لها.

واليوم ونحن في أواخر عام 2009م، أي بعد أكثر من تسعة عشر عاماً على إعادة توحيد اليمن وبعد خمسة عشر عاماً من انتهاء حرب صيف 94 تبدو الصورة على النحو التالي: حراك سياسي في المحافظات الجنوبية يطالب باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب قبل مايو 1990م، تمرد شيعي مسلح في شمال الشمال بمحافظة صعدة المحاذية لجنوب المملكة العربية السعودية، نشاط سياسي وإعلامي واضح لتنظيم القاعدة عقب إعلانه توحيد منظماته في دول شبه الجزيرة العربية في إطار تنظيمي واحد مقره اليمن، خلاف سياسي حاد بين حزب المؤتمر الشعبي العام الحاكم وأحزاب المعارضة الرئيسية التي يجمعها (تكتل اللقاء المشترك) أدى إلى الاتفاق على تأجيل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في إبريل الماضي لعامين كاملين ثم عاد الخلاف مجدداً حول آليات تنفيذ هذا الاتفاق، أزمة اقتصادية حادة نتيجة لشح موارد البلد في الأساس زادتها تفاقماً الأزمة المالية العالمية وما صاحبها من انخفاض في أسعار النفط، وبنيان مؤسسي ضعيف ليس لكونه حديث النشأة فقط، بل لأنه أيضاً لم يجد الوقت الكافي ليتأسس بصورة أفضل مما هو قائم في بلد لا تزال نسبة الأمية فيه تتجاوز 65 في المائة وحظه من ثقافة الإدارة وبنائها ضعيف ومحدود جداً نتيجة لضعف الدولة المركزية وغياب الاستقرار لعقود طويلة تمتد لثلاثة قرون على الأقل لم تمكّن الدول المتوالية من إحداث تراكم إداري.

الفقر عدو قاتل

باختصار يمكن القول إن شح الموارد والفقر مع هشاشة البنيان المؤسسي للدولة وأجهزتها هما السبب الأساسي لمعظم الأزمات التي يعاني منها اليمن، فالحكومة غير قادرة على تلبية الاحتياجات التنموية لأكثر من عشرين مليون مواطن يتوزعون على أكثر من خمسين ألف تجمع سكاني في بلد يمتلك تضاريس جغرافية متنوعة بدءاً من المناخ الصحراوي الجاف مروراً بالمناخ الجبلي الوعر وانتهاء بالمناخ الساحلي الحار وحرمته عهود الإمامة المتخلفة في الشمال وعهد الاحتلال والسلاطين في الجنوب من أبسط مقومات التنمية بل الحياة البسيطة. وباستثناء مدينة عدن التي أعطاها البريطانيون اهتماماً خاصاً بسبب مينائها ذي الموقع الفريد فإن بقية أنحاء اليمن كان يعاني أسوأ أنواع التخلف الذي لا يمكن أن يصدقه أحد اليوم، فالمدارس لا تزيد على عدد أصابع اليدين حيث التعليم مقصور فيها على فئات محددة من المواطنين، ولا مجال للحديث عن أي نوع من أنواع الخدمات بدءاً من المستشفيات التي كانت أقرب إلى اسطبلات وانتهاء بالكهرباء والمياه النقية والاتصالات ووسائل الإعلام والطرق المعبدة وغير ذلك مما لم يعرفه اليمنيون قبل عام 1962م إلا في أضيق نطاق فيما كان العالم قد عرفه خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولذلك كان الإرث الذي خلفه حكم الأئمة والسلاطين والاحتلال للنظامين الجمهوريين في الشمال والجنوب صعباً وثقيلاً. وفيما عدا ثماني سنوات (1982 – 1990) التي تمثل فترة استقرار حقيقي في الشمال وتسع سنوات (1969 – 1978) التي تمثل فترة استقرار في الجنوب كانت الصراعات هي سمة الوضع في كل منهما على حدة وفيما بينهما كذلك من خلال حربين اندلعتا في عامي (1972 ـ 1979)، ولذلك كانت عملية استعادة الوحدة هي الإنقاذ الحقيقي للنظامين من ناحية والمشروع الحضاري الذي سيحقق لليمن ازدهاره واستقراره من ناحية أخرى.

::/fulltext::
::cck::1972::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *