دوافع الدور التركي الجديد وأبعاده في المنطقة
::cck::1407::/cck::
::introtext::
سادت نظرية (قلب العالم) أو القلب الأرضي في حقل العلاقات الدولية النصف الأول من القرن الماضي، وفي حينها حاول بعض الباحثين صياغة علاقة وثيقة بين الموقع الجغرافي للدولة ومستقبل قوتها ودورها السياسي. اعتبر ماكندر المفكر الجيوبولتيكي البريطاني صاحب نظرية (القلب الأرضي) (أوراسيا) بمثابة قلب العالم أو السويداء، وعدّ من يسيطر عليها سيسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يتحكم في العالم بأسره.
::/introtext::
::fulltext::
سادت نظرية (قلب العالم) أو القلب الأرضي في حقل العلاقات الدولية النصف الأول من القرن الماضي، وفي حينها حاول بعض الباحثين صياغة علاقة وثيقة بين الموقع الجغرافي للدولة ومستقبل قوتها ودورها السياسي. اعتبر ماكندر المفكر الجيوبولتيكي البريطاني صاحب نظرية (القلب الأرضي) (أوراسيا) بمثابة قلب العالم أو السويداء، وعدّ من يسيطر عليها سيسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يتحكم في العالم بأسره.
يبدو أن نصف قرن من الصراعات والحروب العالمية وتفكك الاتحاد السوفييتي وكذلك تحول آليات الصراع الدولي وتشكيل خطوط تقسيم جديدة لهذا الصراع تقوم على أسس حضارية وثقافية دفع بنظرية القلب الأرضي للإزاحة قليلاً باتجاه دولة لطالما عانت بسبب موقعها الجيوسياسي من قلق الهوية من خلال موقعها الرابط بين آسيا وأوروبا، الأمر الذي شكل لديها عقدة الهوية، ويبدو أن هذه الميزة التي كانت عائقاً سابقاً تحولت بفعل التغييرات العميقة التي طالت الخريطة السياسية الدولية إلى ميزة إيجابية وفريدة دفعت وستدفع هذه الدولة للعب دور ليس إقليمياً بل دولياً مستقبلياً لأنها من يتربع على عرش القلب الأرضي، تلك هي تركيا الممسكة بحلقة تربط العوالم الثلاثة، تركيا العلمانية (أوروبا والغرب) وتركيا الإسلامية (الشرق الأوسط والعرب) وتركيا الطورانية (آسيا الوسطى والقوقاز).
من جهته نصح صموئيل هنتنغتون الباحث الأمريكي وصاحب أطروحة (صدام الحضارات) القادة الأتراك في محاضرة ألقاها في إسطنبول منتصف 2005، بأن تتوجه أنظارهم صوب العالم الإسلامي لقيادته وعدم الوقوف والانتظار طويلاً على أبواب أوروبا التي أصبحت أكثر أصولية ومسيحية وتنظر إلى تركيا رغم المحتوى العلماني والديمقراطي لنظامها السياسي على أنها مجتمع وثقافة وتاريخ تعد من وجهة النظر الأوروبية دولة إسلامية بامتياز .
متغيرات الجيو – سياسة العميقة
لم تكن وظيفة تركيا الكمالية قبل انتهاء الحرب الباردة تتعدى العمل كساتر عسكري متقدم لحلف الناتو في مواجهة حلف وارسو، حمل عام 1991 رياحاً قوية هبت على المنطقة والعالم لتحمل في طياتها تغييرات عميقة وهيأت لتركيا فرصة تاريخية للاقتناص، والانتقال من دور الجسر الرابط ووظيفة الساتر الذي انتهت صلاحيته بتفكك الاتحاد السوفييتي إلى لعب دور المركز الذي اندفع ليدير ثلاثة عوالم في آن واحد، فبعد عشرات السنين من الرفض الأوروبي لانضمام تركيا جاء التحول الجيو- سياسي الدرامي المتمثل في انهيار نظام القطبية الثنائية الذي تزامن مع انهيار النظام الرسمي العربي، ليفتح الطريق أمام تركيا للعب دور جديد لم تعهده طيلة حقبة الانعزال الأتاتوركي التي امتدت أكثر من أربعين عاماً.
لقد أدى ظهور جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز الإسلامية على أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق، إلى أن تجد تركيا نفسها فجأة محط أنظار شعوب كاملة ناطقة بالتركية وتعتنق الإسلام وترتبط معها بعلاقات تاريخية وعرقية، وتجعل منها المركز الطبيعي للعالم التركي الطوراني وجسراً ممهداً إلى الغرب والولايات المتحدة، ويعجل من هذا التفاعل المتبادل دخول إيران كمنافس على خط النفوذ التركي في هذه الجمهوريات الغنية والبكر .
وكان المتغير العميق الآخر الذي أعقب الحرب الباردة متمثلاً في انهيار منظومة الأمن القومي العربي إثر غزو الكويت واشتراك معظم الدول العربية مع الولايات المتحدة في تدمير قوة العراق وحصاره. والحقيقة أن موقف تركيا في حربي الخليج الأولى والثانية كان في موقع المستفيد أو كما وصفهما توركت أوزال حرفياً بأنهما (نعمة من الله على تركيا)، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما سمحت لأول مرة منذ عام 1958 لقوات التحالف الغربي باستخدام القواعد العسكرية على الأراضي التركية لتنفيذ غارات ضد العراق الذي أخل بالتوازن الإقليمي من وجهة النظر التركية عندما خرج من حربه مع إيران منتصراً كقوة إقليمية كبرى في المنطقة مما منحه موقفاً تفاوضياً قوياً تجاه تركيا في ما يتعلق بمياه دجلة والفرات، لذا مثّل تدمير العراق كقوة عربية متوازنة انهياراً مباشراً للأمن القومي العربي وتخلخل الضغط فيه وشكّل بوابة بالتضافر مع عوامل أخرى للدخول إلى (العالم) العربي والإسلامي من قبل الضغوط العالية المجاورة التي طالما تنافست لملء الفراغ وتاقت لقيادة العالم العربي والإسلامي.
الجمهورية التركية الثالثة
لم تكن المتغيرات الجيو-سياسية العميقة في آسيا الوسطى أو المنطقة العربية والإسلامية والتي أعقبت الحرب الباردة لتشكل فرقاً في مستقبل الدور التركي لو لم ترافقه وتتزامن معه تطورات وتغييرات لا تقل عمقاً على مستوى فلسفة النظام السياسي الداخلي في تركيا، أو ما بات يعرف بالجمهورية الثالثة، وما تمخض عنها من سياسة خارجية ملائمة لإدارة علاقات إقليمية ودولية وفضاءات جديدة تزداد تعقيداً في زمن متحول.
ويبدو أن مبادئ الجمهورية الأولى التي أسسها أتاتورك وكانت عبارة عن إيديولوجية متعصبة وجامدة باتت عاجزة عن تفسير الكثير من متطلبات العصر والمتغيرات الداخلية والخارجية على حد سواء، وهو ما دعا توركت أوزال مؤسس الجمهورية الثانية التي اقترنت بمصطلح (العثمانية الجديدة) مطلع الثمانينات من القرن الماضي إلى انتقاد الأتاتوركية وإعلان إفلاس العلمانية ممهداً بذلك الطريق، دولة ومجتمعاً، فيما بعد لظهور وانتشار أفكار الإسلاميين الجدد في تركيا التي توجت بنموذجها الحالي حزب العدالة والتنمية.
ويمثل إنجاز حزب العدالة والتنمية بوضع يده على جرح تركيا المتمثل في جدل الهويات منذ نصف قرن عندما أنهى جدل الهويات والتناقض الذي عصف بتوجهات تركيا منذ نصف قرن، وحقق ذلك الانسجام والتوافق بين موروث الثقافة السياسية وبين تركيبة النظام السياسي الذي حاول في الماضي من خلال النخبة والعسكر في الجمهورية الأولى فرض هوية جديدة للمجتمع التركي منحازة لأوروبا والدخول قسرياً بقطيعة تامة مع جذور المجتمع متجاهلة الهوية وعوامل التاريخ والجغرافية.
مثّل تدمير العراق كقوة عربية متوازنة انهياراً مباشراً للأمن القومي العربي
ويمثل شباب حزب العدالة والتنمية جيلاً تركياً طموحاً من المتوقع أن يحقق قفزات نوعية في دور تركيا الإقليمي والدولي، ورغم توجهاته الإسلامية فهو حزب يزاوج بين القيم التقليدية والحداثة، وتمرست قيادات هذا الحزب في الواقعية من خلال وجودها الميداني والتعرف عن كثب إلى تطلعات الشعب التركي. نحن إذاً أمام رؤية استراتيجية واعدة وجديدة تقوم على مستوى السياسة الداخلية برفع مستوى ومنسوب الديمقراطية وتقليص دور العسكر، والاندفاع على المستوى الخارجي لصياغة معادلة في السياسة الخارجية تتيح كمحصلة لإدارة واستعادة المجال الحيوي في ثلاثة عوالم تركية في آن واحد تنسجم مع كافة التيارات السياسية التركية الإسلامية والعلمانية والقومية، بما يؤهلها على المديين القريب والمتوسط للعب أدوار أكثر فاعلية على مستوى النظام السياسي الدولي.
تحدي الاندفاعة أم الاستجابة؟
إن الاندفاعة التركية الجديدة باتجاه القضايا العربية والشرق أوسطية لا تعني التخلي عن الخيار الغربي أو الذوبان في الخيار الشرقي، لكنها تأتي في سياق تقدير موقف ومراجعة دقيقة للحسابات المحلية والإقليمية والدولية، فالنموذج التركي الواعد يبدو هو المرجح كلاعب رئيسي في المنطقة مقابل إسرائيل وإيران وفي ظل غيبوبة عربية، خاصة أن اللاعب الأكبر في السياسة الدولية المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية في حالة من التراجع، وأصبح مضطراً لإحالة الكثير من الملفات إلى قوى إقليمية قوية ومقبولة لتقوم بإدارتها بالنيابة، كما تتضافر عناصر عدة تؤكد الاندفاعة التركية، متمثلة في التشرذم والضعف العربي بعد احتلال العراق، ومسك تركيا لعصب الطاقة الثاني في القرن الحادي والعشرين المتمثل في المياه الذي تحتاجه كافة دول المنطقة، ونموذجها الإسلامي المقبول، وتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتعاظم النفوذ الإيراني المنافس التاريخي لتركيا في المجال الحيوي العربي والإسلامي.
وتتمثل المحطات والإشارات الإيجابية الجديدة في موقف الجمهورية التركية الثالثة من القضايا العربية الملحة المتمثلة في المواقف من القضية الفلسطينية وذروتها الموقف من الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، ورفض استخدام القواعد الأطلسية في تركيا كمنصة لغزو العراق عام 2003، الذي أدرك الأتراك والعرب على حد سواء مؤخراً أن تدميره كان خطأ استراتيجياً أخل بالتوازن في المنطقة لصالح إيران، وساهم في إيجاد كيان انفصالي كردي في شمال العراق يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي.
خلاصة القول، على العرب الاستفادة القصوى من هذه الاندفاعة التركية وألا يضعوا بيضهم في سلة واحدة، وخط الشروع يبدأ من بغداد، فالعراق الموحد بقواه الوطنية وإعادته قوياً عربياً مستقلاً يضمن إعادة التوازن والاستقرار في المنطقة، ويتيح لتركيا الخلاص عراقياً من خنجر الانفصال الكردي الذي يهدد الوحدة الوطنية التركية، ويمهد لعلاقات اقتصادية وتجارية متوازنة بعيداً عن الابتزاز الإيراني المتحكم كلياً في الطبقة السياسية العراقية الحالية الحاكمة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1407::/cck::
::introtext::
سادت نظرية (قلب العالم) أو القلب الأرضي في حقل العلاقات الدولية النصف الأول من القرن الماضي، وفي حينها حاول بعض الباحثين صياغة علاقة وثيقة بين الموقع الجغرافي للدولة ومستقبل قوتها ودورها السياسي. اعتبر ماكندر المفكر الجيوبولتيكي البريطاني صاحب نظرية (القلب الأرضي) (أوراسيا) بمثابة قلب العالم أو السويداء، وعدّ من يسيطر عليها سيسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يتحكم في العالم بأسره.
::/introtext::
::fulltext::
سادت نظرية (قلب العالم) أو القلب الأرضي في حقل العلاقات الدولية النصف الأول من القرن الماضي، وفي حينها حاول بعض الباحثين صياغة علاقة وثيقة بين الموقع الجغرافي للدولة ومستقبل قوتها ودورها السياسي. اعتبر ماكندر المفكر الجيوبولتيكي البريطاني صاحب نظرية (القلب الأرضي) (أوراسيا) بمثابة قلب العالم أو السويداء، وعدّ من يسيطر عليها سيسيطر على جزيرة العالم ومن يسيطر على جزيرة العالم يتحكم في العالم بأسره.
يبدو أن نصف قرن من الصراعات والحروب العالمية وتفكك الاتحاد السوفييتي وكذلك تحول آليات الصراع الدولي وتشكيل خطوط تقسيم جديدة لهذا الصراع تقوم على أسس حضارية وثقافية دفع بنظرية القلب الأرضي للإزاحة قليلاً باتجاه دولة لطالما عانت بسبب موقعها الجيوسياسي من قلق الهوية من خلال موقعها الرابط بين آسيا وأوروبا، الأمر الذي شكل لديها عقدة الهوية، ويبدو أن هذه الميزة التي كانت عائقاً سابقاً تحولت بفعل التغييرات العميقة التي طالت الخريطة السياسية الدولية إلى ميزة إيجابية وفريدة دفعت وستدفع هذه الدولة للعب دور ليس إقليمياً بل دولياً مستقبلياً لأنها من يتربع على عرش القلب الأرضي، تلك هي تركيا الممسكة بحلقة تربط العوالم الثلاثة، تركيا العلمانية (أوروبا والغرب) وتركيا الإسلامية (الشرق الأوسط والعرب) وتركيا الطورانية (آسيا الوسطى والقوقاز).
من جهته نصح صموئيل هنتنغتون الباحث الأمريكي وصاحب أطروحة (صدام الحضارات) القادة الأتراك في محاضرة ألقاها في إسطنبول منتصف 2005، بأن تتوجه أنظارهم صوب العالم الإسلامي لقيادته وعدم الوقوف والانتظار طويلاً على أبواب أوروبا التي أصبحت أكثر أصولية ومسيحية وتنظر إلى تركيا رغم المحتوى العلماني والديمقراطي لنظامها السياسي على أنها مجتمع وثقافة وتاريخ تعد من وجهة النظر الأوروبية دولة إسلامية بامتياز .
متغيرات الجيو – سياسة العميقة
لم تكن وظيفة تركيا الكمالية قبل انتهاء الحرب الباردة تتعدى العمل كساتر عسكري متقدم لحلف الناتو في مواجهة حلف وارسو، حمل عام 1991 رياحاً قوية هبت على المنطقة والعالم لتحمل في طياتها تغييرات عميقة وهيأت لتركيا فرصة تاريخية للاقتناص، والانتقال من دور الجسر الرابط ووظيفة الساتر الذي انتهت صلاحيته بتفكك الاتحاد السوفييتي إلى لعب دور المركز الذي اندفع ليدير ثلاثة عوالم في آن واحد، فبعد عشرات السنين من الرفض الأوروبي لانضمام تركيا جاء التحول الجيو- سياسي الدرامي المتمثل في انهيار نظام القطبية الثنائية الذي تزامن مع انهيار النظام الرسمي العربي، ليفتح الطريق أمام تركيا للعب دور جديد لم تعهده طيلة حقبة الانعزال الأتاتوركي التي امتدت أكثر من أربعين عاماً.
لقد أدى ظهور جمهوريات آسيا الوسطى والقوقاز الإسلامية على أنقاض الاتحاد السوفييتي السابق، إلى أن تجد تركيا نفسها فجأة محط أنظار شعوب كاملة ناطقة بالتركية وتعتنق الإسلام وترتبط معها بعلاقات تاريخية وعرقية، وتجعل منها المركز الطبيعي للعالم التركي الطوراني وجسراً ممهداً إلى الغرب والولايات المتحدة، ويعجل من هذا التفاعل المتبادل دخول إيران كمنافس على خط النفوذ التركي في هذه الجمهوريات الغنية والبكر .
وكان المتغير العميق الآخر الذي أعقب الحرب الباردة متمثلاً في انهيار منظومة الأمن القومي العربي إثر غزو الكويت واشتراك معظم الدول العربية مع الولايات المتحدة في تدمير قوة العراق وحصاره. والحقيقة أن موقف تركيا في حربي الخليج الأولى والثانية كان في موقع المستفيد أو كما وصفهما توركت أوزال حرفياً بأنهما (نعمة من الله على تركيا)، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما سمحت لأول مرة منذ عام 1958 لقوات التحالف الغربي باستخدام القواعد العسكرية على الأراضي التركية لتنفيذ غارات ضد العراق الذي أخل بالتوازن الإقليمي من وجهة النظر التركية عندما خرج من حربه مع إيران منتصراً كقوة إقليمية كبرى في المنطقة مما منحه موقفاً تفاوضياً قوياً تجاه تركيا في ما يتعلق بمياه دجلة والفرات، لذا مثّل تدمير العراق كقوة عربية متوازنة انهياراً مباشراً للأمن القومي العربي وتخلخل الضغط فيه وشكّل بوابة بالتضافر مع عوامل أخرى للدخول إلى (العالم) العربي والإسلامي من قبل الضغوط العالية المجاورة التي طالما تنافست لملء الفراغ وتاقت لقيادة العالم العربي والإسلامي.
الجمهورية التركية الثالثة
لم تكن المتغيرات الجيو-سياسية العميقة في آسيا الوسطى أو المنطقة العربية والإسلامية والتي أعقبت الحرب الباردة لتشكل فرقاً في مستقبل الدور التركي لو لم ترافقه وتتزامن معه تطورات وتغييرات لا تقل عمقاً على مستوى فلسفة النظام السياسي الداخلي في تركيا، أو ما بات يعرف بالجمهورية الثالثة، وما تمخض عنها من سياسة خارجية ملائمة لإدارة علاقات إقليمية ودولية وفضاءات جديدة تزداد تعقيداً في زمن متحول.
ويبدو أن مبادئ الجمهورية الأولى التي أسسها أتاتورك وكانت عبارة عن إيديولوجية متعصبة وجامدة باتت عاجزة عن تفسير الكثير من متطلبات العصر والمتغيرات الداخلية والخارجية على حد سواء، وهو ما دعا توركت أوزال مؤسس الجمهورية الثانية التي اقترنت بمصطلح (العثمانية الجديدة) مطلع الثمانينات من القرن الماضي إلى انتقاد الأتاتوركية وإعلان إفلاس العلمانية ممهداً بذلك الطريق، دولة ومجتمعاً، فيما بعد لظهور وانتشار أفكار الإسلاميين الجدد في تركيا التي توجت بنموذجها الحالي حزب العدالة والتنمية.
ويمثل إنجاز حزب العدالة والتنمية بوضع يده على جرح تركيا المتمثل في جدل الهويات منذ نصف قرن عندما أنهى جدل الهويات والتناقض الذي عصف بتوجهات تركيا منذ نصف قرن، وحقق ذلك الانسجام والتوافق بين موروث الثقافة السياسية وبين تركيبة النظام السياسي الذي حاول في الماضي من خلال النخبة والعسكر في الجمهورية الأولى فرض هوية جديدة للمجتمع التركي منحازة لأوروبا والدخول قسرياً بقطيعة تامة مع جذور المجتمع متجاهلة الهوية وعوامل التاريخ والجغرافية.
مثّل تدمير العراق كقوة عربية متوازنة انهياراً مباشراً للأمن القومي العربي
ويمثل شباب حزب العدالة والتنمية جيلاً تركياً طموحاً من المتوقع أن يحقق قفزات نوعية في دور تركيا الإقليمي والدولي، ورغم توجهاته الإسلامية فهو حزب يزاوج بين القيم التقليدية والحداثة، وتمرست قيادات هذا الحزب في الواقعية من خلال وجودها الميداني والتعرف عن كثب إلى تطلعات الشعب التركي. نحن إذاً أمام رؤية استراتيجية واعدة وجديدة تقوم على مستوى السياسة الداخلية برفع مستوى ومنسوب الديمقراطية وتقليص دور العسكر، والاندفاع على المستوى الخارجي لصياغة معادلة في السياسة الخارجية تتيح كمحصلة لإدارة واستعادة المجال الحيوي في ثلاثة عوالم تركية في آن واحد تنسجم مع كافة التيارات السياسية التركية الإسلامية والعلمانية والقومية، بما يؤهلها على المديين القريب والمتوسط للعب أدوار أكثر فاعلية على مستوى النظام السياسي الدولي.
تحدي الاندفاعة أم الاستجابة؟
إن الاندفاعة التركية الجديدة باتجاه القضايا العربية والشرق أوسطية لا تعني التخلي عن الخيار الغربي أو الذوبان في الخيار الشرقي، لكنها تأتي في سياق تقدير موقف ومراجعة دقيقة للحسابات المحلية والإقليمية والدولية، فالنموذج التركي الواعد يبدو هو المرجح كلاعب رئيسي في المنطقة مقابل إسرائيل وإيران وفي ظل غيبوبة عربية، خاصة أن اللاعب الأكبر في السياسة الدولية المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية في حالة من التراجع، وأصبح مضطراً لإحالة الكثير من الملفات إلى قوى إقليمية قوية ومقبولة لتقوم بإدارتها بالنيابة، كما تتضافر عناصر عدة تؤكد الاندفاعة التركية، متمثلة في التشرذم والضعف العربي بعد احتلال العراق، ومسك تركيا لعصب الطاقة الثاني في القرن الحادي والعشرين المتمثل في المياه الذي تحتاجه كافة دول المنطقة، ونموذجها الإسلامي المقبول، وتحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وتعاظم النفوذ الإيراني المنافس التاريخي لتركيا في المجال الحيوي العربي والإسلامي.
وتتمثل المحطات والإشارات الإيجابية الجديدة في موقف الجمهورية التركية الثالثة من القضايا العربية الملحة المتمثلة في المواقف من القضية الفلسطينية وذروتها الموقف من الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، ورفض استخدام القواعد الأطلسية في تركيا كمنصة لغزو العراق عام 2003، الذي أدرك الأتراك والعرب على حد سواء مؤخراً أن تدميره كان خطأ استراتيجياً أخل بالتوازن في المنطقة لصالح إيران، وساهم في إيجاد كيان انفصالي كردي في شمال العراق يشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي.
خلاصة القول، على العرب الاستفادة القصوى من هذه الاندفاعة التركية وألا يضعوا بيضهم في سلة واحدة، وخط الشروع يبدأ من بغداد، فالعراق الموحد بقواه الوطنية وإعادته قوياً عربياً مستقلاً يضمن إعادة التوازن والاستقرار في المنطقة، ويتيح لتركيا الخلاص عراقياً من خنجر الانفصال الكردي الذي يهدد الوحدة الوطنية التركية، ويمهد لعلاقات اقتصادية وتجارية متوازنة بعيداً عن الابتزاز الإيراني المتحكم كلياً في الطبقة السياسية العراقية الحالية الحاكمة.
::/fulltext::
::cck::1407::/cck::
