مستقبل اقتصادات دول مجلس التعاون في ظل الأزمة المالية العالمية
::cck::846::/cck::
::introtext::
أنهت الأزمة المالية العالمية طفرة اقتصادية دعمتها عائدات النفط والعقارات في أكبر منطقة للنفط في العالم تتربع على ثلثي احتياطيات النفط و45 في المائة من احتياطيات الغاز، ورغم أن عدد السكان لا يزيد على 40 مليون نسمة، إلا أنها تعاني من مشكلات اقتصادية تتعلق بالبطالة بعد تحولات اقتصادية لم تتمكن من إعادة هيكلة اقتصاداتها بما تتطلبه المرحلة الجديدة.
::/introtext::
::fulltext::
أنهت الأزمة المالية العالمية طفرة اقتصادية دعمتها عائدات النفط والعقارات في أكبر منطقة للنفط في العالم تتربع على ثلثي احتياطيات النفط و45 في المائة من احتياطيات الغاز، ورغم أن عدد السكان لا يزيد على 40 مليون نسمة، إلا أنها تعاني من مشكلات اقتصادية تتعلق بالبطالة بعد تحولات اقتصادية لم تتمكن من إعادة هيكلة اقتصاداتها بما تتطلبه المرحلة الجديدة.
يشكل القطاع المالي نصف السوق الخليجية القابلة للاستثمار، وقد نجا هذا القطاع من أزمة الائتمان العالمية بشكل يثير الإعجاب لأن البنوك اتخذت تحوطات كبيرة وكبحت جماح الإقراض، وتختلف اقتصادات دول الخليج عن غيرها فقد استفادت من ارتفاع أسعار المواد الهيدركربونية في الآونة الأخيرة إلى مراكمة احتياطيات ضخمة تزيد على 1000 مليار دولار.
وتركز دول الخليج الآن في الإنفاق على مشاريع البنية التحتية في الأعوام المقبلة لأن دول مجلس التعاون الخليجي دول حديثة النشأة وتنقصها بنية تحتية قد تتكلف مبالغ طائلة وهي سبب من الأسباب الرئيسية التي أجلت عمليات التنمية، وكانت طاردة للاستثمارات الأجنبية إلى دول أخرى.
معظم النمو الاقتصادي في المنطقة كانت تحركه السوق العقارية
ورغم أزمة تأجيل ديون دبي السيادية وشبه السيادية إلا أن هناك دولاً مثل السعودية وقطر وإمارة أبوظبي والكويت، تمتلك دعائم هيكلية وأساسية تقوم عليها أسواقها يمكن أن ترسم صورة مختلفة وجذابة لمستثمري الأجل الطويل، لأن دول المجلس تعتزم إنفاق ما لا يقل عن 2000 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية بهدف جذب الاستثمار الأجنبي الذي تقل مستوياته في دول الخليج عن 4 في المائة، بينما في دول ناشئة أخرى يتراوح الاستثمار الأجنبي بين 40 و60 في المائة.
لذلك يتوقع أن تتهيأ الشركات الإقليمية والعالمية إلى المشاركة بصورة تامة في طفرة البنية التحتية المستمرة وفي الوقت نفسه تكون سبباً في جذب الشركات العالمية كي تستفيد من مميزات هيكلية رئيسية كالضرائب المتدنية أو المعدومة ومن رخص مواد اللقيم، كالغاز الطبيعي بالنسبة لشركات البتروكيماويات.
ويشكل مستثمرو التجزئة في دول الخليج حتى الآن الجزء الأكبر من حجم الاستثمار الإقليمي مستفيداً من استثمار حكومات الخليج في إنفاق فوائضها في الأسواق المحلية، ويتعزز هذا التدفق بمستثمري التجزئة الذين يمولون استثماراتهم بالدين مما يتوجب على حكومات دول الخليج أن تعيد بشكل منتظم استثمار فوائضها في الأسواق المحلية.
وتعاني دول الخليج أصلاً من (المجموعات العائلية) التي تعمل على نحو تفتقر فيه إلى الشفافية بسبب وجود مصالح متقاطعة، وبسبب ذلك واجهت دول الخليج كثيراً من المشكلات والمتاعب خصوصاً بعدما توسعت بشكل غير مدروس وغير مجد وإن كان بعضها يدار من قبل مغتربين تمكنوا من إيصال هذه الشركات إلى مستويات جيدة تثير الدهشة نتيجة لإعادة هيكلتها وتطبيقها الشفافية، إلا أن عدداً كبيراً من الشركات ما زال غير متعود على متطلبات المستثمرين المحليين والأجانب.
لهذا ينبغي أن تتضاعف التدفقات الأجنبية، وتصبح أكثر رسوخاً عندما تنتقل هذه الأسواق بصورة تدريجية إلى السير مع التيار العالمي السائد. وتوقع تقرير صادر عن (الأونكتاد) أن التدفقات الاستثمارية العالمية المباشرة ستصل إلى 1,4 تريليون مع نهاية عام 2009 بعد أن كان مقدراً لها 1,2 تريليون دولار مقارنة بـ 1,7 تريليون دولار عام 2008، وسجلت الدول النامية والدول التي تمر بمرحلة انتقالية 43 في المائة عام 2008، وهذا التغيير في نمط التدفق للاستثمار الأجنبي العالمي المباشر راجع إلى الانخفاض الكبير في التدفقات الاستثمارية للدول المتقدمة بنحو 29 في المائة عام 2008 والذي لم تشترك فيه الدول الخليجية بشكل واضح، ومع ذلك ظلت الولايات المتحدة أكبر البلدان المتلقية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم تليها فرنسا ثم الصين والمملكة المتحدة والاتحاد الروسي، بينما كان نصيب دول الخليج عام 2008 نحو 63,4 مليار دولارفقط استحوذت السعودية والإمارات على نحو ثلثي هذا الاستثمار.
إن أسواق الخليج ستظل تحت الضغط في المدى القصير، حتى تخفت تداعيات أزمة ديون دبي التي هي إحدى نتائج الأزمة المالية العالمية.
وقد أثبتت قمة دول مجلس التعاون الـ (30) في الكويت أن ما يجمع شعوب المنطقة وقياداتها أكثر مما يفرقها وأغلبها دول ذات مساحات صغيرة وكثافة سكانية قليلة وثروة نفطية غزيرة تدرك أنها مطمع للطامعين الكبار سواء من أفيال المنطقة أو من وراء البحار، تعتبر أسباباً كافية لتلاحم هذه الدول وليس المطلوب (النتائج) بل مطلوب التعاون في الحد الأدنى والذي يجب أن يعتمد على الأساسيات الأمنية بكل مفردات الأمن.
السعودية والإمارات تستحوذان على نحو ثلثي الاستثمار الأجنبي في دول مجلس التعاون
وتأمل شعوب المنطقة بأن تنتقل دولهم من مرحلة التعاون إلى مرحلة التكامل ثم الاندماج، فالوحدة تتحقق من خلال تحقق المواطنة الخليجية التي تنوي دول الخليج استكمال بناء مشاريعها الاستراتيجية مثل قيام البنك المركزي، العملة الموحدة، والاتحاد الجمركي إلى جانب مشاريع حيوية مثل الربط الكهربائي ومشروع شبكة الغاز ومشروع القطار ومشروع الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ولم يكن الجانب الأمني في الخليج والوضع السياسي في المنطقة غائبين عن القمم الخليجية مؤخراً إلا أن الملف الاقتصادي أصبح دائماً الأبرز والذي بات يرفع سقف طموح المجلس إلى التقارب وتحقيق أعلى درجة من المواطنة الخليجية التي تساوي بين مواطني الدول الأعضاء في التنقل والحق الوظيفي والاستثماري وحقوق التقاعد والتأمين الاجتماعي حينها تقدم دول المجلس على اتخاد تدابير أمنية مشتركة.
إن مستقبل الاقتصاد الخليجي بحاجة إلى قوانين تحدد الميزة النسبية لكل دولة حتى يضمن المستثمر الخليجي الحد الأدنى من نجاح مشروعه في المنطقة، وحتى لا يفاجأ بمشاريع مماثلة تزيد على حاجة السوق في دولة خليجية مجاورة، وتصبح العلاقة تنافسية بدلاً من أن تكون تكاملية، فإن وجود مثل هذه القوانين سيعمل على تحريك الرساميل والكوادر الخليجية داخل دول مجلس التعاون بدلاً من هجرتها خارج المنطقة في حال غابت قوانين المقاربة.
فمشكلة أزمة ديون دبي مثلاً ناتجة عن غياب التنسيق الخليجي وأيضاً غياب قوانين متقاربة وكذلك غياب مرجعية مشتركة تتمثل في إنشاء محكمة خليجية يمكن رجوع دول المنطقة إليها عند حدوث اختلاف حول عدد من المواضيع المشتركة.
وقد سبقت أزمة ديون دبي عجز المجموعتين العائليتين السعوديتين عن سداد ديون تبلغ 20 مليار دولار، ثم أتت أزمة ديون دبي وإن كان يبدو أن 80 مليار دولار لا تعتبر شيئاً مقارنة بخسائر أزمة الإسكان الأمريكية بعد شطب تريليون دولار ومثلها سيتم شطبها الآن، لكن المبلغ كبير بالنسبة لدول الخليج، والقضية ليست في خسارة المستثمرين أموالهم بقدر ما تخسر المنطقة الثقة التي تعرضت لضربة، والتي يتوقع أن يجف معها معين إقراض القطاع العقاري تماماً، وهو أمر خطير كون معظم النمو الاقتصادي في المنطقة كانت تحركه السوق العقارية، وسيكون الأثر في حكومات المنطقة وكيانات الثروة السيادية المرتبطة بهذه الأزمة قصير الأجل خصوصاً في ما يتعلق بطرق أبواب أسواق رأس المال من أجل جمع أموال. لكن لا تتوقع وكالات التصنيف العالمية مثل (موديز) أن تكون الآثار محدودة جداً على مستوى النظام ككل في أي من بلدان الخليج، لكن المؤسسات الإسلامية التي حقق كثير منها نمواً سريعاً على أكتاف الاستثمارات العقارية التي حذر منها كثير من الوكالات العالمية منذ أمد بعيد أكدت أن المنطقة مكشوفة على الاستثمارات العقارية في شكل صكوك إسلامية، وخاصة في دبي، وسيلقي طلب دبي إعادة هيكلة ديونها بظلال من الشك على استخدام السندات الإسلامية أو الصكوك كوسيلة ذات صدقية لجمع الأموال.
وقد أدت أزمة ديون دبي إلى إلغاء العديد من المشاريع المقرر إنشاؤها ومنها مشروع القبة الجليدية وهي جزء من ضاحية ترفيهية فاخرة للغاية كان منتظراً أن تكون أكبر من مدينة أورلاندو ومنافسة لمثيلاتها، وجرى كذلك إلغاء مشروع قناة الخليج العربي بتكلفة 11 مليار دولار وبطول 75 كيلو متراً، وكان مقرراً أن تحيط بمدينة دبي.
ويرى البعض أن المقومات التي تجعل من دبي مركزاً مالياً لربع العالم بين سنغافورة وفرانكفورت غير متحققة حالياً لأن القطاع المالي لا يمثل سوى 11 في المائة من حجم الاقتصاد بينما هونغ كونغ تمثل سادس أكبر سوق في العالم.
وإن كان المحللون يرون أن أزمة دبي في الأجل الطويل تجعل منافسة دبي أكثر جاذبية وتحول الشركات الدولية إلى دول خليجية أخرى، لكن دول الخليج لا تريد تنافساً بقدر ما تريد تكاملاً واندماجاً، وأن يغرد الجميع في سرب واحد، والآن هي فرصة دبي لتقليص علاقاتها التجارية مع إيران بعدما كانت تقيم علاقات تجارية معها المنظومة الخليجية لأن إيران تحتل الجزر الإماراتية، وتصر على امتداد نفوذها في العراق وفي بقية دول الخليج، إذ إن تقليص هذه العلاقات سيعزز من أواصر الوحدة الإماراتية وكذلك الوحدة الخليجية.
والحقيقة أن أزمة ديون دبي تسببت في اضطراب عالمي إلا أن المملكة العربية السعودية حافظت على مركزها كأكبر سوق منفردة لصادرات دبي ضمن دول مجلس التعاون بزيادة 22 في المائة في الاثني عشر شهراً الماضية عن الفترة المماثلة لها من العام الذي سبقه، وشكلت صادرات دبي إلى دول المجلس 45 في المائة من إجمالي صادرات دبي والبالغة 167.6 مليار درهم حتى نهاية نوفمبر 2009 أقل بنسبة 18,7 في المائة عن الفترة نفسها في عام 2008 والبالغة 206,2 مليار درهم.
وحتى العشرة مليارات دولار التي قدمتها أبوظبي إلى جارتها دبي تغري المشترين من خارج دبي للعودة إلى الإمارة حتى أواخر عام 2011 أو بعد ذلك، لأن تلك العقارات تستهدف الأجانب المستثمرين الذين يتواجدون حيث تتواجد الفرص ويذهبون مع ذهابها.
وكانت العقارات في دبي تعاني جراء الأزمة المالية العالمية قبل فترة طويلة من سعي مجموعة دبي العالمية لإعادة جدولة ديونها البالغة 26 مليار دولار، والآن حولت أزمتها آمال الانتعاش إلى مخاوف من حدوث انهيار ثان في قيم رؤوس الأموال بعدما هوت الأسعار بنحو 50 في المائة من الذروة التي بلغتها في أواخر عام 2008. فالمشكلة إذن تكمن في زيادة المعروض ومن المتوقع أن يستمر تراجع أسعار العقارات، وأصبح شبح نوبة جديدة من عمليات البيع بأثمان زهيدة يواصل ملاحقة السوق ما يقلل من أثر حزمة الإنقاذ السخية التي قدمتها أبوظبي ما لم تشترك دول الخليج قاطبة في إنقاذ الوضع من أجل امتصاص زيادة المعروض.
ولا بد أن تأخذ دول الخليج الدرس من الأزمة المالية العالمية التي تسببت في أزمة دبي العقارية القائمة على المديونية الهائلة نتيجة لعملية توسع جريئة شهدتها دبي في الأعوام الأخيرة، فقد تبنت دبي استراتيجية جريئة للتنويع، لكنها انجرفت مع النجاح الذي حققته، فأسست بيئة عمل تقوم على التنافس الشديد، وتم تمويل كثير من مشاريعها بالدين ولذلك كانت المخاطر واردة على الدوام، وأخذت الشركات الاستثمارية والعقارية تنافس بعضها بعضاً، وقامت بعدئذ بتأسيس شركات تابعة لها على غرار الشركات المتعددة الجنسيات، لكن كانت تتجه نحو التنافس الشديد فيما بينها على العكس من الشركات المتعددة الجنسيات والتي تتجه عادة نحو نموذج موحد وهو ما أوجد صعوبة في اندماج تلك الشركات بعد الأزمة الأخيرة بسبب تعثر سداد ديونها في الوقت المحدد وطلب إعادة هيكلتها.
فأول ما ضربت الأزمة المالية العالمية السوق العقارية التي كانت من أولى ضحاياها، وفي تقرير حديث لبنك (HSBC) الذي أفاد بأن هذه السوق خسرت 50 في المائة من قيمتها ما عرّض نوعية موجودات البنوك للخطر، فأصبحت دبي مركزاً مالياً لكنه عاجز عن سداد ديونه، فنموذجا هونغ كونغ وسنغافورة يعتمدان بشكل كبير على حد أدنى من التدخل الحكومي، بينما اعتمد نموذج دبي على الدولة وعلى الحكومة كمحرك رئيسي للنشاط الاقتصادي، وهنا تداخلت رغبة الدولة في بناء صرح اقتصادي من خلال بناء المعجزات مع انخفاض في الجدوى والقيمة الاقتصادية من بنائها. فالأزمة المالية العالمية هي اختبار لهذا النموذج المرتبط بالتدخل الحكومي في حين أن النموذجين سنغافورة وهونغ كونغ هما نتاج حراك ومشاركة سياسية للمواطن هناك.
لكن تظل دبي تحتفظ بمتانة الأسس التي يقوم عليها اقتصادها وارتفاع قدراتها التنافسية مقارنة بكثير من دول المنطقة وهي نتاج مجموعة من عوامل الجذب التي تتمتع بها بيئة الأعمال في دبي وتوافر البنية التحتية العصرية وارتفاع مرتبتها على سلم التنافسية العالمية، ونجحت دولة الإمارات عبر مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي في تخطي حاجز الـ 60 في المائة مما يقلل من آثار انخفاض العوائد النفطية.
ويمكن لدول مجلس التعاون أن تشارك في معالجة أزمة ديون دبي كمشكلة خليجية وليس بهدف فرض قيود على استقلالية دبي لاستعادة مكانتها ضمن منظومة دول الخليج، ويصبح الكبير مسؤولاً عن حماية أخيه الصغير، وفي المقابل يعترف الصغير بمكانة وحجم أخيه الكبير من أجل أن تستمر مسيرة مجلس التعاون الخليجي القائمة على أسس متينة تقودها نحو التكامل والاندماج بدلاً من التنافس الضار بدول المجلس، لأن دول الخليج لا تحتمل هذا التنافس الذي يتسبب في تجزئة اقتصاداتها، وتصبح غير قادرة على مواجهة تحديات الانفتاح الاقتصادي الذي عادة ما تلجأ فيه الدول إلى التكتلات الاقتصادية كي تبقى وتزداد قوتها، وهي فرصة حتى تتمتع الاستثمارات الخليجية ببعد خليجي خصوصاً مع زيادة الفرص الاستثمارية المجدية، والتركيز على تنمية الاقتصاد الحقيقي مثل الصناعة والخدمات الإنتاجية، والتدرج في تطبيق سياسات التحرر الاقتصادية والاندماج في الاقتصاد العالمي، وضبط إيقاعها مع تنامي طاقات القطاعات الإنتاجية وتحسين قدرتها التنافسية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::846::/cck::
::introtext::
أنهت الأزمة المالية العالمية طفرة اقتصادية دعمتها عائدات النفط والعقارات في أكبر منطقة للنفط في العالم تتربع على ثلثي احتياطيات النفط و45 في المائة من احتياطيات الغاز، ورغم أن عدد السكان لا يزيد على 40 مليون نسمة، إلا أنها تعاني من مشكلات اقتصادية تتعلق بالبطالة بعد تحولات اقتصادية لم تتمكن من إعادة هيكلة اقتصاداتها بما تتطلبه المرحلة الجديدة.
::/introtext::
::fulltext::
أنهت الأزمة المالية العالمية طفرة اقتصادية دعمتها عائدات النفط والعقارات في أكبر منطقة للنفط في العالم تتربع على ثلثي احتياطيات النفط و45 في المائة من احتياطيات الغاز، ورغم أن عدد السكان لا يزيد على 40 مليون نسمة، إلا أنها تعاني من مشكلات اقتصادية تتعلق بالبطالة بعد تحولات اقتصادية لم تتمكن من إعادة هيكلة اقتصاداتها بما تتطلبه المرحلة الجديدة.
يشكل القطاع المالي نصف السوق الخليجية القابلة للاستثمار، وقد نجا هذا القطاع من أزمة الائتمان العالمية بشكل يثير الإعجاب لأن البنوك اتخذت تحوطات كبيرة وكبحت جماح الإقراض، وتختلف اقتصادات دول الخليج عن غيرها فقد استفادت من ارتفاع أسعار المواد الهيدركربونية في الآونة الأخيرة إلى مراكمة احتياطيات ضخمة تزيد على 1000 مليار دولار.
وتركز دول الخليج الآن في الإنفاق على مشاريع البنية التحتية في الأعوام المقبلة لأن دول مجلس التعاون الخليجي دول حديثة النشأة وتنقصها بنية تحتية قد تتكلف مبالغ طائلة وهي سبب من الأسباب الرئيسية التي أجلت عمليات التنمية، وكانت طاردة للاستثمارات الأجنبية إلى دول أخرى.
معظم النمو الاقتصادي في المنطقة كانت تحركه السوق العقارية
ورغم أزمة تأجيل ديون دبي السيادية وشبه السيادية إلا أن هناك دولاً مثل السعودية وقطر وإمارة أبوظبي والكويت، تمتلك دعائم هيكلية وأساسية تقوم عليها أسواقها يمكن أن ترسم صورة مختلفة وجذابة لمستثمري الأجل الطويل، لأن دول المجلس تعتزم إنفاق ما لا يقل عن 2000 مليار دولار على مشاريع البنية التحتية بهدف جذب الاستثمار الأجنبي الذي تقل مستوياته في دول الخليج عن 4 في المائة، بينما في دول ناشئة أخرى يتراوح الاستثمار الأجنبي بين 40 و60 في المائة.
لذلك يتوقع أن تتهيأ الشركات الإقليمية والعالمية إلى المشاركة بصورة تامة في طفرة البنية التحتية المستمرة وفي الوقت نفسه تكون سبباً في جذب الشركات العالمية كي تستفيد من مميزات هيكلية رئيسية كالضرائب المتدنية أو المعدومة ومن رخص مواد اللقيم، كالغاز الطبيعي بالنسبة لشركات البتروكيماويات.
ويشكل مستثمرو التجزئة في دول الخليج حتى الآن الجزء الأكبر من حجم الاستثمار الإقليمي مستفيداً من استثمار حكومات الخليج في إنفاق فوائضها في الأسواق المحلية، ويتعزز هذا التدفق بمستثمري التجزئة الذين يمولون استثماراتهم بالدين مما يتوجب على حكومات دول الخليج أن تعيد بشكل منتظم استثمار فوائضها في الأسواق المحلية.
وتعاني دول الخليج أصلاً من (المجموعات العائلية) التي تعمل على نحو تفتقر فيه إلى الشفافية بسبب وجود مصالح متقاطعة، وبسبب ذلك واجهت دول الخليج كثيراً من المشكلات والمتاعب خصوصاً بعدما توسعت بشكل غير مدروس وغير مجد وإن كان بعضها يدار من قبل مغتربين تمكنوا من إيصال هذه الشركات إلى مستويات جيدة تثير الدهشة نتيجة لإعادة هيكلتها وتطبيقها الشفافية، إلا أن عدداً كبيراً من الشركات ما زال غير متعود على متطلبات المستثمرين المحليين والأجانب.
لهذا ينبغي أن تتضاعف التدفقات الأجنبية، وتصبح أكثر رسوخاً عندما تنتقل هذه الأسواق بصورة تدريجية إلى السير مع التيار العالمي السائد. وتوقع تقرير صادر عن (الأونكتاد) أن التدفقات الاستثمارية العالمية المباشرة ستصل إلى 1,4 تريليون مع نهاية عام 2009 بعد أن كان مقدراً لها 1,2 تريليون دولار مقارنة بـ 1,7 تريليون دولار عام 2008، وسجلت الدول النامية والدول التي تمر بمرحلة انتقالية 43 في المائة عام 2008، وهذا التغيير في نمط التدفق للاستثمار الأجنبي العالمي المباشر راجع إلى الانخفاض الكبير في التدفقات الاستثمارية للدول المتقدمة بنحو 29 في المائة عام 2008 والذي لم تشترك فيه الدول الخليجية بشكل واضح، ومع ذلك ظلت الولايات المتحدة أكبر البلدان المتلقية للاستثمار الأجنبي المباشر في العالم تليها فرنسا ثم الصين والمملكة المتحدة والاتحاد الروسي، بينما كان نصيب دول الخليج عام 2008 نحو 63,4 مليار دولارفقط استحوذت السعودية والإمارات على نحو ثلثي هذا الاستثمار.
إن أسواق الخليج ستظل تحت الضغط في المدى القصير، حتى تخفت تداعيات أزمة ديون دبي التي هي إحدى نتائج الأزمة المالية العالمية.
وقد أثبتت قمة دول مجلس التعاون الـ (30) في الكويت أن ما يجمع شعوب المنطقة وقياداتها أكثر مما يفرقها وأغلبها دول ذات مساحات صغيرة وكثافة سكانية قليلة وثروة نفطية غزيرة تدرك أنها مطمع للطامعين الكبار سواء من أفيال المنطقة أو من وراء البحار، تعتبر أسباباً كافية لتلاحم هذه الدول وليس المطلوب (النتائج) بل مطلوب التعاون في الحد الأدنى والذي يجب أن يعتمد على الأساسيات الأمنية بكل مفردات الأمن.
السعودية والإمارات تستحوذان على نحو ثلثي الاستثمار الأجنبي في دول مجلس التعاون
وتأمل شعوب المنطقة بأن تنتقل دولهم من مرحلة التعاون إلى مرحلة التكامل ثم الاندماج، فالوحدة تتحقق من خلال تحقق المواطنة الخليجية التي تنوي دول الخليج استكمال بناء مشاريعها الاستراتيجية مثل قيام البنك المركزي، العملة الموحدة، والاتحاد الجمركي إلى جانب مشاريع حيوية مثل الربط الكهربائي ومشروع شبكة الغاز ومشروع القطار ومشروع الاستخدام السلمي للطاقة النووية، ولم يكن الجانب الأمني في الخليج والوضع السياسي في المنطقة غائبين عن القمم الخليجية مؤخراً إلا أن الملف الاقتصادي أصبح دائماً الأبرز والذي بات يرفع سقف طموح المجلس إلى التقارب وتحقيق أعلى درجة من المواطنة الخليجية التي تساوي بين مواطني الدول الأعضاء في التنقل والحق الوظيفي والاستثماري وحقوق التقاعد والتأمين الاجتماعي حينها تقدم دول المجلس على اتخاد تدابير أمنية مشتركة.
إن مستقبل الاقتصاد الخليجي بحاجة إلى قوانين تحدد الميزة النسبية لكل دولة حتى يضمن المستثمر الخليجي الحد الأدنى من نجاح مشروعه في المنطقة، وحتى لا يفاجأ بمشاريع مماثلة تزيد على حاجة السوق في دولة خليجية مجاورة، وتصبح العلاقة تنافسية بدلاً من أن تكون تكاملية، فإن وجود مثل هذه القوانين سيعمل على تحريك الرساميل والكوادر الخليجية داخل دول مجلس التعاون بدلاً من هجرتها خارج المنطقة في حال غابت قوانين المقاربة.
فمشكلة أزمة ديون دبي مثلاً ناتجة عن غياب التنسيق الخليجي وأيضاً غياب قوانين متقاربة وكذلك غياب مرجعية مشتركة تتمثل في إنشاء محكمة خليجية يمكن رجوع دول المنطقة إليها عند حدوث اختلاف حول عدد من المواضيع المشتركة.
وقد سبقت أزمة ديون دبي عجز المجموعتين العائليتين السعوديتين عن سداد ديون تبلغ 20 مليار دولار، ثم أتت أزمة ديون دبي وإن كان يبدو أن 80 مليار دولار لا تعتبر شيئاً مقارنة بخسائر أزمة الإسكان الأمريكية بعد شطب تريليون دولار ومثلها سيتم شطبها الآن، لكن المبلغ كبير بالنسبة لدول الخليج، والقضية ليست في خسارة المستثمرين أموالهم بقدر ما تخسر المنطقة الثقة التي تعرضت لضربة، والتي يتوقع أن يجف معها معين إقراض القطاع العقاري تماماً، وهو أمر خطير كون معظم النمو الاقتصادي في المنطقة كانت تحركه السوق العقارية، وسيكون الأثر في حكومات المنطقة وكيانات الثروة السيادية المرتبطة بهذه الأزمة قصير الأجل خصوصاً في ما يتعلق بطرق أبواب أسواق رأس المال من أجل جمع أموال. لكن لا تتوقع وكالات التصنيف العالمية مثل (موديز) أن تكون الآثار محدودة جداً على مستوى النظام ككل في أي من بلدان الخليج، لكن المؤسسات الإسلامية التي حقق كثير منها نمواً سريعاً على أكتاف الاستثمارات العقارية التي حذر منها كثير من الوكالات العالمية منذ أمد بعيد أكدت أن المنطقة مكشوفة على الاستثمارات العقارية في شكل صكوك إسلامية، وخاصة في دبي، وسيلقي طلب دبي إعادة هيكلة ديونها بظلال من الشك على استخدام السندات الإسلامية أو الصكوك كوسيلة ذات صدقية لجمع الأموال.
وقد أدت أزمة ديون دبي إلى إلغاء العديد من المشاريع المقرر إنشاؤها ومنها مشروع القبة الجليدية وهي جزء من ضاحية ترفيهية فاخرة للغاية كان منتظراً أن تكون أكبر من مدينة أورلاندو ومنافسة لمثيلاتها، وجرى كذلك إلغاء مشروع قناة الخليج العربي بتكلفة 11 مليار دولار وبطول 75 كيلو متراً، وكان مقرراً أن تحيط بمدينة دبي.
ويرى البعض أن المقومات التي تجعل من دبي مركزاً مالياً لربع العالم بين سنغافورة وفرانكفورت غير متحققة حالياً لأن القطاع المالي لا يمثل سوى 11 في المائة من حجم الاقتصاد بينما هونغ كونغ تمثل سادس أكبر سوق في العالم.
وإن كان المحللون يرون أن أزمة دبي في الأجل الطويل تجعل منافسة دبي أكثر جاذبية وتحول الشركات الدولية إلى دول خليجية أخرى، لكن دول الخليج لا تريد تنافساً بقدر ما تريد تكاملاً واندماجاً، وأن يغرد الجميع في سرب واحد، والآن هي فرصة دبي لتقليص علاقاتها التجارية مع إيران بعدما كانت تقيم علاقات تجارية معها المنظومة الخليجية لأن إيران تحتل الجزر الإماراتية، وتصر على امتداد نفوذها في العراق وفي بقية دول الخليج، إذ إن تقليص هذه العلاقات سيعزز من أواصر الوحدة الإماراتية وكذلك الوحدة الخليجية.
والحقيقة أن أزمة ديون دبي تسببت في اضطراب عالمي إلا أن المملكة العربية السعودية حافظت على مركزها كأكبر سوق منفردة لصادرات دبي ضمن دول مجلس التعاون بزيادة 22 في المائة في الاثني عشر شهراً الماضية عن الفترة المماثلة لها من العام الذي سبقه، وشكلت صادرات دبي إلى دول المجلس 45 في المائة من إجمالي صادرات دبي والبالغة 167.6 مليار درهم حتى نهاية نوفمبر 2009 أقل بنسبة 18,7 في المائة عن الفترة نفسها في عام 2008 والبالغة 206,2 مليار درهم.
وحتى العشرة مليارات دولار التي قدمتها أبوظبي إلى جارتها دبي تغري المشترين من خارج دبي للعودة إلى الإمارة حتى أواخر عام 2011 أو بعد ذلك، لأن تلك العقارات تستهدف الأجانب المستثمرين الذين يتواجدون حيث تتواجد الفرص ويذهبون مع ذهابها.
وكانت العقارات في دبي تعاني جراء الأزمة المالية العالمية قبل فترة طويلة من سعي مجموعة دبي العالمية لإعادة جدولة ديونها البالغة 26 مليار دولار، والآن حولت أزمتها آمال الانتعاش إلى مخاوف من حدوث انهيار ثان في قيم رؤوس الأموال بعدما هوت الأسعار بنحو 50 في المائة من الذروة التي بلغتها في أواخر عام 2008. فالمشكلة إذن تكمن في زيادة المعروض ومن المتوقع أن يستمر تراجع أسعار العقارات، وأصبح شبح نوبة جديدة من عمليات البيع بأثمان زهيدة يواصل ملاحقة السوق ما يقلل من أثر حزمة الإنقاذ السخية التي قدمتها أبوظبي ما لم تشترك دول الخليج قاطبة في إنقاذ الوضع من أجل امتصاص زيادة المعروض.
ولا بد أن تأخذ دول الخليج الدرس من الأزمة المالية العالمية التي تسببت في أزمة دبي العقارية القائمة على المديونية الهائلة نتيجة لعملية توسع جريئة شهدتها دبي في الأعوام الأخيرة، فقد تبنت دبي استراتيجية جريئة للتنويع، لكنها انجرفت مع النجاح الذي حققته، فأسست بيئة عمل تقوم على التنافس الشديد، وتم تمويل كثير من مشاريعها بالدين ولذلك كانت المخاطر واردة على الدوام، وأخذت الشركات الاستثمارية والعقارية تنافس بعضها بعضاً، وقامت بعدئذ بتأسيس شركات تابعة لها على غرار الشركات المتعددة الجنسيات، لكن كانت تتجه نحو التنافس الشديد فيما بينها على العكس من الشركات المتعددة الجنسيات والتي تتجه عادة نحو نموذج موحد وهو ما أوجد صعوبة في اندماج تلك الشركات بعد الأزمة الأخيرة بسبب تعثر سداد ديونها في الوقت المحدد وطلب إعادة هيكلتها.
فأول ما ضربت الأزمة المالية العالمية السوق العقارية التي كانت من أولى ضحاياها، وفي تقرير حديث لبنك (HSBC) الذي أفاد بأن هذه السوق خسرت 50 في المائة من قيمتها ما عرّض نوعية موجودات البنوك للخطر، فأصبحت دبي مركزاً مالياً لكنه عاجز عن سداد ديونه، فنموذجا هونغ كونغ وسنغافورة يعتمدان بشكل كبير على حد أدنى من التدخل الحكومي، بينما اعتمد نموذج دبي على الدولة وعلى الحكومة كمحرك رئيسي للنشاط الاقتصادي، وهنا تداخلت رغبة الدولة في بناء صرح اقتصادي من خلال بناء المعجزات مع انخفاض في الجدوى والقيمة الاقتصادية من بنائها. فالأزمة المالية العالمية هي اختبار لهذا النموذج المرتبط بالتدخل الحكومي في حين أن النموذجين سنغافورة وهونغ كونغ هما نتاج حراك ومشاركة سياسية للمواطن هناك.
لكن تظل دبي تحتفظ بمتانة الأسس التي يقوم عليها اقتصادها وارتفاع قدراتها التنافسية مقارنة بكثير من دول المنطقة وهي نتاج مجموعة من عوامل الجذب التي تتمتع بها بيئة الأعمال في دبي وتوافر البنية التحتية العصرية وارتفاع مرتبتها على سلم التنافسية العالمية، ونجحت دولة الإمارات عبر مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي في تخطي حاجز الـ 60 في المائة مما يقلل من آثار انخفاض العوائد النفطية.
ويمكن لدول مجلس التعاون أن تشارك في معالجة أزمة ديون دبي كمشكلة خليجية وليس بهدف فرض قيود على استقلالية دبي لاستعادة مكانتها ضمن منظومة دول الخليج، ويصبح الكبير مسؤولاً عن حماية أخيه الصغير، وفي المقابل يعترف الصغير بمكانة وحجم أخيه الكبير من أجل أن تستمر مسيرة مجلس التعاون الخليجي القائمة على أسس متينة تقودها نحو التكامل والاندماج بدلاً من التنافس الضار بدول المجلس، لأن دول الخليج لا تحتمل هذا التنافس الذي يتسبب في تجزئة اقتصاداتها، وتصبح غير قادرة على مواجهة تحديات الانفتاح الاقتصادي الذي عادة ما تلجأ فيه الدول إلى التكتلات الاقتصادية كي تبقى وتزداد قوتها، وهي فرصة حتى تتمتع الاستثمارات الخليجية ببعد خليجي خصوصاً مع زيادة الفرص الاستثمارية المجدية، والتركيز على تنمية الاقتصاد الحقيقي مثل الصناعة والخدمات الإنتاجية، والتدرج في تطبيق سياسات التحرر الاقتصادية والاندماج في الاقتصاد العالمي، وضبط إيقاعها مع تنامي طاقات القطاعات الإنتاجية وتحسين قدرتها التنافسية.
::/fulltext::
::cck::846::/cck::
