التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي
::cck::1291::/cck::
::introtext::
تكتسب قضايا الأمن والدفاع في منطقة الخليج أهمية كبيرة في هذه المرحلة التي تعاني فيها المنطقة حالة شديدة من عدم الاستقرار بفعل الكثير من التحديات والتهديدات الأمنية المحيطة بها، ويسعى هذا المقال إلى تقييم عملية التكامل الدفاعي والعسكري بين دول مجلس التعاون الخليجي ودورها في مواجهة التهديدات الأمنية المحيطة بدول المجلس.
::/introtext::
::fulltext::
تكتسب قضايا الأمن والدفاع في منطقة الخليج أهمية كبيرة في هذه المرحلة التي تعاني فيها المنطقة حالة شديدة من عدم الاستقرار بفعل الكثير من التحديات والتهديدات الأمنية المحيطة بها، ويسعى هذا المقال إلى تقييم عملية التكامل الدفاعي والعسكري بين دول مجلس التعاون الخليجي ودورها في مواجهة التهديدات الأمنية المحيطة بدول المجلس.
يقوم التحليل هنا على ثلاثة مستويات رئيسية، الأول يتعلق بمحاولة تقييم ما تم على مدار ثلث قرن بالنسبة لمسيرة التكامل الدفاعي والعسكري بين دول المجلس، بينما يتعلق المستوى الثاني بالوقوف على أهم العقبات التي حالت دون تطوير عملية التكامل هذه، في حين يتناول المستوى الثالث من التحليل أهم العوامل التي تحتم استكمال وتفعيل مسيرة التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي باعتبارها خياراً استراتيجياً لا بد من تبنيه في المرحلة الراهنة.
أولاً: محاولة تقييمية لما تحقق على مدار ثلث قرن
في واقع الأمر، إذا ما عقدنا مقارنة بسيطة بين المتوقع من مجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه عام 1981، وبين ما هو قائم بالفعل -بعد مرور ما يقرب من ثلث قرن على إنشاء المجلس- على صعيد التعاون العسكري والتكامل الدفاعي بين دوله الأعضاء، نجد الهوة واسعة إلى حد كبير.
فبالنسبة لما كان متوقعاً من المجلس، فمعروف أن الأخير ارتبطت نشأته بظروف أمنية وسياسية في بداية الثمانينات أبرزها قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتبني الأخيرة مبدأ تصدير الثورة، ثم اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية وما ترتب عليها من تهديد لدول الخليج. وعلى الرغم من أن الوثائق المنشئة للمجلس لم تتحدث مطلقاً عن تكامل دفاعي بين دوله، إلا أنه كان يتصور في ضوء تلك التحديات أن يكون مجلس التعاون الخليجي بمثابة قوة ثالثة موازنة لكل من العراق وإيران، وهو ما كان يقتضي أن يتحول المجلس إلى تكتل دفاعي وعسكري موحد.
لكن ما تحقق على أرض الواقع يعد متواضعاً للغاية، فهو –كما جاء في التقرير السنوي الذي تصدره الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي بشأن مسيرة المجلس لعام 2008 وهو أحدث تقرير صدر حتى تاريخه- يتمثل بالأساس في إنشاء قوة درع الجزيرة -التي تم تفكيكها لاحقاً بناء على اقتراح من المملكة العربية السعودية حظي بمباركة بقية دول المجلس- وتوقيع الدول الأعضاء على اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون في 31 ديسمبر 2000، والتي تضمنت إنشاء مجلس للدفاع المشترك ولجنة عسكرية عليا تنبثق منه، بالإضافة إلى إقرار الدراسات المتعلقة بمشروع حزام التعاون والاتصالات المؤمنة وبدء الخطوات التنفيذية لهما، بالإضافة إلى حديث لم ينقطع عن ضرورة تطوير التعاون العسكري المشترك بين دول المجلس والتنسيق الجماعي في المجالات الأمنية، وظلت بيانات القمم الخليجية تحفل بتكرار العديد من هذه المطالب، إلى جانب مطالب أخرى يصعب وصفها بأنها (مرتكزات) للتكامل الدفاعي، لأنها ظلت نداءات تؤكد أن (أمن الخليج مسؤولية أصحابه) من دون ترجمة ذلك على أرض الواقع.
وتحاول الأوساط الرسمية في دول المجلس الترويج بأن هذه الخطوات المشار إليها تمثل نقلة في اتجاه مزيد من التعاون العسكري بين دول الخليج، في حين أن واقع الأمر يشير إلى محدوديتها، فضلاً عن تضاؤل احتمالات تطويرها بما يخدم فعلياً فكرة وجود تكامل عسكري خليجي أو حتى مجرد تنسيق عالي المستوى في المجال الدفاعي.
ثانياً: معوقات التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي
ثمة تساؤل رئيسي يثار مفاده: لماذا في ظل تعاظم حجم التهديدات الأمنية الخارجية المحيطة بدول مجلس التعاون الخليجي وتفاقمها بمرور الوقت، لم تتقدم مسيرة التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي؟ بل على العكس تم تفكيك قوات درع الجزيرة، النواة الوحيدة التي كان يؤمل أن تتحول إلى جيش خليجي موحد؟
تفرض المرحلة الراهنة على دول مجلس التعاون أن تتبنى خيار التكامل الدفاعي والعسكري فيما بينها
في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، يمكن القول إن هناك عوامل عديدة حالت دون ذلك، نذكر منها ما يلي:
1- الاختلاف بين دول المجلس بشأن مصادر التهديد: إن التكامل الدفاعي بين أي مجموعة من الدول يتطلب أن يكون هناك حد أدنى من الاتفاق حول مصادر التهديد الرئيسية المحيطة بهذه الدول وتبني موقف موحد إزاءها، لكن هذا العامل غير متوفر بدرجة كبيرة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي. فهناك انقسام واضح ومتزايد بين تلك الدول في شأن مصادر التهديد لأمن الخليج، وقد تم الكشف عن هذا الانقسام في أكثر من مناسبة، منها على سبيل المثال المبادرة التي تقدمت بها مملكة البحرين بشأن تأسيس منظمة أمنية شرق أوسطية تشارك فيها الدول العربية وإيران وتركيا وإسرائيل، وهي المبادرة التي لم تلق تجاوباً أو تأييداً من أي من دول الخليج. كما اتضح هذا الاختلاف أيضاً في الموقف من عقد الاجتماع الوزاري الذي دعت إليه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس في نيويورك في 16 ديسمبر 2008، للبحث في أمن الخليج بين (مجموعة 5+1) (دول مجلس الأمن الخمس دائمة العضوية وألمانيا) ودول مجموعة (6+3) (دول مجلس التعاون ومصر والأردن والعراق). فبينما تحمست بعض دول الخليج وخاصة مملكة البحرين لعقد هذا المؤتمر، قاطعته سلطنة عمان وقطر، وأوضح وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي أسباب هذا الرفض بأن أمن الخليج مسؤولية دول الخليج والدول البحرية الأخرى في المنطقة، وكان ينبغي دعوة إيران إلى هذا الاجتماع، وأنه (لا يمكن أن يكون هناك أمن في الخليج من دون إيران).
2- التمسك المفرط بمبدأ السيادة: فإقامة كيان دفاعي عسكري، أو نظام دفاعي موحد، تعني تقديم قدر من التنازل عن سيادة كل دولة، أو على الأقل إخضاع بعض متطلبات أمنها الوطني وخططها الاستراتيجية لاعتبارات إقليمية وليست قُطرية خالصة، ما ترفضه بعض الدول، خاصة في ظل التفاوت القائم بينها في رصيد عناصر القوة الشاملة مثل عدد السكان، الوضع الاقتصادي، الموقع الجغرافي، فضلاً عن تفاوت أكثر وضوحاً في الثقل السياسي وحجم الدور الإقليمي.
3- غلبة فكرة الأمن المستورد من الخارج: فما زال الاتجاه العام الغالب على توجه دول المجلس، يذهب لإعطاء الأولوية إلى الاعتماد على القوات الخارجية في ما يخص المسائل الأمنية. فمنذ أزمة حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، قامت معظم دول المجلس بتوقيع اتفاقيات دفاعية مع الدول الخمس الكبرى (الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن) أو بعضها وتم تمديد سريان فاعليتها، وتضمنت الوجود الأجنبي لقواتها على أراضي هذه الدول والدفاع عنها، مما قلل من أهمية بناء قوة خليجية ذاتية، وأصبح الاعتماد شبه كامل على القوات الأجنبية الموجودة على أراضي هذه الدول. ولم يعد الأمر يقتصر على الولايات المتحدة والدول الكبرى فقط، وإنما يمكن القول إن حلف الناتو دخل على خط التفاعلات الخاصة بأمن الخليج من خلال مبادرة اسطنبول التي وقعت عليها معظم دول المجلس.
ثمة انقسام واضح بين دول المجلس في شأن مصادر التهديد لأمن الخليج
4- دور القوى الخارجية في عرقلة أية خطوات نحو التكامل الدفاعي الخليجي: هناك حرص من جانب القوى الخارجية على التغلغل وفرض النفوذ داخل إقليم الخليج، من خلال زيادة تفاقم المخاطر الأمنية، وافتعال مصادر مستمرة للتهديد، والحيلولة دون نجاح دول الإقليم في التوصل إلى توافق في شأن مبادئ وأفكار وتصورات لأمن إقليمي خليجي مشترك، وتشجيع روح التفرد والذاتية بين دول المجلس. وقد ظهر ذلك واضحاً عندما اتجهت الولايات المتحدة إلى توقيع اتفاقيات أمنية ثنائية بينها وبين كل دولة من دول مجلس التعاون على حدة، ورفض توقيع اتفاقية أمنية جماعية مع دول المجلس كصيغة بديلة للأمن الخليجي.
وعلى المستوى الإقليمي، لا تريد إيران أن تكون لدول الخليج العربية كلمة موحدة في المجال الدفاعي، وهي مسألة تهمها في المقام الأول؛ لأن أي إضافة إلى حساب القوة الخليجية تعني انتقاصاً بالقدر ذاته من رصيد القوة الإيرانية في الخليج، وتغيراً في ميزان القوة الاستراتيجية في تلك المنطقة.
التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي أصبح خياراً مفروضاً على تلك الدول ولا بد أن تتبناه وتسعى إلى تحقيقه
ثالثاً: حتمية التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي
تفرض المرحلة الراهنة على دول مجلس التعاون الخليجي أن تتبنى خيار التكامل الدفاعي والعسكري فيما بينها على نحو يحقق لها درجة معقولة من الأمن الذاتي. والحقيقة أن هذا الخيار تفرضه مجموعة كبيرة من العوامل والاعتبارات التي يجب على تلك الدول أن تأخذها في الاعتبار، نذكر منها:
1- حالة السيولة الأمنية الشديدة التي تشهدها منطقة الخليج: إن قراءة بسيطة وأولية لخريطة التهديدات الأمنية الخارجية المحيطة بدول مجلس التعاون الخليجي تكفي للتدليل على حتمية التكامل العسكري والدفاعي فيما بين هذه الدول للتعامل الجماعي مع تلك التهديدات التي لا تستطيع دولة واحدة التعامل معها. ففي الشمال، يبرز التهديد الأمني الذي تمثله الأوضاع المنفلتة في العراق. فعلى الرغم من التحسن الذي طرأ على الوضع الأمني في هذا البلد خلال العامين الماضيين مقارنة بالسنوات التالية مباشرة لاحتلاله، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً وغير متماسك، وهذا ما عكسته الأحداث الدامية التي شهدها العراق مؤخراً خلال أغسطس وأكتوبر الماضيين والتي راح ضحيتها ما يزيد على المائتين وخمسين شخصاً وأكثر من ألف مصاب، بشكل أعاد للأذهان حالة الانفلات الأمني التي شهدها العراق في السابق، وما يحمله ذلك من أخطار بالنسبة لدول الجوار بحكم العامل الجغرافي. وهناك أيضاً التحدي الأمني الذي تمثله إيران، سواء ما يتعلق بالتهديد الذي يمثله برنامجها النووي أو التسلح الإيراني المتنامي خاصة في مجال الصواريخ.
وفي الجنوب، يبرز التحدي الذي تمثله التطورات الخاصة باليمن والصراع الدائر بين الحوثيين والحكومة اليمنية، وتداعيات ذلك على دول الجوار بحكم المكانة التي يشغلها الموقع الجغرافي لليمن، إذ إن دخول هذا البلد في حرب أهلية أو فوضى أمنية واسعة لن تقتصر تداعياته عليه وحده، بل ستمتد إلى المنطقة العربية برمتها، وبصفة خاصة دول مجلس التعاون الخليجي بحكم الجوار الجغرافي المباشر والتداخل القبلي، وتعد المواجهات الأمنية الأخيرة بين القوات السعودية والمتمردين الحوثيين الذين تسللوا إلى داخل الحدود السعودية مع اليمن نموذجاً عملياً على ذلك.
وفي الغرب، يبرز التهديد الذي تمثله جرائم القرصنة التي تزايدت خلال العامين الماضيين وما تمثله من خطورة شديدة على أمن الملاحة في البحر الأحمر، الذي يمر إليه يومياً 3.3 مليون برميل من النفط الخام عبر مضيق باب المندب، بما يساوي 4 في المائة من الطلب العالمي على النفط.
ولا تقتصر التهديدات الأمنية الخارجية المحيطة بدول المجلس على الأوضاع المحيطة بها مباشرة على النحو الذي سبق تناوله، وإنما تمثل الصراعات والنزاعات المسلحة حتى البعيدة جغرافياً عن دول مجلس التعاون الخليجي تهديداً بشكل أو آخر على أمنها، وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي والصراعات الدائرة في منطقة القرن الإفريقي، بالإضافة إلى تنامي خطورة الإرهاب في منطقة الخليج، الذي كشفت عنه محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز، مساعد وزير الداخلية السعودي للشؤون الأمنية، خلال شهر أغسطس الماضي، والتي تبناها ما يعرف باسم (تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية)، وكذلك إعلان السلطات الكويتية في الشهر ذاته أنها اعتقلت خلية مرتبطة بتنظيم (القاعدة) كانت تخطط لتفجير معسكر عرفجان للجيش الأمريكي ومنشآت مهمة أخرى من بينها مصفاة الشعبية النفطية ومبنى جهاز أمن الدولة، وقبل ذلك إعلان الأجهزة الأمنية في مملكة البحرين في مايو الماضي، أنها تمكنت من ضبط خلية إرهابية كانت تخطط وتستعد للقيام بأعمال إرهابية في مملكة البحرين وبعض الدول الخليجية الأخرى.
إذاً هذه الخريطة الممتدة والمتشعبة للتهديدات الأمنية الخارجية المحيطة بدول مجلس التعاون الخليجي تفرض على قادة هذه الدول الارتقاء بعملية التكامل العسكري والدفاعي بينها إلى مرحلة توفر لهم آلية المواجهة الجماعية الفعالة لتلك التهديدات.
2- توجهات إدارة باراك أوباما الجديدة بفرض انكماش في الالتزامات العسكرية بالخارج على نحو ما حدث في أعقاب الهزيمة الأمريكية في حرب فيتنام وذلك بفعل الإخفاق العسكري الأمريكي في فرض الأمن في العراق وأفغانستان، وهو ما يولد شكوكاً ومخاوف عبرت عنها بعض النخب المثقفة في عدد من الدول الخليجية بشأن مدى التزام الولايات المتحدة في الدفاع عن الدول الخليجية، الأمر الذي يتطلب من تلك الدول السعي لبناء قوة ذاتية خليجية جماعية.

قوات درع الجزيرة كانت النواة الوحيدة التي كان يؤمل أن تتحول إلى كيان خليجي موحد
3- احتمالات تغير خريطة التحالفات في المنطقة: إن أحد العوامل المهمة التي تفرض على دول مجلس التعاون الخليجي حتمية التكامل الدفاعي والعسكري بينها هو الاستعداد لأي تغير مستقبلي قد تشهده خريطة التحالفات في المنطقة. وواقع الأمر، فإن مكمن التخوف الرئيسي في هذا الصدد ينبع من الاحتمالات الخاصة التي قد تسفر عنها تطورات الأزمة النووية الإيرانية.
فإذا كانت إدارة أوباما قد عقدت العزم على الدخول في حوار مباشر مع إيران لتسوية أزمة برنامجها النووي، فإن طهران يمكنها، من خلال هذا الحوار المزمع، تقوية موقفها التفاوضي للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب الإقليمية، وربما دفع الإدارة الأمريكية الجديدة إلى الاعتراف بدور إقليمي مهيمن لها في المنطقة من خلال إبراز قدرتها على المساهمة في حل كثير من المشكلات والأزمات التي ربما تجد الولايات المتحدة صعوبة في تسويتها من دون إيران، التي تعد بدورها طرفاً أساسياً في معظم هذه المشكلات والأزمات أو محركاً لها.
وبالتالي، قد تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام معادلة جديدة لتوازن القوى في المنطقة لن تكون طرفاً فاعلاً ومؤثراً فيها سوى بامتلاكها خيار الأمن الذاتي الجماعي الذي يحققه التكامل الدفاعي والعسكري بينها.
من الطبيعي أن تحمل التصريحات والخطابات الرسمية للمسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي حرصاً شديداً وكاملاً ليس على وجود تعاون عسكري خليجي – خليجي فقط، وإنما أيضاً على تفعيل هذا التعاون والارتقاء به إلى أعلى المستويات. وهو الخطاب الذي دأبت الحكومات الخليجية على تبنيه على مدى السنوات الماضية، لكن الوقوف على حقيقة الوضع القائم فعلياً يستلزم مزيداً من التأمل والبحث في المواقف والسلوكيات الفعلية التي تلتزمها دول الخليج وليست تلك التي تعلنها.
أخيراً إن خطابات سياسية من هذا النوع لم تعد تجدي للتعامل مع الوضع الأمني الراهن في منطقة الخليج، وإنما يتطلب الأمر وجود إرادة سياسية حقيقية لدى دول المجلس الست تتفق على أن التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي أصبح خياراً مفروضاً على تلك الدول ولا بد أن تتبناه، وتسعى إلى تحقيقه بدلاً من التورط في برامج تسليحية مكثفة تستنزف ما بقي من موارد من دون مردود أمني حقيقي. وليس شرطاً أن يكون هذا التكامل بديلاً عن التحالف الأمني مع القوى الكبرى، وإنما يكمله ويضع دول المجلس في موضع قوي إذا ما تغيرت موازين القوى في المنطقة، وبما يجعلها طرفاً قوياً وفاعلاً في إطار أي منظومة أمنية جديدة محتملة في منطقة الخليج.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1291::/cck::
::introtext::
تكتسب قضايا الأمن والدفاع في منطقة الخليج أهمية كبيرة في هذه المرحلة التي تعاني فيها المنطقة حالة شديدة من عدم الاستقرار بفعل الكثير من التحديات والتهديدات الأمنية المحيطة بها، ويسعى هذا المقال إلى تقييم عملية التكامل الدفاعي والعسكري بين دول مجلس التعاون الخليجي ودورها في مواجهة التهديدات الأمنية المحيطة بدول المجلس.
::/introtext::
::fulltext::
تكتسب قضايا الأمن والدفاع في منطقة الخليج أهمية كبيرة في هذه المرحلة التي تعاني فيها المنطقة حالة شديدة من عدم الاستقرار بفعل الكثير من التحديات والتهديدات الأمنية المحيطة بها، ويسعى هذا المقال إلى تقييم عملية التكامل الدفاعي والعسكري بين دول مجلس التعاون الخليجي ودورها في مواجهة التهديدات الأمنية المحيطة بدول المجلس.
يقوم التحليل هنا على ثلاثة مستويات رئيسية، الأول يتعلق بمحاولة تقييم ما تم على مدار ثلث قرن بالنسبة لمسيرة التكامل الدفاعي والعسكري بين دول المجلس، بينما يتعلق المستوى الثاني بالوقوف على أهم العقبات التي حالت دون تطوير عملية التكامل هذه، في حين يتناول المستوى الثالث من التحليل أهم العوامل التي تحتم استكمال وتفعيل مسيرة التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي باعتبارها خياراً استراتيجياً لا بد من تبنيه في المرحلة الراهنة.
أولاً: محاولة تقييمية لما تحقق على مدار ثلث قرن
في واقع الأمر، إذا ما عقدنا مقارنة بسيطة بين المتوقع من مجلس التعاون الخليجي منذ إنشائه عام 1981، وبين ما هو قائم بالفعل -بعد مرور ما يقرب من ثلث قرن على إنشاء المجلس- على صعيد التعاون العسكري والتكامل الدفاعي بين دوله الأعضاء، نجد الهوة واسعة إلى حد كبير.
فبالنسبة لما كان متوقعاً من المجلس، فمعروف أن الأخير ارتبطت نشأته بظروف أمنية وسياسية في بداية الثمانينات أبرزها قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 وتبني الأخيرة مبدأ تصدير الثورة، ثم اندلاع الحرب الإيرانية – العراقية وما ترتب عليها من تهديد لدول الخليج. وعلى الرغم من أن الوثائق المنشئة للمجلس لم تتحدث مطلقاً عن تكامل دفاعي بين دوله، إلا أنه كان يتصور في ضوء تلك التحديات أن يكون مجلس التعاون الخليجي بمثابة قوة ثالثة موازنة لكل من العراق وإيران، وهو ما كان يقتضي أن يتحول المجلس إلى تكتل دفاعي وعسكري موحد.
لكن ما تحقق على أرض الواقع يعد متواضعاً للغاية، فهو –كما جاء في التقرير السنوي الذي تصدره الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي بشأن مسيرة المجلس لعام 2008 وهو أحدث تقرير صدر حتى تاريخه- يتمثل بالأساس في إنشاء قوة درع الجزيرة -التي تم تفكيكها لاحقاً بناء على اقتراح من المملكة العربية السعودية حظي بمباركة بقية دول المجلس- وتوقيع الدول الأعضاء على اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون في 31 ديسمبر 2000، والتي تضمنت إنشاء مجلس للدفاع المشترك ولجنة عسكرية عليا تنبثق منه، بالإضافة إلى إقرار الدراسات المتعلقة بمشروع حزام التعاون والاتصالات المؤمنة وبدء الخطوات التنفيذية لهما، بالإضافة إلى حديث لم ينقطع عن ضرورة تطوير التعاون العسكري المشترك بين دول المجلس والتنسيق الجماعي في المجالات الأمنية، وظلت بيانات القمم الخليجية تحفل بتكرار العديد من هذه المطالب، إلى جانب مطالب أخرى يصعب وصفها بأنها (مرتكزات) للتكامل الدفاعي، لأنها ظلت نداءات تؤكد أن (أمن الخليج مسؤولية أصحابه) من دون ترجمة ذلك على أرض الواقع.
وتحاول الأوساط الرسمية في دول المجلس الترويج بأن هذه الخطوات المشار إليها تمثل نقلة في اتجاه مزيد من التعاون العسكري بين دول الخليج، في حين أن واقع الأمر يشير إلى محدوديتها، فضلاً عن تضاؤل احتمالات تطويرها بما يخدم فعلياً فكرة وجود تكامل عسكري خليجي أو حتى مجرد تنسيق عالي المستوى في المجال الدفاعي.
ثانياً: معوقات التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي
ثمة تساؤل رئيسي يثار مفاده: لماذا في ظل تعاظم حجم التهديدات الأمنية الخارجية المحيطة بدول مجلس التعاون الخليجي وتفاقمها بمرور الوقت، لم تتقدم مسيرة التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي؟ بل على العكس تم تفكيك قوات درع الجزيرة، النواة الوحيدة التي كان يؤمل أن تتحول إلى جيش خليجي موحد؟
تفرض المرحلة الراهنة على دول مجلس التعاون أن تتبنى خيار التكامل الدفاعي والعسكري فيما بينها
في محاولة للإجابة عن هذا التساؤل، يمكن القول إن هناك عوامل عديدة حالت دون ذلك، نذكر منها ما يلي:
1- الاختلاف بين دول المجلس بشأن مصادر التهديد: إن التكامل الدفاعي بين أي مجموعة من الدول يتطلب أن يكون هناك حد أدنى من الاتفاق حول مصادر التهديد الرئيسية المحيطة بهذه الدول وتبني موقف موحد إزاءها، لكن هذا العامل غير متوفر بدرجة كبيرة بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي. فهناك انقسام واضح ومتزايد بين تلك الدول في شأن مصادر التهديد لأمن الخليج، وقد تم الكشف عن هذا الانقسام في أكثر من مناسبة، منها على سبيل المثال المبادرة التي تقدمت بها مملكة البحرين بشأن تأسيس منظمة أمنية شرق أوسطية تشارك فيها الدول العربية وإيران وتركيا وإسرائيل، وهي المبادرة التي لم تلق تجاوباً أو تأييداً من أي من دول الخليج. كما اتضح هذا الاختلاف أيضاً في الموقف من عقد الاجتماع الوزاري الذي دعت إليه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس في نيويورك في 16 ديسمبر 2008، للبحث في أمن الخليج بين (مجموعة 5+1) (دول مجلس الأمن الخمس دائمة العضوية وألمانيا) ودول مجموعة (6+3) (دول مجلس التعاون ومصر والأردن والعراق). فبينما تحمست بعض دول الخليج وخاصة مملكة البحرين لعقد هذا المؤتمر، قاطعته سلطنة عمان وقطر، وأوضح وزير الخارجية العماني يوسف بن علوي أسباب هذا الرفض بأن أمن الخليج مسؤولية دول الخليج والدول البحرية الأخرى في المنطقة، وكان ينبغي دعوة إيران إلى هذا الاجتماع، وأنه (لا يمكن أن يكون هناك أمن في الخليج من دون إيران).
2- التمسك المفرط بمبدأ السيادة: فإقامة كيان دفاعي عسكري، أو نظام دفاعي موحد، تعني تقديم قدر من التنازل عن سيادة كل دولة، أو على الأقل إخضاع بعض متطلبات أمنها الوطني وخططها الاستراتيجية لاعتبارات إقليمية وليست قُطرية خالصة، ما ترفضه بعض الدول، خاصة في ظل التفاوت القائم بينها في رصيد عناصر القوة الشاملة مثل عدد السكان، الوضع الاقتصادي، الموقع الجغرافي، فضلاً عن تفاوت أكثر وضوحاً في الثقل السياسي وحجم الدور الإقليمي.
3- غلبة فكرة الأمن المستورد من الخارج: فما زال الاتجاه العام الغالب على توجه دول المجلس، يذهب لإعطاء الأولوية إلى الاعتماد على القوات الخارجية في ما يخص المسائل الأمنية. فمنذ أزمة حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، قامت معظم دول المجلس بتوقيع اتفاقيات دفاعية مع الدول الخمس الكبرى (الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن) أو بعضها وتم تمديد سريان فاعليتها، وتضمنت الوجود الأجنبي لقواتها على أراضي هذه الدول والدفاع عنها، مما قلل من أهمية بناء قوة خليجية ذاتية، وأصبح الاعتماد شبه كامل على القوات الأجنبية الموجودة على أراضي هذه الدول. ولم يعد الأمر يقتصر على الولايات المتحدة والدول الكبرى فقط، وإنما يمكن القول إن حلف الناتو دخل على خط التفاعلات الخاصة بأمن الخليج من خلال مبادرة اسطنبول التي وقعت عليها معظم دول المجلس.
ثمة انقسام واضح بين دول المجلس في شأن مصادر التهديد لأمن الخليج
4- دور القوى الخارجية في عرقلة أية خطوات نحو التكامل الدفاعي الخليجي: هناك حرص من جانب القوى الخارجية على التغلغل وفرض النفوذ داخل إقليم الخليج، من خلال زيادة تفاقم المخاطر الأمنية، وافتعال مصادر مستمرة للتهديد، والحيلولة دون نجاح دول الإقليم في التوصل إلى توافق في شأن مبادئ وأفكار وتصورات لأمن إقليمي خليجي مشترك، وتشجيع روح التفرد والذاتية بين دول المجلس. وقد ظهر ذلك واضحاً عندما اتجهت الولايات المتحدة إلى توقيع اتفاقيات أمنية ثنائية بينها وبين كل دولة من دول مجلس التعاون على حدة، ورفض توقيع اتفاقية أمنية جماعية مع دول المجلس كصيغة بديلة للأمن الخليجي.
وعلى المستوى الإقليمي، لا تريد إيران أن تكون لدول الخليج العربية كلمة موحدة في المجال الدفاعي، وهي مسألة تهمها في المقام الأول؛ لأن أي إضافة إلى حساب القوة الخليجية تعني انتقاصاً بالقدر ذاته من رصيد القوة الإيرانية في الخليج، وتغيراً في ميزان القوة الاستراتيجية في تلك المنطقة.
التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي أصبح خياراً مفروضاً على تلك الدول ولا بد أن تتبناه وتسعى إلى تحقيقه
ثالثاً: حتمية التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي
تفرض المرحلة الراهنة على دول مجلس التعاون الخليجي أن تتبنى خيار التكامل الدفاعي والعسكري فيما بينها على نحو يحقق لها درجة معقولة من الأمن الذاتي. والحقيقة أن هذا الخيار تفرضه مجموعة كبيرة من العوامل والاعتبارات التي يجب على تلك الدول أن تأخذها في الاعتبار، نذكر منها:
1- حالة السيولة الأمنية الشديدة التي تشهدها منطقة الخليج: إن قراءة بسيطة وأولية لخريطة التهديدات الأمنية الخارجية المحيطة بدول مجلس التعاون الخليجي تكفي للتدليل على حتمية التكامل العسكري والدفاعي فيما بين هذه الدول للتعامل الجماعي مع تلك التهديدات التي لا تستطيع دولة واحدة التعامل معها. ففي الشمال، يبرز التهديد الأمني الذي تمثله الأوضاع المنفلتة في العراق. فعلى الرغم من التحسن الذي طرأ على الوضع الأمني في هذا البلد خلال العامين الماضيين مقارنة بالسنوات التالية مباشرة لاحتلاله، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً وغير متماسك، وهذا ما عكسته الأحداث الدامية التي شهدها العراق مؤخراً خلال أغسطس وأكتوبر الماضيين والتي راح ضحيتها ما يزيد على المائتين وخمسين شخصاً وأكثر من ألف مصاب، بشكل أعاد للأذهان حالة الانفلات الأمني التي شهدها العراق في السابق، وما يحمله ذلك من أخطار بالنسبة لدول الجوار بحكم العامل الجغرافي. وهناك أيضاً التحدي الأمني الذي تمثله إيران، سواء ما يتعلق بالتهديد الذي يمثله برنامجها النووي أو التسلح الإيراني المتنامي خاصة في مجال الصواريخ.
وفي الجنوب، يبرز التحدي الذي تمثله التطورات الخاصة باليمن والصراع الدائر بين الحوثيين والحكومة اليمنية، وتداعيات ذلك على دول الجوار بحكم المكانة التي يشغلها الموقع الجغرافي لليمن، إذ إن دخول هذا البلد في حرب أهلية أو فوضى أمنية واسعة لن تقتصر تداعياته عليه وحده، بل ستمتد إلى المنطقة العربية برمتها، وبصفة خاصة دول مجلس التعاون الخليجي بحكم الجوار الجغرافي المباشر والتداخل القبلي، وتعد المواجهات الأمنية الأخيرة بين القوات السعودية والمتمردين الحوثيين الذين تسللوا إلى داخل الحدود السعودية مع اليمن نموذجاً عملياً على ذلك.
وفي الغرب، يبرز التهديد الذي تمثله جرائم القرصنة التي تزايدت خلال العامين الماضيين وما تمثله من خطورة شديدة على أمن الملاحة في البحر الأحمر، الذي يمر إليه يومياً 3.3 مليون برميل من النفط الخام عبر مضيق باب المندب، بما يساوي 4 في المائة من الطلب العالمي على النفط.
ولا تقتصر التهديدات الأمنية الخارجية المحيطة بدول المجلس على الأوضاع المحيطة بها مباشرة على النحو الذي سبق تناوله، وإنما تمثل الصراعات والنزاعات المسلحة حتى البعيدة جغرافياً عن دول مجلس التعاون الخليجي تهديداً بشكل أو آخر على أمنها، وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي والصراعات الدائرة في منطقة القرن الإفريقي، بالإضافة إلى تنامي خطورة الإرهاب في منطقة الخليج، الذي كشفت عنه محاولة الاغتيال الفاشلة التي تعرض لها الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز، مساعد وزير الداخلية السعودي للشؤون الأمنية، خلال شهر أغسطس الماضي، والتي تبناها ما يعرف باسم (تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية)، وكذلك إعلان السلطات الكويتية في الشهر ذاته أنها اعتقلت خلية مرتبطة بتنظيم (القاعدة) كانت تخطط لتفجير معسكر عرفجان للجيش الأمريكي ومنشآت مهمة أخرى من بينها مصفاة الشعبية النفطية ومبنى جهاز أمن الدولة، وقبل ذلك إعلان الأجهزة الأمنية في مملكة البحرين في مايو الماضي، أنها تمكنت من ضبط خلية إرهابية كانت تخطط وتستعد للقيام بأعمال إرهابية في مملكة البحرين وبعض الدول الخليجية الأخرى.
إذاً هذه الخريطة الممتدة والمتشعبة للتهديدات الأمنية الخارجية المحيطة بدول مجلس التعاون الخليجي تفرض على قادة هذه الدول الارتقاء بعملية التكامل العسكري والدفاعي بينها إلى مرحلة توفر لهم آلية المواجهة الجماعية الفعالة لتلك التهديدات.
2- توجهات إدارة باراك أوباما الجديدة بفرض انكماش في الالتزامات العسكرية بالخارج على نحو ما حدث في أعقاب الهزيمة الأمريكية في حرب فيتنام وذلك بفعل الإخفاق العسكري الأمريكي في فرض الأمن في العراق وأفغانستان، وهو ما يولد شكوكاً ومخاوف عبرت عنها بعض النخب المثقفة في عدد من الدول الخليجية بشأن مدى التزام الولايات المتحدة في الدفاع عن الدول الخليجية، الأمر الذي يتطلب من تلك الدول السعي لبناء قوة ذاتية خليجية جماعية.

قوات درع الجزيرة كانت النواة الوحيدة التي كان يؤمل أن تتحول إلى كيان خليجي موحد
3- احتمالات تغير خريطة التحالفات في المنطقة: إن أحد العوامل المهمة التي تفرض على دول مجلس التعاون الخليجي حتمية التكامل الدفاعي والعسكري بينها هو الاستعداد لأي تغير مستقبلي قد تشهده خريطة التحالفات في المنطقة. وواقع الأمر، فإن مكمن التخوف الرئيسي في هذا الصدد ينبع من الاحتمالات الخاصة التي قد تسفر عنها تطورات الأزمة النووية الإيرانية.
فإذا كانت إدارة أوباما قد عقدت العزم على الدخول في حوار مباشر مع إيران لتسوية أزمة برنامجها النووي، فإن طهران يمكنها، من خلال هذا الحوار المزمع، تقوية موقفها التفاوضي للحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب الإقليمية، وربما دفع الإدارة الأمريكية الجديدة إلى الاعتراف بدور إقليمي مهيمن لها في المنطقة من خلال إبراز قدرتها على المساهمة في حل كثير من المشكلات والأزمات التي ربما تجد الولايات المتحدة صعوبة في تسويتها من دون إيران، التي تعد بدورها طرفاً أساسياً في معظم هذه المشكلات والأزمات أو محركاً لها.
وبالتالي، قد تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها أمام معادلة جديدة لتوازن القوى في المنطقة لن تكون طرفاً فاعلاً ومؤثراً فيها سوى بامتلاكها خيار الأمن الذاتي الجماعي الذي يحققه التكامل الدفاعي والعسكري بينها.
من الطبيعي أن تحمل التصريحات والخطابات الرسمية للمسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي حرصاً شديداً وكاملاً ليس على وجود تعاون عسكري خليجي – خليجي فقط، وإنما أيضاً على تفعيل هذا التعاون والارتقاء به إلى أعلى المستويات. وهو الخطاب الذي دأبت الحكومات الخليجية على تبنيه على مدى السنوات الماضية، لكن الوقوف على حقيقة الوضع القائم فعلياً يستلزم مزيداً من التأمل والبحث في المواقف والسلوكيات الفعلية التي تلتزمها دول الخليج وليست تلك التي تعلنها.
أخيراً إن خطابات سياسية من هذا النوع لم تعد تجدي للتعامل مع الوضع الأمني الراهن في منطقة الخليج، وإنما يتطلب الأمر وجود إرادة سياسية حقيقية لدى دول المجلس الست تتفق على أن التكامل الدفاعي والعسكري الخليجي أصبح خياراً مفروضاً على تلك الدول ولا بد أن تتبناه، وتسعى إلى تحقيقه بدلاً من التورط في برامج تسليحية مكثفة تستنزف ما بقي من موارد من دون مردود أمني حقيقي. وليس شرطاً أن يكون هذا التكامل بديلاً عن التحالف الأمني مع القوى الكبرى، وإنما يكمله ويضع دول المجلس في موضع قوي إذا ما تغيرت موازين القوى في المنطقة، وبما يجعلها طرفاً قوياً وفاعلاً في إطار أي منظومة أمنية جديدة محتملة في منطقة الخليج.
::/fulltext::
::cck::1291::/cck::
