(الاسلاموفوبيا) وأزمة الضمير الغربي
::cck::1408::/cck::
::introtext::
قبل 110 سنوات من الآن، وتحديداً في 13 يناير 1898، نشر أميل زولا رسالته الشهيرة (أنا أتهم) والتي مثلت من وجهة نظر الكثيرين ذروة صحوة الضمير الأوروبي في وجه التمييز بحق الأقليات الدينية والثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
قبل 110 سنوات من الآن، وتحديداً في 13 يناير 1898، نشر أميل زولا رسالته الشهيرة (أنا أتهم) والتي مثلت من وجهة نظر الكثيرين ذروة صحوة الضمير الأوروبي في وجه التمييز بحق الأقليات الدينية والثقافية.
لقد جاءت الرسالة في سياق تفاعلات قضية (دريفيس)، ذلك الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي الذي حوكم سنة 1895 بتهمة التخابر مع الألمان قبل أن تتم تبرئته وإعادة الاعتبار إليه سنة 1906، حيث قدم على أنه ضحية لما اعتبر موجة من معاداة السامية اجتاحت المجتمع الفرنسي حينها.
وكانت مناسبة الإشارة إلى هذه الواقعة هي المقارنة بين صدى رسالة زولا الشهيرة في أوساط المثقفين الأوروبيين والنقاش الذي أثارته قضية (دريفيس) في ذلك الوقت وبين اللامبالاة التي تقابل بها النخب الغربية الآن ظاهرة الإسلاموفوبيا التي لا يطال ضررها شخصاً واحداً فحسب بل بات يتأذى منها، بشكل أو آخر، مئات الآلاف من المسلمين المقيمين في ديار الغرب.
وبداية، لا يخفى أنه حتى المصطلح المستخدم يبدو اختياره غير بريء تماماً، ففي مقابل العداء للسامية يتم الحديث عن الإسلاموفوبيا التي تحيل إلى الخوف المبالغ فيه أو النفور. وهي مشاعر غير مبررة طبعاً، لكنها تظل في النهاية نوعاً من رد الفعل، وعلى خلاف العداء الذي هو موقف إرادي فإن (الفوبيا) وإن كانت شعوراً مرفوضاً إلا أن اعتبارها رد فعل ربما يعطي الانطباع بأن صاحبها لا يتحمل المسؤولية الكاملة عن مشاعره السلبية ولا عن التصرفات التي قد تترتب عليها.
وفي سياق لعبة المصطلحات نفسها، يلحظ المتابع أن الأوساط الإعلامية والسياسية الغربية تواطأت على استخدام أوصاف وتعبيرات مستفزة وتنطوي على إهانة غالباً مثل إطلاق أوصاف الأصولية والراديكالية على كل المظاهر الإسلامية، ناهيك عن الإلحاح الممجوج على نسبة الإرهاب إلى الإسلام. وفي المقابل يتم التعامل بكل الاحترام والتفهم مع مظاهر التطرف في الديانات والثقافات الأخرى غربية كانت أم شرقية.
ومن غريب المفارقات الاتهام المتكرر للعرب والمسلمين بطغيان العنصر الديني على حياتهم، في حين أن الحاصل هو كون الرؤية الغربية للعالم العربي والإسلامي تغلب عليها نظرة تبسيطية تختزل كل شيء في البعد الديني ـ الثقافي، وهي رؤية تستبطن موقفاً عنصرياً ينطلق من اعتبار أن ما يسمى الثقافة الغربية ذات الجذور اليهودية ـ المسيحية يمثل محور الحضارة الإنسانية، ومن ثم فإن كل الثقافات الأخرى تقترب من التحضر بقدر ما تتخلص من خصائصها المغايرة للثقافة الغربية.
هذه النظرة يترتب عليها تناقض في مسلك الباحثين الغربيين الذين يجهدون أنفسهم في تحليل العوامل الموضوعية التي تفسر ملامح التطور وسمات التخلف في تاريخ مجتمعاتهم، لكن ملكاتهم التحليلية تتعطل تماماً عندما يتعلق الأمر بواقع المجتمعات الإسلامية، حيث يجدون في البعد الديني مفتاحاً سحرياً لتفسير كل الظواهر، محاولين الإيحاء بأن التخلص من المقومات الدينية والثقافية لهذه المجتمعات كفيل في حد ذاته بإصلاح كل أوضاعها الفاسدة. فضلاً عن ذلك أصبح لهذه المقاربة التبسيطية بعد لا يقل أثراً، فقد ترسخت لدى كثير من الغربيين (نظرة مانوية) للعالم تقسمه إلى عالم للخير مركزه الغرب وعالم للشر هو عالم الإسلام. وبمقتضى هذا التقسيم تنسب كل الممارسات السيئة للإسلام حتى لو لم تكن للمسلمين أية علاقة بها، كما لو أن عالمنا الذي يعج بالأمم والملل لا وجود فيه لكيانات أخرى خارج نطاق هذا التصنيف.
كثير من الغربيين ينظرون نظرة مانوية للعالم تقسمه إلى عالم للخير مركزه الغرب وعالم للشر هو عالم الإسلام
غير أن تحيز النخب الغربية ضد الإسلام لا يقف عند حد هذه المواقف، بل أسهم أيضاً في تعميق الشرخ داخل الجاليات الإسلامية عبر إغراء فئات منها بالعمل ضد البقية، الأمر الذي ولّد ما يمكن أن يطلق عليه ظاهرة (الإسلاموفوبيا الإسلامية) التي تناولها الباحث الفرنسي فينسان جيسيه في كتابه (الإسلاموفوبيا الجديدة) الصادر سنة 2003، حيث نبه إلى أن بعض قطاعات النخبة ذات الأصول المسلمة تسهم بشكل بارز في الانتشار الذي تعرفه ظاهرة الإسلاموفوبيا في الوقت الراهن، مستغلة الفرصة التي يتيحها الموقف السائد تجاه الإسلام لتلعب ورقة (الاعتدال) في مسعى لتعزيز موقعها على حساب صورة الجالية المسلمة ومنظماتها العاملة على الميدان.

الأوساط الإعلامية والسياسية الغربية تواطأت على استخدام أوصاف وتعبيرات مستفزة
وفي مقدمة هذه الفئات يوجد (السياسيون) الساعون إلى تعزيز مواقعهم ضمن التشكيلات الحزبية الفرنسية التي ينتمون إليها عبر التخويف من شبح (الخطر الإٍسلامي) الذي تمثله الضواحي، بحيث أصبح التشهير بالمسلمين موضة لدى بعض الزعماء السياسيين الفرنسيين المنحدرين من أصول مغاربية.
ويلي هؤلاء بعض (رجال الدين) الذين يعملون على احتكار تمثيل الصوت الإسلامي أمام السلطات العمومية ووسائل الإعلام، ولهذا الغرض يتهمون الجمعيات والتنظيمات الإسلامية الأخرى بالتطرف، مسهمين على هذا النحو في تكريس المقاربة الأمنية والخطاب الاتهامي تجاه المسلمين.
وأخيراً، هناك بعض (المثقفينالاستئصاليين) الذين نقلوا إلى الغرب معركتهم الإيديولوجية ضد التيارات الإسلامية في بلدانهم الأصلية من دون تمييز بين الواقع المحلي الذي جاءوا منه والسياق الغربي المختلف، معتبرين أن المجتمعات الغربية تمثل ميداناً مناسباً للترويج لموقفهم المعادي لعموم المسلمين الملتزمين وتقديم أنفسهم كما لو كانوا وحدهم المؤهلين لتمثيل (الإسلام المعتدل).
تلك بعض ملامح محنة الجاليات الإسلامية في الغرب بسبب هذه الظاهرة المقيتة التي تتطلب مواجهتها تضافر جهود أهل الرأي من هذه الجاليات، بغض النظر عن مشاربهم الفكرية ونزعاتهم السياسية، لتشد من عضد المنصفين من الغربيين في سعيهم إلى كشف الحقائق أمام مجتمعات لا تزال ضحية لتأثير نخب متعصبة ومنعدمة الضمير.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1408::/cck::
::introtext::
قبل 110 سنوات من الآن، وتحديداً في 13 يناير 1898، نشر أميل زولا رسالته الشهيرة (أنا أتهم) والتي مثلت من وجهة نظر الكثيرين ذروة صحوة الضمير الأوروبي في وجه التمييز بحق الأقليات الدينية والثقافية.
::/introtext::
::fulltext::
قبل 110 سنوات من الآن، وتحديداً في 13 يناير 1898، نشر أميل زولا رسالته الشهيرة (أنا أتهم) والتي مثلت من وجهة نظر الكثيرين ذروة صحوة الضمير الأوروبي في وجه التمييز بحق الأقليات الدينية والثقافية.
لقد جاءت الرسالة في سياق تفاعلات قضية (دريفيس)، ذلك الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي الذي حوكم سنة 1895 بتهمة التخابر مع الألمان قبل أن تتم تبرئته وإعادة الاعتبار إليه سنة 1906، حيث قدم على أنه ضحية لما اعتبر موجة من معاداة السامية اجتاحت المجتمع الفرنسي حينها.
وكانت مناسبة الإشارة إلى هذه الواقعة هي المقارنة بين صدى رسالة زولا الشهيرة في أوساط المثقفين الأوروبيين والنقاش الذي أثارته قضية (دريفيس) في ذلك الوقت وبين اللامبالاة التي تقابل بها النخب الغربية الآن ظاهرة الإسلاموفوبيا التي لا يطال ضررها شخصاً واحداً فحسب بل بات يتأذى منها، بشكل أو آخر، مئات الآلاف من المسلمين المقيمين في ديار الغرب.
وبداية، لا يخفى أنه حتى المصطلح المستخدم يبدو اختياره غير بريء تماماً، ففي مقابل العداء للسامية يتم الحديث عن الإسلاموفوبيا التي تحيل إلى الخوف المبالغ فيه أو النفور. وهي مشاعر غير مبررة طبعاً، لكنها تظل في النهاية نوعاً من رد الفعل، وعلى خلاف العداء الذي هو موقف إرادي فإن (الفوبيا) وإن كانت شعوراً مرفوضاً إلا أن اعتبارها رد فعل ربما يعطي الانطباع بأن صاحبها لا يتحمل المسؤولية الكاملة عن مشاعره السلبية ولا عن التصرفات التي قد تترتب عليها.
وفي سياق لعبة المصطلحات نفسها، يلحظ المتابع أن الأوساط الإعلامية والسياسية الغربية تواطأت على استخدام أوصاف وتعبيرات مستفزة وتنطوي على إهانة غالباً مثل إطلاق أوصاف الأصولية والراديكالية على كل المظاهر الإسلامية، ناهيك عن الإلحاح الممجوج على نسبة الإرهاب إلى الإسلام. وفي المقابل يتم التعامل بكل الاحترام والتفهم مع مظاهر التطرف في الديانات والثقافات الأخرى غربية كانت أم شرقية.
ومن غريب المفارقات الاتهام المتكرر للعرب والمسلمين بطغيان العنصر الديني على حياتهم، في حين أن الحاصل هو كون الرؤية الغربية للعالم العربي والإسلامي تغلب عليها نظرة تبسيطية تختزل كل شيء في البعد الديني ـ الثقافي، وهي رؤية تستبطن موقفاً عنصرياً ينطلق من اعتبار أن ما يسمى الثقافة الغربية ذات الجذور اليهودية ـ المسيحية يمثل محور الحضارة الإنسانية، ومن ثم فإن كل الثقافات الأخرى تقترب من التحضر بقدر ما تتخلص من خصائصها المغايرة للثقافة الغربية.
هذه النظرة يترتب عليها تناقض في مسلك الباحثين الغربيين الذين يجهدون أنفسهم في تحليل العوامل الموضوعية التي تفسر ملامح التطور وسمات التخلف في تاريخ مجتمعاتهم، لكن ملكاتهم التحليلية تتعطل تماماً عندما يتعلق الأمر بواقع المجتمعات الإسلامية، حيث يجدون في البعد الديني مفتاحاً سحرياً لتفسير كل الظواهر، محاولين الإيحاء بأن التخلص من المقومات الدينية والثقافية لهذه المجتمعات كفيل في حد ذاته بإصلاح كل أوضاعها الفاسدة. فضلاً عن ذلك أصبح لهذه المقاربة التبسيطية بعد لا يقل أثراً، فقد ترسخت لدى كثير من الغربيين (نظرة مانوية) للعالم تقسمه إلى عالم للخير مركزه الغرب وعالم للشر هو عالم الإسلام. وبمقتضى هذا التقسيم تنسب كل الممارسات السيئة للإسلام حتى لو لم تكن للمسلمين أية علاقة بها، كما لو أن عالمنا الذي يعج بالأمم والملل لا وجود فيه لكيانات أخرى خارج نطاق هذا التصنيف.
كثير من الغربيين ينظرون نظرة مانوية للعالم تقسمه إلى عالم للخير مركزه الغرب وعالم للشر هو عالم الإسلام
غير أن تحيز النخب الغربية ضد الإسلام لا يقف عند حد هذه المواقف، بل أسهم أيضاً في تعميق الشرخ داخل الجاليات الإسلامية عبر إغراء فئات منها بالعمل ضد البقية، الأمر الذي ولّد ما يمكن أن يطلق عليه ظاهرة (الإسلاموفوبيا الإسلامية) التي تناولها الباحث الفرنسي فينسان جيسيه في كتابه (الإسلاموفوبيا الجديدة) الصادر سنة 2003، حيث نبه إلى أن بعض قطاعات النخبة ذات الأصول المسلمة تسهم بشكل بارز في الانتشار الذي تعرفه ظاهرة الإسلاموفوبيا في الوقت الراهن، مستغلة الفرصة التي يتيحها الموقف السائد تجاه الإسلام لتلعب ورقة (الاعتدال) في مسعى لتعزيز موقعها على حساب صورة الجالية المسلمة ومنظماتها العاملة على الميدان.

الأوساط الإعلامية والسياسية الغربية تواطأت على استخدام أوصاف وتعبيرات مستفزة
وفي مقدمة هذه الفئات يوجد (السياسيون) الساعون إلى تعزيز مواقعهم ضمن التشكيلات الحزبية الفرنسية التي ينتمون إليها عبر التخويف من شبح (الخطر الإٍسلامي) الذي تمثله الضواحي، بحيث أصبح التشهير بالمسلمين موضة لدى بعض الزعماء السياسيين الفرنسيين المنحدرين من أصول مغاربية.
ويلي هؤلاء بعض (رجال الدين) الذين يعملون على احتكار تمثيل الصوت الإسلامي أمام السلطات العمومية ووسائل الإعلام، ولهذا الغرض يتهمون الجمعيات والتنظيمات الإسلامية الأخرى بالتطرف، مسهمين على هذا النحو في تكريس المقاربة الأمنية والخطاب الاتهامي تجاه المسلمين.
وأخيراً، هناك بعض (المثقفينالاستئصاليين) الذين نقلوا إلى الغرب معركتهم الإيديولوجية ضد التيارات الإسلامية في بلدانهم الأصلية من دون تمييز بين الواقع المحلي الذي جاءوا منه والسياق الغربي المختلف، معتبرين أن المجتمعات الغربية تمثل ميداناً مناسباً للترويج لموقفهم المعادي لعموم المسلمين الملتزمين وتقديم أنفسهم كما لو كانوا وحدهم المؤهلين لتمثيل (الإسلام المعتدل).
تلك بعض ملامح محنة الجاليات الإسلامية في الغرب بسبب هذه الظاهرة المقيتة التي تتطلب مواجهتها تضافر جهود أهل الرأي من هذه الجاليات، بغض النظر عن مشاربهم الفكرية ونزعاتهم السياسية، لتشد من عضد المنصفين من الغربيين في سعيهم إلى كشف الحقائق أمام مجتمعات لا تزال ضحية لتأثير نخب متعصبة ومنعدمة الضمير.
::/fulltext::
::cck::1408::/cck::
