نحو رؤية خليجية جديدة لضمان الخروج من المخاطر المحدقة

::cck::1243::/cck::
::introtext::

لفت نظري ما كتبه عبدالعزيز بن عثمان بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث في ورقته التي قدمها في فبراير 2008م بعنوان (الوضع الاستراتيجي في الخليج.. دراسة استشرافية 2025م)، ومنها اقتبست فقرة كمقدمة لتساؤلات عن الخيارات المتاحة أمام دول المجلس في حال الاتفاق الأمريكي -الإيراني. 

::/introtext::
::fulltext::

لفت نظري ما كتبه عبدالعزيز بن عثمان بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث في ورقته التي قدمها في فبراير 2008م بعنوان (الوضع الاستراتيجي في الخليج.. دراسة استشرافية 2025م)، ومنها اقتبست فقرة كمقدمة لتساؤلات عن الخيارات المتاحة أمام دول المجلس في حال الاتفاق الأمريكي -الإيراني.

يقول ابن صقر في (السيناريو الرابع: وقوع الخليج تحت هيمنة أمريكية-إيرانية مشتركة. وستكون لهذا السيناريو تداعيات كثيرة أبرزها: قيام تنسيق استراتيجي بين إيران والولايات المتحدة سيكون في الغالب على حساب دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي سيجعل هذه الدول، وتحديداً المملكة العربية السعودية، بوصفها كبرى دول المجلس الست، محاصرة بمحور واشنطن-طهران، الذي لن يمنع إيران من الاستمرار في التدخل في شؤون دول المجلس الداخلية بموافقة ضمنية أمريكية).

ولعل هذه القراءة تستحق الوقوف أمامها بشكل جاد، فقد اتضحت معالم هذا الاتفاق مبكراً عندما احتلت أمريكا أفغانستان والعراق بضوء إيراني مباشر، وعزز ذلك تسليم الإدارة المدنية والعسكرية العراقية بغالبيتها للأحزاب والقوى المعروفة بانتمائها إلى طهران.

وشكلت صحوة السعودية مؤخراً تساؤلات كثيرة عن ترك الأوراق بيد أمريكا وإيران ليمارسا مزيداً من الابتزاز باتجاه الخليج، وكان غريباً أن يخرج الأمير سعود الفيصل في محاضرته بعمَّان ليصرح بقوله (إن أمريكا أهدت العراق لإيران على طبق من ذهب).

وقد بات واضحاً أن إيران دخلت مؤخراً في مرحلة البحث عن أوراق جديدة تمثلت مؤخراً في دعمها للتمرد الحوثي شمال اليمن لتعزز من أوراقها السابقة المتمثلة في حزب الله بلبنان ونفوذها السياسي والجغرافي داخل العراق ونفوذها الواسع في سوريا بعد أن سدت إيران الفراغ الهائل فيها، بالإضافة إلى نفوذها عبر الأقليات الشيعية الموجودة بقوة في البحرين وفي المنطقة الجنوبية والشرقية من السعودية.

ويبدو أن أمريكا أدركت جيداً ومنذ وقت مبكر أن سقوط نظام صدام حسين سيشكل فراغاً كبيراً في سياستها بمنطقة الخليج التي تحتاج فيها إلى أدوات تضمن أسباب بقائها، وكانت إيران البديل المناسب لاستمرار المخاوف الخليجية حيث سيتواصل طلب الدعم الأمريكي-الأوروبي.

وكمثال حي على ما نقول، فإن أمريكا رفضت إدراج حركة التمرد الحوثي شمال اليمن ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وحتى عندما بدأوا بالتحرش بحدود المملكة عبر جبل الدخان في 3 نوفمبر الماضي فقد اكتفت أمريكا بالتعبير عن قلقها مما يحدث، مع التأكيد على العلاقة الاستراتيجية التي تجمع بين أمريكا والسعودية.

لكن الأغرب من ذلك أن تتم تبرئة إيران من دعم التمرد الحوثي الذي لم يعد يحتاج إلى أدلة، عندما خرج مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية في 11 نوفمبر الماضي بتصريح لشبكة (CNN) قال فيه (على الرغم من أن حكومة الولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء النزاع اليمني، لكنها لا ترى أية إشارة إلى وجود يد إيرانية في تمرد الحوثي).

بات من الواجب استعادة الثقة بسوريا واحتضانها من جديد

وأضاف (وزارة الخارجية على اتصال مع اليمنيين والسعوديين حول الحاجة للحد من التوترات، ولكن لا يزال يتعين علينا الاقتناع بأن إيران متورطة في اليمن)، وهذا التصريح أشبه بشهادة براءة من أمريكا لإيران، ويكشف عن استراتيجية أمريكية تقوم على عدم التصادم أو إدانة النظام الإيراني في هذه القضية.

ويتسق الموقف البريطاني مع الموقف الأمريكي، إذ صرح وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط إيفان لويس 25 نوفمبر بقوله (ما يحصل في اليمن هو حرب بالوكالة بشكل ما، وهناك تأثير إيراني لدرجة معينة، لكننا لا ندري مدى هذا التأثير).

ومع هذا التصريح الدافئ تجاه إيران، وجه رسالته إلى دول الخليج عندما قال (دول الجوار وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي تلعب دوراً أساسياً في المساعدة على إرساء الاستقرار في اليمن).

وإذا كانت إيران تستجمع أوراقها لتفاوض بها الأمريكان والمجتمع الدولي، فإن السياسات الخليجية تحتاج أيضاً إلى أن تقوم بتصفير مشكلاتها الداخلية أولاً حتى تضمن عدم اهتزاز جبهاتها الداخلية إذا ما دخلت إيران في صراع مباشر مع الغرب، ثم بعد ذلك لا بد عليها من أن تكون لاعباً أساسياً في المشكلات المحيطة بدول المجلس والإقليم المجاور لها.

وأصبح التمرد الحوثي ورقة جديدة وشوكة في خاصرة المملكة العربية السعودية الشقيقة الكبرى لدول المجلس، وقد أصبحت هناك دولة شيعية موجودة بالفعل من محافظة صعدة إلى حدود السعودية الجنوبية، وقد تصل الحدود التي سيطر عليها المتمردون إلى أكثر من 400 كم.

ويبدو أن السياسات الوقائية التي اتبعتها السعودية في حديقتها الخلفية لم تكن كافية عندما استيقظت لتجد أن المتمردين المنتمين إلى المذهب الشيعي أصبحوا على حدودها، وإذا ما استمر هذا الوضع فإنه يمكننا القول إنه وبعد أشهر عدة ستصبح إيران بالفعل محادة للسعودية من الجنوب.

ويمكن للسعودية أن تعيد بناء استراتيجيتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والوقائية والفكرية في اليمن بما يساعدها على تأمين هذه الجبهة، ويبدو أن الخيارات أمامها تتضاءل بعدما ثبت أن نظام الرئيس علي عبدالله صالح أصبح عامل قلق وكان سبباً في إفراز مشكلات التمرد والحراك في المحافظات الجنوبية والوضع الاقتصادي الذي أوصل اليمن إلى أن يصبح واحدة من أفقر دول منطقة الشرق الأوسط.

وهناك خيار استراتيجي يمكن للسعودية أن تقرأه جيداً، وهو التحالف مع حزب التجمع اليمني للإصلاح المعارض، باعتباره حزباً مدنياً أثبت قدرته على المشاركة السياسية والمدنية منذ إنشائه في عام 1990 وحتى اليوم، التي تدرج فيها من مشاركته في السلطة بتحالف ثلاثي ثم ثنائي، ثم بخروجه ليصبح أكبر أحزاب المعارضة، ولديه امتداد شعبي وجماهيري وقيادات على مختلف الصعد والمحافظات، ويمكن أن يكون له تأثير في إعادة ترتيب الأوضاع اليمنية ومساعدة الدول الخليجية على تهدئة واستئصال القلاقل التي صنعتها السلطة.

وقد تحالف حزب الإصلاح مع القبائل اليمنية التي ظلت متحالفة مع السعودية منذ الستينات، وترأس الحزب الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر حتى وفاته، وكان على علاقات متينة مع السعودية، واستطاع أن يقوم بأدوار تاريخية مهمة كان لها دور كبير في تسكين الأزمات اليمنية-السعودية وأبرزها مشاركته بشكل رئيسي في محادثات الحدود التي أفضت إلى اتفاق بين الجانبين لإنهاء هذا الملف عام 2000م.

ومن الخطأ الاستراتيجي تجاهل الدول الخليجية وخصوصاً السعودية لملف عرب الأهواز والسنة في إيران الذين يشكلون مجتمعين ما لا يقل عن 15 مليون نسمة.

ومع أن إيران أكثر دولة تتميز بالعرقيات والأقليات، وحاجة الجيل الجديد إلى تغيير الواقع بما فيها الطرح المتنامي منذ الانتخابات الرئاسية بإعادة النظر في قضية (ولاية الفقيه) إلا أن إيران تغطي كل ذلك بتحريك أوراقها وإقلاقها للمجتمعات العربية والخليجية وهو ما يظهرها قوية ومتماسكة، مع أن مخاوفها كبيرة من هذا الملف، ولا تقل خطورة عن المخاوف السعودية من المتمردين الحوثيين شمال اليمن.

وإذا ما استطاعت السعودية باعتبارها الخصم الرئيس لإيران أن تدير هذا الملف وتسعى إلى مساندته وتقويته والعمل فيه مثلما تقوم إيران بالعمل في ملف الحوثيين، فإن السعودية ستجبر إيران على التفاوض والمساومة معها بندية، ويمكن للسعودية أن تغلق ملف الحوثيين نهائياً.

لكن بقاء الدول الخليجية وأهمها الشقيقة الكبرى في سياسة عدم الدخول في مواجهة مذهبية مع إيران التي قد تحرك أوراقها الموجودة داخل الأنظمة الخليجية سيساعد إيران على مواصلة إبراز عضلاتها وابتزاز الخليجيين عموماً، في الوقت الذي تقوم فيه إيران بالتوسع مذهبياً باعتباره الرداء الذي يوصلها لأن تصبح أحد المؤثرين في صناعة قرار بعض البلدان العربية.

وتبقى ميزة إيران أنها دولة مؤسسات وهذه نقطة قوة لديها، ونقطة ضعف لدى الدول الخليجية، ويمكن للتوسع في المؤسسات داخل الأنظمة الخليجية التي تساعد على تنفيس الاحتقانات والمشاركة الشعبية أن يخفف ويساعد على إنضاج الرؤى لدى صناع القرار الخليجي.

واستطاعت دولة قطر أن تلعب في المساحة المتاحة، عندما دعمت حركة حماس واستضافت مؤتمر غزة الذي حضرته حركات المقاومة وكانت رصيداً فاعلاً في الملف الفلسطيني، بدلاً من ترك حماس وحركات المقاومة بيد إيران التي لعبت على وتر الدعم المالي والسياسي في وقت تخلت فيه الدول العربية عنها، مع التذكير بأن حماس سنية وليست شيعية كما هو حزب الله في لبنان.

ويمكن إعادة النظر في الملف العراقي، إذ لا يزال في الوقت متسع، من خلال دعم الحركات والأحزاب المعتدلة وأهمها الحزب الإسلامي العراقي ومساعدة طارق الهاشمي لأن يلعب دوراً أكبر في المرحلة المقبلة، إلى جانب القيادات السنية التي يمكن لها أن تقوم بعملية توازن مع الوجود الشيعي داخل الإدارة العراقية.

ولم يعد مجدياً ترك سوريا بما تحتله من مكانة استراتيجية ومهمة في قلب الوطن العربي، وفي ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، ساحة فارغة استطاعت إيران أن تملأها ويكون لها وجود اقتصادي وفكري قوي ويمكن لزائرها أن يكتشف ذلك.

فقد بات من الواجب استعادة الثقة بسوريا واحتضانها من جديد، وقد مثلت زيارة العاهل السعودي إليها خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ يمكن للسعودية ولدول الخليج بما تملكه من إمكانات مالية أن تعيد سوريا إلى المربع العربي الذي إن وجد فسيكون من السهل ذوبان الجليد الإيراني داخل سوريا، وتعتبر العلاقة القطرية-السورية نموذجاً في هذا الإطار.

وعلى البحر الأحمر من الخطورة بمكان ترك الصومال وأريتريا وجيبوتي وجزر القمر بعيدة عن الاهتمام الخليجي، إذ إن ترتيب هذه الدول وإعادة الاستقرار ودعم التنمية الاقتصادية فيها ستشكل عامل قوة إضافية لدول المجلس في تأمين منفذ باب المندب الذي يبدو أن إيران أدركت هذا البعد مبكراً وعملت على إقامة علاقات وطيدة مع إرتيريا، التي منحتها ميناء عصب القريب من باب المندب مقابل تحديث مصفاتها النفطية، وكان يمكن لأي شركة خليجية بسيطة أن تقوم بتأمين هذا الجانب الاستراتيجي.

وإذا ما دخلت الدول الخليجية بهذه الملفات وحزمت حقائبها باتجاه مشاركتها كلاعب أساسي في هذه الملفات، فإن المخاوف الخليجية من أي اتفاق أمريكي-إيراني يكون على حسابها يمكن لها أن تقل مع مرور الزمن، وعندها ستغير أمريكا وحلفاؤها من هذا التحالف إذا وجدت أنها لم تعد أوراقاً فاعلة بيد إيران.

بل يمكن بعدها للدول الخليجية أن تدخل بحوار مباشر مع إيران لتصفير هذه المشكلات، بدلاً من إلقاء سلة بيضها باستمرار بيد الغرب الذي لن يتخلى عن مصالحه ويتعامل بردود الأفعال، كما هي حالنا.

 

::/fulltext::

araa64_27-8e4
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1243::/cck::
::introtext::

لفت نظري ما كتبه عبدالعزيز بن عثمان بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث في ورقته التي قدمها في فبراير 2008م بعنوان (الوضع الاستراتيجي في الخليج.. دراسة استشرافية 2025م)، ومنها اقتبست فقرة كمقدمة لتساؤلات عن الخيارات المتاحة أمام دول المجلس في حال الاتفاق الأمريكي -الإيراني. 

::/introtext::
::fulltext::

لفت نظري ما كتبه عبدالعزيز بن عثمان بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث في ورقته التي قدمها في فبراير 2008م بعنوان (الوضع الاستراتيجي في الخليج.. دراسة استشرافية 2025م)، ومنها اقتبست فقرة كمقدمة لتساؤلات عن الخيارات المتاحة أمام دول المجلس في حال الاتفاق الأمريكي -الإيراني.

يقول ابن صقر في (السيناريو الرابع: وقوع الخليج تحت هيمنة أمريكية-إيرانية مشتركة. وستكون لهذا السيناريو تداعيات كثيرة أبرزها: قيام تنسيق استراتيجي بين إيران والولايات المتحدة سيكون في الغالب على حساب دول مجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي سيجعل هذه الدول، وتحديداً المملكة العربية السعودية، بوصفها كبرى دول المجلس الست، محاصرة بمحور واشنطن-طهران، الذي لن يمنع إيران من الاستمرار في التدخل في شؤون دول المجلس الداخلية بموافقة ضمنية أمريكية).

ولعل هذه القراءة تستحق الوقوف أمامها بشكل جاد، فقد اتضحت معالم هذا الاتفاق مبكراً عندما احتلت أمريكا أفغانستان والعراق بضوء إيراني مباشر، وعزز ذلك تسليم الإدارة المدنية والعسكرية العراقية بغالبيتها للأحزاب والقوى المعروفة بانتمائها إلى طهران.

وشكلت صحوة السعودية مؤخراً تساؤلات كثيرة عن ترك الأوراق بيد أمريكا وإيران ليمارسا مزيداً من الابتزاز باتجاه الخليج، وكان غريباً أن يخرج الأمير سعود الفيصل في محاضرته بعمَّان ليصرح بقوله (إن أمريكا أهدت العراق لإيران على طبق من ذهب).

وقد بات واضحاً أن إيران دخلت مؤخراً في مرحلة البحث عن أوراق جديدة تمثلت مؤخراً في دعمها للتمرد الحوثي شمال اليمن لتعزز من أوراقها السابقة المتمثلة في حزب الله بلبنان ونفوذها السياسي والجغرافي داخل العراق ونفوذها الواسع في سوريا بعد أن سدت إيران الفراغ الهائل فيها، بالإضافة إلى نفوذها عبر الأقليات الشيعية الموجودة بقوة في البحرين وفي المنطقة الجنوبية والشرقية من السعودية.

ويبدو أن أمريكا أدركت جيداً ومنذ وقت مبكر أن سقوط نظام صدام حسين سيشكل فراغاً كبيراً في سياستها بمنطقة الخليج التي تحتاج فيها إلى أدوات تضمن أسباب بقائها، وكانت إيران البديل المناسب لاستمرار المخاوف الخليجية حيث سيتواصل طلب الدعم الأمريكي-الأوروبي.

وكمثال حي على ما نقول، فإن أمريكا رفضت إدراج حركة التمرد الحوثي شمال اليمن ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وحتى عندما بدأوا بالتحرش بحدود المملكة عبر جبل الدخان في 3 نوفمبر الماضي فقد اكتفت أمريكا بالتعبير عن قلقها مما يحدث، مع التأكيد على العلاقة الاستراتيجية التي تجمع بين أمريكا والسعودية.

لكن الأغرب من ذلك أن تتم تبرئة إيران من دعم التمرد الحوثي الذي لم يعد يحتاج إلى أدلة، عندما خرج مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأمريكية في 11 نوفمبر الماضي بتصريح لشبكة (CNN) قال فيه (على الرغم من أن حكومة الولايات المتحدة تشعر بالقلق إزاء النزاع اليمني، لكنها لا ترى أية إشارة إلى وجود يد إيرانية في تمرد الحوثي).

بات من الواجب استعادة الثقة بسوريا واحتضانها من جديد

وأضاف (وزارة الخارجية على اتصال مع اليمنيين والسعوديين حول الحاجة للحد من التوترات، ولكن لا يزال يتعين علينا الاقتناع بأن إيران متورطة في اليمن)، وهذا التصريح أشبه بشهادة براءة من أمريكا لإيران، ويكشف عن استراتيجية أمريكية تقوم على عدم التصادم أو إدانة النظام الإيراني في هذه القضية.

ويتسق الموقف البريطاني مع الموقف الأمريكي، إذ صرح وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط إيفان لويس 25 نوفمبر بقوله (ما يحصل في اليمن هو حرب بالوكالة بشكل ما، وهناك تأثير إيراني لدرجة معينة، لكننا لا ندري مدى هذا التأثير).

ومع هذا التصريح الدافئ تجاه إيران، وجه رسالته إلى دول الخليج عندما قال (دول الجوار وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي تلعب دوراً أساسياً في المساعدة على إرساء الاستقرار في اليمن).

وإذا كانت إيران تستجمع أوراقها لتفاوض بها الأمريكان والمجتمع الدولي، فإن السياسات الخليجية تحتاج أيضاً إلى أن تقوم بتصفير مشكلاتها الداخلية أولاً حتى تضمن عدم اهتزاز جبهاتها الداخلية إذا ما دخلت إيران في صراع مباشر مع الغرب، ثم بعد ذلك لا بد عليها من أن تكون لاعباً أساسياً في المشكلات المحيطة بدول المجلس والإقليم المجاور لها.

وأصبح التمرد الحوثي ورقة جديدة وشوكة في خاصرة المملكة العربية السعودية الشقيقة الكبرى لدول المجلس، وقد أصبحت هناك دولة شيعية موجودة بالفعل من محافظة صعدة إلى حدود السعودية الجنوبية، وقد تصل الحدود التي سيطر عليها المتمردون إلى أكثر من 400 كم.

ويبدو أن السياسات الوقائية التي اتبعتها السعودية في حديقتها الخلفية لم تكن كافية عندما استيقظت لتجد أن المتمردين المنتمين إلى المذهب الشيعي أصبحوا على حدودها، وإذا ما استمر هذا الوضع فإنه يمكننا القول إنه وبعد أشهر عدة ستصبح إيران بالفعل محادة للسعودية من الجنوب.

ويمكن للسعودية أن تعيد بناء استراتيجيتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والوقائية والفكرية في اليمن بما يساعدها على تأمين هذه الجبهة، ويبدو أن الخيارات أمامها تتضاءل بعدما ثبت أن نظام الرئيس علي عبدالله صالح أصبح عامل قلق وكان سبباً في إفراز مشكلات التمرد والحراك في المحافظات الجنوبية والوضع الاقتصادي الذي أوصل اليمن إلى أن يصبح واحدة من أفقر دول منطقة الشرق الأوسط.

وهناك خيار استراتيجي يمكن للسعودية أن تقرأه جيداً، وهو التحالف مع حزب التجمع اليمني للإصلاح المعارض، باعتباره حزباً مدنياً أثبت قدرته على المشاركة السياسية والمدنية منذ إنشائه في عام 1990 وحتى اليوم، التي تدرج فيها من مشاركته في السلطة بتحالف ثلاثي ثم ثنائي، ثم بخروجه ليصبح أكبر أحزاب المعارضة، ولديه امتداد شعبي وجماهيري وقيادات على مختلف الصعد والمحافظات، ويمكن أن يكون له تأثير في إعادة ترتيب الأوضاع اليمنية ومساعدة الدول الخليجية على تهدئة واستئصال القلاقل التي صنعتها السلطة.

وقد تحالف حزب الإصلاح مع القبائل اليمنية التي ظلت متحالفة مع السعودية منذ الستينات، وترأس الحزب الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر حتى وفاته، وكان على علاقات متينة مع السعودية، واستطاع أن يقوم بأدوار تاريخية مهمة كان لها دور كبير في تسكين الأزمات اليمنية-السعودية وأبرزها مشاركته بشكل رئيسي في محادثات الحدود التي أفضت إلى اتفاق بين الجانبين لإنهاء هذا الملف عام 2000م.

ومن الخطأ الاستراتيجي تجاهل الدول الخليجية وخصوصاً السعودية لملف عرب الأهواز والسنة في إيران الذين يشكلون مجتمعين ما لا يقل عن 15 مليون نسمة.

ومع أن إيران أكثر دولة تتميز بالعرقيات والأقليات، وحاجة الجيل الجديد إلى تغيير الواقع بما فيها الطرح المتنامي منذ الانتخابات الرئاسية بإعادة النظر في قضية (ولاية الفقيه) إلا أن إيران تغطي كل ذلك بتحريك أوراقها وإقلاقها للمجتمعات العربية والخليجية وهو ما يظهرها قوية ومتماسكة، مع أن مخاوفها كبيرة من هذا الملف، ولا تقل خطورة عن المخاوف السعودية من المتمردين الحوثيين شمال اليمن.

وإذا ما استطاعت السعودية باعتبارها الخصم الرئيس لإيران أن تدير هذا الملف وتسعى إلى مساندته وتقويته والعمل فيه مثلما تقوم إيران بالعمل في ملف الحوثيين، فإن السعودية ستجبر إيران على التفاوض والمساومة معها بندية، ويمكن للسعودية أن تغلق ملف الحوثيين نهائياً.

لكن بقاء الدول الخليجية وأهمها الشقيقة الكبرى في سياسة عدم الدخول في مواجهة مذهبية مع إيران التي قد تحرك أوراقها الموجودة داخل الأنظمة الخليجية سيساعد إيران على مواصلة إبراز عضلاتها وابتزاز الخليجيين عموماً، في الوقت الذي تقوم فيه إيران بالتوسع مذهبياً باعتباره الرداء الذي يوصلها لأن تصبح أحد المؤثرين في صناعة قرار بعض البلدان العربية.

وتبقى ميزة إيران أنها دولة مؤسسات وهذه نقطة قوة لديها، ونقطة ضعف لدى الدول الخليجية، ويمكن للتوسع في المؤسسات داخل الأنظمة الخليجية التي تساعد على تنفيس الاحتقانات والمشاركة الشعبية أن يخفف ويساعد على إنضاج الرؤى لدى صناع القرار الخليجي.

واستطاعت دولة قطر أن تلعب في المساحة المتاحة، عندما دعمت حركة حماس واستضافت مؤتمر غزة الذي حضرته حركات المقاومة وكانت رصيداً فاعلاً في الملف الفلسطيني، بدلاً من ترك حماس وحركات المقاومة بيد إيران التي لعبت على وتر الدعم المالي والسياسي في وقت تخلت فيه الدول العربية عنها، مع التذكير بأن حماس سنية وليست شيعية كما هو حزب الله في لبنان.

ويمكن إعادة النظر في الملف العراقي، إذ لا يزال في الوقت متسع، من خلال دعم الحركات والأحزاب المعتدلة وأهمها الحزب الإسلامي العراقي ومساعدة طارق الهاشمي لأن يلعب دوراً أكبر في المرحلة المقبلة، إلى جانب القيادات السنية التي يمكن لها أن تقوم بعملية توازن مع الوجود الشيعي داخل الإدارة العراقية.

ولم يعد مجدياً ترك سوريا بما تحتله من مكانة استراتيجية ومهمة في قلب الوطن العربي، وفي ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، ساحة فارغة استطاعت إيران أن تملأها ويكون لها وجود اقتصادي وفكري قوي ويمكن لزائرها أن يكتشف ذلك.

فقد بات من الواجب استعادة الثقة بسوريا واحتضانها من جديد، وقد مثلت زيارة العاهل السعودي إليها خطوة في الاتجاه الصحيح، إذ يمكن للسعودية ولدول الخليج بما تملكه من إمكانات مالية أن تعيد سوريا إلى المربع العربي الذي إن وجد فسيكون من السهل ذوبان الجليد الإيراني داخل سوريا، وتعتبر العلاقة القطرية-السورية نموذجاً في هذا الإطار.

وعلى البحر الأحمر من الخطورة بمكان ترك الصومال وأريتريا وجيبوتي وجزر القمر بعيدة عن الاهتمام الخليجي، إذ إن ترتيب هذه الدول وإعادة الاستقرار ودعم التنمية الاقتصادية فيها ستشكل عامل قوة إضافية لدول المجلس في تأمين منفذ باب المندب الذي يبدو أن إيران أدركت هذا البعد مبكراً وعملت على إقامة علاقات وطيدة مع إرتيريا، التي منحتها ميناء عصب القريب من باب المندب مقابل تحديث مصفاتها النفطية، وكان يمكن لأي شركة خليجية بسيطة أن تقوم بتأمين هذا الجانب الاستراتيجي.

وإذا ما دخلت الدول الخليجية بهذه الملفات وحزمت حقائبها باتجاه مشاركتها كلاعب أساسي في هذه الملفات، فإن المخاوف الخليجية من أي اتفاق أمريكي-إيراني يكون على حسابها يمكن لها أن تقل مع مرور الزمن، وعندها ستغير أمريكا وحلفاؤها من هذا التحالف إذا وجدت أنها لم تعد أوراقاً فاعلة بيد إيران.

بل يمكن بعدها للدول الخليجية أن تدخل بحوار مباشر مع إيران لتصفير هذه المشكلات، بدلاً من إلقاء سلة بيضها باستمرار بيد الغرب الذي لن يتخلى عن مصالحه ويتعامل بردود الأفعال، كما هي حالنا.

 

::/fulltext::
::cck::1243::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *