الإرادة السياسية وأزمة دبي الاقتصادية
::cck::847::/cck::
::introtext::
لا يمكن فصل ما يجري في دبي من أزمة اقتصادية عن بعض آثار الأزمة المالية العالمية بشكل مباشر أو غير مباشر، على الرغم من بقاء الاقتصاد الإماراتي قوياً لم يتأثر كثيراً بتلك الأزمة حينما كانت على أشدها، لذا فإن ما يجري من تعثر في قطاع اقتصاد دبي الاستثماري، ولا سيما في مجال العقارات، لا يعد خطراً حقيقياً يهدد الكيان الاقتصادي بأكمله.
::/introtext::
::fulltext::
لا يمكن فصل ما يجري في دبي من أزمة اقتصادية عن بعض آثار الأزمة المالية العالمية بشكل مباشر أو غير مباشر، على الرغم من بقاء الاقتصاد الإماراتي قوياً لم يتأثر كثيراً بتلك الأزمة حينما كانت على أشدها، لذا فإن ما يجري من تعثر في قطاع اقتصاد دبي الاستثماري، ولا سيما في مجال العقارات، لا يعد خطراً حقيقياً يهدد الكيان الاقتصادي بأكمله.
إن دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما إمارة دبي، طوت صفحات التاريخ الحضاري بسرعة متناهية، حتى ذهب البعض إلى إبداء مخاوفه من ذلك التنامي المتدفق لا سيما بعد ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة، وتصميم قادة إمارة دبي على إرساء صرح اقتصادي عملاق فريد من نوعه في الشرق الأوسط، مع التأكيد على أن هذا الصرح لا يقف على رمال متحركة، أو قاعدة ضعيفة، إنما يستند إلى اقتصاد عملاق يعد من أهم اقتصادات الشرق الأوسط، ألا وهو اقتصاد الإمارات العربية المتحدة، ذلك الصرح الذي يبدو في نظر البعض قد سبق أوانه سواء من حيث التأسيس الحضاري أو الثقافي أو من حيث التأسيس الاقتصادي المؤسساتي ضمن رؤية سياسية تقوم على أساس استشراف المستقبل ضمن استراتيجية تنموية تأخذ في الاعتبار عملية التغير الاجتماعي الذي يبدو أقل سرعة من تطور الجانب المادي.
وعلى الرغم من وجاهة هذا الرأي في ما يتصل بعملية التحول الثقافي وتوقيته أي مدته الزمنية، إلا أن ذلك لا يؤشر إلى خلل سياسي أم تخطيطي حينما يكون الطموح الإماراتي وبوعي قادته، يعبر عن ضرورة ملحة بات يحتاجها المجتمع العربي بكامله وليس المجتمع الخليجي فقط وهي ضرورة الالتحام مع التطور المتسارع في الحضارة الإنسانية، إلا أن ولادة تجربة ضخمة على هذا المستوى في منطقة الشرق الأوسط لا بد أن تفرز العديد من الإشكاليات ولعل أبرزها ما يتصل بالنسق الثقافي السائد في المنطقة العربية، من حيث طرق التفكير وأنماط الإنتاج والآثار الاجتماعية الناجمة عن بعض أنماطه المتطورة وضرورة التعامل معها وفق معطيات ثقافة عربية متجددة وليس مقلدة وهو ما يدعو إلى بناء صرح اقتصادي ينتج ولا يقلد وفق نهضة علمية ينبغي الشروع ببنائها قبل التفكير في مرحلة لاحقة تدعم هذا الصرح الاقتصادي ألا وهي مرحلة التصنيع التي تستطيع التفاعل مع الثقافة العربية وتترجم سماتها وقيمها من أجل حفظ هويتها، وخلاف ذلك ستكون هناك أزمات اجتماعية وثقافية لا حد لها تفوق في خسارتها أي خسارة مادية لا سيما عندما تكون الخسارة في نسق القيم والثقافة، وفي هذا الجانب ينبغي أن يكون للإرادة السياسية حضورها الفاعل وفي لحظة حاسمة تضع في الحسبان كل المتغيرات سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي.
أولاً: السياسة المالية وإدارة الأزمة
تعد الأزمة في أي بلد قضية لها آثارها المباشرة أو غير المباشرة على مجمل الحياة فيه، ونظراً لما يمثله الاقتصاد من تأثير مباشر في ديمومة الحياة واتجاهاتها بل في حركة التاريخ بكل زمان ومكان، وقد حظي هذا باهتمام العلماء ومنهم ابن خلدون الذي أعطى العامل الاقتصادي أهمية كبيرة في حركة حياة الناس وتاريخهم الاجتماعي، كما اعتبره كارل ماركس المحرك الأول لعجلة التاريخ وما يحدث خلالها من صراع، وعندما تتصل المسألة باقتصاد دولة، كدولة الإمارات، وهي ليست كمثل سائر الدول النامية من حيث البنية الاقتصادية، أو المشكلات السياسية التي تقلق ساستها، فدولة الإمارات ولا سيما إمارة دبي تمتلك مقومات اقتصادية ضاربة في الأرض، بل هي من أكثر دول العالم طموحاً في بناء اقتصاد صلب يتعامل مع الحركة التجارية في الشرق الأوسط على أسس أكثر تطوراً سواء من حيث التقنية أو من حيث التدبير، كما أنها أكثر الدول سعياً إلى تقديم الدعم للشعوب التي تعاني من أزمات أو تتعرض لمشكلات طارئة. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية في دبي قد ظهرت على السطح سريعاً، إنما جاءت نتيجة لطموح مشروع يسعى إلى بلوغ العالمية، وبالتالي لا بد أن يتعرض مثل هكذا مشروع إلى إشكاليات طارئة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الإشكاليات أو الأزمات التي تطيح بنظام اقتصادي، لأن مثل هذه العقبات متوقعة في محيط اقتصاد عالمي يعاني من أزمة حقيقية، وأن أزمة دبي هي أزمة طارئة وتجاوزها تحت السيطرة لأن اقتصاد دولة الإمارات يعد من اقتصادات العالم العملاقة، فتاريخ نهضة دبي الاقتصادية وإنجازاتها الفريدة هي نفسها ضمان لنفسها لما تمتلك من قدرة مميزة في السياسة المالية وإدارة الأزمة بحكمة مستمدة من إرادة قادتها الذين يضعون أمام أعينهم بناء مرتكزات جديدة في المنطقة العربية وجعل دبي مركزاً تجارياً عالمياً يحظى باهتمام السوق العالمي لا سيما إذا كان الأمر يتعلق باستراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة في تأسيس نموذج اقتصادي إقليمي يحظى باهتمام العالم.
إمارة دبي قادرة على تجاوز الأزمة المالية لما تمتلك من حركة تجارية ذات شبكة متفاعلة مع العالم
لذا فإن النهوض من هذه الكبوة مسألة وقت لا سيما أن اهتمام قادة الدولة ومنهم قادة إمارة دبي أخذ يتفاعل من أجل إيجاد الحلول المناسبة مستمدين قوة إرادتهم السياسية من تراثهم الثقافي الذي ينطوي على قدرة فائقة في التضامن والتكاتف بين الأشقاء، وهي سمة محط تقدير العالم أجمع، ومع هذا فإن القدرات الذاتية وحسن إدارة الأزمة تكون قادرة على الخروج من الأزمة عاجلاً وليس آجلاً، حيث يشير موقع منتدى الإمارات الاقتصادي إلى أن دولة الإمارات التي تعاملت مع الأزمة المالية العالمية بحكمة وبروح الابتكار، فإنها على مستوى السياسات النقدية ضخت سيولة لانتعاش أسواق الائتمان ودعم القطاع المصرفي لتجنيب اقتصادها آثار الأزمة المالية العالمية في حينه، أما على مستوى السياسة المالية، وعلى الرغم من إعلان دبي عن ميزانية تنطوي على عجز، إلا أن هذا العجز يعد الأول منذ ست سنوات مضت، إذ سجلت خلال تلك الحقبة فوائض بلغ متوسطها بين 5-6 في المائة بين الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يشير إلى أن حالة الاقتصاد الإماراتي تتسم بالقوة والعافية كما أنه مؤشر إيجابي تنعكس محصلاته على اقتصاد إمارة دبي بما يمكنها من تجاوز الأزمة، وأن ذلك مرتبط بإجراء سياسة مالية قائمة على حقائق ومبادئ علمية، بما يمكّن الإمارة من إدارة الأزمة وفق رؤية علمية وعقلانية من دون تعجل أو يأس وهو أمر لا يمكن أن يخرج عن عقلانية قادة الإمارات في إدارة الأزمة وبما يكسب قادة مخططي التنمية تجربة غنية في تجاوز أزمات المستقبل، التي ينبغي أن يحسب لها ألف حساب مع التأكيد على أن أي نهضة اقتصادية لا تنفصل عن النهضة الثقافية التي ينبغي أن تبنى وفق رؤى متجددة بحيث يجعل التفاعل بين العقل والإنجاز مسألة ضرورية من أجل الانتقال إلى الحضرية بكل شروطها الثقافية والصناعية والتخطيطية.
ثانياً: الأزمة الاقتصادية وأبعادها الثقافية
لا يمكن النظر إلى الجانب المادي من الناحية الثقافية خارج إطار الجانب المعنوي أو الاجتماعي، حيث يعد الأخير جانباً حيوياً من حركة المجتمع، وطالما اعتبر تطور الجنس البشري يتم من خلال تحول في الجوانب الاقتصادية والثقافية خلال التاريخ، وما تم طرحه من نظريات اجتماعية وأنثروبولوجية واقتصادية في القرن التاسع عشر مرتبط بما كان شائعاً بأن التطور الإنساني يكون وفق خط ارتقائي، فإن النظريات العلمية اللاحقة في هذا المجال خالفت تلك الفرضية، حينما اعتبرت التغير والتطور الاجتماعي يرتبطان بظروف ذلك المجتمع من حيث البناء والوظيفة وبصيغ يتفاعل معها المجتمع وفق طبيعة أنساقه من التغير والتفاعل والتأثير المتبادل بين أجزائه.
تاريخ نهضة دبي الاقتصادية وإنجازاتها الفريدة هي نفسها ضمان لنفسها
ولذلك فإن الرؤية التي يعتمد عليها في عالم متغير ينبغي أن تكون على قاعدة جديدة من التصورات تأخذ في الاعتبار الإمكانات المتوفرة لذلك المجتمع في مجال الاقتصاد والاتصال والعلم والتخطيط في بناء تجربة مميزة وهذا ما يحصل لدولة الإمارات بشكل عام وإمارة دبي بشكل خاص، والشاهد على ذلك التطور والتقدم الحضاري الذي تحقق في زمن قياسي قلّ نظيره في التاريخ البشري، الأمر الذي يجعل بناء إطار نظري يفسر مثل هذه القفزات النوعية في حياة المجتمعات البشرية في غاية الأهمية. ولذلك ينبغي النظر إلى الأزمة الاقتصادية على أنها ناتج تجربة ضخمة جديدة، في مجتمع استطاع أن يحقق إنجازات باهرة ويوظف عائدات النفط خدمة لقضايا الإنسان ونقله من حالة الفقر والبؤس إلى حالة الرفاهية ونقل المجتمع من حالة المحلية إلى حالة العالمية مما يجعل لذلك أبعاداً ثقافية واجتماعية يتطلب معها إجراء دراسات مسحية عما ينجم من تفاعلاتها من آثار وبلورة رؤية جديدة في التعامل معها من أجل تبديد الشائعات والتكهنات إزاء هذه الأزمة وآثارها في المجتمع. وهو ما لا يمكن أن يتحقق من دون وعي اجتماعي بأهمية الأزمة من جهة وتأسيس قاعدة علمية ابتكارية تتبعها نهضة صناعية عمادها الإنسان الإماراتي بحيث يستطيع أن يمتلك المبادرة والمواجهة لأي تحد مستقبلي.
ثالثاً: الإرادة السياسية وتجاوز الأزمة
لا شك في أن الإرادة السياسية لقادة دولة الإمارات، ومنهم قادة دبي، سيكون لها دورها الإيجابي في تجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية، ولا شك أيضاً في أن هذه الإرادة قادرة على اتخاذ قرارات مهمة مستندة إلى دراسات اقتصادية ومعطيات سياسية متفاعلة في الساحة الخليجية والإقليمية والعالمية، تجعل هذه الأزمة، وليس كما يصورها البعض على أنها تهدد بانهيار اقتصادي يصعب إصلاحه، بمثابة تجربة وناتج جهد فريد في العالم في مجال الأعمال والاستثمار فاق التصورات وحتى القدرات المحلية لكثير من بلدان العالم. فالطموح المتسارع والرغبة في الظهور كقوة اقتصادية مميزة في منطقة الشرق الأوسط جاءا في ظروف هيأها ارتفاع عائدات النفط من جهة، ودفعت إليها رغبة دبي في تكوين نموذج اقتصادي عالمي يربط الشرق بالغرب، وتأثر ذلك في زمن لاحق بما عاناه العالم من أزمته المالية الخانقة.

وعلى الرغم من كون دولة الإمارات قد تعاملت بحكمة مع تلك الأزمة واستطاعت من خلال سياستها النقدية ضخ الأموال وإنقاذ المصارف وإنعاش أسواق الائتمان إلا أن حجم الأزمة المالية العالمية وتداعياتها على المستويات كافة أوجد نوعاً من الارتباك في وقت تصاعدت فيه طموحات دبي إلى تنفيذ خططها في ظروف صعبة مما جعل الحاجة قائمة إلى تدخل الدولة وبإرادة سياسية واعية مستندة إلى رؤية معمقة قائمة على أساس مراجعة نقدية لما حصل من تداعيات تخص ديون شركاتها، حكومية أو غير حكومية عملاقة، إلا أن مميزات اقتصاد دبي ولا سيما ما يخص حركتها التجارية ذات العائد الاقتصادي الكبير، فضلاً عما تمتلكه البلاد من قدرات نفطية واستثماراتها الهائلة في الخارج ستساعدها على تجاوز الأزمة وبتصميم إرادة سياسية على إخراج الاقتصاد من أزمته لا سيما أن العرف الثقافي الخليجي يعمل على شد التلاحم بين أبناء الإمارة والإمارات الأخرى في الدولة، الأمر الذي يجعلها أكثر قدرة على إيجاد ظروف إنتاج قائمة على الابتكار الوطني المتفاعل مع التجارب المتطورة في العالم وهو ما يمكن أن يكون جزءاً من الاستراتيجية التي تضعها هذه الدول للأجيال القادمة ولا سيما في مجال إيجاد بدائل طاقة أخرى عن النفط وهو ما تسعى إليه دولة الإمارات في مجال إنتاج الطاقة النووية السلمية أو في إيجاد مركز تجاري عالمي بمواصفات عالمية يكون قادراً على تكوين منطقة جذب عالمي تفوق أي بقعة أخرى في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار ينبغي التأكيد على أن إمارة دبي نفسها قادرة على تجاوز تلك الأزمة لما تمتلك من حركة تجارية ذات شبكة متفاعلة مع العالم، وفي هذا المجال لا يمكن إغفال متانة البنك المركزي الإماراتي وقدرته على دفع هذه الأزمة والخروج من آثارها وهو ما يمكن أن يتم وفق دراسة علمية عقلانية مع توافر إرادة سياسية واضحة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::847::/cck::
::introtext::
لا يمكن فصل ما يجري في دبي من أزمة اقتصادية عن بعض آثار الأزمة المالية العالمية بشكل مباشر أو غير مباشر، على الرغم من بقاء الاقتصاد الإماراتي قوياً لم يتأثر كثيراً بتلك الأزمة حينما كانت على أشدها، لذا فإن ما يجري من تعثر في قطاع اقتصاد دبي الاستثماري، ولا سيما في مجال العقارات، لا يعد خطراً حقيقياً يهدد الكيان الاقتصادي بأكمله.
::/introtext::
::fulltext::
لا يمكن فصل ما يجري في دبي من أزمة اقتصادية عن بعض آثار الأزمة المالية العالمية بشكل مباشر أو غير مباشر، على الرغم من بقاء الاقتصاد الإماراتي قوياً لم يتأثر كثيراً بتلك الأزمة حينما كانت على أشدها، لذا فإن ما يجري من تعثر في قطاع اقتصاد دبي الاستثماري، ولا سيما في مجال العقارات، لا يعد خطراً حقيقياً يهدد الكيان الاقتصادي بأكمله.
إن دولة الإمارات العربية المتحدة، ولا سيما إمارة دبي، طوت صفحات التاريخ الحضاري بسرعة متناهية، حتى ذهب البعض إلى إبداء مخاوفه من ذلك التنامي المتدفق لا سيما بعد ارتفاع أسعار النفط في السنوات الأخيرة، وتصميم قادة إمارة دبي على إرساء صرح اقتصادي عملاق فريد من نوعه في الشرق الأوسط، مع التأكيد على أن هذا الصرح لا يقف على رمال متحركة، أو قاعدة ضعيفة، إنما يستند إلى اقتصاد عملاق يعد من أهم اقتصادات الشرق الأوسط، ألا وهو اقتصاد الإمارات العربية المتحدة، ذلك الصرح الذي يبدو في نظر البعض قد سبق أوانه سواء من حيث التأسيس الحضاري أو الثقافي أو من حيث التأسيس الاقتصادي المؤسساتي ضمن رؤية سياسية تقوم على أساس استشراف المستقبل ضمن استراتيجية تنموية تأخذ في الاعتبار عملية التغير الاجتماعي الذي يبدو أقل سرعة من تطور الجانب المادي.
وعلى الرغم من وجاهة هذا الرأي في ما يتصل بعملية التحول الثقافي وتوقيته أي مدته الزمنية، إلا أن ذلك لا يؤشر إلى خلل سياسي أم تخطيطي حينما يكون الطموح الإماراتي وبوعي قادته، يعبر عن ضرورة ملحة بات يحتاجها المجتمع العربي بكامله وليس المجتمع الخليجي فقط وهي ضرورة الالتحام مع التطور المتسارع في الحضارة الإنسانية، إلا أن ولادة تجربة ضخمة على هذا المستوى في منطقة الشرق الأوسط لا بد أن تفرز العديد من الإشكاليات ولعل أبرزها ما يتصل بالنسق الثقافي السائد في المنطقة العربية، من حيث طرق التفكير وأنماط الإنتاج والآثار الاجتماعية الناجمة عن بعض أنماطه المتطورة وضرورة التعامل معها وفق معطيات ثقافة عربية متجددة وليس مقلدة وهو ما يدعو إلى بناء صرح اقتصادي ينتج ولا يقلد وفق نهضة علمية ينبغي الشروع ببنائها قبل التفكير في مرحلة لاحقة تدعم هذا الصرح الاقتصادي ألا وهي مرحلة التصنيع التي تستطيع التفاعل مع الثقافة العربية وتترجم سماتها وقيمها من أجل حفظ هويتها، وخلاف ذلك ستكون هناك أزمات اجتماعية وثقافية لا حد لها تفوق في خسارتها أي خسارة مادية لا سيما عندما تكون الخسارة في نسق القيم والثقافة، وفي هذا الجانب ينبغي أن يكون للإرادة السياسية حضورها الفاعل وفي لحظة حاسمة تضع في الحسبان كل المتغيرات سواء على الصعيد الإقليمي أو الدولي.
أولاً: السياسة المالية وإدارة الأزمة
تعد الأزمة في أي بلد قضية لها آثارها المباشرة أو غير المباشرة على مجمل الحياة فيه، ونظراً لما يمثله الاقتصاد من تأثير مباشر في ديمومة الحياة واتجاهاتها بل في حركة التاريخ بكل زمان ومكان، وقد حظي هذا باهتمام العلماء ومنهم ابن خلدون الذي أعطى العامل الاقتصادي أهمية كبيرة في حركة حياة الناس وتاريخهم الاجتماعي، كما اعتبره كارل ماركس المحرك الأول لعجلة التاريخ وما يحدث خلالها من صراع، وعندما تتصل المسألة باقتصاد دولة، كدولة الإمارات، وهي ليست كمثل سائر الدول النامية من حيث البنية الاقتصادية، أو المشكلات السياسية التي تقلق ساستها، فدولة الإمارات ولا سيما إمارة دبي تمتلك مقومات اقتصادية ضاربة في الأرض، بل هي من أكثر دول العالم طموحاً في بناء اقتصاد صلب يتعامل مع الحركة التجارية في الشرق الأوسط على أسس أكثر تطوراً سواء من حيث التقنية أو من حيث التدبير، كما أنها أكثر الدول سعياً إلى تقديم الدعم للشعوب التي تعاني من أزمات أو تتعرض لمشكلات طارئة. وإذا كانت الأزمة الاقتصادية في دبي قد ظهرت على السطح سريعاً، إنما جاءت نتيجة لطموح مشروع يسعى إلى بلوغ العالمية، وبالتالي لا بد أن يتعرض مثل هكذا مشروع إلى إشكاليات طارئة، لكنها لا ترقى إلى مستوى الإشكاليات أو الأزمات التي تطيح بنظام اقتصادي، لأن مثل هذه العقبات متوقعة في محيط اقتصاد عالمي يعاني من أزمة حقيقية، وأن أزمة دبي هي أزمة طارئة وتجاوزها تحت السيطرة لأن اقتصاد دولة الإمارات يعد من اقتصادات العالم العملاقة، فتاريخ نهضة دبي الاقتصادية وإنجازاتها الفريدة هي نفسها ضمان لنفسها لما تمتلك من قدرة مميزة في السياسة المالية وإدارة الأزمة بحكمة مستمدة من إرادة قادتها الذين يضعون أمام أعينهم بناء مرتكزات جديدة في المنطقة العربية وجعل دبي مركزاً تجارياً عالمياً يحظى باهتمام السوق العالمي لا سيما إذا كان الأمر يتعلق باستراتيجية دولة الإمارات العربية المتحدة في تأسيس نموذج اقتصادي إقليمي يحظى باهتمام العالم.
إمارة دبي قادرة على تجاوز الأزمة المالية لما تمتلك من حركة تجارية ذات شبكة متفاعلة مع العالم
لذا فإن النهوض من هذه الكبوة مسألة وقت لا سيما أن اهتمام قادة الدولة ومنهم قادة إمارة دبي أخذ يتفاعل من أجل إيجاد الحلول المناسبة مستمدين قوة إرادتهم السياسية من تراثهم الثقافي الذي ينطوي على قدرة فائقة في التضامن والتكاتف بين الأشقاء، وهي سمة محط تقدير العالم أجمع، ومع هذا فإن القدرات الذاتية وحسن إدارة الأزمة تكون قادرة على الخروج من الأزمة عاجلاً وليس آجلاً، حيث يشير موقع منتدى الإمارات الاقتصادي إلى أن دولة الإمارات التي تعاملت مع الأزمة المالية العالمية بحكمة وبروح الابتكار، فإنها على مستوى السياسات النقدية ضخت سيولة لانتعاش أسواق الائتمان ودعم القطاع المصرفي لتجنيب اقتصادها آثار الأزمة المالية العالمية في حينه، أما على مستوى السياسة المالية، وعلى الرغم من إعلان دبي عن ميزانية تنطوي على عجز، إلا أن هذا العجز يعد الأول منذ ست سنوات مضت، إذ سجلت خلال تلك الحقبة فوائض بلغ متوسطها بين 5-6 في المائة بين الناتج المحلي الإجمالي. وهذا يشير إلى أن حالة الاقتصاد الإماراتي تتسم بالقوة والعافية كما أنه مؤشر إيجابي تنعكس محصلاته على اقتصاد إمارة دبي بما يمكنها من تجاوز الأزمة، وأن ذلك مرتبط بإجراء سياسة مالية قائمة على حقائق ومبادئ علمية، بما يمكّن الإمارة من إدارة الأزمة وفق رؤية علمية وعقلانية من دون تعجل أو يأس وهو أمر لا يمكن أن يخرج عن عقلانية قادة الإمارات في إدارة الأزمة وبما يكسب قادة مخططي التنمية تجربة غنية في تجاوز أزمات المستقبل، التي ينبغي أن يحسب لها ألف حساب مع التأكيد على أن أي نهضة اقتصادية لا تنفصل عن النهضة الثقافية التي ينبغي أن تبنى وفق رؤى متجددة بحيث يجعل التفاعل بين العقل والإنجاز مسألة ضرورية من أجل الانتقال إلى الحضرية بكل شروطها الثقافية والصناعية والتخطيطية.
ثانياً: الأزمة الاقتصادية وأبعادها الثقافية
لا يمكن النظر إلى الجانب المادي من الناحية الثقافية خارج إطار الجانب المعنوي أو الاجتماعي، حيث يعد الأخير جانباً حيوياً من حركة المجتمع، وطالما اعتبر تطور الجنس البشري يتم من خلال تحول في الجوانب الاقتصادية والثقافية خلال التاريخ، وما تم طرحه من نظريات اجتماعية وأنثروبولوجية واقتصادية في القرن التاسع عشر مرتبط بما كان شائعاً بأن التطور الإنساني يكون وفق خط ارتقائي، فإن النظريات العلمية اللاحقة في هذا المجال خالفت تلك الفرضية، حينما اعتبرت التغير والتطور الاجتماعي يرتبطان بظروف ذلك المجتمع من حيث البناء والوظيفة وبصيغ يتفاعل معها المجتمع وفق طبيعة أنساقه من التغير والتفاعل والتأثير المتبادل بين أجزائه.
تاريخ نهضة دبي الاقتصادية وإنجازاتها الفريدة هي نفسها ضمان لنفسها
ولذلك فإن الرؤية التي يعتمد عليها في عالم متغير ينبغي أن تكون على قاعدة جديدة من التصورات تأخذ في الاعتبار الإمكانات المتوفرة لذلك المجتمع في مجال الاقتصاد والاتصال والعلم والتخطيط في بناء تجربة مميزة وهذا ما يحصل لدولة الإمارات بشكل عام وإمارة دبي بشكل خاص، والشاهد على ذلك التطور والتقدم الحضاري الذي تحقق في زمن قياسي قلّ نظيره في التاريخ البشري، الأمر الذي يجعل بناء إطار نظري يفسر مثل هذه القفزات النوعية في حياة المجتمعات البشرية في غاية الأهمية. ولذلك ينبغي النظر إلى الأزمة الاقتصادية على أنها ناتج تجربة ضخمة جديدة، في مجتمع استطاع أن يحقق إنجازات باهرة ويوظف عائدات النفط خدمة لقضايا الإنسان ونقله من حالة الفقر والبؤس إلى حالة الرفاهية ونقل المجتمع من حالة المحلية إلى حالة العالمية مما يجعل لذلك أبعاداً ثقافية واجتماعية يتطلب معها إجراء دراسات مسحية عما ينجم من تفاعلاتها من آثار وبلورة رؤية جديدة في التعامل معها من أجل تبديد الشائعات والتكهنات إزاء هذه الأزمة وآثارها في المجتمع. وهو ما لا يمكن أن يتحقق من دون وعي اجتماعي بأهمية الأزمة من جهة وتأسيس قاعدة علمية ابتكارية تتبعها نهضة صناعية عمادها الإنسان الإماراتي بحيث يستطيع أن يمتلك المبادرة والمواجهة لأي تحد مستقبلي.
ثالثاً: الإرادة السياسية وتجاوز الأزمة
لا شك في أن الإرادة السياسية لقادة دولة الإمارات، ومنهم قادة دبي، سيكون لها دورها الإيجابي في تجاوز الأزمة الاقتصادية الحالية، ولا شك أيضاً في أن هذه الإرادة قادرة على اتخاذ قرارات مهمة مستندة إلى دراسات اقتصادية ومعطيات سياسية متفاعلة في الساحة الخليجية والإقليمية والعالمية، تجعل هذه الأزمة، وليس كما يصورها البعض على أنها تهدد بانهيار اقتصادي يصعب إصلاحه، بمثابة تجربة وناتج جهد فريد في العالم في مجال الأعمال والاستثمار فاق التصورات وحتى القدرات المحلية لكثير من بلدان العالم. فالطموح المتسارع والرغبة في الظهور كقوة اقتصادية مميزة في منطقة الشرق الأوسط جاءا في ظروف هيأها ارتفاع عائدات النفط من جهة، ودفعت إليها رغبة دبي في تكوين نموذج اقتصادي عالمي يربط الشرق بالغرب، وتأثر ذلك في زمن لاحق بما عاناه العالم من أزمته المالية الخانقة.

وعلى الرغم من كون دولة الإمارات قد تعاملت بحكمة مع تلك الأزمة واستطاعت من خلال سياستها النقدية ضخ الأموال وإنقاذ المصارف وإنعاش أسواق الائتمان إلا أن حجم الأزمة المالية العالمية وتداعياتها على المستويات كافة أوجد نوعاً من الارتباك في وقت تصاعدت فيه طموحات دبي إلى تنفيذ خططها في ظروف صعبة مما جعل الحاجة قائمة إلى تدخل الدولة وبإرادة سياسية واعية مستندة إلى رؤية معمقة قائمة على أساس مراجعة نقدية لما حصل من تداعيات تخص ديون شركاتها، حكومية أو غير حكومية عملاقة، إلا أن مميزات اقتصاد دبي ولا سيما ما يخص حركتها التجارية ذات العائد الاقتصادي الكبير، فضلاً عما تمتلكه البلاد من قدرات نفطية واستثماراتها الهائلة في الخارج ستساعدها على تجاوز الأزمة وبتصميم إرادة سياسية على إخراج الاقتصاد من أزمته لا سيما أن العرف الثقافي الخليجي يعمل على شد التلاحم بين أبناء الإمارة والإمارات الأخرى في الدولة، الأمر الذي يجعلها أكثر قدرة على إيجاد ظروف إنتاج قائمة على الابتكار الوطني المتفاعل مع التجارب المتطورة في العالم وهو ما يمكن أن يكون جزءاً من الاستراتيجية التي تضعها هذه الدول للأجيال القادمة ولا سيما في مجال إيجاد بدائل طاقة أخرى عن النفط وهو ما تسعى إليه دولة الإمارات في مجال إنتاج الطاقة النووية السلمية أو في إيجاد مركز تجاري عالمي بمواصفات عالمية يكون قادراً على تكوين منطقة جذب عالمي تفوق أي بقعة أخرى في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار ينبغي التأكيد على أن إمارة دبي نفسها قادرة على تجاوز تلك الأزمة لما تمتلك من حركة تجارية ذات شبكة متفاعلة مع العالم، وفي هذا المجال لا يمكن إغفال متانة البنك المركزي الإماراتي وقدرته على دفع هذه الأزمة والخروج من آثارها وهو ما يمكن أن يتم وفق دراسة علمية عقلانية مع توافر إرادة سياسية واضحة.
::/fulltext::
::cck::847::/cck::
