(أبناء العراق) مجالس تنذر بالانفجار

::cck::1413::/cck::
::introtext::

جاءت ظاهر الصحوات نتيجة لفشل الحكومة العراقية في بسط نفوذها على الأرض، وأيضاً فشل الإدارة العسكرية لقوات التحالف في وضع حد لنفوذ قوى المقاومة وتنظيم القاعدة الذي استطاع نسج جملة من التحالفات مع العشائر العراقية، بحيث كانوا حواضن داعمة لنشاطاتهم. ولذلك كان لا بد من إعادة تقييم الخطط العسكرية والسياسية سواء لدى الحكومة العراقية أو الأمريكية على وجه الخصوص.

::/introtext::
::fulltext::

جاءت ظاهر الصحوات نتيجة لفشل الحكومة العراقية في بسط نفوذها على الأرض، وأيضاً فشل الإدارة العسكرية لقوات التحالف في وضع حد لنفوذ قوى المقاومة وتنظيم القاعدة الذي استطاع نسج جملة من التحالفات مع العشائر العراقية، بحيث كانوا حواضن داعمة لنشاطاتهم. ولذلك كان لا بد من إعادة تقييم الخطط العسكرية والسياسية سواء لدى الحكومة العراقية أو الأمريكية على وجه الخصوص.

قامت الولايات المتحدة بابتكار فكرة مجالس الصحوة من رحم القوى المقاومة العراقية، وهو ما أثار استياء الحكومة العراقية التي بدأت تخشى من تنظيم أو ميليشيا سنية مسلحة؛ بحيث تهدد سلطة وسيطرة الأحزاب والقوى الشيعية التي وصلت للحكم للمرة الأولى بعد ثمانية عقود من العزلة.

إلا أن الحكومة العراقية وتحت ضغط الإدارة العسكرية الأمريكية قبلت بوجود هذه القوة السنية المسلحة على مضض. هذا القبول الرسمي كان مجرد تكتيك أولي، وقبلت به كمقدمة تستطيع من خلالها اختراق صفوف الصحوات فيما بعد من الداخل؛ إذ استطاع نوري المالكي اختراق الصحوة من الداخل بدعم القوى العشائرية الحاضنة لهذه الصحوات والتي ترأس بعضهما (رؤساء العشائر) أجنحة هذه الصحوات مقابل أغراض مادية وشخصية؛ وهو ما حدث عندما استطاع استمالة التيار العسكري داخل هذه الصحوات باجتذاب بعض العناصر النافذة مثل علي حاتم السليمان (أو أمير الدليم) وحميد الهايس؛ اللذين استطاعا بعد مقتل قائد صحوة الأنبار ستار أبو الريشة الذي حظي بدعم الأحزاب السنية مثل الحزب الإسلامي استطاعا استمالة أخوه الذي جاء على رأس التنظيم فيما بعد؛ وعليه بدأت الصحوة تدور في فلك التيار المناصر والمدعوم من قبل المالكي. حينها فقط بدأ المالكي يتجه بخطوات سريعة لإضعاف وإنهاء ظاهرة الصحوات بصورة كاملة، بدءاً من دمج بعض العناصر في مؤسسات الدولة وانتهاءً بملاحقة عناصر الصحوات.

أبناء العراق

أطلقت الحكومة العراقية وصف أبناء العراق على المجاميع السنية التي انتظمت في مجاميع خاصة لمواجهة تنظيم القاعدة؛ وجاء هذا الوصف بعد ترددها في تأييد السياسة الأمريكية الجديدة التي رأت بتغيير أهداف الصراع في العراق بين كونها ضد الاحتلال الأمريكي إلى أولوية مواجهة النفوذ الإيراني في العراق المتعاظم تحت دعم وتأييد القوات الأمريكية. وكان لهذا التغيير الدور الأكبر في اصطفاف عدد كبير من عناصر التنظيمات المقاومة المسلحة التي انسلخت من تنظيماتها المقاومة إلى الانضواء في هذه المجاميع.

لم يكن الهدف من تشكيل هذه المجالس مواجهة القاعدة أو النفوذ الإيراني فقط، بل إن هذه المناطق شهدت تدهوراً في الحياة العامة والمعيشية نتيجة لسنوات الاحتلال وانعدام فرص إعادة البناء ما دفع أهالي المناطق للشعور بالضعف والملل من استمرار العمليات العسكرية. وبسبب قسوة المعاناة في هذه المناطق وسوء وضعها الأمني خاضت الصحوات مواجهات عنيفة مع مجاميع وصفت بكونها تنتمي إلى القاعدة والتكفيريين كهدف معلن، إلا أن غرضها الأساسي مواجهة فصائل المقاومة؛ أسفرت المواجهات عن تحقيق تحسن ملموس في الوضع الأمني بهذه المناطق الساخنة فيما استغلت قوات الاحتلال وبمساعدة قوى السلطة والأحزاب المتنفذة متابعة وملاحقة واعتقال وتصفية فصائل المقاومة. واستمرت هذه التصفيات حتى بعد أن سحبت هذه المجاميع التي سميت بـ (القاعدة) من مناطق المواجهة لتستمر مجاميع الصحوات بعملها التصفوي للمقاومة مدفوعة بمغريات مادية وتنظيمات ومقرات حزبية ومحلية لها صلاحيات أمنية وإدارية واسعة في مناطق تشكيلها الذي شمل مناطق عديدة من العراق وضمنها العاصمة بغداد ومحيطها. ولم تستيقظ تنظيمات الصحوة من مخاطر فعلها إلا بعد أن أنجزت أهداف تأسيسها من قبل قوات الغزو التي لم تعد قادرة على تحمل نفقاتها وتمويلها، ولم يعد وجودها بعد أداء واجبها يبرر تكاليفها، فأوكلت مهمة تفكيكها، إلى السلطة والحكومة المنصبة وألزمتها بهذه المهمة على الرغم من تشبث الصحوات ببقاء ارتباطها بقوات الاحتلال لإدراكها أنها لن تحصل على ترحيب السلطة المنصّبة بديمومتها لأسباب تتعلق بطبيعة انتمائها المناطقي والطائفي وخلفيتها الجهادية.

قوات الصحوات ظلت متشبثة بقوات الاحتلال لإدراكها أن السلطة غير مرحبة بوجودها 

وبالفعل تم تحجيم الصحوات وتصفية نشاطاتها من قبل حكومة المالكي إما:

* بالاستهداف المباشر لقادتها ومسؤوليها وتصفيتهم بشكل متواتر.

* أو باختلاق مواجهات تصفوية كبيرة مع قطعات الجيش والأمن الحكومية.

* أو من خلال احتواء نسبة ضئيلة من أفرادها لم تتجاوز لغاية اليوم 10 في المائة من حجمها في مؤسسات الشرطة والجيش الإدارية وغير المقاتلة، بمحاولات يائسة وبطيئة ومن خلال لجنة تنسيقية ثلاثية صورية من قوات الاحتلال والحكومة وبعض قادتها الذين احتواهم المالكي لإلحاق بعض أفرادها بوظائف مدنية لمدهم برواتب بسيطة تضمن استمرار تهميشهم وولائهم وتحول دون عودتهم للخلفية الجهادية.

* احتواء القيادات وشيوخ العشائر في تنظيمات سياسية وكتل انتخابية وتحويلهم إلى ساسة ضمن العملية السياسية التي صممها الاحتلال.

ومادام أن الهدف من تشكيل الصحوات يندرج في تحسين الوضع الأمني فإن أبرز ما يهدد الأمن في العراق والعملية السياسية وخصوصاً في المناطق السنية هو الوضع المتوتر بين الحكومة العراقية والصحوات؛ إذ تتهم الحكومة قوات الصحوة بتورط قسم منها في أعمال إرهابية ضد القوات العراقية ما يدفعها إلى الرجوع عن وعودها بشمول قسم منها – لا يتعدى 20 في المائة – في قوات الجيش والشرطة العراقية؛ وعلى الرغم من الانتقادات الكبيرة التي وجهت للحكومة في هذا الإطار إلا أنها لا تنفي تورط هؤلاء بأعمال (إرهابية) على حد التقييم الحكومي العراقي، لكن لا يمكن أيضاً تحميل الصحوات اللوم كون الحكومة العراقية لم تقطع خطوات مهمة وحقيقية على الأرض في الجانب المتعلق بالمصالحة الوطنية؛ وهو ما أشار إليه الرئيس جلال طالباني مؤخراً بإلقاء اللوم على الحكومة العراقية بعدم اتخاذ خطوات مهمة لتحقيق المصالحة الوطنية. ونظراً لعدم وجود معالجات حقيقية للوضع، ناهيك عن أن تعامل الحكومة العراقية مع الصحوات الذي اتخذ أسلوباً إقصائياً وصل حد التصادم مع قيادات هذه الصحوات في عدد من المناطق مثل الفضيل وبعقوبة وغيرهما، وذلك فور تسلمها مسؤوليتها من القوات الأمريكية في الثاني من إبريل 2009، دفع ذلك إلى تدهور أمني ملحوظ جداً يمكن تلمسه من العمليات القتالية وأعداد القتلى التي حدثت خلال الشهرين الأخيرين وتحديداً منذ إبريل الماضي.

وعلى الرغم من ذلك تبقى الأوضاع هادئة نسبياً، لكن تنبئ الأوضاع الأخيرة باحتمال تفجر الوضع الأمني من جديد إذا لم تكن هناك معالجة حقيقية للمشكلات التي يعاني منها السنة ومناطقهم على العموم.

إن سوء إدارة الحكومة العراقية لملف الصحوة أدى إلى انتكاسة في الوضع الأمني؛ على الرغم من محدودية هذه التداعيات إلى الآن. فالأحداث الأخيرة تعكس حجم المشكلة فيما لو لم يتم التعامل مع السنة ضمن إطار مصالحة وطنية حقيقية إن التعامل مع الصحوة لتحقيق أجندة مرحلية تصب في مصلحة طرف معين (قوات الاحتلال) وتحويل الملف إلى الحكومة العراقية التي كانت لها تحفظاتها إزاء تشكيل هذه القوات منذ البداية يضاعفان من التوتر الأمني؛ إذ تعاملت الحكومة مع الصحوات بعد توليها هذا الملف في الثاني من إبريل من زاوية تورط بعض الأشخاص بعمليات قتل ضد مواطنين عراقيين، أي التعامل مع أعضاء الصحوات من زاوية تاريخهم الذي سبق انخراطهم بالصحوات. إذ أشار المالكي إلى أمر اعتقال رئيس صحوة الفضيل عادل المشهداني ومساعده كونهم متورطين بعمليات قتل للشيعة، وكونه أحد قادة تنظيم القاعدة آنذاك؛ بحيث لم تشفع له جهوده في طرد (القاعدة) بعد ذلك من المناطق السنية وإسهاماته في هذا الإطار؛ وهو ما سبق وعزز وجهة نظرنا التي رأت بالصحوة خطراً على سيطرة الشيعة على الحكم وبروزها كقوة ثالثة، غير مرغوب فيها من قبل البشمركة وقوات الجيش والشرطة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة.

وتجدر الإشارة إلى أن ملف الصحوات معرض للتفجر من جديد مع انتهاء اقتراب نهاية الفصل التشريعي الحالي؛ حيث رجّح عضو لجنة المصالحة الوطنية في البرلمان العراقي عمر الهيجل احتمال ترحيل ملف الصحوات إلى الحكومة العراقية التي ستنبثق من انتخابات برلمان البلاد في يناير المقبل. وشدد الهيجل على أن (مشكلة استيعاب رجال الصحوات في المؤسسات الأمنية والخدمية للدولة لاتزال قائمة، ولا أعتقد أن الحكومة ستجد حلولاً نهائية وجذرية لها وفق ما جاء في الخطة الاستراتيجية التي وضعتها لاستكمال عملية الاستيعاب). وتابع قائلاً (الأرجح أن هذه المشكلة سترحل إلى مجلس النواب والحكومة المقبلين شأنها شأن بقية المشكلات السياسية ذات الصلة بالتشريعات المثيرة للجدل) حسب قوله. وأكد البرلماني العراقي أن (هناك تلكؤاً واضحاً في تطبيق الخطة، حيث جرى حتى الآن ضم نحو عشرة آلاف رجل إلى مؤسسات الدولة من مجموع تسعين ألفاً، وهو ما يشكل نسبة انجاز متواضعة تثير شكوكاً واحتمالات قوية في عدم إمكانية الانتهاء من ملف الصحوات بحلول نهاية العام الحالي حسب الخطة)، الأمر الذي يعزز من احتمال تفجر الوضع الأمني من جديد.

سوء إدارة الحكومة العراقية لملف الصحوة أدى إلى انتكاسة في الوضع الأمني

وتزداد صعوبة التعامل مع ملف الصحوات بازدياد حالة الاستقطاب لدى التنظيمات المسلحة الأخرى، وتنظيم القاعدة على وجه الخصوص، لهذه المجموعات التي تمردت على وضعها منذ تولي الحكومة لملفها وتأخر دفع رواتبها لأربعة أشهر متتالية. إذ يسعى تنظيم القاعدة إلى استقطاب بعض أعضاء هذه التنظيمات المتمردة لكنه يخشى من أن تشكل مرة أخرى حصان طروادة الذي سينفذ منه المالكي وجنوده لإضعاف التنظيمات المسلحة وإقصاء القاعدة من العراق. ولذلك أعلن تنظيم القاعدة عن استراتيجية جديدة لمعالجة هذا الوضع من خلال إعلان هذه المجالس لتوبتها، على أن تقوم (القاعدة) فيما بعد بتقييم وضعها وتدقيق توجهاتها وقابلية انخراطها بالتنظيمات المقاومة والقاعدة. لقد أشار رئيس تنظيم القاعدة أبو حمزة المهاجر أو (أبو أيوب المصري) في 22 إبريل 2009 إلى أن مجالس الصحوات أجرمت بحق دينها وشعبها، وأضاف (لقد أجرموا في حق دينهم وأجرموا في حق أهلهم، وأجرموا في حق أنفسهم، فهم مجرمون مجرمون، ومع ذلك إن عادوا إلى بيوتهم وتركوا ما هم فيه وعليه اليوم تائبين إلى الله، فلهم منا الأمان من أيّ ملاحقةٍ شرط صدق توبتهم، ونخصُّ منهم من كان في جماعةٍ تدّعي الجهاد فلهم منّا كل الأمان شرطَ صدق التوبة وعدم حمل السلاح مرة أخرى تحت أيّ ذريعةٍ كانت إلى أن يتبيّن صدق توبتهم). ولم يشر المهاجر إلى الآلية التي سيعمل بها للتحقق من التزامهم بصدق (توبتهم)، خصوصاً أنه سبق أن قدم الدعوة ذاتها في عام 2006 إلى أعضاء هذه المجالس آنذاك، ووعد بملاحقتها إن لم ترجع إلى صوابها وترفض الانخراط بهذه المجالس المدعومة أمريكياً وحكومياً؛ بل إنه شكل كتائب الصديق لملاحقتها، فهل ستلقى دعوته هذه المرة الاستجابة؟

ربما الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بما تقوم به الحكومة العراقية من سياسات خصوصاً بعد ما تخلى الجانب الأمريكي عنها، في الوقت الذي يستعد فيه أيضاً إلى الانسحاب من العراق. فمجالس الصحوات على العموم باستثناء المنطقة الغربية (الأنبار) تحولت إلى أحزاب سياسية، ونافست بالانتخابات الأخيرة (مجالس المحافظات)، إلا أنها فشلت بإيصال عدد كاف من ممثليها إلى مجالس المحافظات، ما فاقم من وضعها الداخلي وعزز من دور التنظيمات المسلحة المناطق السنية من جديد والتأثير فيها؛ وهو مؤشر إلى احتمال توتر الوضع الأمني من جديد بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق.

ولذلك تتفاقم أوضاع هذه المجالس وتتناقص الفرص أمامها وخصوصاً في تفاوضها مع الحكومة العراقية؛ وعليه إذا استمرت الحكومة بتعاملها معها على هذا الإطار وضمن معادلة الربح والخسارة أو الاكتفاء بالتفاوض مع التيار السياسي الذي انبثق منها فقط والذي أعلن أنه سينضوي هو الآخر بلائحة انتخابية واحدة (دولة القانون) التي يترأسها رئيس الوزراء نوري المالكي، فإن الوضع قابل للتفجر على المدى القريب، وأن أي اتفاق يخرج إلى العلن بينهما لن يكون إلا معالجة آنية مشوهة تمهد لمزيد من الاحتقان والانفجار من جديد.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1413::/cck::
::introtext::

جاءت ظاهر الصحوات نتيجة لفشل الحكومة العراقية في بسط نفوذها على الأرض، وأيضاً فشل الإدارة العسكرية لقوات التحالف في وضع حد لنفوذ قوى المقاومة وتنظيم القاعدة الذي استطاع نسج جملة من التحالفات مع العشائر العراقية، بحيث كانوا حواضن داعمة لنشاطاتهم. ولذلك كان لا بد من إعادة تقييم الخطط العسكرية والسياسية سواء لدى الحكومة العراقية أو الأمريكية على وجه الخصوص.

::/introtext::
::fulltext::

جاءت ظاهر الصحوات نتيجة لفشل الحكومة العراقية في بسط نفوذها على الأرض، وأيضاً فشل الإدارة العسكرية لقوات التحالف في وضع حد لنفوذ قوى المقاومة وتنظيم القاعدة الذي استطاع نسج جملة من التحالفات مع العشائر العراقية، بحيث كانوا حواضن داعمة لنشاطاتهم. ولذلك كان لا بد من إعادة تقييم الخطط العسكرية والسياسية سواء لدى الحكومة العراقية أو الأمريكية على وجه الخصوص.

قامت الولايات المتحدة بابتكار فكرة مجالس الصحوة من رحم القوى المقاومة العراقية، وهو ما أثار استياء الحكومة العراقية التي بدأت تخشى من تنظيم أو ميليشيا سنية مسلحة؛ بحيث تهدد سلطة وسيطرة الأحزاب والقوى الشيعية التي وصلت للحكم للمرة الأولى بعد ثمانية عقود من العزلة.

إلا أن الحكومة العراقية وتحت ضغط الإدارة العسكرية الأمريكية قبلت بوجود هذه القوة السنية المسلحة على مضض. هذا القبول الرسمي كان مجرد تكتيك أولي، وقبلت به كمقدمة تستطيع من خلالها اختراق صفوف الصحوات فيما بعد من الداخل؛ إذ استطاع نوري المالكي اختراق الصحوة من الداخل بدعم القوى العشائرية الحاضنة لهذه الصحوات والتي ترأس بعضهما (رؤساء العشائر) أجنحة هذه الصحوات مقابل أغراض مادية وشخصية؛ وهو ما حدث عندما استطاع استمالة التيار العسكري داخل هذه الصحوات باجتذاب بعض العناصر النافذة مثل علي حاتم السليمان (أو أمير الدليم) وحميد الهايس؛ اللذين استطاعا بعد مقتل قائد صحوة الأنبار ستار أبو الريشة الذي حظي بدعم الأحزاب السنية مثل الحزب الإسلامي استطاعا استمالة أخوه الذي جاء على رأس التنظيم فيما بعد؛ وعليه بدأت الصحوة تدور في فلك التيار المناصر والمدعوم من قبل المالكي. حينها فقط بدأ المالكي يتجه بخطوات سريعة لإضعاف وإنهاء ظاهرة الصحوات بصورة كاملة، بدءاً من دمج بعض العناصر في مؤسسات الدولة وانتهاءً بملاحقة عناصر الصحوات.

أبناء العراق

أطلقت الحكومة العراقية وصف أبناء العراق على المجاميع السنية التي انتظمت في مجاميع خاصة لمواجهة تنظيم القاعدة؛ وجاء هذا الوصف بعد ترددها في تأييد السياسة الأمريكية الجديدة التي رأت بتغيير أهداف الصراع في العراق بين كونها ضد الاحتلال الأمريكي إلى أولوية مواجهة النفوذ الإيراني في العراق المتعاظم تحت دعم وتأييد القوات الأمريكية. وكان لهذا التغيير الدور الأكبر في اصطفاف عدد كبير من عناصر التنظيمات المقاومة المسلحة التي انسلخت من تنظيماتها المقاومة إلى الانضواء في هذه المجاميع.

لم يكن الهدف من تشكيل هذه المجالس مواجهة القاعدة أو النفوذ الإيراني فقط، بل إن هذه المناطق شهدت تدهوراً في الحياة العامة والمعيشية نتيجة لسنوات الاحتلال وانعدام فرص إعادة البناء ما دفع أهالي المناطق للشعور بالضعف والملل من استمرار العمليات العسكرية. وبسبب قسوة المعاناة في هذه المناطق وسوء وضعها الأمني خاضت الصحوات مواجهات عنيفة مع مجاميع وصفت بكونها تنتمي إلى القاعدة والتكفيريين كهدف معلن، إلا أن غرضها الأساسي مواجهة فصائل المقاومة؛ أسفرت المواجهات عن تحقيق تحسن ملموس في الوضع الأمني بهذه المناطق الساخنة فيما استغلت قوات الاحتلال وبمساعدة قوى السلطة والأحزاب المتنفذة متابعة وملاحقة واعتقال وتصفية فصائل المقاومة. واستمرت هذه التصفيات حتى بعد أن سحبت هذه المجاميع التي سميت بـ (القاعدة) من مناطق المواجهة لتستمر مجاميع الصحوات بعملها التصفوي للمقاومة مدفوعة بمغريات مادية وتنظيمات ومقرات حزبية ومحلية لها صلاحيات أمنية وإدارية واسعة في مناطق تشكيلها الذي شمل مناطق عديدة من العراق وضمنها العاصمة بغداد ومحيطها. ولم تستيقظ تنظيمات الصحوة من مخاطر فعلها إلا بعد أن أنجزت أهداف تأسيسها من قبل قوات الغزو التي لم تعد قادرة على تحمل نفقاتها وتمويلها، ولم يعد وجودها بعد أداء واجبها يبرر تكاليفها، فأوكلت مهمة تفكيكها، إلى السلطة والحكومة المنصبة وألزمتها بهذه المهمة على الرغم من تشبث الصحوات ببقاء ارتباطها بقوات الاحتلال لإدراكها أنها لن تحصل على ترحيب السلطة المنصّبة بديمومتها لأسباب تتعلق بطبيعة انتمائها المناطقي والطائفي وخلفيتها الجهادية.

قوات الصحوات ظلت متشبثة بقوات الاحتلال لإدراكها أن السلطة غير مرحبة بوجودها 

وبالفعل تم تحجيم الصحوات وتصفية نشاطاتها من قبل حكومة المالكي إما:

* بالاستهداف المباشر لقادتها ومسؤوليها وتصفيتهم بشكل متواتر.

* أو باختلاق مواجهات تصفوية كبيرة مع قطعات الجيش والأمن الحكومية.

* أو من خلال احتواء نسبة ضئيلة من أفرادها لم تتجاوز لغاية اليوم 10 في المائة من حجمها في مؤسسات الشرطة والجيش الإدارية وغير المقاتلة، بمحاولات يائسة وبطيئة ومن خلال لجنة تنسيقية ثلاثية صورية من قوات الاحتلال والحكومة وبعض قادتها الذين احتواهم المالكي لإلحاق بعض أفرادها بوظائف مدنية لمدهم برواتب بسيطة تضمن استمرار تهميشهم وولائهم وتحول دون عودتهم للخلفية الجهادية.

* احتواء القيادات وشيوخ العشائر في تنظيمات سياسية وكتل انتخابية وتحويلهم إلى ساسة ضمن العملية السياسية التي صممها الاحتلال.

ومادام أن الهدف من تشكيل الصحوات يندرج في تحسين الوضع الأمني فإن أبرز ما يهدد الأمن في العراق والعملية السياسية وخصوصاً في المناطق السنية هو الوضع المتوتر بين الحكومة العراقية والصحوات؛ إذ تتهم الحكومة قوات الصحوة بتورط قسم منها في أعمال إرهابية ضد القوات العراقية ما يدفعها إلى الرجوع عن وعودها بشمول قسم منها – لا يتعدى 20 في المائة – في قوات الجيش والشرطة العراقية؛ وعلى الرغم من الانتقادات الكبيرة التي وجهت للحكومة في هذا الإطار إلا أنها لا تنفي تورط هؤلاء بأعمال (إرهابية) على حد التقييم الحكومي العراقي، لكن لا يمكن أيضاً تحميل الصحوات اللوم كون الحكومة العراقية لم تقطع خطوات مهمة وحقيقية على الأرض في الجانب المتعلق بالمصالحة الوطنية؛ وهو ما أشار إليه الرئيس جلال طالباني مؤخراً بإلقاء اللوم على الحكومة العراقية بعدم اتخاذ خطوات مهمة لتحقيق المصالحة الوطنية. ونظراً لعدم وجود معالجات حقيقية للوضع، ناهيك عن أن تعامل الحكومة العراقية مع الصحوات الذي اتخذ أسلوباً إقصائياً وصل حد التصادم مع قيادات هذه الصحوات في عدد من المناطق مثل الفضيل وبعقوبة وغيرهما، وذلك فور تسلمها مسؤوليتها من القوات الأمريكية في الثاني من إبريل 2009، دفع ذلك إلى تدهور أمني ملحوظ جداً يمكن تلمسه من العمليات القتالية وأعداد القتلى التي حدثت خلال الشهرين الأخيرين وتحديداً منذ إبريل الماضي.

وعلى الرغم من ذلك تبقى الأوضاع هادئة نسبياً، لكن تنبئ الأوضاع الأخيرة باحتمال تفجر الوضع الأمني من جديد إذا لم تكن هناك معالجة حقيقية للمشكلات التي يعاني منها السنة ومناطقهم على العموم.

إن سوء إدارة الحكومة العراقية لملف الصحوة أدى إلى انتكاسة في الوضع الأمني؛ على الرغم من محدودية هذه التداعيات إلى الآن. فالأحداث الأخيرة تعكس حجم المشكلة فيما لو لم يتم التعامل مع السنة ضمن إطار مصالحة وطنية حقيقية إن التعامل مع الصحوة لتحقيق أجندة مرحلية تصب في مصلحة طرف معين (قوات الاحتلال) وتحويل الملف إلى الحكومة العراقية التي كانت لها تحفظاتها إزاء تشكيل هذه القوات منذ البداية يضاعفان من التوتر الأمني؛ إذ تعاملت الحكومة مع الصحوات بعد توليها هذا الملف في الثاني من إبريل من زاوية تورط بعض الأشخاص بعمليات قتل ضد مواطنين عراقيين، أي التعامل مع أعضاء الصحوات من زاوية تاريخهم الذي سبق انخراطهم بالصحوات. إذ أشار المالكي إلى أمر اعتقال رئيس صحوة الفضيل عادل المشهداني ومساعده كونهم متورطين بعمليات قتل للشيعة، وكونه أحد قادة تنظيم القاعدة آنذاك؛ بحيث لم تشفع له جهوده في طرد (القاعدة) بعد ذلك من المناطق السنية وإسهاماته في هذا الإطار؛ وهو ما سبق وعزز وجهة نظرنا التي رأت بالصحوة خطراً على سيطرة الشيعة على الحكم وبروزها كقوة ثالثة، غير مرغوب فيها من قبل البشمركة وقوات الجيش والشرطة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة.

وتجدر الإشارة إلى أن ملف الصحوات معرض للتفجر من جديد مع انتهاء اقتراب نهاية الفصل التشريعي الحالي؛ حيث رجّح عضو لجنة المصالحة الوطنية في البرلمان العراقي عمر الهيجل احتمال ترحيل ملف الصحوات إلى الحكومة العراقية التي ستنبثق من انتخابات برلمان البلاد في يناير المقبل. وشدد الهيجل على أن (مشكلة استيعاب رجال الصحوات في المؤسسات الأمنية والخدمية للدولة لاتزال قائمة، ولا أعتقد أن الحكومة ستجد حلولاً نهائية وجذرية لها وفق ما جاء في الخطة الاستراتيجية التي وضعتها لاستكمال عملية الاستيعاب). وتابع قائلاً (الأرجح أن هذه المشكلة سترحل إلى مجلس النواب والحكومة المقبلين شأنها شأن بقية المشكلات السياسية ذات الصلة بالتشريعات المثيرة للجدل) حسب قوله. وأكد البرلماني العراقي أن (هناك تلكؤاً واضحاً في تطبيق الخطة، حيث جرى حتى الآن ضم نحو عشرة آلاف رجل إلى مؤسسات الدولة من مجموع تسعين ألفاً، وهو ما يشكل نسبة انجاز متواضعة تثير شكوكاً واحتمالات قوية في عدم إمكانية الانتهاء من ملف الصحوات بحلول نهاية العام الحالي حسب الخطة)، الأمر الذي يعزز من احتمال تفجر الوضع الأمني من جديد.

سوء إدارة الحكومة العراقية لملف الصحوة أدى إلى انتكاسة في الوضع الأمني

وتزداد صعوبة التعامل مع ملف الصحوات بازدياد حالة الاستقطاب لدى التنظيمات المسلحة الأخرى، وتنظيم القاعدة على وجه الخصوص، لهذه المجموعات التي تمردت على وضعها منذ تولي الحكومة لملفها وتأخر دفع رواتبها لأربعة أشهر متتالية. إذ يسعى تنظيم القاعدة إلى استقطاب بعض أعضاء هذه التنظيمات المتمردة لكنه يخشى من أن تشكل مرة أخرى حصان طروادة الذي سينفذ منه المالكي وجنوده لإضعاف التنظيمات المسلحة وإقصاء القاعدة من العراق. ولذلك أعلن تنظيم القاعدة عن استراتيجية جديدة لمعالجة هذا الوضع من خلال إعلان هذه المجالس لتوبتها، على أن تقوم (القاعدة) فيما بعد بتقييم وضعها وتدقيق توجهاتها وقابلية انخراطها بالتنظيمات المقاومة والقاعدة. لقد أشار رئيس تنظيم القاعدة أبو حمزة المهاجر أو (أبو أيوب المصري) في 22 إبريل 2009 إلى أن مجالس الصحوات أجرمت بحق دينها وشعبها، وأضاف (لقد أجرموا في حق دينهم وأجرموا في حق أهلهم، وأجرموا في حق أنفسهم، فهم مجرمون مجرمون، ومع ذلك إن عادوا إلى بيوتهم وتركوا ما هم فيه وعليه اليوم تائبين إلى الله، فلهم منا الأمان من أيّ ملاحقةٍ شرط صدق توبتهم، ونخصُّ منهم من كان في جماعةٍ تدّعي الجهاد فلهم منّا كل الأمان شرطَ صدق التوبة وعدم حمل السلاح مرة أخرى تحت أيّ ذريعةٍ كانت إلى أن يتبيّن صدق توبتهم). ولم يشر المهاجر إلى الآلية التي سيعمل بها للتحقق من التزامهم بصدق (توبتهم)، خصوصاً أنه سبق أن قدم الدعوة ذاتها في عام 2006 إلى أعضاء هذه المجالس آنذاك، ووعد بملاحقتها إن لم ترجع إلى صوابها وترفض الانخراط بهذه المجالس المدعومة أمريكياً وحكومياً؛ بل إنه شكل كتائب الصديق لملاحقتها، فهل ستلقى دعوته هذه المرة الاستجابة؟

ربما الإجابة عن هذا السؤال ترتبط بما تقوم به الحكومة العراقية من سياسات خصوصاً بعد ما تخلى الجانب الأمريكي عنها، في الوقت الذي يستعد فيه أيضاً إلى الانسحاب من العراق. فمجالس الصحوات على العموم باستثناء المنطقة الغربية (الأنبار) تحولت إلى أحزاب سياسية، ونافست بالانتخابات الأخيرة (مجالس المحافظات)، إلا أنها فشلت بإيصال عدد كاف من ممثليها إلى مجالس المحافظات، ما فاقم من وضعها الداخلي وعزز من دور التنظيمات المسلحة المناطق السنية من جديد والتأثير فيها؛ وهو مؤشر إلى احتمال توتر الوضع الأمني من جديد بعد انسحاب الولايات المتحدة من العراق.

ولذلك تتفاقم أوضاع هذه المجالس وتتناقص الفرص أمامها وخصوصاً في تفاوضها مع الحكومة العراقية؛ وعليه إذا استمرت الحكومة بتعاملها معها على هذا الإطار وضمن معادلة الربح والخسارة أو الاكتفاء بالتفاوض مع التيار السياسي الذي انبثق منها فقط والذي أعلن أنه سينضوي هو الآخر بلائحة انتخابية واحدة (دولة القانون) التي يترأسها رئيس الوزراء نوري المالكي، فإن الوضع قابل للتفجر على المدى القريب، وأن أي اتفاق يخرج إلى العلن بينهما لن يكون إلا معالجة آنية مشوهة تمهد لمزيد من الاحتقان والانفجار من جديد.

::/fulltext::
::cck::1413::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *