دول مجلس التعاون الخليجي والتجمعات الاقتصادية في آسيا
::cck::1232::/cck::
::introtext::
رغم أن العلاقات الخليجية مع بعض القوى الآسيوية هي علاقات تاريخية- ومن ذلك العلاقات الخليجية-الهندية التي ترجع جذورها إلى الألف الثالث قبل الميلاد- ورغم ما مرت به تلك العلاقات من فترات للازدهار والانتعاش وأخرى للانحسار والتراجع، إلا أن تلك العلاقات اكتسبت في الآونة الأخيرة أبعاداً جديدة وذلك في سياق مجموعة كبيرة من التحولات التي دفعت كل طرف إلى إعادة النظر في سياسته تجاه الطرف الآخر.
::/introtext::
::fulltext::
رغم أن العلاقات الخليجية مع بعض القوى الآسيوية هي علاقات تاريخية- ومن ذلك العلاقات الخليجية-الهندية التي ترجع جذورها إلى الألف الثالث قبل الميلاد- ورغم ما مرت به تلك العلاقات من فترات للازدهار والانتعاش وأخرى للانحسار والتراجع، إلا أن تلك العلاقات اكتسبت في الآونة الأخيرة أبعاداً جديدة وذلك في سياق مجموعة كبيرة من التحولات التي دفعت كل طرف إلى إعادة النظر في سياسته تجاه الطرف الآخر.
على الجانب الخليجي، تأتي سياسة (الاتجاه شرقاً) وهي سياسة وإن عكست توجهاً اقتصادياً من الدول الخليجية نحو الدول الآسيوية وذلك في ضوء الصعود الاقتصادي للقارة الآسيوية، ورغبة الدول الخليجية في الاستفادة من مشروعات التكامل وتحرير التجارة عبر الإقليمية، ومن أهمها مشروع تحرير التجارة والاستثمار في إطار تجمع المحيط الهندي، إلا أن تلك السياسة لها أبعاد سياسية وأمنية في سياق الارتباط الشديد بين أمن الخليج وما يحدث في جنوب وشرق آسيا، خاصة في ظل الدور الإسرائيلي في جنوبي آسيا، والتطور السريع في العلاقات الباكستانية- الإسرائيلية وما يمكن أن يكون له من انعكاسات على منطقة الخليج، يضاف إلى ذلك اتجاه بعض القوى الآسيوية إلى بناء شبكة من التحالفات الاستراتيجية المهمة من بينها المحور الهندي-الإيراني، والمحور الصيني- الإيراني، والمحور الهندي- الإسرائيلي، وما يمكن أن يكون لهذا الأمر أيضاً من انعكاسات على منطقة الخليج. والأهم من ذلك تحولات البيئة الأمنية في فترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث لجأت الدول الخليجية إلى موازنة سياسة (الاتجاه شرقاً)، بسياستها السابقة (للاتجاه غرباً). وكذلك الرغبة الخليجية في عدم الوقوف بمعزل عما تموج به القارة الآسيوية من تطورات على كافة المجالات وذلك من خلال التفاعل الإيجابي مع دول القارة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية بغية العمل على بناء جسور للتواصل، بما يُسهم في دفع العلاقات مستقبلاً، بحيث أصبحت القارة الآسيوية تحتل مكانة مهمة في أولويات السياسة الخارجية الخليجية.
وعلى الجانب الآخر، تبنت بعض القوى الآسيوية الكبرى سياسة (الاتجاه غرباً) ومن بينها الهند والصين واليابان، إذ سعت تلك القوى الدولية المهمة إلى تعميق وتطوير علاقاتها بدول غربي آسيا، وهذا الأمر، وإن كان محكوماً هو الآخر بعوامل اقتصادية، في ضوء الاعتماد الآسيوي على نفط الخليج، حيث توفر دول مجلس التعاون الخليجي حوالي ثلثي احتياجات الهند الخارجية من النفط، أما بالنسبة للصين فتُعدُّ الدول العربية (وخاصة الدول الخليجية) أكبر مورد للنفط الخام للصين، ففي عام 1993 استوردت الصين 7.211 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية وهو ما مثّل حوالي 46 في المائة من إجمالي واردات الصين من النفط الخام. وفي عام 2005 استوردت الصين نحو 55 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية، معظمها من دول الخليج، وهو ما مثّل 44 في المائة من إجمالي واردات الصين النفطية لهذا العام. يُضاف إلى ذلك العمالة الآسيوية بدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تبلغ العمالة الهندية الموجودة حالياً في دول مجلس التعاون الخليجي حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون عامل، ويُقدّر ما تحوله للهند سنوياً بحوالي 6 مليارات دولار. ومن هذا المنطلق، فإن ضمان تدفق النفط واستقرار أوضاع العمالة الهندية بالخليج يُعدان من العوامل الحاكمة للهند في سياستها تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن هناك بعض العوامل والدوافع السياسية التي دفعت تلك القوى الدولية إلى تبني هذا الاقتراب من أهمها التنافس الهندي- الصيني نحو تعميق العلاقات بدول مجلس التعاون الخليجي.

وبوجه عام تكشف دراسة واقع العلاقات الخليجية-الآسيوية (ويُقصد بذلك علاقات دول الخليج مع القوى الآسيوية الكبرى وفي مقدمتها الصين والهند) عن وجود إمكانات هائلة ومجالات مهمة لتعاون الطرفين في المستقبل وبشكل يُفيد الأطراف كافة، وهو ما يتطلب البحث في سبل تطوير هذه العلاقات واستغلال هذه الإمكانات، وأهمية هذا الأمر تبرز بصورة أساسية في سياق أن السمة الأبرز للعلاقات الخليجية- الآسيوية هي الاحتياج الاستراتيجي المتبادل(Strategic NeedMutual). ويُقصد بذلك وجود إدراك متبادل بين الطرفين لأهمية الطرف الآخر واحتياجه له، حتى إن اختلف معه. وينبع هذا الاحتياج الاستراتيجي بالأساس من كم ونوعية المصالح المتبادلة والتي يرغب الطرفان في الحفاظ عليها. إذ أسهم إدراك كل طرف لاحتياجه الاستراتيجي للطرف الآخر في محاولته للحفاظ على المصالح القائمة وعدم المساس بها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، حال هذا الإدراك المتبادل لمثل هذا الاحتياج الاستراتيجي دون تجاوز خلافات الطرفين لنقاط معينة. والأهم من ذلك يدفع هذا الأمر كلاً من الطرفين إلى البحث في الآليات الملائمة لتطوير علاقته مع الطرف الآخر وبما يخدم سياسته الخارجية في هذا الشأن.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أبرز العناصر المحددة للأهمية النسبية لتلك الدول بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تبرز المصالح الخليجية-الهندية في حجم التجارة المتبادلة، وكم الاستثمارات المشتركة بين الطرفين. إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين في عام 2004 ما قيمته 15.65 مليار دولار، كما تُعدُّ الهند سوقاً استهلاكياً ضخماً للمنتجات الخليجية وخاصة النفط والبتروكيماويات والأسمدة. فالهند قوة اقتصادية مهمة فهي الدولة رقم (1) في العالم في مجال صناعة البرمجيات، وهي مرشحة أيضاً للحصول على مقعدٍ دائمٍ في مجلس الأمن الدولي، كما تُشير تحليلات عدة إلى أن الهند هي القوة الآسيوية المرشحة للصعود بعد الصين، خاصة أن الهند لا تُعاني من الكم ذاته من المعوقات التي يُعانيها الصعود الصيني.
أما بالنسبة للصين فوفقاً لإحصائيات عام 2006 بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين حوالي 2.68 تريليون دولار، كما بلغ معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي في العام ذاته 10.7 في المائة وهو المعدل الأكبر منذ عام 1995. وتُشير الإحصائيات إلى أن الاقتصاد الصيني شهد متوسط معدل نمو قدره 7.7 في المائة منذ عام 1949وحتى الآن. ومنذ أواخر السبعينات وحتى الآن نما الاقتصاد بمعدل سنوي بلغ في المتوسط 9.3 في المائة. كما تضاعف الناتج القومي للصين أربع مرات. ووفقاً للمكتب الوطني للإحصاء في الصين فإن معدل النمو زاد ثلاثة أضعاف مثيله في الدول النامية وأربعة أضعاف مثيله في الدول المتقدمة.كما تشير التحليلات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني سيتجاوز نظيره الأمريكي بحلول 2020، حيث توقعت وحدة الإيكونوميست أنتلجنس، أن الأول سيصل إلى 29.6تريليون دولار بحلول عام 2020، مقارنة بـ 28.8 تريليون دولار كقيمة للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
ورغم أهمية الأطر الثنائية للتعاون بين الطرفين والتي شهدت مزيداً من الاهتمام المتبادل في الآونة الأخيرة، إلا أن القارة الآسيوية تشهد بعض الأطر الإقليمية المهمة للتعاون وهو ما يتطلب أن يكون للدول الخليجية دور فيها، فإذا كان الحديث الآن هو حوار استراتيجي بين الطرفين فأول متطلبات هذا الحوار هو ألا يقتصر على الأطر الثنائية فحسب.
توفر دول مجلس التعاون حوالي ثلثي احتياجات الهند الخارجية من النفط
التجمعات الاقتصادية في آسيا كإطار للتعاون
في سياق أهمية علاقات الطرفين وكما سلفت الإشارة فإن تطوير هذه العلاقات لا يتطلب قصرها على الأطر الثنائية فحسب وإنما الخروج بتلك العلاقات إلى أطر أوسع إقليمية وعبر إقليمية حيث تشهد القارة الآسيوية بروز بعض الأطر الإقليمية وعبر الإقليمية للتعاون ذات الطبيعة الاقتصادية والتي يمكن من خلال تفعيل عضوية دول مجلس التعاون الخليجي فيها تحقيق استفادة مهمة. وفي هذا السياق يمكن الحديث عن أهمية انضمام بقية دول مجلس التعاون الخليجي إلى رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي للتعاون الإقليمي (Indian Ocean Rim Association for Regional Cooperation ) والتي تضم في عضويتها من الجانب الخليجي وسلطنة عُمان والإمارات. ومن ثم، فمن الضروري التعجيل بانضمام بقية دول المجلس للرابطة حتى لو كشركاء للحوار. وأهمية انضمام دول مجلس التعاون الخليجي تنبع من الطبيعة الاقتصادية للرابطة. فإذا كانت العلاقات الاقتصادية الخليجية- الآسيوية هي المحور الأهم في علاقات الطرفين، فإنه من الملائم تعزيز تعاون الطرفين بشأن تفعيل هذه العلاقات والانتقال بها نحو آفق أوسع، وهو ما يتوافق مع سياسة (الاتجاه شرقاً) التي تتبعها دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الحالي. وتضم الرابطة في عضويتها 19 دولة هي: سلطنة عمان وأستراليا وبنغلاديش والهند وإيران والإماراتوإندونيسيا ومدغشقر وكينيا وسيشل وموريشيوس وجنوب إفريقيا وماليزياوتايلاند وسنغافورة واليمن وموزامبيق وسيريلانكا وتنزانيا.
وبالنظر إلى الأهداف الرئيسية للرابطة كما حددها الميثاق نجدها تتمثل في تحقيق النمو المستدام والتنمية المتوازنة في منطقة المحيط الهندي، وإيجاد أساس مشترك للتعاون الاقتصادي الإقليمي، والتركيز على مجالات التعاون الاقتصادي التي توفر الفرص القصوى لتنمية المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، والعمل على تشجيع عملية تحرير التجارة من خلال إزالة العوائق، وتخفيض الحواجز الجمركية أمام تدفقات السلع والخدمات ورؤوس الأموال ونقل التكنولوجيا داخل المنطقة، وتشجيع التفاعل والتعاون عن قرب في مجالات التجارة والصناعة والتعاون الأكاديمي بين الدول الأعضاء من دون تمييز ومن دون الإخلال بأي التزامات أخرى للدول الأعضاء في إطار ترتيبات اقتصادية إقليمية أخرى. وأخيراً، تقوية التعاون والحوار بين الدول الأعضاء على المستوى الدولي بشأن قضايا الاقتصاد العالمي.
وتتمثل أهمية الرابطة في كونها تقدم آلية لتعزيز التجارة والأعمال وفتح خطوط للتواصل في العديد من القضايا المتعلقة بهذه الدول، ونشر المعلومات الخاصة بأنظمة التجارة والاستثمار. وفي عام 2004 قامت الرابطة بإنشاء وحدة الدعم السمكي واختارت سلطنة عمان لتكون مقراً لها لزيادة عملية التعاون في المجال السمكي بين الدول الأعضاء في الرابطة، وتهدف الوحدة إلى التنسيق بين الدول الأعضاء في مجال الثروة السمكية وتفعيل الاتصال وتبادل المعلومات باستخدام شبكة المعلومات الالكترونية، وإنشاء قاعدة بيانات خاصة بقطاع الثروة السمكية، والتنسيق مع المنظمات والهيئات العاملة في هذا المجال في منطقة المحيط الهندي والمنظمات والهيئات الدولية في أنحاء العالم، واقتراح ومتابعة البحوث المشتركة المتعلقة بالثروة السمكية بين الأعضاء، ووضع الخطة المناسبة لتمويل البحوث العلمية.
يُضاف إلى ذلك، أن أحد سبل التعاون المقترحة بين الطرفين هو انضمام مجلس التعاون الخليجي كشريك حوار للمنتدى الإقليمي لرابطة الآسيان (ASEAN Regional Forum) إلى عضوية دول الآسيان العشر، وشركاء الحوار (أستراليا، وكندا، والاتحاد الأوروبي، واليابان ، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة الأمريكية)، بالإضافة إلى وزراء خارجية كل من الصين، وروسيا، وفيتنام، والهند، ولاوس، وبابوا غينيا الجديدة. إذ يُشكل المنتدى ساحةً للحوار أكثر منه هيكلاً تفاوضياً، حيث يعتمد على الاقتراب التعاوني من خلال التركيز على الحوار وإجراءات بناء الثقة، كما أن أهمية مثل هذا المنتدى تبرز في طبيعة القضايا التي يُناقشها من قضاياالأمن الإنساني والأمن الاقتصادي والأمن الغذائي وغيره وهي مجالات مهمة للتعاون والنقاش بشأنها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1232::/cck::
::introtext::
رغم أن العلاقات الخليجية مع بعض القوى الآسيوية هي علاقات تاريخية- ومن ذلك العلاقات الخليجية-الهندية التي ترجع جذورها إلى الألف الثالث قبل الميلاد- ورغم ما مرت به تلك العلاقات من فترات للازدهار والانتعاش وأخرى للانحسار والتراجع، إلا أن تلك العلاقات اكتسبت في الآونة الأخيرة أبعاداً جديدة وذلك في سياق مجموعة كبيرة من التحولات التي دفعت كل طرف إلى إعادة النظر في سياسته تجاه الطرف الآخر.
::/introtext::
::fulltext::
رغم أن العلاقات الخليجية مع بعض القوى الآسيوية هي علاقات تاريخية- ومن ذلك العلاقات الخليجية-الهندية التي ترجع جذورها إلى الألف الثالث قبل الميلاد- ورغم ما مرت به تلك العلاقات من فترات للازدهار والانتعاش وأخرى للانحسار والتراجع، إلا أن تلك العلاقات اكتسبت في الآونة الأخيرة أبعاداً جديدة وذلك في سياق مجموعة كبيرة من التحولات التي دفعت كل طرف إلى إعادة النظر في سياسته تجاه الطرف الآخر.
على الجانب الخليجي، تأتي سياسة (الاتجاه شرقاً) وهي سياسة وإن عكست توجهاً اقتصادياً من الدول الخليجية نحو الدول الآسيوية وذلك في ضوء الصعود الاقتصادي للقارة الآسيوية، ورغبة الدول الخليجية في الاستفادة من مشروعات التكامل وتحرير التجارة عبر الإقليمية، ومن أهمها مشروع تحرير التجارة والاستثمار في إطار تجمع المحيط الهندي، إلا أن تلك السياسة لها أبعاد سياسية وأمنية في سياق الارتباط الشديد بين أمن الخليج وما يحدث في جنوب وشرق آسيا، خاصة في ظل الدور الإسرائيلي في جنوبي آسيا، والتطور السريع في العلاقات الباكستانية- الإسرائيلية وما يمكن أن يكون له من انعكاسات على منطقة الخليج، يضاف إلى ذلك اتجاه بعض القوى الآسيوية إلى بناء شبكة من التحالفات الاستراتيجية المهمة من بينها المحور الهندي-الإيراني، والمحور الصيني- الإيراني، والمحور الهندي- الإسرائيلي، وما يمكن أن يكون لهذا الأمر أيضاً من انعكاسات على منطقة الخليج. والأهم من ذلك تحولات البيئة الأمنية في فترة ما بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث لجأت الدول الخليجية إلى موازنة سياسة (الاتجاه شرقاً)، بسياستها السابقة (للاتجاه غرباً). وكذلك الرغبة الخليجية في عدم الوقوف بمعزل عما تموج به القارة الآسيوية من تطورات على كافة المجالات وذلك من خلال التفاعل الإيجابي مع دول القارة على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية بغية العمل على بناء جسور للتواصل، بما يُسهم في دفع العلاقات مستقبلاً، بحيث أصبحت القارة الآسيوية تحتل مكانة مهمة في أولويات السياسة الخارجية الخليجية.
وعلى الجانب الآخر، تبنت بعض القوى الآسيوية الكبرى سياسة (الاتجاه غرباً) ومن بينها الهند والصين واليابان، إذ سعت تلك القوى الدولية المهمة إلى تعميق وتطوير علاقاتها بدول غربي آسيا، وهذا الأمر، وإن كان محكوماً هو الآخر بعوامل اقتصادية، في ضوء الاعتماد الآسيوي على نفط الخليج، حيث توفر دول مجلس التعاون الخليجي حوالي ثلثي احتياجات الهند الخارجية من النفط، أما بالنسبة للصين فتُعدُّ الدول العربية (وخاصة الدول الخليجية) أكبر مورد للنفط الخام للصين، ففي عام 1993 استوردت الصين 7.211 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية وهو ما مثّل حوالي 46 في المائة من إجمالي واردات الصين من النفط الخام. وفي عام 2005 استوردت الصين نحو 55 مليون طن من النفط الخام من الدول العربية، معظمها من دول الخليج، وهو ما مثّل 44 في المائة من إجمالي واردات الصين النفطية لهذا العام. يُضاف إلى ذلك العمالة الآسيوية بدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تبلغ العمالة الهندية الموجودة حالياً في دول مجلس التعاون الخليجي حوالي ثلاثة ملايين ونصف المليون عامل، ويُقدّر ما تحوله للهند سنوياً بحوالي 6 مليارات دولار. ومن هذا المنطلق، فإن ضمان تدفق النفط واستقرار أوضاع العمالة الهندية بالخليج يُعدان من العوامل الحاكمة للهند في سياستها تجاه دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن هناك بعض العوامل والدوافع السياسية التي دفعت تلك القوى الدولية إلى تبني هذا الاقتراب من أهمها التنافس الهندي- الصيني نحو تعميق العلاقات بدول مجلس التعاون الخليجي.

وبوجه عام تكشف دراسة واقع العلاقات الخليجية-الآسيوية (ويُقصد بذلك علاقات دول الخليج مع القوى الآسيوية الكبرى وفي مقدمتها الصين والهند) عن وجود إمكانات هائلة ومجالات مهمة لتعاون الطرفين في المستقبل وبشكل يُفيد الأطراف كافة، وهو ما يتطلب البحث في سبل تطوير هذه العلاقات واستغلال هذه الإمكانات، وأهمية هذا الأمر تبرز بصورة أساسية في سياق أن السمة الأبرز للعلاقات الخليجية- الآسيوية هي الاحتياج الاستراتيجي المتبادل(Strategic NeedMutual). ويُقصد بذلك وجود إدراك متبادل بين الطرفين لأهمية الطرف الآخر واحتياجه له، حتى إن اختلف معه. وينبع هذا الاحتياج الاستراتيجي بالأساس من كم ونوعية المصالح المتبادلة والتي يرغب الطرفان في الحفاظ عليها. إذ أسهم إدراك كل طرف لاحتياجه الاستراتيجي للطرف الآخر في محاولته للحفاظ على المصالح القائمة وعدم المساس بها، هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى، حال هذا الإدراك المتبادل لمثل هذا الاحتياج الاستراتيجي دون تجاوز خلافات الطرفين لنقاط معينة. والأهم من ذلك يدفع هذا الأمر كلاً من الطرفين إلى البحث في الآليات الملائمة لتطوير علاقته مع الطرف الآخر وبما يخدم سياسته الخارجية في هذا الشأن.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أبرز العناصر المحددة للأهمية النسبية لتلك الدول بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث تبرز المصالح الخليجية-الهندية في حجم التجارة المتبادلة، وكم الاستثمارات المشتركة بين الطرفين. إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين الطرفين في عام 2004 ما قيمته 15.65 مليار دولار، كما تُعدُّ الهند سوقاً استهلاكياً ضخماً للمنتجات الخليجية وخاصة النفط والبتروكيماويات والأسمدة. فالهند قوة اقتصادية مهمة فهي الدولة رقم (1) في العالم في مجال صناعة البرمجيات، وهي مرشحة أيضاً للحصول على مقعدٍ دائمٍ في مجلس الأمن الدولي، كما تُشير تحليلات عدة إلى أن الهند هي القوة الآسيوية المرشحة للصعود بعد الصين، خاصة أن الهند لا تُعاني من الكم ذاته من المعوقات التي يُعانيها الصعود الصيني.
أما بالنسبة للصين فوفقاً لإحصائيات عام 2006 بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين حوالي 2.68 تريليون دولار، كما بلغ معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي في العام ذاته 10.7 في المائة وهو المعدل الأكبر منذ عام 1995. وتُشير الإحصائيات إلى أن الاقتصاد الصيني شهد متوسط معدل نمو قدره 7.7 في المائة منذ عام 1949وحتى الآن. ومنذ أواخر السبعينات وحتى الآن نما الاقتصاد بمعدل سنوي بلغ في المتوسط 9.3 في المائة. كما تضاعف الناتج القومي للصين أربع مرات. ووفقاً للمكتب الوطني للإحصاء في الصين فإن معدل النمو زاد ثلاثة أضعاف مثيله في الدول النامية وأربعة أضعاف مثيله في الدول المتقدمة.كما تشير التحليلات إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الصيني سيتجاوز نظيره الأمريكي بحلول 2020، حيث توقعت وحدة الإيكونوميست أنتلجنس، أن الأول سيصل إلى 29.6تريليون دولار بحلول عام 2020، مقارنة بـ 28.8 تريليون دولار كقيمة للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي.
ورغم أهمية الأطر الثنائية للتعاون بين الطرفين والتي شهدت مزيداً من الاهتمام المتبادل في الآونة الأخيرة، إلا أن القارة الآسيوية تشهد بعض الأطر الإقليمية المهمة للتعاون وهو ما يتطلب أن يكون للدول الخليجية دور فيها، فإذا كان الحديث الآن هو حوار استراتيجي بين الطرفين فأول متطلبات هذا الحوار هو ألا يقتصر على الأطر الثنائية فحسب.
توفر دول مجلس التعاون حوالي ثلثي احتياجات الهند الخارجية من النفط
التجمعات الاقتصادية في آسيا كإطار للتعاون
في سياق أهمية علاقات الطرفين وكما سلفت الإشارة فإن تطوير هذه العلاقات لا يتطلب قصرها على الأطر الثنائية فحسب وإنما الخروج بتلك العلاقات إلى أطر أوسع إقليمية وعبر إقليمية حيث تشهد القارة الآسيوية بروز بعض الأطر الإقليمية وعبر الإقليمية للتعاون ذات الطبيعة الاقتصادية والتي يمكن من خلال تفعيل عضوية دول مجلس التعاون الخليجي فيها تحقيق استفادة مهمة. وفي هذا السياق يمكن الحديث عن أهمية انضمام بقية دول مجلس التعاون الخليجي إلى رابطة الدول المطلة على المحيط الهندي للتعاون الإقليمي (Indian Ocean Rim Association for Regional Cooperation ) والتي تضم في عضويتها من الجانب الخليجي وسلطنة عُمان والإمارات. ومن ثم، فمن الضروري التعجيل بانضمام بقية دول المجلس للرابطة حتى لو كشركاء للحوار. وأهمية انضمام دول مجلس التعاون الخليجي تنبع من الطبيعة الاقتصادية للرابطة. فإذا كانت العلاقات الاقتصادية الخليجية- الآسيوية هي المحور الأهم في علاقات الطرفين، فإنه من الملائم تعزيز تعاون الطرفين بشأن تفعيل هذه العلاقات والانتقال بها نحو آفق أوسع، وهو ما يتوافق مع سياسة (الاتجاه شرقاً) التي تتبعها دول مجلس التعاون الخليجي في الوقت الحالي. وتضم الرابطة في عضويتها 19 دولة هي: سلطنة عمان وأستراليا وبنغلاديش والهند وإيران والإماراتوإندونيسيا ومدغشقر وكينيا وسيشل وموريشيوس وجنوب إفريقيا وماليزياوتايلاند وسنغافورة واليمن وموزامبيق وسيريلانكا وتنزانيا.
وبالنظر إلى الأهداف الرئيسية للرابطة كما حددها الميثاق نجدها تتمثل في تحقيق النمو المستدام والتنمية المتوازنة في منطقة المحيط الهندي، وإيجاد أساس مشترك للتعاون الاقتصادي الإقليمي، والتركيز على مجالات التعاون الاقتصادي التي توفر الفرص القصوى لتنمية المصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، والعمل على تشجيع عملية تحرير التجارة من خلال إزالة العوائق، وتخفيض الحواجز الجمركية أمام تدفقات السلع والخدمات ورؤوس الأموال ونقل التكنولوجيا داخل المنطقة، وتشجيع التفاعل والتعاون عن قرب في مجالات التجارة والصناعة والتعاون الأكاديمي بين الدول الأعضاء من دون تمييز ومن دون الإخلال بأي التزامات أخرى للدول الأعضاء في إطار ترتيبات اقتصادية إقليمية أخرى. وأخيراً، تقوية التعاون والحوار بين الدول الأعضاء على المستوى الدولي بشأن قضايا الاقتصاد العالمي.
وتتمثل أهمية الرابطة في كونها تقدم آلية لتعزيز التجارة والأعمال وفتح خطوط للتواصل في العديد من القضايا المتعلقة بهذه الدول، ونشر المعلومات الخاصة بأنظمة التجارة والاستثمار. وفي عام 2004 قامت الرابطة بإنشاء وحدة الدعم السمكي واختارت سلطنة عمان لتكون مقراً لها لزيادة عملية التعاون في المجال السمكي بين الدول الأعضاء في الرابطة، وتهدف الوحدة إلى التنسيق بين الدول الأعضاء في مجال الثروة السمكية وتفعيل الاتصال وتبادل المعلومات باستخدام شبكة المعلومات الالكترونية، وإنشاء قاعدة بيانات خاصة بقطاع الثروة السمكية، والتنسيق مع المنظمات والهيئات العاملة في هذا المجال في منطقة المحيط الهندي والمنظمات والهيئات الدولية في أنحاء العالم، واقتراح ومتابعة البحوث المشتركة المتعلقة بالثروة السمكية بين الأعضاء، ووضع الخطة المناسبة لتمويل البحوث العلمية.
يُضاف إلى ذلك، أن أحد سبل التعاون المقترحة بين الطرفين هو انضمام مجلس التعاون الخليجي كشريك حوار للمنتدى الإقليمي لرابطة الآسيان (ASEAN Regional Forum) إلى عضوية دول الآسيان العشر، وشركاء الحوار (أستراليا، وكندا، والاتحاد الأوروبي، واليابان ، ونيوزيلندا، وكوريا الجنوبية، والولايات المتحدة الأمريكية)، بالإضافة إلى وزراء خارجية كل من الصين، وروسيا، وفيتنام، والهند، ولاوس، وبابوا غينيا الجديدة. إذ يُشكل المنتدى ساحةً للحوار أكثر منه هيكلاً تفاوضياً، حيث يعتمد على الاقتراب التعاوني من خلال التركيز على الحوار وإجراءات بناء الثقة، كما أن أهمية مثل هذا المنتدى تبرز في طبيعة القضايا التي يُناقشها من قضاياالأمن الإنساني والأمن الاقتصادي والأمن الغذائي وغيره وهي مجالات مهمة للتعاون والنقاش بشأنها.
::/fulltext::
::cck::1232::/cck::
