البيئة الخارجية والدفاع الخليجي المشترك: رؤى مستقبلية
::cck::1279::/cck::
::introtext::
تعد منطقة الخليج العربي واحدة من أدق مناطق العالم حساسية في التفاعلات الدولية، فهي من جهة تملك موارد يسيل لها لعاب قوى كبرى متعددة، ومن جهة أخرى تعد واحدة من أكثر المناطق والأقاليم التي تعاني فراغاً في القوة الذاتية. فهناك خلل مهم بين معامل القدرة ومعامل الثروة، ومعامل توجه القوى الكبرى والإقليمية صوبها.
::/introtext::
::fulltext::
تعد منطقة الخليج العربي واحدة من أدق مناطق العالم حساسية في التفاعلات الدولية، فهي من جهة تملك موارد يسيل لها لعاب قوى كبرى متعددة، ومن جهة أخرى تعد واحدة من أكثر المناطق والأقاليم التي تعاني فراغاً في القوة الذاتية. فهناك خلل مهم بين معامل القدرة ومعامل الثروة، ومعامل توجه القوى الكبرى والإقليمية صوبها.
إن دول الخليج بحكمتها (حكومات وشعوباً) أدركت ذلك، ولهذا اتجهت إلى مسارات تجعل المعاملات في العلاقة أعلاه متوازناً أو بنهايات غير مؤثرة بالسلب على نحو حاسم، لهذا لجأت تلك الدول (دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية) إلى الآتي:
1- تحقيق استقرار سياسي داخلي عبر دعم شرعية النظم السياسية الحاكمة، ودعم معدلات الرفاهية الاقتصادية، ومحاكاة الأوضاع الثقافية القائمة وعدم القفز عليها.
2- رفع معدلات الإنفاق العسكري عبر تسريع وتيرة التسلح العالي التكنولوجيا، والتركيز على قدرات الطيران والصواريخ والدفاع الجوي، والسعي لبناء جيوش محترفة تتجاوز قيد محدودية القدرات البشرية.
3- إقليمياً، اعتمدت دول المجلس مساعي أولية لجعل قوات درع الجزيرة جيشاً خليجياً متكاملاً، ورفع معدلات التعاون السياسي والتركيز على هموم وأولويات وتحديات مشتركة.
4- عالمياً، لجأت تلك الدول إلى الدخول في علاقات أمنية واستراتيجية مع عدد من القوى الكبرى، بمقتضاها دخلت تلك القوى إلى المنطقة عبر اتفاقيات ثنائية لتضمن أمن دولها (وتشمل قواعد عسكرية، حماية بحرية وجوية، وتبادلاً للمعلومات)، والدخول في علاقات تسلح متعددة الأطراف مع القوى الكبرى لضمان ارتباط الخليج الدائم بالأمن العالمي.
قضايا الدفاع.. قضايا مصير
وبعيداً عن تقلبات الشأن الداخلي وشجون السياسة، يلحظ أن دول المجلس بمجموعها لم تهتم بقضية كقضية الدفاع، نظراً لحساسية وضعها الاستراتيجي وفجوة الإمكانات التي تعانيها مقارنة بحجم التهديدات المحيطة بها.
وإذا ما أتينا إلى قضايا الدفاع التي تنشغل بها عموم دول المجلس فسنجدها تأخذ العناوين التالية:
1- الإنفاق العسكري: ويشمل قضايا متعددة، هي التسلح والبنية التحتية والمرتبات وبناء القدرات واستقدام واستخدام الخبرات، وحجم الإنفاق ونسبته إلى الناتج القومي يؤشران إلى أولوية الأمن لدى هذه الدول وحجم التهديدات المحيطة بها. ونلحظ أن إنفاق دول المجلس العسكري بلغ نحو: (29.5 ، 28.5 ، 31.5 ، 41.1) مليار دولار للأعوام (1998، 2000، 2002، 2004، 2006) على التوالي. وهذه شكلت ما نسبته 7-8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الخليجي.
2- التسلح: وهو واحد من أوجه الإنفاق العسكري، ويثير قضايا متعددة، أهمها أن دول المجلس لا تزال لم تبن لها قاعدة صناعية عسكرية تلبي متطلبات وحاجات الداخل، بل هي تعتمد على الخارج بشكل شبه كامل. ولقد اتجهت دول المجلس نحو تبني سياسة تقوم على تنويع مصادر التسلح، وهي اليوم تعتمد على قوى محددة بشكل رئيسي. واليوم تتوجه نسب مهمة من صادرات القوى الكبرى من الأسلحة إلى إجمالي منطقة الشرق الأوسط ومنها دول المجلس، فالولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والصين صدرت لها من صادراتها العسكرية ما نسبته (32 في المائة، 8 في المائة، 50 في المائة 4 في المائة، 6 في المائة، 31 في المائة على التوالي). ولعل أهم الدول المستوردة للأسلحة هي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. فوفقاً لبيانات الكتاب السنوي 2008، فإنه خلال المدة (2003-2007) احتلت دول المجلس مراتب متقدمة بين الدول المستوردة للسلاح (الذي بلغ قيمة تجارته عالمياً عام 2007 نحو 47 مليار دولار)، فالإمارات احتلت المرتبة الثالثة عالمياً، والسعودية المرتبة 21 عالمياً، وسلطنة عمان المرتبة 43 عالمياً. ويلحظ أن هناك خللاً بين الاستيراد والإنتاج العسكري المحلي، فالإنتاج العسكري شبه معدوم في هذه الدول، رغم أن وضعها يتطلب منها وجود صناعات عسكرية محلية.
3- الموارد البشرية: وهي عماد أي استراتيجية دفاعية إذا ما أراد صانعوها لها التنفيذ والحياة. والملاحظ أن البيانات المتوافرة تفيد بالآتي (تقرير التنمية البشرية 2007-2008- ص232):
ويلاحظ أن هناك عدم تناسب بين وضع هذه الدول وعدد سكانها، مقارنة بدول الجوار. ويلاحظ أيضاً أن إجمالي عدد القوات المسلحة لدول المجلس لا يزال صغيراً والإقبال عليها ظل محدوداً.
4- الاستراتيجيات: تعكس العلاقة بين أربعة متغيرات: أولويات الدولة، الموارد والإمكانات المتاحة، وتقييم عناصر التهديد ومصادره، والبرامج والسياسات التي يمكن اعتمادها وتنفيذها للوصول إلى الأولويات وغايات الدولة. وعموماً، نرى أن أولويات دول المجلس عموماً هي تحقيق معدلات مستقرة للرفاهية الاقتصادية، أما الموارد المتاحة فإنها لا تزال تقوم على تصدير النفط والغاز الطبيعي، أما عناصر التهديد فهي موضع خلاف دول المجلس، فقبل عام 2003 كانت سياسات العراق موضع اتفاق عريض كونها التهديد الأبرز، أما اليوم فالبعض بات يتحدث عن مصادر تقليدية (إيران)، وآخر يتحدث عن مصادر غير تقليدية (الحركات المتشددة العابرة للحدود.. ).
أما على صعيد البرامج والسياسات، فيلحظ أن دول المجلس بينها تباين عريض، فابتداء سعت إلى إنشاء قوات درع الجزيرة، إلا أنها لم تنته إلى جعله جيشاً متكاملاً، بل انطلقت كل دولة في استراتيجية وطنية قوامها تحالف أمني-عسكري مع دولة كبرى، وسياسات تسلح غير منسق وفقاً لاحتياجات تكاملية. وهذا ما شكل لها هدراً عاماً في الموارد.
البيئة الخارجية ومطالب قاسية على المصالح الخليجية
يذهب منطق التحليل في السياسة الدولية إلى تقسيم بيئة الدراسة إلى أربعة مجالات: الفرد، الدولة، الإقليم، البيئة العالمية. وتشكل البيئة الخارجية لدول المجلس مجالين عريضين في تعريفهما ومطالبهما، وهما:
أولاً- البيئة الإقليمية: لعل أبرز قواها المؤثرة في قضايا الدفاع الخليجي هي:
1- إيران: وتشكل عقدة الخليج التاريخية، بسبب سياساتها القائمة على المزاوجة بين استحضار وتسييس التاريخ والمذهب. ولكون ثقة الغرب أعلى بسياساتها من سياسات دول الخليج العربية، فإن إيران أدركت ذلك، وتمسكت بسياسة اعتبار الخليج بحيرة فارسية بدعم ضمني من العالم الغربي. ويزداد تهديد إيران لدول المجلس بفعل العناصر العقائدية للنظام السياسي الحاكم في إيران، والقائم على تصدير الثورة كنهج، وعلى طموحات إلى أداء الأدوار القيادية في إقليم الخليج العربي، وأدى تغلغل إيران في العراق، وبرامج التسلح المثيرة للجدل، إلى أن تصبح إيران في نظر بعض دول المجلس في محل شك كونها الدولة التي لا يرجى تحولها إلى قوة صديقة أو محايدة.
ويزداد تأثير الموقف الإيراني في قضايا الدفاع الخليجي بفعل متغيرات: إغراء إقليم الخليج العربي لموارده وضعف قوته، وعدم اكتمال وحدة الموقف الخليجي إزاء إيران، وكون أرض الخليج العربية بنظر إيران أيسر في أن تكون ساحة لمواجهة محتملة مع القوى الغربية بديلاً عن الأراضي الإيرانية.
2- العراق: عدّ التحول في وضعه عام 2003 مدعاة لإعادة قراءة المواقف الخليجية. فالعراق (الرسمي) تحول من كونه قوة إيديولوجية قومية راديكالية إلى كونه قوة إيديولوجية راديكالية قائمة على تحالف طائفي-عرقي ضيق معاد لكل ما هو عربي بسياساته الفعلية، وفقاً لقراءة القوى القائمة بأمر سياساته للتاريخ، ويبني وجوده على ولائه عرفاناً وبتبعية غير منطقية لإيران.
وإذا كان الخليج (غير الرسمي) قد ضخ في العراق عناصر جهادية طوال المدة (2003-2008) فإن ما تظهره المعلومات المتسربة من قوى في السلطة، أن العراق (الرسمي) سيكون المدخل لإحداث انقلاب مذهبي في المحيط العربي لحسابات إقليمية (أي بالوكالة). وما تستطيع دول المجلس تحقيقه هو دمجه في المنظومة الخليجية وتحمل تبعات اجتماعية وسياسية سلبية، أو عزله والتسليم التام كونه بات منطقة نفوذ إيرانية، أو أداء لعبة مصالح معه بدعم جيوب عربية داخله لا تزال فقيرة سياسياً.
3- اليمن: جغرافياً يعد اليمن من مكونات الجزيرة العربية، وله تطلع للانضمام إلى مجلس التعاون، بيد أن ما يعوق ذلك خشية خليجية من عدم اتساق نظام حكمه مع أنظمة الحكم الخليجية، وشدة أمية المجتمع اليمني. إلا أن ما يغري لانضمامه أن اليمن يمكن أن يكون خزاناً بشرياً مهماً لبناء قدرات عسكرية لأي جيش خليجي مشترك في المستقبل، كما أن وضعه الاقتصادي يجعله سوقاً مفتوحة للمستثمرين الخليجيين.
4-إسرائيل: لم يعرف التاريخ القريب تماساً سلبياً بين دول المجلس وبين إسرائيل، وربما تعزى الأسباب إلى أن الولايات المتحدة هي المظلة الأمنية لدول المجلس، وبالتالي لا يتوقع إسرائيلياً أن تشكل تهديداً لمصالحها. مع ذلك، تتطلع إسرائيل إلى إقامة علاقات مع دول المجلس لأسباب ثلاثة: البحث عن شرعية الوجود السياسي عبر توسيع دائرة التطبيع مع الدول العربية، وتقليل الدعم للحركات الفلسطينية الراديكالية والتي يلقى قسم منها دعماً من منطقة الخليج العربية. كما تبحث إسرائيل عن الموارد النفطية والغاز الطبيعي بكميات وأسعار ملائمة، وهذا ما لا يتحقق الا بالتطبيع مع دول المجلس.
دول مجلس التعاون سعت إلى بناء جيوش محترفة تتجاوز قيد حجة القدرات البشرية
ثانياً- البيئة العالمية: وهي بيئة عريضة واسعة لها مطالبها واشتراطاتها، ويمكن أن نوجزها بالعناوين الآتية:
1- سياسياً: هناك تحول في القطبية من هيمنة الولايات المتحدة إلى بروز أشكال بدائية لتعددية قطبية مؤلفة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين. وهناك قوى كبرى طامحة لكنها لن تكون قطباً خلال المستقبل المتوسط، وأهمها الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا. والحركة صوب مرتبة القطب (حفاظاً أو صعوداً) تترتب عليها حركة صوب الأقاليم الأكثر فاعلية في النظام الدولي، ومنها منطقة الخليج العربي. فالحركة صوب القطب لها تكاليف كما لها امتيازاتها، وهذا ما يولد صراعات لن تعفى منها الأقاليم المختلفة.
2- عسكرياً: إن الحركة السياسية صوب مرتبة القطب الدولي تلزم حركة عسكرية للوجود في أو بالقرب من الأقاليم المختلفة. كما تفرض جعل الأقاليم (كلياً أو جزئياً) تابعاً في الجوانب العسكرية للقوة الكبرى. ويلاحظ هنا أن هناك تنافساً سياسياً بين القوى الكبرى على منطقة الخليج العربي يهدف إلى المواءمة بين التعارض الاقتصادي وتوافق المصالح الاستراتيجية، حيث عقدت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا اتفاقيات أمنية مع دول الخليج لحمايتها، وسيطرت الولايات المتحدة على العراق، ونشرت كل منها قواتها في أو بالقرب من منطقة الخليج، وتتنافس هذه القوى، وكذلك الصين وروسيا الاتحادية وألمانيا، على نقل الأسلحة (تصدير أسلحة، ومعدات، وخدمات، وخبرة) إلى المنطقة.
3- اقتصادياً: يعتمد النمو الاقتصادي الرأسمالي على الطاقة وتوافر رأس المال، وتسهم منطقة الخليج العربية بقسم منه، حيث تنتج دول المجلس نحو 18 في المائة من الإنتاج النفطي العالمي، وتختزن 27.1 في المائة من مجمل احتياطيه، وفقاً لإحصائيات عام 2006. فضلاً عن امتلاكها 4.3 في المائة من احتياطي العالم من الغاز الطبيعي.
أما رأس المال الخليجي في الأسواق العالمية فلا توجد إحصائيات يعتد بها أكاديمياً، وكتقديرات تتراوح بين (1500-2000) مليار دولار. كما تعد دول المجلس سوقاً للعمالة الوافدة والتي تصل إجمالاً إلى نحو 70 في المائة من إجمالي عدد السكان في دول المجلس.
4- ثقافياً: تتجه القوى الكبرى إلى التوافق فيما بينها حول ظواهر التشدد والتطرف والعنف والإرهاب وتحديداً العابر للحدود، وهذه الظواهر هي حزمة تكاد تتداخل أفعالها وأصحابها وتسيس مسمياتها. وما تهتم به القوى الكبرى هو نشاط الحركات التي تلجأ إلى إحدى تلك الظواهر في تنفيذ سياساتها والتمويل. ويعد العالم الإسلامي والشرق الأوسط عموماً، والعالم العربي وبضمنه منطقة الخليج العربية خصوصاً واحدة من أكثر المناطق تصديراً لأفكار ونشطاء يلجأون إلى إحداها تحت مسميات وأسباب مختلفة. ولما طرحت الولايات المتحدة عام 2004 مشروع الشرق الأوسط الكبير كان من ضمن أهدافه إصلاح المنظومة المعرفية والمنظومة الاجتماعية والمنظومة السياسية لدول المنطقة عموماً لتكون أقل قبولاً بتلك الظواهر.
التداعيات والآثار.. رؤى
لنصل إلى تكوين رؤى مستقبلية يتطلب ذلك أكاديمياً النظر في مستقبل المنظومة السياسية الإقليمية الخليجية، ولنحدد بعدها شكل الدفاع الممكن تحقيقه، ثم التداعيات والآثار المترتبة على أفعال البيئة الخارجية في تلك المنظومة وخططها الدفاعية.
إن التعاون الإقليمي الخليجي يمكن أن ينتهي إلى واحد من ثلاثة احتمالات بعناوين عريضة، هي:
أولاً- استمرار الوضع الراهن: بمعنى استمرار التمسك الظاهر بمؤسسات مجلس التعاون من دون وجود إرادة سياسية جادة لتحويله إلى كيان موحد على غرار الاتحاد الأوروبي. وفيه سيبقى العراق وإيران واليمن خارج المنظومة الخليجية.
وهنا قد تتطور العلاقة العراقية – الإيرانية إلى مستوى التحالف الاستراتيجي ولتظهر بعدها أشكال جديدة من العلاقة: مجلس التعاون المدعوم من الولايات المتحدة، وتحالف عراقي-إيراني العراق فيه مدعوم من الولايات المتحدة، وكلا التكوينين متنافسان وربما متصارعان.
ثانياً- تفكك منظومة مجلس التعاون الخليجي: يعود ذلك إلى أسباب أبرزها خلافات مصالح، أو عدم قدرة المؤسسات القائمة على حل إشكاليات التنافس السياسي أو عدم قدرتها على تلبية متطلبات المراحل المقبلة، أو أن القوى الخارجية تفعل فعلها في تحييد السياسات الخليجية عن القائم من السياسات التعاونية الحالية.
وعلى أثر ذلك، سنكون أمام وضع إقليمي ليس فيه تنظيم، أو أن تبرز أشكال من التنظيم فرعية تتطلبها لغة المصلحة، مثلاً: تحالف السعودية-اليمن، والعراق-الكويت-إيران، والبحرين-الإمارات.
ثالثاً- توسيع التنظيم الإقليمي: أو ربما ينتهي تنظيم المجلس الحالي إلى التوسع، ويتوقف التوسع على لغة المصلحة والقدرة على التوافق التي ستبديها الدول التي ستنظم إلى التنظيم الجديد، وهو بالضرورة لن يكون بشكل مجلس التعاون الخليجي. واحتمالات التوسع قد تأخذ أحد الآتي: انضمام اليمن أو العراق إلى مجلس التعاون، وهما احتمال ممكن، أو انضمام اليمن والعراق إلى مجلس التعاون، وهو احتمال ممكن أيضاً، وفيهما ستنخرط أطراف تملك بعض مقومات الألفة إلى مجلس التعاون، وسيكون عليها تقديم ضمانات أكبر للانخراط بالتعاون الخليجي، أو نشوء نظام أمني إقليمي جديد يضم مجلس التعاون مضافاً إليها اليمن والعراق وإيران. وهذا أمر يتطلب من كافة الأطراف ذات العلاقة تعديلات جوهرية في السياسات القائمة، وضمانات سياسية ولغة جديدة لإشاعة الثقة والمصالح السياسية وضمانات دولية.
اتجهت دول المجلس نحو تبني سياسة تقوم على تنويع مصادر التسلح
إن شكل الدفاع المحتمل في ضوء ما سبق سيختلف تبعاً للاحتمالات الواردة في أعلاه:
1- استمرار الوضع الراهن سيوجب على دول المجلس ضرورة إنشاء جيش خليجي مشترك، واستمرار التعويل على القوى الكبرى في ضمان الأمن الخليجي. كما سيكون لزاماً على دول المجلس البحث عن سبل لتسريع معدلات الزيادة السكانية أعلى مما هو قائم لتلبية العجز في العنصر البشري لمتطلبات الأمن.
2- أما تفكك منظومة المجلس فيستوجب أن تكون السياسة لكل دولة في حينه بقدر المسؤولية التي يفرضها الظرف الإقليمي، حيث يتوقع أن يكون تأثير إيران في الإقليم على أشده وتتحكم في الأنظمة والسياسات وإجمالي القضايا العامة، مما سيجبر الدول الخليجية العربية على زيادة معدلات الإنفاق العسكري نسبة للناتج المحلي إلى الضعف ربما مما هو قائم اليوم، وتوسيع التحالفات ليس مع القوى الكبرى فحسب بل مع دول عربية (مصر وسوريا) وإسلامية (باكستان)، لغرض توسيع ضمانات الأمن.
3- وفي حالة توسيع التنظيم الإقليمي، ستكون دول المجلس الحالية في وضع تراعي فيه اعتبارات التوازن الإقليمي، وتستطيع ضمنه التنسيق داخلياً لتكوين تكتل سياسي-عسكري-اقتصادي يوازي قوة إيران والعراق منفردين. لكنها ستكون ملزمة بعدم توسيع علاقات التحالف الأمني-العسكري مع القوى الكبرى، حيث سيكون الهدف من هكذا تحالف مؤثر بشكل سلبي في التنظيم الإقليمي.
وفي كل الأحوال سنكون أمام المعطيات التالية:
1- لا يزال أمن دول المجلس وقضايا الدفاع فيه، وستبقى خلال المستقبل المتوسط مرهونة بما يجري في الجوار الإقليمي، وباتجاهات السياسات للقوى الكبرى ومصالحها في الإقليم.
2- إن قضايا الدفاع في دول المجلس لن تستطيع إعفاء نفسها من تكلفة عدم التوازن العسكري القائم بينها وبين الجوار، مما يلزمها لسد فجوة القدرات الاعتماد على تحالفات أمنية وعسكرية مع القوى الكبرى، واعتماد استيراد لتكنولوجيا أسلحة متقدمة وتحديداً في مجال الطيران والصواريخ تعالج فجوة القدرات التقليدية.
3- سيبقى النفط والغاز الطبيعي إحدى ركائز إمكانات دول المجلس في بناء قدرات دفاعية فاعلة، فهو من جانب مدر لرأس المال، ومن جانب آخر جالب لمصالح كبرى ستكون هي ذاتها ضامناً لمصالح وسياسات دول مجلس التعاون.
4- إن وضع قدرات واستراتيجيات الدفاع الذي تعيشه دول المجلس، وستعيشه خلال المستقبل المتوسط يشكل تناقضاً مع القيم الثقافية السائدة. فالتعاون مع القوى الغربية الكبرى يتسبب بين الحين والآخر بالتقاطع مع مجموعات متشددة ترفض الوجود العسكري الأجنبي والتعاون العسكري مع تلك القوى. وبالتالي ينبغي على دول المجلس أن تعطي لهذا المتغير أهمية.
5- على دول المجلس أن تراعي اهتمام أن من يعطي أمناً أو ضمانات بقضايا دفاعية سيبني قاعدة مصالح، من الصعوبة تجاوز مصالحه فيها خلال الفترات الزمنية المقبلة. كما أن الجوار الذي يتقاطع معها في اعتبارات الدفاع والأمن لن يرضى بأن يكون الجوار الأضعف بالقدرات التقليدية عنصراً مهدداً له أمنياً وعسكرياً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1279::/cck::
::introtext::
تعد منطقة الخليج العربي واحدة من أدق مناطق العالم حساسية في التفاعلات الدولية، فهي من جهة تملك موارد يسيل لها لعاب قوى كبرى متعددة، ومن جهة أخرى تعد واحدة من أكثر المناطق والأقاليم التي تعاني فراغاً في القوة الذاتية. فهناك خلل مهم بين معامل القدرة ومعامل الثروة، ومعامل توجه القوى الكبرى والإقليمية صوبها.
::/introtext::
::fulltext::
تعد منطقة الخليج العربي واحدة من أدق مناطق العالم حساسية في التفاعلات الدولية، فهي من جهة تملك موارد يسيل لها لعاب قوى كبرى متعددة، ومن جهة أخرى تعد واحدة من أكثر المناطق والأقاليم التي تعاني فراغاً في القوة الذاتية. فهناك خلل مهم بين معامل القدرة ومعامل الثروة، ومعامل توجه القوى الكبرى والإقليمية صوبها.
إن دول الخليج بحكمتها (حكومات وشعوباً) أدركت ذلك، ولهذا اتجهت إلى مسارات تجعل المعاملات في العلاقة أعلاه متوازناً أو بنهايات غير مؤثرة بالسلب على نحو حاسم، لهذا لجأت تلك الدول (دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية) إلى الآتي:
1- تحقيق استقرار سياسي داخلي عبر دعم شرعية النظم السياسية الحاكمة، ودعم معدلات الرفاهية الاقتصادية، ومحاكاة الأوضاع الثقافية القائمة وعدم القفز عليها.
2- رفع معدلات الإنفاق العسكري عبر تسريع وتيرة التسلح العالي التكنولوجيا، والتركيز على قدرات الطيران والصواريخ والدفاع الجوي، والسعي لبناء جيوش محترفة تتجاوز قيد محدودية القدرات البشرية.
3- إقليمياً، اعتمدت دول المجلس مساعي أولية لجعل قوات درع الجزيرة جيشاً خليجياً متكاملاً، ورفع معدلات التعاون السياسي والتركيز على هموم وأولويات وتحديات مشتركة.
4- عالمياً، لجأت تلك الدول إلى الدخول في علاقات أمنية واستراتيجية مع عدد من القوى الكبرى، بمقتضاها دخلت تلك القوى إلى المنطقة عبر اتفاقيات ثنائية لتضمن أمن دولها (وتشمل قواعد عسكرية، حماية بحرية وجوية، وتبادلاً للمعلومات)، والدخول في علاقات تسلح متعددة الأطراف مع القوى الكبرى لضمان ارتباط الخليج الدائم بالأمن العالمي.
قضايا الدفاع.. قضايا مصير
وبعيداً عن تقلبات الشأن الداخلي وشجون السياسة، يلحظ أن دول المجلس بمجموعها لم تهتم بقضية كقضية الدفاع، نظراً لحساسية وضعها الاستراتيجي وفجوة الإمكانات التي تعانيها مقارنة بحجم التهديدات المحيطة بها.
وإذا ما أتينا إلى قضايا الدفاع التي تنشغل بها عموم دول المجلس فسنجدها تأخذ العناوين التالية:
1- الإنفاق العسكري: ويشمل قضايا متعددة، هي التسلح والبنية التحتية والمرتبات وبناء القدرات واستقدام واستخدام الخبرات، وحجم الإنفاق ونسبته إلى الناتج القومي يؤشران إلى أولوية الأمن لدى هذه الدول وحجم التهديدات المحيطة بها. ونلحظ أن إنفاق دول المجلس العسكري بلغ نحو: (29.5 ، 28.5 ، 31.5 ، 41.1) مليار دولار للأعوام (1998، 2000، 2002، 2004، 2006) على التوالي. وهذه شكلت ما نسبته 7-8 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الخليجي.
2- التسلح: وهو واحد من أوجه الإنفاق العسكري، ويثير قضايا متعددة، أهمها أن دول المجلس لا تزال لم تبن لها قاعدة صناعية عسكرية تلبي متطلبات وحاجات الداخل، بل هي تعتمد على الخارج بشكل شبه كامل. ولقد اتجهت دول المجلس نحو تبني سياسة تقوم على تنويع مصادر التسلح، وهي اليوم تعتمد على قوى محددة بشكل رئيسي. واليوم تتوجه نسب مهمة من صادرات القوى الكبرى من الأسلحة إلى إجمالي منطقة الشرق الأوسط ومنها دول المجلس، فالولايات المتحدة وروسيا وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة والصين صدرت لها من صادراتها العسكرية ما نسبته (32 في المائة، 8 في المائة، 50 في المائة 4 في المائة، 6 في المائة، 31 في المائة على التوالي). ولعل أهم الدول المستوردة للأسلحة هي الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. فوفقاً لبيانات الكتاب السنوي 2008، فإنه خلال المدة (2003-2007) احتلت دول المجلس مراتب متقدمة بين الدول المستوردة للسلاح (الذي بلغ قيمة تجارته عالمياً عام 2007 نحو 47 مليار دولار)، فالإمارات احتلت المرتبة الثالثة عالمياً، والسعودية المرتبة 21 عالمياً، وسلطنة عمان المرتبة 43 عالمياً. ويلحظ أن هناك خللاً بين الاستيراد والإنتاج العسكري المحلي، فالإنتاج العسكري شبه معدوم في هذه الدول، رغم أن وضعها يتطلب منها وجود صناعات عسكرية محلية.
3- الموارد البشرية: وهي عماد أي استراتيجية دفاعية إذا ما أراد صانعوها لها التنفيذ والحياة. والملاحظ أن البيانات المتوافرة تفيد بالآتي (تقرير التنمية البشرية 2007-2008- ص232):
ويلاحظ أن هناك عدم تناسب بين وضع هذه الدول وعدد سكانها، مقارنة بدول الجوار. ويلاحظ أيضاً أن إجمالي عدد القوات المسلحة لدول المجلس لا يزال صغيراً والإقبال عليها ظل محدوداً.
4- الاستراتيجيات: تعكس العلاقة بين أربعة متغيرات: أولويات الدولة، الموارد والإمكانات المتاحة، وتقييم عناصر التهديد ومصادره، والبرامج والسياسات التي يمكن اعتمادها وتنفيذها للوصول إلى الأولويات وغايات الدولة. وعموماً، نرى أن أولويات دول المجلس عموماً هي تحقيق معدلات مستقرة للرفاهية الاقتصادية، أما الموارد المتاحة فإنها لا تزال تقوم على تصدير النفط والغاز الطبيعي، أما عناصر التهديد فهي موضع خلاف دول المجلس، فقبل عام 2003 كانت سياسات العراق موضع اتفاق عريض كونها التهديد الأبرز، أما اليوم فالبعض بات يتحدث عن مصادر تقليدية (إيران)، وآخر يتحدث عن مصادر غير تقليدية (الحركات المتشددة العابرة للحدود.. ).
أما على صعيد البرامج والسياسات، فيلحظ أن دول المجلس بينها تباين عريض، فابتداء سعت إلى إنشاء قوات درع الجزيرة، إلا أنها لم تنته إلى جعله جيشاً متكاملاً، بل انطلقت كل دولة في استراتيجية وطنية قوامها تحالف أمني-عسكري مع دولة كبرى، وسياسات تسلح غير منسق وفقاً لاحتياجات تكاملية. وهذا ما شكل لها هدراً عاماً في الموارد.
البيئة الخارجية ومطالب قاسية على المصالح الخليجية
يذهب منطق التحليل في السياسة الدولية إلى تقسيم بيئة الدراسة إلى أربعة مجالات: الفرد، الدولة، الإقليم، البيئة العالمية. وتشكل البيئة الخارجية لدول المجلس مجالين عريضين في تعريفهما ومطالبهما، وهما:
أولاً- البيئة الإقليمية: لعل أبرز قواها المؤثرة في قضايا الدفاع الخليجي هي:
1- إيران: وتشكل عقدة الخليج التاريخية، بسبب سياساتها القائمة على المزاوجة بين استحضار وتسييس التاريخ والمذهب. ولكون ثقة الغرب أعلى بسياساتها من سياسات دول الخليج العربية، فإن إيران أدركت ذلك، وتمسكت بسياسة اعتبار الخليج بحيرة فارسية بدعم ضمني من العالم الغربي. ويزداد تهديد إيران لدول المجلس بفعل العناصر العقائدية للنظام السياسي الحاكم في إيران، والقائم على تصدير الثورة كنهج، وعلى طموحات إلى أداء الأدوار القيادية في إقليم الخليج العربي، وأدى تغلغل إيران في العراق، وبرامج التسلح المثيرة للجدل، إلى أن تصبح إيران في نظر بعض دول المجلس في محل شك كونها الدولة التي لا يرجى تحولها إلى قوة صديقة أو محايدة.
ويزداد تأثير الموقف الإيراني في قضايا الدفاع الخليجي بفعل متغيرات: إغراء إقليم الخليج العربي لموارده وضعف قوته، وعدم اكتمال وحدة الموقف الخليجي إزاء إيران، وكون أرض الخليج العربية بنظر إيران أيسر في أن تكون ساحة لمواجهة محتملة مع القوى الغربية بديلاً عن الأراضي الإيرانية.
2- العراق: عدّ التحول في وضعه عام 2003 مدعاة لإعادة قراءة المواقف الخليجية. فالعراق (الرسمي) تحول من كونه قوة إيديولوجية قومية راديكالية إلى كونه قوة إيديولوجية راديكالية قائمة على تحالف طائفي-عرقي ضيق معاد لكل ما هو عربي بسياساته الفعلية، وفقاً لقراءة القوى القائمة بأمر سياساته للتاريخ، ويبني وجوده على ولائه عرفاناً وبتبعية غير منطقية لإيران.
وإذا كان الخليج (غير الرسمي) قد ضخ في العراق عناصر جهادية طوال المدة (2003-2008) فإن ما تظهره المعلومات المتسربة من قوى في السلطة، أن العراق (الرسمي) سيكون المدخل لإحداث انقلاب مذهبي في المحيط العربي لحسابات إقليمية (أي بالوكالة). وما تستطيع دول المجلس تحقيقه هو دمجه في المنظومة الخليجية وتحمل تبعات اجتماعية وسياسية سلبية، أو عزله والتسليم التام كونه بات منطقة نفوذ إيرانية، أو أداء لعبة مصالح معه بدعم جيوب عربية داخله لا تزال فقيرة سياسياً.
3- اليمن: جغرافياً يعد اليمن من مكونات الجزيرة العربية، وله تطلع للانضمام إلى مجلس التعاون، بيد أن ما يعوق ذلك خشية خليجية من عدم اتساق نظام حكمه مع أنظمة الحكم الخليجية، وشدة أمية المجتمع اليمني. إلا أن ما يغري لانضمامه أن اليمن يمكن أن يكون خزاناً بشرياً مهماً لبناء قدرات عسكرية لأي جيش خليجي مشترك في المستقبل، كما أن وضعه الاقتصادي يجعله سوقاً مفتوحة للمستثمرين الخليجيين.
4-إسرائيل: لم يعرف التاريخ القريب تماساً سلبياً بين دول المجلس وبين إسرائيل، وربما تعزى الأسباب إلى أن الولايات المتحدة هي المظلة الأمنية لدول المجلس، وبالتالي لا يتوقع إسرائيلياً أن تشكل تهديداً لمصالحها. مع ذلك، تتطلع إسرائيل إلى إقامة علاقات مع دول المجلس لأسباب ثلاثة: البحث عن شرعية الوجود السياسي عبر توسيع دائرة التطبيع مع الدول العربية، وتقليل الدعم للحركات الفلسطينية الراديكالية والتي يلقى قسم منها دعماً من منطقة الخليج العربية. كما تبحث إسرائيل عن الموارد النفطية والغاز الطبيعي بكميات وأسعار ملائمة، وهذا ما لا يتحقق الا بالتطبيع مع دول المجلس.
دول مجلس التعاون سعت إلى بناء جيوش محترفة تتجاوز قيد حجة القدرات البشرية
ثانياً- البيئة العالمية: وهي بيئة عريضة واسعة لها مطالبها واشتراطاتها، ويمكن أن نوجزها بالعناوين الآتية:
1- سياسياً: هناك تحول في القطبية من هيمنة الولايات المتحدة إلى بروز أشكال بدائية لتعددية قطبية مؤلفة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين. وهناك قوى كبرى طامحة لكنها لن تكون قطباً خلال المستقبل المتوسط، وأهمها الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا. والحركة صوب مرتبة القطب (حفاظاً أو صعوداً) تترتب عليها حركة صوب الأقاليم الأكثر فاعلية في النظام الدولي، ومنها منطقة الخليج العربي. فالحركة صوب القطب لها تكاليف كما لها امتيازاتها، وهذا ما يولد صراعات لن تعفى منها الأقاليم المختلفة.
2- عسكرياً: إن الحركة السياسية صوب مرتبة القطب الدولي تلزم حركة عسكرية للوجود في أو بالقرب من الأقاليم المختلفة. كما تفرض جعل الأقاليم (كلياً أو جزئياً) تابعاً في الجوانب العسكرية للقوة الكبرى. ويلاحظ هنا أن هناك تنافساً سياسياً بين القوى الكبرى على منطقة الخليج العربي يهدف إلى المواءمة بين التعارض الاقتصادي وتوافق المصالح الاستراتيجية، حيث عقدت كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا اتفاقيات أمنية مع دول الخليج لحمايتها، وسيطرت الولايات المتحدة على العراق، ونشرت كل منها قواتها في أو بالقرب من منطقة الخليج، وتتنافس هذه القوى، وكذلك الصين وروسيا الاتحادية وألمانيا، على نقل الأسلحة (تصدير أسلحة، ومعدات، وخدمات، وخبرة) إلى المنطقة.
3- اقتصادياً: يعتمد النمو الاقتصادي الرأسمالي على الطاقة وتوافر رأس المال، وتسهم منطقة الخليج العربية بقسم منه، حيث تنتج دول المجلس نحو 18 في المائة من الإنتاج النفطي العالمي، وتختزن 27.1 في المائة من مجمل احتياطيه، وفقاً لإحصائيات عام 2006. فضلاً عن امتلاكها 4.3 في المائة من احتياطي العالم من الغاز الطبيعي.
أما رأس المال الخليجي في الأسواق العالمية فلا توجد إحصائيات يعتد بها أكاديمياً، وكتقديرات تتراوح بين (1500-2000) مليار دولار. كما تعد دول المجلس سوقاً للعمالة الوافدة والتي تصل إجمالاً إلى نحو 70 في المائة من إجمالي عدد السكان في دول المجلس.
4- ثقافياً: تتجه القوى الكبرى إلى التوافق فيما بينها حول ظواهر التشدد والتطرف والعنف والإرهاب وتحديداً العابر للحدود، وهذه الظواهر هي حزمة تكاد تتداخل أفعالها وأصحابها وتسيس مسمياتها. وما تهتم به القوى الكبرى هو نشاط الحركات التي تلجأ إلى إحدى تلك الظواهر في تنفيذ سياساتها والتمويل. ويعد العالم الإسلامي والشرق الأوسط عموماً، والعالم العربي وبضمنه منطقة الخليج العربية خصوصاً واحدة من أكثر المناطق تصديراً لأفكار ونشطاء يلجأون إلى إحداها تحت مسميات وأسباب مختلفة. ولما طرحت الولايات المتحدة عام 2004 مشروع الشرق الأوسط الكبير كان من ضمن أهدافه إصلاح المنظومة المعرفية والمنظومة الاجتماعية والمنظومة السياسية لدول المنطقة عموماً لتكون أقل قبولاً بتلك الظواهر.
التداعيات والآثار.. رؤى
لنصل إلى تكوين رؤى مستقبلية يتطلب ذلك أكاديمياً النظر في مستقبل المنظومة السياسية الإقليمية الخليجية، ولنحدد بعدها شكل الدفاع الممكن تحقيقه، ثم التداعيات والآثار المترتبة على أفعال البيئة الخارجية في تلك المنظومة وخططها الدفاعية.
إن التعاون الإقليمي الخليجي يمكن أن ينتهي إلى واحد من ثلاثة احتمالات بعناوين عريضة، هي:
أولاً- استمرار الوضع الراهن: بمعنى استمرار التمسك الظاهر بمؤسسات مجلس التعاون من دون وجود إرادة سياسية جادة لتحويله إلى كيان موحد على غرار الاتحاد الأوروبي. وفيه سيبقى العراق وإيران واليمن خارج المنظومة الخليجية.
وهنا قد تتطور العلاقة العراقية – الإيرانية إلى مستوى التحالف الاستراتيجي ولتظهر بعدها أشكال جديدة من العلاقة: مجلس التعاون المدعوم من الولايات المتحدة، وتحالف عراقي-إيراني العراق فيه مدعوم من الولايات المتحدة، وكلا التكوينين متنافسان وربما متصارعان.
ثانياً- تفكك منظومة مجلس التعاون الخليجي: يعود ذلك إلى أسباب أبرزها خلافات مصالح، أو عدم قدرة المؤسسات القائمة على حل إشكاليات التنافس السياسي أو عدم قدرتها على تلبية متطلبات المراحل المقبلة، أو أن القوى الخارجية تفعل فعلها في تحييد السياسات الخليجية عن القائم من السياسات التعاونية الحالية.
وعلى أثر ذلك، سنكون أمام وضع إقليمي ليس فيه تنظيم، أو أن تبرز أشكال من التنظيم فرعية تتطلبها لغة المصلحة، مثلاً: تحالف السعودية-اليمن، والعراق-الكويت-إيران، والبحرين-الإمارات.
ثالثاً- توسيع التنظيم الإقليمي: أو ربما ينتهي تنظيم المجلس الحالي إلى التوسع، ويتوقف التوسع على لغة المصلحة والقدرة على التوافق التي ستبديها الدول التي ستنظم إلى التنظيم الجديد، وهو بالضرورة لن يكون بشكل مجلس التعاون الخليجي. واحتمالات التوسع قد تأخذ أحد الآتي: انضمام اليمن أو العراق إلى مجلس التعاون، وهما احتمال ممكن، أو انضمام اليمن والعراق إلى مجلس التعاون، وهو احتمال ممكن أيضاً، وفيهما ستنخرط أطراف تملك بعض مقومات الألفة إلى مجلس التعاون، وسيكون عليها تقديم ضمانات أكبر للانخراط بالتعاون الخليجي، أو نشوء نظام أمني إقليمي جديد يضم مجلس التعاون مضافاً إليها اليمن والعراق وإيران. وهذا أمر يتطلب من كافة الأطراف ذات العلاقة تعديلات جوهرية في السياسات القائمة، وضمانات سياسية ولغة جديدة لإشاعة الثقة والمصالح السياسية وضمانات دولية.
اتجهت دول المجلس نحو تبني سياسة تقوم على تنويع مصادر التسلح
إن شكل الدفاع المحتمل في ضوء ما سبق سيختلف تبعاً للاحتمالات الواردة في أعلاه:
1- استمرار الوضع الراهن سيوجب على دول المجلس ضرورة إنشاء جيش خليجي مشترك، واستمرار التعويل على القوى الكبرى في ضمان الأمن الخليجي. كما سيكون لزاماً على دول المجلس البحث عن سبل لتسريع معدلات الزيادة السكانية أعلى مما هو قائم لتلبية العجز في العنصر البشري لمتطلبات الأمن.
2- أما تفكك منظومة المجلس فيستوجب أن تكون السياسة لكل دولة في حينه بقدر المسؤولية التي يفرضها الظرف الإقليمي، حيث يتوقع أن يكون تأثير إيران في الإقليم على أشده وتتحكم في الأنظمة والسياسات وإجمالي القضايا العامة، مما سيجبر الدول الخليجية العربية على زيادة معدلات الإنفاق العسكري نسبة للناتج المحلي إلى الضعف ربما مما هو قائم اليوم، وتوسيع التحالفات ليس مع القوى الكبرى فحسب بل مع دول عربية (مصر وسوريا) وإسلامية (باكستان)، لغرض توسيع ضمانات الأمن.
3- وفي حالة توسيع التنظيم الإقليمي، ستكون دول المجلس الحالية في وضع تراعي فيه اعتبارات التوازن الإقليمي، وتستطيع ضمنه التنسيق داخلياً لتكوين تكتل سياسي-عسكري-اقتصادي يوازي قوة إيران والعراق منفردين. لكنها ستكون ملزمة بعدم توسيع علاقات التحالف الأمني-العسكري مع القوى الكبرى، حيث سيكون الهدف من هكذا تحالف مؤثر بشكل سلبي في التنظيم الإقليمي.
وفي كل الأحوال سنكون أمام المعطيات التالية:
1- لا يزال أمن دول المجلس وقضايا الدفاع فيه، وستبقى خلال المستقبل المتوسط مرهونة بما يجري في الجوار الإقليمي، وباتجاهات السياسات للقوى الكبرى ومصالحها في الإقليم.
2- إن قضايا الدفاع في دول المجلس لن تستطيع إعفاء نفسها من تكلفة عدم التوازن العسكري القائم بينها وبين الجوار، مما يلزمها لسد فجوة القدرات الاعتماد على تحالفات أمنية وعسكرية مع القوى الكبرى، واعتماد استيراد لتكنولوجيا أسلحة متقدمة وتحديداً في مجال الطيران والصواريخ تعالج فجوة القدرات التقليدية.
3- سيبقى النفط والغاز الطبيعي إحدى ركائز إمكانات دول المجلس في بناء قدرات دفاعية فاعلة، فهو من جانب مدر لرأس المال، ومن جانب آخر جالب لمصالح كبرى ستكون هي ذاتها ضامناً لمصالح وسياسات دول مجلس التعاون.
4- إن وضع قدرات واستراتيجيات الدفاع الذي تعيشه دول المجلس، وستعيشه خلال المستقبل المتوسط يشكل تناقضاً مع القيم الثقافية السائدة. فالتعاون مع القوى الغربية الكبرى يتسبب بين الحين والآخر بالتقاطع مع مجموعات متشددة ترفض الوجود العسكري الأجنبي والتعاون العسكري مع تلك القوى. وبالتالي ينبغي على دول المجلس أن تعطي لهذا المتغير أهمية.
5- على دول المجلس أن تراعي اهتمام أن من يعطي أمناً أو ضمانات بقضايا دفاعية سيبني قاعدة مصالح، من الصعوبة تجاوز مصالحه فيها خلال الفترات الزمنية المقبلة. كما أن الجوار الذي يتقاطع معها في اعتبارات الدفاع والأمن لن يرضى بأن يكون الجوار الأضعف بالقدرات التقليدية عنصراً مهدداً له أمنياً وعسكرياً.
::/fulltext::
::cck::1279::/cck::
