الدور الطبقي للتعليم الخاص في دول الخليج العربية

::cck::1271::/cck::
::introtext::

يمثل التعليم الخاص في أغلب دول مجلس التعاون الخليجي ظاهرة تربوية بأبعاد إشكالية ضاربة الجذور في الحياة الاجتماعية والثقافية؛ فالتعليم الخاص والأهلي يمتلك تضاريسه المعقدة، ويعبّر بتكويناته المختلفة عن السمات العامة للوضعيات الاجتماعية والثقافية المأزومة. وتأسيساً على هذا التصور السوسيولوجي لهذه الإشكالية التربوية فإن البحث في مضامينها وتحليل مكوناتها يشكل مقدمة أساسية لفهم الأسس العامة للتعليم الخاص بمعطياته التربوية في نسق علاقاته المعقدة مع الواقع الاجتماعي. 

::/introtext::
::fulltext::

يمثل التعليم الخاص في أغلب دول مجلس التعاون الخليجي ظاهرة تربوية بأبعاد إشكالية ضاربة الجذور في الحياة الاجتماعية والثقافية؛ فالتعليم الخاص والأهلي يمتلك تضاريسه المعقدة، ويعبّر بتكويناته المختلفة عن السمات العامة للوضعيات الاجتماعية والثقافية المأزومة. وتأسيساً على هذا التصور السوسيولوجي لهذه الإشكالية التربوية فإن البحث في مضامينها وتحليل مكوناتها يشكل مقدمة أساسية لفهم الأسس العامة للتعليم الخاص بمعطياته التربوية في نسق علاقاته المعقدة مع الواقع الاجتماعي.

في سياق التعبير عن السمات العامة الإشكالية للتعليم الخاص، يمكن القول إن هذا التعليم نشأ في بلدان الخليج العربية على نحو إشكالي، وهو بصيغته الراهنة يترجم وضعية تربوية إشكالية تتمثل في تراجع مستويات هذا التعليم وعدم قدرته على تلبية وظائفه التربوية في عصر متجدد. وتتضح صورة هذا الوضع الإشكالي في الواقع المتهور للأنظمة التربوية الخليجية التي فقدت قدرتها على المناورة في عصر الجدة والحداثة، وبدأت تتحول تدريجياً إلى تكوينات جامدة آسرة للعقل، وغير قادرة على مجاراة التطور العلمي والتربوي الحادث في الأنساق التربوية العالمية.

فمع تراجع التعليم العام وانحسار قدرته التربوية وفعالياته العلمية، بدأ التعليم الخاص – ولا سيما التعليم في المدارس الأجنبية الخاصة- يطرح نفسه في دائرة هذه المناورة الحضارية بديلاً استراتيجياً عن الحضور في عالم شديد الحساسية للتطور والجدة والحداثة، حيث يتجه هذا التعليم إلى تجاوز عوامل الجمود والعطالة التي يعانيها التعليم العام، حيث يعمل على تمثل مختلف المعطيات العلمية للنظريات التربوية الحديثة، وهو بالتالي يقدم إمكانات تربوية كبيرة لإعداد الأطفال في عالم المستقبل بما يقتضيه هذا المستقبل من قدرة على المشاركة والإبداع والنجاح والعمل. وفي مقابل هذا التعليم يتحول التعليم العام بنزعته البيروقراطية وعدم قدرته على مواكبة التحولات المتسارعة والتجدد الذاتي إلى مؤسسات تربوية جامدة ومغلقة خارج السياق التاريخي غير قادرة على تحقيق متطلبات الأجيال في الحصول على ما تقتضيه حياتهم المعاصرة من متطلبات نفسية ومعرفية.

وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن إشكالية التعليم الخاص ترتبط اليوم بأرومة الواقع الإشكالي للتعليم العام والحكومي الذي فقد قدرته على التجاوب مع متطلبات التغير والتجديد في عصر لا يعرف إلا التغير والابتكار والجدة، وبالتالي فإن تحليل هذه الظاهرة والكشف عن مضامينها الاجتماعية يشكل حلقة أساسية في اتجاه الكشف عن الأوضاع التربوية القائمة في المجتمع بإشكالاتها وتعقيداتها الاجتماعية.

 وعلى الرغم من تباشير النقلة التربوية والحضارية التي يعد بها التعليم الأجنبي الخاص، فإنه يتوجب علينا اليوم أن نأخذ في الاعتبار ما يفرضه هذا التعليم من مخاطر وتحديات، فتاريخ التعليم الخاص في العالم العربي – كما يعرف المتبصرون – يرتبط بأرومة استعمارية تبشيرية، وما زال في كثير من تجلياته يعزز ارتباطه الثقافي بمسارات ثقافية وتربوية مفارقة لمعطيات الهوية الثقافية في العالم العربي، كما هي الحال على امتداد العالم الثالث.

لقد أنشئت المدارس الخاصة في العالم العربي منذ بدايات القرن العشرين، حيث ارتبطت هذه المدارس واقعياً بنظام الامتيازات المقدمة للدول الغربية في أواخر عهد الدولة العثمانية، حيث تنافست هذه الدول في مجال إنشاء المدارس الخاصة ووظفتها في خدمة النزعة التبشيرية الدينية ذات الطابع الثقافي، ولم تتوقف هذه النزعة التبشيرية، حيث شهدت تنامياً ملحوظاً مع المرحلة الاستعمارية في البلدان العربية وشكلت المدارس الخاصة التبشيرية الحاضن الأساسي للثقافة الاستعمارية ومنطلقاً لبث الإيديولوجية الثقافية للبلدان المستعمرة والعمل على تطبيع الوعي الثقافي للأطفال والناشئة بثقافة غربية مناهضة للثقافة الوطنية وموظفة في خدمة الوضعيات الإيديولوجية الغربية للبلدان المستعمرة.

دول الخليج العربية تشهد تنامياً كبيراً في التعليم الخاص والأهلي

ومع أهمية الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الوطنية بعد الاستقلال، في مواجهة التحديات الثقافية التبشيرية التي فرضتها المدارس الخاصة الأجنبية، بدأت هذه المدارس تشهد انحسارها تدريجياً، وبدأت أيضاً تفقد كثيراً من سطوتها وهيمنتها الثقافية على امتداد القرن العشرين. واستطاعت النهضة التربوية التي حققتها الحكومات العربية في ميدان التربية والتعليم والتنوير الثقافي، في مجال مجانية التعليم وإلزاميته وديمقراطيته، أن تؤدي في البداية إلى الحد من انتشار التعليم الخاص، ومن ثم إلى مواجهة كل صيغ التعليم التبشيري لهذه المدارس. ومع أهمية الإجراءات والممارسات والتقدم الحكومي في مجال التعليم بقيت المدارس الخاصة تفرض حضورها وتميّزها ودورها في الحياة الاجتماعية على نحو يتميز بالفاعلية والقدرة والاقتدار. وبقيت هذه المدارس ترمز إلى وضعية نخبوية تتميز بحضور معلن ومكثف ومنظم لأبناء الصفوة الاجتماعية الذين يمتلكون القدرة على تلبية متطلبات التدرج التربوي في هذا التعليم في اتجاه مزيد من التفوق والهيمنة والنجاح.

وعلى الرغم من الصورة المعقدة لطبيعة المدارس الخاصة، من حيث بنيتها وتكوينها ونشأتها وتنوعها واختلاف الإيديولوجيات الموجهة لنشاطها الثقافي، فإن إشكالية هذه المدارس تكمن برأينا في أمرين أساسيين أحدهما طبقي والآخر ثقافي، فالمدارس الخاصة ترتبط جوهرياً بوضعية التمايز الاجتماعي وهي تمثل المجال الحيوي لأبناء الطبقات الاجتماعية العليا في المجتمع هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الثقافة التي تبثها هذه المدارس والقيم التي تؤصلها ترتبط إشكالياً في أغلبها بالواقع الثقافي والإيديولوجي للدول الغربية، ولا تزال تشكل منصة ثقافية إيديولوجية لثقافة غربية بمضامين إيديولوجية غامضة.

 إن دول الخليج العربية تشهد تنامياً كبيراً في التعليم الخاص والأهلي، وفي عمق هذا النمو الكبير يلاحظ تزايد أعداد المدارس الأجنبية الخاصة بتسمياتها الأجنبية الدالة عليها ومناهجها وأعداد الطلاب المنتسبين إليها، وتبرز في تضاعيف هذا الحضور الكبير لهذه المدارس نقلة نوعية في الدور الثقافي والاجتماعي الذي تمارسه هذه المدارس في مناحي الحياة الاجتماعية والتربوية. فأسماء بعض هذه المدارس أصبحت أكثر شهرة وتميزاً وحضوراً في الوعي العام من أسماء الجامعات والمؤسسات التربوية الكبرى في الحياة الفكرية والثقافية الخليجية. ومن الواضح بمكان أن هذه المدارس بما هي عليه من شهرة وتميّز وحضور أصبحت تستقطب أبناء النخبة في المجتمع الذين يملكون القدرة على تلبية متطلباتها واحتياجاتها المادية المرتفعة قياسياً. وفي دائرة هذه المعطيات تشهد الساحة التربوية الخليجية إقبالاً شديداً على هذه المدارس، فكثير من الآباء والأمهات من أبناء الطبقات الوسطى يرسلون أطفالهم إلى هذه المدارس ويتحملون نفقات مادية لا قبل لهم بها من أجل تعليم أطفالهم وتربيتهم في مدارس أجنبية من هذا النوع.

وما يجعل التساؤل مشروعاً في هذه القضية أن التعليم في بلدان الخليج العربية مجاني توفره الدولة لجميع الأطفال من دون استثناء، ومجانية هذا التعليم تشمل الكتب والخدمات الصحية، كما أنها تحظى بدعم حكومي كبير جداً، حيث تستقدم الدولة خيرة المعلمين من مختلف البلدان العربية المعروفة بأدائها التربوي.

فمسألة التعليم الأجنبي في دول الخليج العربية تشكل اليوم قضية بالغة الأهمية في مستوياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، لأن هذا التعليم الخاص بدأ يطل بوجهه الجديد في ظل التراجع الكبير الذي يشهده التعليم الحكومي، وأيضاً في ظل الحاجة إلى مؤسسات تربوية جديدة قادرة على تلبية طموحات بعض الفئات الاجتماعية التي تعوّل كثيراً على هذه المدارس التي يمكنها أن تضمن لأبنائهم مستقبلاً آمناً ومضموناً.

تشهد الساحة التربوية الخليجية إقبالاً شديداً على المدارس الخاصة الأجنبية 

 

لقد أثارت المدارس الأجنبية ومنذ زمن بعيد جدلاً كبيراً حول دورها الثقافي ومخاطرها على الهوية الثقافية في البلدان العربية والإسلامية. فكثير من المهتمين ينظرون إلى هذه المدارس بوصفها مؤسسات تبشيرية غربية تبشر بثقافة معادية للقيم الثقافية الوطنية والإسلامية وهذه المدارس تهدد الهوية الثقافية للمجتمعات التقليدية.

ويضاف إلى ذلك أن وجود هذه المدارس وحضورها الكبير في المجتمع، يثيران مسألة التمييز الاجتماعي والتربوي، حيث تستطيع فئة اجتماعية محددة أن تغطي نفقات تسجيل أبنائها في هذه المدارس والحصول على خدماتها التربوية دون الفئات الأخرى وهذا بدوره يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية والفئوية داخل المجتمع، حيث تحصل هذه الفئات على تعليم خاص ومميز قد يساعدها على تحقيق مزايا مجتمعية في نهاية الأمر تتمثل في مزيد من الهيمنة الاجتماعية والثقافية في المجتمع.

ومن الضروري بمكان الإشارة في هذا السياق إلى وضعية التعليم الحكومي الذي سبق أن أشرنا بأنه غير قادر على مواكبة التطلعات المجتمعية لعدد من الفئات الاجتماعية التي تتميز بطموحات تربوية وعلمية تفوق قدرة المدارس الحكومية على تلبيتها وتحقيقها.

وهذه الأمور المختلفة ترسم صورة الأزمة التربوية الثقافية التي يعيشها المجتمع في ظل تحولات حضارية وثقافية وتكنولوجية تفوق قدرة الأنظمة التعليمية الراكدة فيها على المواكبة والمشاركة والانطلاق. وهذا كله يرمز إلى الأهمية الكبيرة التي تحتلها هذه الدراسة في اتجاه معالجة هذه القضية بأبعادها المجتمعية والتربوية والثقافية. ومما لا شك فيه أن جانباً كبيراً من الأهمية التي تحظى بها هذه الدراسة يتمثل في ندرة الدراسات والأبحاث التي تناولت هذه القضية.

وفي ظل هذه الأزمة في التعليم الحكومي وتنامي التعليم الخاص بوصفه تعليماً طبقياً تشهد الساحة الفكرية في الخليج العربي تنامياً في الاهتمام بمسألة المدارس الخاصة ودورها في الحياة التربوية والثقافية في المجتمع.

أثارت المدارس الأجنبية ومنذ زمن بعيد جدلاً كبيراً حول دورها الثقافي ومخاطرها على الهوية الثقافية

ولقد بينت إحدى الدراسات التي أجرتها وزارة التربية في الكويت عام 1985 حول أوضاع المدارس الخاصة العربية والأجنبية بدولة الكويت، نسقاً من العوامل التي تدفع الأهالي إلى تسجيل أبنائهم في المدارس الأجنبية والخاصة ويتصدرها:

* عدم توافر فرصة لقبول الأبناء في المدارس الحكومية.

* اعتقادهم بأن المستوى التعليمي في المدارس الخاصة أفضل منه في المدارس الحكومية.

* تدريس اللغات الأجنبية في هذه المدارس في مرحلة مبكرة.

* وجود المرافق والتسهيلات المدرسية أفضل (مبان، ملاعب، مسابح، مختبرات).

 

وقد بينت هذه الدراسة ارتفاع المستوى التعليمي للآباء والأمهات في المدارس الأجنبية، كما بينت وجود علاقة بين مستوى دخل الأهالي واختيار نوع المدرسة الخاصة، حيث تبين ارتفاع نسبة أولياء الأمور من ذوي الدخول المرتفعة الذين اختاروا لأولادهم مدارس أجنبية (غربية) عنها بين أولياء الأمور ذوي الدخول المنخفضة.

وبينت دراسة أخرى حول واقع التعليم الخاص في دولة الكويت. أن المدارس الأجنبية تستحوذ على أفضل المزايا التعليمية في ما يتعلق بالمواصلات، والمستوى التعليمي، وتأهيل المعلمين، ومرونة العلاقة مع ذوي التلاميذ وأولياء أمورهم والخدمات والنشاطات التربوية والفعالية العلمية، وتأتي المدارس العربية في المرتبة الثانية تليها مدارس الجاليات. وأوضحت بالتالي أن أبرز أسباب التحاق الأبناء بهذه المدارس يكمن فيما تحظى به هذه المدارس من سمعة طيبة، وارتفاع سوية التعليم ومستوى تأهيل المعلمين، والتواصل مع أولياء الأمور، وتنوع النشاطات القادرة على بناء شخصيات الأطفال وتنمية إمكاناتهم الذاتية.

وتبين دراسة سعودية أن الجوانب المتعلقة بكفاءة المعلمات العلمية والمهنية واستخدامهن الأساليب التربوية الجيدة في التدريس والتعامل مع الطلبة تحتل المرتبة الأهم في اعتبارات الأهل لاختيار مدارس بناتهم الأهلية، تلي ذلك الجوانب المتعلقة بعدد طالبات الصف، ثم البرامج التدريسية الإضافية التي توفرها المدرسة مثل اللغات والحاسوب، ثم الجو الاجتماعي الملائم للبنات في المدرسة، أما شهرة المدرسة ومعقولية الأقساط المدرسية ووجود أقارب للطالبة في المدرسة فقد جاءت في مرتبات متأخرة، وبينت الدراسة أن أهم مشكلات المدارس الخاصة – مرتبة تنازلياً – هو عدم وجود برامج ترفيهية، وغلاء الأقساط المدرسية، وعدم تنوع الأنشطة اللاصفية، بينما كانت أهم عيوب المدارس الحكومية: عدم وجود برامج إضافية كاللغة الأجنبية، واكتظاظ الصفوف، وعدم العناية بإنماء شخصية الطلبة، واستخدام أساليب غير مناسبة في العقاب وفي التعليم، وضعف كفاءة المعلمين، وسوء المباني المدرسية، وضعف العلاقة بين البيت والمدرسة. وأظهرت الدراسة وجود فروق دالة لصالح المدارس الخاصة في مجالات تعلم الطلبة المهارات الأساسية، ومدى استخدام الأساليب التربوية داخل الصف، ومدى العناية بشخصية الطالب، ومدى توفر الإمكانات المدرسية.

 وتبين دراسة سعودية أخرى أن المدارس الأهلية تقدم تعليماً أفضل من المدارس الحكومية مما يؤدي إلى إلحاق أبنائهم بهذه المدارس، واتضح من خلال النتائج التي توصل إليهاالباحثان أن هناك تفوقاً في مستوى التحصيل الأكاديمي لطلاب المدارس الأهلية بالمقارنة بنظرائهمفي المدارس الحكومية بصفة عامة.

وأوضحت دراسة قطرية حول أوضاع التعليم في المدارس الأجنبية والخاصة في النظام التعليمي القطري أن إقبال القطريين على المدارس الخاصة والأجنبية يستند إلى معتقدات راسخة في أذهانهم بأن المدارس الأجنبية تقدم خدمات تربوية أفضل من المدارس الحكومية، وأن هذه المدارس مؤهلة لتحقيق النماء الوجداني والنفسي للطلاب والتلاميذ، فضلاً عن السمات والمزايا التربوية الفنية والبنيوية التي تتمتع بها هذه المدارس، حيث تشكل مناخاً مناسباً لنمو قدرات الطلاب ونمو مواهبهم وتحقيق نجاحهم.

وتفيد المراجعة النقدية للدراسات السابقة بوجود مجموعة من الحقائق والمعطيات المشتركة، ومن أبرز هذه المعطيات أن الأهالي يلحقون أبناءهم في المدارس الخاصة لاعتبارات شتى، أكثرها أهمية أن هذه المدارس تشكل بيئة تربوية مناسبة أكثر تطوراً من المدارس الحكومية. وبالتالي فإن هذه البيئة تساعد الأطفال على تحقيق نمائهم النفسي والوجداني والعلمي، بما توفره من تعليم متطور، وبما تتبناه من نظريات تربوية حديثة، وتشتمل عليه من مكونات بنيوية وتجهيزات مادية وفنية قادرة على تلبية احتياجات الأطفال ومتطلباتهم الإنسانية. وفي البيئة العربية تبين هذه الدراسات أن مطلب تعليم اللغة الإنكليزية يشكل واحداً من أهم العوامل التي تدفع أولياء الأمور إلى تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة.

وفي ما يتعلق بالمستوى الاجتماعي الاقتصادي، بينت هذه الدراسات في أكثرها أن المدارس الخاصة تشكل المجال الحيوي التربوي لأبناء الفئات الاجتماعية ذات الثروة والحظوة في ما يتعلق بالاعتبارات الثقافية والمادية. فالمدارس الخاصة في أغلبها تشكل مدارس النخبة والصفوة والحظوة في المجتمع.

لقد أدى التعليم الحكومي العام دوره الكبير في الحياة الفكرية والعلمية لدول الخليج العربية بعد الاستقلال، واستطاع أن يلبي احتياجات مختلف أبناء الطبقات الاجتماعية في التفوق والحصول على الشهادات العلمية التي أهلتهم لممارسة أدوار ومناصب قيادية في أجهزة الدولة، لكن الطبقات الميسورة آثرت أن تحقق التميز عن غيرها فعملت على إيجاد تعليم خاص بها وخاص بأبناء العائلات الميسورة وأصحاب المال وذلك من أجل مزيد من التميز والتفوق بمقاييس الطبقات العليا المتميزة، وهذا الأمر يؤدي تدريجياً إلى تقويض الدور الريادي للمدرسة العامة حيث أصبحت الشهادات التي تمنحها هذه الأخيرة وسيلة للعطالة والبطالة في أيدي حامليها.

 فهناك اليوم صراع خفي بين المدرسة العامة والمدرسة الخاصة لكن بأسلحة غير متساوية. فالمدرسة العامة تستقبل الجميع بما في ذلك أبناء الطبقات المتوسطة، أما المدارس الخاصة فتختارها الأسر الميسورة القادرة على تغطية نفقاتها وتلبية احتياجاتها ومتطلباتها المادية، وبعض العائلات الوسطى تتجشم أعباء مادية كبيرة في سبيل تعليم أبنائها في القطاع التعليمي الخاص متذرعين بضمان التعليم الجيد وهدا يكرس بالفعل أزمة الثقة بالمدرسة العامة.

ويمكننا القول في هذا السياق إن المدارس الأجنبية الخاصة تشكل اليوم واقعاً جغرافياً طبقياً يجذب إليه الموسورين والأغنياء والقادرين من تجار وملاك وكوادر عليا، وبالتالي فإنه يشكل تعليماً تحتكره الطبقة العليا في المجتمع. بينما يمثل التعليم الحكومي التعليم العام للطبقات الوسطى وما دونها، أي تلك التي لا تستطيع أن تستثمر أموالاً طائلة في تعليم أبنائها وهذا يعني في النهاية أن التعليم الخاص تعليم طبقي يعزز التباين الطبقي ويؤصل لنجاح وتفوق أبناء الفئات العليا في المجتمع .أ

::/fulltext::

araa63_75-ae8
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1271::/cck::
::introtext::

يمثل التعليم الخاص في أغلب دول مجلس التعاون الخليجي ظاهرة تربوية بأبعاد إشكالية ضاربة الجذور في الحياة الاجتماعية والثقافية؛ فالتعليم الخاص والأهلي يمتلك تضاريسه المعقدة، ويعبّر بتكويناته المختلفة عن السمات العامة للوضعيات الاجتماعية والثقافية المأزومة. وتأسيساً على هذا التصور السوسيولوجي لهذه الإشكالية التربوية فإن البحث في مضامينها وتحليل مكوناتها يشكل مقدمة أساسية لفهم الأسس العامة للتعليم الخاص بمعطياته التربوية في نسق علاقاته المعقدة مع الواقع الاجتماعي. 

::/introtext::
::fulltext::

يمثل التعليم الخاص في أغلب دول مجلس التعاون الخليجي ظاهرة تربوية بأبعاد إشكالية ضاربة الجذور في الحياة الاجتماعية والثقافية؛ فالتعليم الخاص والأهلي يمتلك تضاريسه المعقدة، ويعبّر بتكويناته المختلفة عن السمات العامة للوضعيات الاجتماعية والثقافية المأزومة. وتأسيساً على هذا التصور السوسيولوجي لهذه الإشكالية التربوية فإن البحث في مضامينها وتحليل مكوناتها يشكل مقدمة أساسية لفهم الأسس العامة للتعليم الخاص بمعطياته التربوية في نسق علاقاته المعقدة مع الواقع الاجتماعي.

في سياق التعبير عن السمات العامة الإشكالية للتعليم الخاص، يمكن القول إن هذا التعليم نشأ في بلدان الخليج العربية على نحو إشكالي، وهو بصيغته الراهنة يترجم وضعية تربوية إشكالية تتمثل في تراجع مستويات هذا التعليم وعدم قدرته على تلبية وظائفه التربوية في عصر متجدد. وتتضح صورة هذا الوضع الإشكالي في الواقع المتهور للأنظمة التربوية الخليجية التي فقدت قدرتها على المناورة في عصر الجدة والحداثة، وبدأت تتحول تدريجياً إلى تكوينات جامدة آسرة للعقل، وغير قادرة على مجاراة التطور العلمي والتربوي الحادث في الأنساق التربوية العالمية.

فمع تراجع التعليم العام وانحسار قدرته التربوية وفعالياته العلمية، بدأ التعليم الخاص – ولا سيما التعليم في المدارس الأجنبية الخاصة- يطرح نفسه في دائرة هذه المناورة الحضارية بديلاً استراتيجياً عن الحضور في عالم شديد الحساسية للتطور والجدة والحداثة، حيث يتجه هذا التعليم إلى تجاوز عوامل الجمود والعطالة التي يعانيها التعليم العام، حيث يعمل على تمثل مختلف المعطيات العلمية للنظريات التربوية الحديثة، وهو بالتالي يقدم إمكانات تربوية كبيرة لإعداد الأطفال في عالم المستقبل بما يقتضيه هذا المستقبل من قدرة على المشاركة والإبداع والنجاح والعمل. وفي مقابل هذا التعليم يتحول التعليم العام بنزعته البيروقراطية وعدم قدرته على مواكبة التحولات المتسارعة والتجدد الذاتي إلى مؤسسات تربوية جامدة ومغلقة خارج السياق التاريخي غير قادرة على تحقيق متطلبات الأجيال في الحصول على ما تقتضيه حياتهم المعاصرة من متطلبات نفسية ومعرفية.

وتأسيساً على ما تقدم يمكن القول إن إشكالية التعليم الخاص ترتبط اليوم بأرومة الواقع الإشكالي للتعليم العام والحكومي الذي فقد قدرته على التجاوب مع متطلبات التغير والتجديد في عصر لا يعرف إلا التغير والابتكار والجدة، وبالتالي فإن تحليل هذه الظاهرة والكشف عن مضامينها الاجتماعية يشكل حلقة أساسية في اتجاه الكشف عن الأوضاع التربوية القائمة في المجتمع بإشكالاتها وتعقيداتها الاجتماعية.

 وعلى الرغم من تباشير النقلة التربوية والحضارية التي يعد بها التعليم الأجنبي الخاص، فإنه يتوجب علينا اليوم أن نأخذ في الاعتبار ما يفرضه هذا التعليم من مخاطر وتحديات، فتاريخ التعليم الخاص في العالم العربي – كما يعرف المتبصرون – يرتبط بأرومة استعمارية تبشيرية، وما زال في كثير من تجلياته يعزز ارتباطه الثقافي بمسارات ثقافية وتربوية مفارقة لمعطيات الهوية الثقافية في العالم العربي، كما هي الحال على امتداد العالم الثالث.

لقد أنشئت المدارس الخاصة في العالم العربي منذ بدايات القرن العشرين، حيث ارتبطت هذه المدارس واقعياً بنظام الامتيازات المقدمة للدول الغربية في أواخر عهد الدولة العثمانية، حيث تنافست هذه الدول في مجال إنشاء المدارس الخاصة ووظفتها في خدمة النزعة التبشيرية الدينية ذات الطابع الثقافي، ولم تتوقف هذه النزعة التبشيرية، حيث شهدت تنامياً ملحوظاً مع المرحلة الاستعمارية في البلدان العربية وشكلت المدارس الخاصة التبشيرية الحاضن الأساسي للثقافة الاستعمارية ومنطلقاً لبث الإيديولوجية الثقافية للبلدان المستعمرة والعمل على تطبيع الوعي الثقافي للأطفال والناشئة بثقافة غربية مناهضة للثقافة الوطنية وموظفة في خدمة الوضعيات الإيديولوجية الغربية للبلدان المستعمرة.

دول الخليج العربية تشهد تنامياً كبيراً في التعليم الخاص والأهلي

ومع أهمية الإجراءات التي اتخذتها الحكومات الوطنية بعد الاستقلال، في مواجهة التحديات الثقافية التبشيرية التي فرضتها المدارس الخاصة الأجنبية، بدأت هذه المدارس تشهد انحسارها تدريجياً، وبدأت أيضاً تفقد كثيراً من سطوتها وهيمنتها الثقافية على امتداد القرن العشرين. واستطاعت النهضة التربوية التي حققتها الحكومات العربية في ميدان التربية والتعليم والتنوير الثقافي، في مجال مجانية التعليم وإلزاميته وديمقراطيته، أن تؤدي في البداية إلى الحد من انتشار التعليم الخاص، ومن ثم إلى مواجهة كل صيغ التعليم التبشيري لهذه المدارس. ومع أهمية الإجراءات والممارسات والتقدم الحكومي في مجال التعليم بقيت المدارس الخاصة تفرض حضورها وتميّزها ودورها في الحياة الاجتماعية على نحو يتميز بالفاعلية والقدرة والاقتدار. وبقيت هذه المدارس ترمز إلى وضعية نخبوية تتميز بحضور معلن ومكثف ومنظم لأبناء الصفوة الاجتماعية الذين يمتلكون القدرة على تلبية متطلبات التدرج التربوي في هذا التعليم في اتجاه مزيد من التفوق والهيمنة والنجاح.

وعلى الرغم من الصورة المعقدة لطبيعة المدارس الخاصة، من حيث بنيتها وتكوينها ونشأتها وتنوعها واختلاف الإيديولوجيات الموجهة لنشاطها الثقافي، فإن إشكالية هذه المدارس تكمن برأينا في أمرين أساسيين أحدهما طبقي والآخر ثقافي، فالمدارس الخاصة ترتبط جوهرياً بوضعية التمايز الاجتماعي وهي تمثل المجال الحيوي لأبناء الطبقات الاجتماعية العليا في المجتمع هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الثقافة التي تبثها هذه المدارس والقيم التي تؤصلها ترتبط إشكالياً في أغلبها بالواقع الثقافي والإيديولوجي للدول الغربية، ولا تزال تشكل منصة ثقافية إيديولوجية لثقافة غربية بمضامين إيديولوجية غامضة.

 إن دول الخليج العربية تشهد تنامياً كبيراً في التعليم الخاص والأهلي، وفي عمق هذا النمو الكبير يلاحظ تزايد أعداد المدارس الأجنبية الخاصة بتسمياتها الأجنبية الدالة عليها ومناهجها وأعداد الطلاب المنتسبين إليها، وتبرز في تضاعيف هذا الحضور الكبير لهذه المدارس نقلة نوعية في الدور الثقافي والاجتماعي الذي تمارسه هذه المدارس في مناحي الحياة الاجتماعية والتربوية. فأسماء بعض هذه المدارس أصبحت أكثر شهرة وتميزاً وحضوراً في الوعي العام من أسماء الجامعات والمؤسسات التربوية الكبرى في الحياة الفكرية والثقافية الخليجية. ومن الواضح بمكان أن هذه المدارس بما هي عليه من شهرة وتميّز وحضور أصبحت تستقطب أبناء النخبة في المجتمع الذين يملكون القدرة على تلبية متطلباتها واحتياجاتها المادية المرتفعة قياسياً. وفي دائرة هذه المعطيات تشهد الساحة التربوية الخليجية إقبالاً شديداً على هذه المدارس، فكثير من الآباء والأمهات من أبناء الطبقات الوسطى يرسلون أطفالهم إلى هذه المدارس ويتحملون نفقات مادية لا قبل لهم بها من أجل تعليم أطفالهم وتربيتهم في مدارس أجنبية من هذا النوع.

وما يجعل التساؤل مشروعاً في هذه القضية أن التعليم في بلدان الخليج العربية مجاني توفره الدولة لجميع الأطفال من دون استثناء، ومجانية هذا التعليم تشمل الكتب والخدمات الصحية، كما أنها تحظى بدعم حكومي كبير جداً، حيث تستقدم الدولة خيرة المعلمين من مختلف البلدان العربية المعروفة بأدائها التربوي.

فمسألة التعليم الأجنبي في دول الخليج العربية تشكل اليوم قضية بالغة الأهمية في مستوياتها الاجتماعية والسياسية والثقافية، لأن هذا التعليم الخاص بدأ يطل بوجهه الجديد في ظل التراجع الكبير الذي يشهده التعليم الحكومي، وأيضاً في ظل الحاجة إلى مؤسسات تربوية جديدة قادرة على تلبية طموحات بعض الفئات الاجتماعية التي تعوّل كثيراً على هذه المدارس التي يمكنها أن تضمن لأبنائهم مستقبلاً آمناً ومضموناً.

تشهد الساحة التربوية الخليجية إقبالاً شديداً على المدارس الخاصة الأجنبية 

 

لقد أثارت المدارس الأجنبية ومنذ زمن بعيد جدلاً كبيراً حول دورها الثقافي ومخاطرها على الهوية الثقافية في البلدان العربية والإسلامية. فكثير من المهتمين ينظرون إلى هذه المدارس بوصفها مؤسسات تبشيرية غربية تبشر بثقافة معادية للقيم الثقافية الوطنية والإسلامية وهذه المدارس تهدد الهوية الثقافية للمجتمعات التقليدية.

ويضاف إلى ذلك أن وجود هذه المدارس وحضورها الكبير في المجتمع، يثيران مسألة التمييز الاجتماعي والتربوي، حيث تستطيع فئة اجتماعية محددة أن تغطي نفقات تسجيل أبنائها في هذه المدارس والحصول على خدماتها التربوية دون الفئات الأخرى وهذا بدوره يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية والفئوية داخل المجتمع، حيث تحصل هذه الفئات على تعليم خاص ومميز قد يساعدها على تحقيق مزايا مجتمعية في نهاية الأمر تتمثل في مزيد من الهيمنة الاجتماعية والثقافية في المجتمع.

ومن الضروري بمكان الإشارة في هذا السياق إلى وضعية التعليم الحكومي الذي سبق أن أشرنا بأنه غير قادر على مواكبة التطلعات المجتمعية لعدد من الفئات الاجتماعية التي تتميز بطموحات تربوية وعلمية تفوق قدرة المدارس الحكومية على تلبيتها وتحقيقها.

وهذه الأمور المختلفة ترسم صورة الأزمة التربوية الثقافية التي يعيشها المجتمع في ظل تحولات حضارية وثقافية وتكنولوجية تفوق قدرة الأنظمة التعليمية الراكدة فيها على المواكبة والمشاركة والانطلاق. وهذا كله يرمز إلى الأهمية الكبيرة التي تحتلها هذه الدراسة في اتجاه معالجة هذه القضية بأبعادها المجتمعية والتربوية والثقافية. ومما لا شك فيه أن جانباً كبيراً من الأهمية التي تحظى بها هذه الدراسة يتمثل في ندرة الدراسات والأبحاث التي تناولت هذه القضية.

وفي ظل هذه الأزمة في التعليم الحكومي وتنامي التعليم الخاص بوصفه تعليماً طبقياً تشهد الساحة الفكرية في الخليج العربي تنامياً في الاهتمام بمسألة المدارس الخاصة ودورها في الحياة التربوية والثقافية في المجتمع.

أثارت المدارس الأجنبية ومنذ زمن بعيد جدلاً كبيراً حول دورها الثقافي ومخاطرها على الهوية الثقافية

ولقد بينت إحدى الدراسات التي أجرتها وزارة التربية في الكويت عام 1985 حول أوضاع المدارس الخاصة العربية والأجنبية بدولة الكويت، نسقاً من العوامل التي تدفع الأهالي إلى تسجيل أبنائهم في المدارس الأجنبية والخاصة ويتصدرها:

* عدم توافر فرصة لقبول الأبناء في المدارس الحكومية.

* اعتقادهم بأن المستوى التعليمي في المدارس الخاصة أفضل منه في المدارس الحكومية.

* تدريس اللغات الأجنبية في هذه المدارس في مرحلة مبكرة.

* وجود المرافق والتسهيلات المدرسية أفضل (مبان، ملاعب، مسابح، مختبرات).

 

وقد بينت هذه الدراسة ارتفاع المستوى التعليمي للآباء والأمهات في المدارس الأجنبية، كما بينت وجود علاقة بين مستوى دخل الأهالي واختيار نوع المدرسة الخاصة، حيث تبين ارتفاع نسبة أولياء الأمور من ذوي الدخول المرتفعة الذين اختاروا لأولادهم مدارس أجنبية (غربية) عنها بين أولياء الأمور ذوي الدخول المنخفضة.

وبينت دراسة أخرى حول واقع التعليم الخاص في دولة الكويت. أن المدارس الأجنبية تستحوذ على أفضل المزايا التعليمية في ما يتعلق بالمواصلات، والمستوى التعليمي، وتأهيل المعلمين، ومرونة العلاقة مع ذوي التلاميذ وأولياء أمورهم والخدمات والنشاطات التربوية والفعالية العلمية، وتأتي المدارس العربية في المرتبة الثانية تليها مدارس الجاليات. وأوضحت بالتالي أن أبرز أسباب التحاق الأبناء بهذه المدارس يكمن فيما تحظى به هذه المدارس من سمعة طيبة، وارتفاع سوية التعليم ومستوى تأهيل المعلمين، والتواصل مع أولياء الأمور، وتنوع النشاطات القادرة على بناء شخصيات الأطفال وتنمية إمكاناتهم الذاتية.

وتبين دراسة سعودية أن الجوانب المتعلقة بكفاءة المعلمات العلمية والمهنية واستخدامهن الأساليب التربوية الجيدة في التدريس والتعامل مع الطلبة تحتل المرتبة الأهم في اعتبارات الأهل لاختيار مدارس بناتهم الأهلية، تلي ذلك الجوانب المتعلقة بعدد طالبات الصف، ثم البرامج التدريسية الإضافية التي توفرها المدرسة مثل اللغات والحاسوب، ثم الجو الاجتماعي الملائم للبنات في المدرسة، أما شهرة المدرسة ومعقولية الأقساط المدرسية ووجود أقارب للطالبة في المدرسة فقد جاءت في مرتبات متأخرة، وبينت الدراسة أن أهم مشكلات المدارس الخاصة – مرتبة تنازلياً – هو عدم وجود برامج ترفيهية، وغلاء الأقساط المدرسية، وعدم تنوع الأنشطة اللاصفية، بينما كانت أهم عيوب المدارس الحكومية: عدم وجود برامج إضافية كاللغة الأجنبية، واكتظاظ الصفوف، وعدم العناية بإنماء شخصية الطلبة، واستخدام أساليب غير مناسبة في العقاب وفي التعليم، وضعف كفاءة المعلمين، وسوء المباني المدرسية، وضعف العلاقة بين البيت والمدرسة. وأظهرت الدراسة وجود فروق دالة لصالح المدارس الخاصة في مجالات تعلم الطلبة المهارات الأساسية، ومدى استخدام الأساليب التربوية داخل الصف، ومدى العناية بشخصية الطالب، ومدى توفر الإمكانات المدرسية.

 وتبين دراسة سعودية أخرى أن المدارس الأهلية تقدم تعليماً أفضل من المدارس الحكومية مما يؤدي إلى إلحاق أبنائهم بهذه المدارس، واتضح من خلال النتائج التي توصل إليهاالباحثان أن هناك تفوقاً في مستوى التحصيل الأكاديمي لطلاب المدارس الأهلية بالمقارنة بنظرائهمفي المدارس الحكومية بصفة عامة.

وأوضحت دراسة قطرية حول أوضاع التعليم في المدارس الأجنبية والخاصة في النظام التعليمي القطري أن إقبال القطريين على المدارس الخاصة والأجنبية يستند إلى معتقدات راسخة في أذهانهم بأن المدارس الأجنبية تقدم خدمات تربوية أفضل من المدارس الحكومية، وأن هذه المدارس مؤهلة لتحقيق النماء الوجداني والنفسي للطلاب والتلاميذ، فضلاً عن السمات والمزايا التربوية الفنية والبنيوية التي تتمتع بها هذه المدارس، حيث تشكل مناخاً مناسباً لنمو قدرات الطلاب ونمو مواهبهم وتحقيق نجاحهم.

وتفيد المراجعة النقدية للدراسات السابقة بوجود مجموعة من الحقائق والمعطيات المشتركة، ومن أبرز هذه المعطيات أن الأهالي يلحقون أبناءهم في المدارس الخاصة لاعتبارات شتى، أكثرها أهمية أن هذه المدارس تشكل بيئة تربوية مناسبة أكثر تطوراً من المدارس الحكومية. وبالتالي فإن هذه البيئة تساعد الأطفال على تحقيق نمائهم النفسي والوجداني والعلمي، بما توفره من تعليم متطور، وبما تتبناه من نظريات تربوية حديثة، وتشتمل عليه من مكونات بنيوية وتجهيزات مادية وفنية قادرة على تلبية احتياجات الأطفال ومتطلباتهم الإنسانية. وفي البيئة العربية تبين هذه الدراسات أن مطلب تعليم اللغة الإنكليزية يشكل واحداً من أهم العوامل التي تدفع أولياء الأمور إلى تسجيل أبنائهم في المدارس الخاصة.

وفي ما يتعلق بالمستوى الاجتماعي الاقتصادي، بينت هذه الدراسات في أكثرها أن المدارس الخاصة تشكل المجال الحيوي التربوي لأبناء الفئات الاجتماعية ذات الثروة والحظوة في ما يتعلق بالاعتبارات الثقافية والمادية. فالمدارس الخاصة في أغلبها تشكل مدارس النخبة والصفوة والحظوة في المجتمع.

لقد أدى التعليم الحكومي العام دوره الكبير في الحياة الفكرية والعلمية لدول الخليج العربية بعد الاستقلال، واستطاع أن يلبي احتياجات مختلف أبناء الطبقات الاجتماعية في التفوق والحصول على الشهادات العلمية التي أهلتهم لممارسة أدوار ومناصب قيادية في أجهزة الدولة، لكن الطبقات الميسورة آثرت أن تحقق التميز عن غيرها فعملت على إيجاد تعليم خاص بها وخاص بأبناء العائلات الميسورة وأصحاب المال وذلك من أجل مزيد من التميز والتفوق بمقاييس الطبقات العليا المتميزة، وهذا الأمر يؤدي تدريجياً إلى تقويض الدور الريادي للمدرسة العامة حيث أصبحت الشهادات التي تمنحها هذه الأخيرة وسيلة للعطالة والبطالة في أيدي حامليها.

 فهناك اليوم صراع خفي بين المدرسة العامة والمدرسة الخاصة لكن بأسلحة غير متساوية. فالمدرسة العامة تستقبل الجميع بما في ذلك أبناء الطبقات المتوسطة، أما المدارس الخاصة فتختارها الأسر الميسورة القادرة على تغطية نفقاتها وتلبية احتياجاتها ومتطلباتها المادية، وبعض العائلات الوسطى تتجشم أعباء مادية كبيرة في سبيل تعليم أبنائها في القطاع التعليمي الخاص متذرعين بضمان التعليم الجيد وهدا يكرس بالفعل أزمة الثقة بالمدرسة العامة.

ويمكننا القول في هذا السياق إن المدارس الأجنبية الخاصة تشكل اليوم واقعاً جغرافياً طبقياً يجذب إليه الموسورين والأغنياء والقادرين من تجار وملاك وكوادر عليا، وبالتالي فإنه يشكل تعليماً تحتكره الطبقة العليا في المجتمع. بينما يمثل التعليم الحكومي التعليم العام للطبقات الوسطى وما دونها، أي تلك التي لا تستطيع أن تستثمر أموالاً طائلة في تعليم أبنائها وهذا يعني في النهاية أن التعليم الخاص تعليم طبقي يعزز التباين الطبقي ويؤصل لنجاح وتفوق أبناء الفئات العليا في المجتمع .أ

::/fulltext::
::cck::1271::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *