ماذا تقول تقارير التنمية الإنسانية العربية؟
::cck::854::/cck::
::introtext::
حقيقة نحملها عبر العقود المؤلمة متطلعين مستقبل أفضل. هذه الحقيقة هي أن كلاً منا يحمل في داخله همّ هذه الأمة التي تشهد عقوداً من التدهور على كافة المستو إلى يات مقارنة بماضيها وكذلك مقارنة بما تشهده الأمم في عصرنا الحاضر من تقدم ومواجهة جادة لتحديات التنمية الحقيقية وهي ما يعرف بالحلقة المفرغة أو المفزعة للتخلف (الفقر، الجهل، المرض). فتفشي الجهل يفقد الفرد فرص عمل أفضل ومن ثم تدني مستوى معيشته وتمكن الفقر منه.
::/introtext::
::fulltext::
حقيقة نحملها عبر العقود المؤلمة متطلعين مستقبل أفضل. هذه الحقيقة هي أن كلاً منا يحمل في داخله همّ هذه الأمة التي تشهد عقوداً من التدهور على كافة المستو إلى يات مقارنة بماضيها وكذلك مقارنة بما تشهده الأمم في عصرنا الحاضر من تقدم ومواجهة جادة لتحديات التنمية الحقيقية وهي ما يعرف بالحلقة المفرغة أو المفزعة للتخلف (الفقر، الجهل، المرض). فتفشي الجهل يفقد الفرد فرص عمل أفضل ومن ثم تدني مستوى معيشته وتمكن الفقر منه.
نعم هناك استثناءات وهناك شريحة منعمة تولد وفي فمها ملاعق الذهب وهي موجودة بنسب متفاوتة في كل مجتمع عربي، لكن كما قلنا هي الاستثناء وليس القاعدة. فإحصائيات الأمم المتحدة تكشف الحقيقة الكريهة لمنظومة التخلف في عالمنا العربي ومعاناة الإنسان العربي في ملاحقة سراب التنمية وسراب وجود ضوء في آخر النفق المظلم. كما أن الأمم المتحدة ممثلة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والمكتب الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وعدد من المنظمات غير الحكومية، وفي مقدمتها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وبرنامج الخليج العربي (أجفند) ونخبة من المختصين والمفكرين اجتمعوا وعلى مدى سبع سنوات في محاولة جادة لمتابعة علمية مدروسة لمعضلة التنمية البشرية في البلدان العربية وذلك من خلال إعداد تقارير تدرس واقع التنمية البشرية.
إحصائيات الأمم المتحدة تكشف الحقيقة الكريهة لمنظومة التخلف في عالمنا العربي
التقارير المشار إليها أعلاه بدأت منذ عام 2002 وبلا شك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كان لها دور أساسي في الدفع باتجاه وضع أول هذه التقارير، خاصة أن أصابع الاتهام كانت ولا تزال آخذة في الإشارة إلى أن الإرهاب، ومن ثم الإرهابيين، له مصادر وينابيع وبيئة حاضنة متوافرة في هذه البقعة الممتدة من المحيط إلى دول الخليج الثائر. فكان على من سبق الإشارة إليهم أخذ المبادرة في البحث والتحليل والدراسة فكانت باكورة الإنتاج لتقارير التنمية الإنسانية العربية عام 2002 بعنوان أساسي هو (إيجاد الفرص للأجيال القادمة).
المرأة وكل ما يدور حولها من قضايا هي محل تجاذب بين المعارض والموافق والحيادي
وقد تعرض التقرير الضخم لعدة معوقات هي: نقص الحرية، نقص تمكين المرأة، ونقص القدرات الإنسانية أي نقص المعرفة. فهذه هي مكامن أساسية للتخلف في التنمية الإنسانية المستدامة في البلدان العربية.
وللخروج من هذه المعوقات وتحسين الأداء في كل منها توصل الباحثون إلى أن هناك تحديات أساسية من الضروري تشخيصها وتحديدها ومن ثم تحديد سبل التغلب عليها وهذه التحديات هي:
* الاحتلال الذي يخنق أي محاولة للتقدم، حيث إن الموارد والجهود توجه للتخلص من ذلك الاحتلال ونتذكر جميعاً المقولة التي رفعتها الأنظمة العربية في حقبة طويلة من تاريخنا المعاصر (لا صوت يعلو على صوت المعركة وأن كل المقدرات مسخرة للمعركة مع العدو المحتل)، فلا حصلنا تنمية ولا حصلنا التحرير من الاحتلال بل المزيد من التردي على كافة المستويات.
* النزاعات والعقوبات والاضطراب السياسي.
* التطلع إلى الحرية والديمقراطية رغم أنه حق مشروع واستحقاق طال انتظاره إلا أنه لا يزال أمنية بعيدة المنال في الغالب الأعم من الدول وإن تم تطبيقه وتحقيقه فإنه تطبيق مشوه.
في عام 2003 صدر التقرير الثاني للتنمية الإنسانية بعنوان (نحو إقامة مجتمع المعرفة) وذلك بعد أن خلصت مناقشات وحوارات التقرير الأول إلى أن نقص المعرفة هو المفتاح لتحرير واقع التنمية البشرية للأفضل.
أصبح استمرار انتهاك حق الأمن عائقاً حقيقياً دون التقدم والتنمية ومظهراً أساسياً من مظاهر التخلف
وجاء التقرير الثالث للتنمية البشرية في البلدان العربية عام 2004 وهو يحمل أكسير الحياة الذي لا بد منه لتحقيق حاضر إنساني ومستقبل أفضل، فكان عنوان ذلك التقرير هو (نحو الحرية في الوطن العربي). وأسهب التقرير المفصل في شرح التناقض بين الحرية في البلدان العربية ومصالح القوى المهيمنة عالمياً، وأن الحرية من دون حركات سياسية تناضل من أجلها ومستعدة لدفع الأثمان الباهظة، لن يتمكن الإنسان العربي من أن ينعم بالحرية الحقيقية، بل إنه سيفقد القدر المحدود منها وذلك من خلال التفسيرات المناوئة للحرية وبأنها مفسدة وخاصة الدور السلبي الذي يلعبه بعض مدعي الثقافة وممن يتقدمون النخب السياسية والفكرية. وما يعرف بالوقوع في فخ الانتخاب لمرة واحدة والتذرع بالخصوصية للتنصل من حقوق الإنسان بالإضافة إلى هشاشة البنية القانونية وسهولة القفز عليها وهضم حقوق من لا ظهر له بغياب نصوص قانونية واضحة تضمن له حقوقه، لكن الممارسة المتحيزة هي سيدة الموقف.
أما التقرير الرابع والذي مس موضوعاً بمثابة المحرمات وفي الوقت نفسه صلب معضلة التخلف في العالم العربي ألا وهو موضوع المرأة، حيث جاء التقرير الرابع لعام 2005 بعنوان (نحو النهوض بالمرأة في الوطن العربي) ولكم أن تتخيلوا حجم الجدل والمعارضة التي صاحبت وأعقبت هذا التقرير. فالمرأة وكل ما يدور حولها من قضايا هي محل تجاذب بين المعارض والموافق والحيادي، فالمرأة العربية يتغنى الشعراء والمغنون بها، لكن حرام ثم حرام ثم حرام السعي للنهوض بها وتحريك دورها المشلول في المجتمع إلى دور منتج ومجد وتحريك قضاياها من أسفل سلم القضايا إلى أوله.
وفي التقرير الأخير (الخامس) والذي طرح في حوارات مفتوحة ونقاش ساهم فيه عدد من الخبراء والناشطين وأهل القانون والفكر والسياسة من رجال ونساء اجتمعوا في بيروت خلال الفترة من 21 – 22 يوليو 2009 للحوار حول ما جاء في التقرير الذي حمل عنواناً غاية في الأهمية (تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية). نعم، حمل عنواناً يثير الجدل لموضوع غاية في الحساسية خاصة للأنظمة الحاكمة، ويعتبر نقلة نوعية في المعالجة لقضية محورية، لكنها لم تحظ بالاهتمام والتركيز بالقدر الذي حواه التقرير والذي شهدته قاعات الحوار الجاد والهادف الذي تم في بيروت، ويتركز التقرير في أن أمن الإنسان هو الركيزة الأساسية لأمن الأوطان، وأن العلاقة بينهما تكاملية، فلا أمن للإنسان بغياب أمن الوطن، ولا يمكن أن يتحقق أمن الوطن إذا صودر أمن الإنسان أو انتهك، وذلك رداً على الممارسات التي تقوم بها بعض الدول في مصادرة وتهديد أمن المواطنين فيها بحجة حماية أمن الدولة، فهذه مقولة قد سقطت وتبرير لتعسف الدولة ضد الإنسان فيها (مواطناً كان أو وافداً) قد انكشف عدم صحته. أضف إلى ذلك أن العقبات التي تقف دون تحقيق أمن الشعوب العربية وحقها في مستقبل آمن زاهر تضخمت في السنوات الأخيرة، وأصبح استمرار انتهاك حق الأمن عائقاً حقيقياً دون التقدم والتنمية ومظهراً أساسياً من مظاهر التخلف وأي ادعاء بغير ذلك هو مكابرة. بمعنى أن العلاقة طردية بين الأمن والتنمية بكافة أشكالها، فالتنمية الاقتصادية تستلزم تمتع الإنسان بحريته وتمتع الإنسان بعناصر أمنه واستقراره، والتنمية السياسية لا يمكن أن تزدهر وتترعرع على أرض الواقع من دون تحقيق المبادئ الأساسية لأمن الإنسان حتى يمارس دوره السياسي المباشر وغير المباشر خاصة دوره في مراقبة السلطات ومحاسبتها وتشكيلها. أما التنمية الاجتماعية فركيزتها الأساسية الشعور بالأمن والطمأنينة. ورب العالمين عندما أراد التأكيد على ما تتمتع به قريش من تعمير وازدهار جعل الأمن ركيزة ومحوراً لما تعيشه قريش (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).
إن رسالة أمن الإنسان في البلدان العربية حملها التقرير الخامس ولأول مرة يفتح حولها نقاشاً واسعاً هادفاً قبل إطلاق التقرير للتداول العام والذي أشار إلى سبعة مخاطر تحيط بالإنسان ومن ثم تعزز فرص انهيار أمنه وتهدد وجوده وكينونته وتهدم إنسانيته وتقضي عليها:
* وجوده في بيئة غير آمنة.
* الدولة ودورها في تعزيز أو هدم الأمن.
* الفئات الضعيفة المقهورة والانتهاكات الممارسة ضدها ومدى توافر أو عدم توافر سبل حمايتها من انتهاكات أمنها.
* النمو المتقلب ونسب البطالة المرتفعة والفقر الدائم.
* الجوع وسوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي.
* تحديات الأمن الصحي.
* الاحتلال والتدخل العسكري.
وقد ثار جدل في معالجة هذه التحديات ونقاش حول الترتيب لهذه التحديات ولماذا جاء أبرز وأهم تحد في المؤخرة (الاحتلال والتدخل العسكري)، وخلصنا إلى أن الترتيب ليست له أهمية، فكلها تحديات مهمة وكلها لها ذات الوزن، بمعنى أن الدول التي تعاني من الاحتلال والتدخل العسكري بلا شك سيكون هو التحدي الأهم، في حين أن الدول التي تعاني من تعدد الأعراق واضطهاد الأقليات فإن التحدي المعني بالفئات الضعيفة هو التحدي الأهم، أما الدول المنتشرة فيها المجاعة وسوء التغذية وعدم توافر الغذاء والماء فبلا أدنى شك لن يكون التحدي الأهم إلا تحدي توفير الغذاء ومحاربة الجوع وتأمين مصادر صالحة لمياه الشرب حتى يتمكن الإنسان من أن ينعم بالأمن الغذائي والأمن المائي. إذاً التحديات هي تحديات حقيقية لأمن الإنسان في العالم العربي، وأن ترتيبها يختلف من حيث الوزن والأهمية من دولة إلى أخرى ومن وقت إلى آخر.
هذه المخاطر حتى يمكن التخفيف من حدتها ومن ثم توفير بيئة آمنة للإنسان لا بد من أن تلعب الدولة دوراً أساسياً في معالجة هذه المخاطر إما منفردة أو متعاونة مع دول أخرى أو مع المنظمات الدولية ذات الاختصاص سواء عالمية كمنظمة الأمم المتحدة وبرامجها المعنية بالتنمية الاقتصادية والبشرية أو منظمات إقليمية كالجامعة العربية، التي كان لها تقييم صاعق للتقرير الخامس، حيث هاجم ممثل الجامعة العربية في جلسة الافتتاح التقرير برمته وأعلن رفضه لما جاء فيه مما أثار استياء الحاضرين من ذوي الاختصاص والاهتمام، وكم تمنينا في تلك اللحظة أن يكون البديل لهذا التقرير بنفس الموضوعية والمهنية يعالج قضايا الإنسان العربي، وتكون الجهة المعدة له والقائمة عليه هي الجامعة العربية، وقد علّقت شخصياً على كلمة ممثل الجامعة العربية بأن قلت (نتمنى أن يستفز هذا التقرير الجامعة لتتبنى تقارير للتنمية البشرية وأمن الإنسان في عالمنا العربي لكي نتمكن من القول إن الجامعة تحولت من جامعة حكومات إلى جامعة دول معنية بمن يسكن هذه الدول صحته وأمنه ومستقبله لا بمن يحكم الدول).
لكن الحقيقة الأساسية والتي تصدمنا يومياً هي أن الجامعة العربية هي ناد للحكومات، ولم تتمكن من أن تلعب دوراً يركز على الإنسان العربي وهمومه وتطلعاته ومن ثم فإن ممثل الجامعة العربية في كلمته وهجومه على التقرير كان متسقاً مع نفسه ومع ما هو مقتنع به بشأن دور الجامعة العربية وفاعلياتها وموقع الإنسان العربي فيها وموقعها لدى الإنسان العربي.
إن الإنسان العربي ومعاناته في سبيل العيش الكريم تتنوع درجاتها وتتباين من دولة إلى أخرى، لكن الجميع يشترك في التحديات التي تواجه أمنه من تحديات الأمن الاقتصادي إلى تحديات مواجهة الجوع والتغذية وتحديات مواجهة الأخطار الصحية وما تمثله من تهديد لأمن الإنسان خاصة مع أخطار الأمراض العابرة للحدود والشديدة العدوى وسرعة الانتقال بين الأفراد (الإيدز، السارس، إنفلونزا الطيور، إنفلونزا الخنازير) التي يشهد العالم تمدداً سريعاً وخطيراً للفيروس في كافة دول العالم وما يحتاجه هذا الانتشار من سرعة العلاج، فإذا لم توفر الدولة العلاج اللازم والمرتفع التكلفة في الوقت المناسب فإن خطورة المرض ستستفحل وانتشاره سيتفاقم، وسينهار الأمن الصحي للإنسان بزيادة أعداد المصابين والضحايا من الوفيات.
أما الاحتلال والتدخل العسكري وأثرهما في أمن الإنسان فلا يحتاج هذا التحدي إلى المزيد من الشرح أو الإحصائيات التي تثبت ذلك، فالاحتلال أول ما يستهدفه هو تقييد الإنسان وتكبيله بشروط المحتل وقواعد الاحتلال التي تصادر طاقة حقوقه بما فيها حقه في الحياة، ومعظم الدول العربية عانت من الاحتلال أو من التدخلات العسكرية ومن ثم ذاقت شعوبها مرارة الممارسات ضد أبسط حقوقها كحق التجول وحق التعبير في رفض الاحتلال أو التدخل العسكري وإن كان الاحتلال الإسرائيلي أوضحها وأطولها سواء للأراضي المصرية والفلسطينية واللبنانية والسورية، لكن كذلك هناك الاحتلال الأمريكي للعراق والاحتلال العراقي للكويت والتدخلات العسكرية في ليبيا والسودان والصومال.. إلخ، الأمر الذي يجعل الإنسان العربي عرضة لانهيار أمنه بشكل كامل ويضع مسؤولية مضاعفة على المنظمات الدولية للتصدي للاحتلال بالعمل على إنهائه ومحاسبة المحتل وفقاً لاتفاقيات جنيف 1949.
إن التقرير الخامس للتنمية الإنسانية (تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية) أياً كانت الانتقادات الموجهة إلى ما حواه من إحصائيات وتحليلات قد نتفق أو نختلف معها إلا أنه بلا شك جهد طيب يستحق أن نتناوله بجدية تدفعنا للتعامل مع قضية خطيرة وهي أمن الإنسان العربي الموضوع الذي كان إلى عهد قريب من المحظور التعامل معه، فإذا به يفتح للحوار ولمدة عام كامل في أكثر من عاصمة عربية، إنها فعلاً نقلة فكرية نوعية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::854::/cck::
::introtext::
حقيقة نحملها عبر العقود المؤلمة متطلعين مستقبل أفضل. هذه الحقيقة هي أن كلاً منا يحمل في داخله همّ هذه الأمة التي تشهد عقوداً من التدهور على كافة المستو إلى يات مقارنة بماضيها وكذلك مقارنة بما تشهده الأمم في عصرنا الحاضر من تقدم ومواجهة جادة لتحديات التنمية الحقيقية وهي ما يعرف بالحلقة المفرغة أو المفزعة للتخلف (الفقر، الجهل، المرض). فتفشي الجهل يفقد الفرد فرص عمل أفضل ومن ثم تدني مستوى معيشته وتمكن الفقر منه.
::/introtext::
::fulltext::
حقيقة نحملها عبر العقود المؤلمة متطلعين مستقبل أفضل. هذه الحقيقة هي أن كلاً منا يحمل في داخله همّ هذه الأمة التي تشهد عقوداً من التدهور على كافة المستو إلى يات مقارنة بماضيها وكذلك مقارنة بما تشهده الأمم في عصرنا الحاضر من تقدم ومواجهة جادة لتحديات التنمية الحقيقية وهي ما يعرف بالحلقة المفرغة أو المفزعة للتخلف (الفقر، الجهل، المرض). فتفشي الجهل يفقد الفرد فرص عمل أفضل ومن ثم تدني مستوى معيشته وتمكن الفقر منه.
نعم هناك استثناءات وهناك شريحة منعمة تولد وفي فمها ملاعق الذهب وهي موجودة بنسب متفاوتة في كل مجتمع عربي، لكن كما قلنا هي الاستثناء وليس القاعدة. فإحصائيات الأمم المتحدة تكشف الحقيقة الكريهة لمنظومة التخلف في عالمنا العربي ومعاناة الإنسان العربي في ملاحقة سراب التنمية وسراب وجود ضوء في آخر النفق المظلم. كما أن الأمم المتحدة ممثلة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والمكتب الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وعدد من المنظمات غير الحكومية، وفي مقدمتها الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي وبرنامج الخليج العربي (أجفند) ونخبة من المختصين والمفكرين اجتمعوا وعلى مدى سبع سنوات في محاولة جادة لمتابعة علمية مدروسة لمعضلة التنمية البشرية في البلدان العربية وذلك من خلال إعداد تقارير تدرس واقع التنمية البشرية.
إحصائيات الأمم المتحدة تكشف الحقيقة الكريهة لمنظومة التخلف في عالمنا العربي
التقارير المشار إليها أعلاه بدأت منذ عام 2002 وبلا شك أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 كان لها دور أساسي في الدفع باتجاه وضع أول هذه التقارير، خاصة أن أصابع الاتهام كانت ولا تزال آخذة في الإشارة إلى أن الإرهاب، ومن ثم الإرهابيين، له مصادر وينابيع وبيئة حاضنة متوافرة في هذه البقعة الممتدة من المحيط إلى دول الخليج الثائر. فكان على من سبق الإشارة إليهم أخذ المبادرة في البحث والتحليل والدراسة فكانت باكورة الإنتاج لتقارير التنمية الإنسانية العربية عام 2002 بعنوان أساسي هو (إيجاد الفرص للأجيال القادمة).
المرأة وكل ما يدور حولها من قضايا هي محل تجاذب بين المعارض والموافق والحيادي
وقد تعرض التقرير الضخم لعدة معوقات هي: نقص الحرية، نقص تمكين المرأة، ونقص القدرات الإنسانية أي نقص المعرفة. فهذه هي مكامن أساسية للتخلف في التنمية الإنسانية المستدامة في البلدان العربية.
وللخروج من هذه المعوقات وتحسين الأداء في كل منها توصل الباحثون إلى أن هناك تحديات أساسية من الضروري تشخيصها وتحديدها ومن ثم تحديد سبل التغلب عليها وهذه التحديات هي:
* الاحتلال الذي يخنق أي محاولة للتقدم، حيث إن الموارد والجهود توجه للتخلص من ذلك الاحتلال ونتذكر جميعاً المقولة التي رفعتها الأنظمة العربية في حقبة طويلة من تاريخنا المعاصر (لا صوت يعلو على صوت المعركة وأن كل المقدرات مسخرة للمعركة مع العدو المحتل)، فلا حصلنا تنمية ولا حصلنا التحرير من الاحتلال بل المزيد من التردي على كافة المستويات.
* النزاعات والعقوبات والاضطراب السياسي.
* التطلع إلى الحرية والديمقراطية رغم أنه حق مشروع واستحقاق طال انتظاره إلا أنه لا يزال أمنية بعيدة المنال في الغالب الأعم من الدول وإن تم تطبيقه وتحقيقه فإنه تطبيق مشوه.
في عام 2003 صدر التقرير الثاني للتنمية الإنسانية بعنوان (نحو إقامة مجتمع المعرفة) وذلك بعد أن خلصت مناقشات وحوارات التقرير الأول إلى أن نقص المعرفة هو المفتاح لتحرير واقع التنمية البشرية للأفضل.
أصبح استمرار انتهاك حق الأمن عائقاً حقيقياً دون التقدم والتنمية ومظهراً أساسياً من مظاهر التخلف
وجاء التقرير الثالث للتنمية البشرية في البلدان العربية عام 2004 وهو يحمل أكسير الحياة الذي لا بد منه لتحقيق حاضر إنساني ومستقبل أفضل، فكان عنوان ذلك التقرير هو (نحو الحرية في الوطن العربي). وأسهب التقرير المفصل في شرح التناقض بين الحرية في البلدان العربية ومصالح القوى المهيمنة عالمياً، وأن الحرية من دون حركات سياسية تناضل من أجلها ومستعدة لدفع الأثمان الباهظة، لن يتمكن الإنسان العربي من أن ينعم بالحرية الحقيقية، بل إنه سيفقد القدر المحدود منها وذلك من خلال التفسيرات المناوئة للحرية وبأنها مفسدة وخاصة الدور السلبي الذي يلعبه بعض مدعي الثقافة وممن يتقدمون النخب السياسية والفكرية. وما يعرف بالوقوع في فخ الانتخاب لمرة واحدة والتذرع بالخصوصية للتنصل من حقوق الإنسان بالإضافة إلى هشاشة البنية القانونية وسهولة القفز عليها وهضم حقوق من لا ظهر له بغياب نصوص قانونية واضحة تضمن له حقوقه، لكن الممارسة المتحيزة هي سيدة الموقف.
أما التقرير الرابع والذي مس موضوعاً بمثابة المحرمات وفي الوقت نفسه صلب معضلة التخلف في العالم العربي ألا وهو موضوع المرأة، حيث جاء التقرير الرابع لعام 2005 بعنوان (نحو النهوض بالمرأة في الوطن العربي) ولكم أن تتخيلوا حجم الجدل والمعارضة التي صاحبت وأعقبت هذا التقرير. فالمرأة وكل ما يدور حولها من قضايا هي محل تجاذب بين المعارض والموافق والحيادي، فالمرأة العربية يتغنى الشعراء والمغنون بها، لكن حرام ثم حرام ثم حرام السعي للنهوض بها وتحريك دورها المشلول في المجتمع إلى دور منتج ومجد وتحريك قضاياها من أسفل سلم القضايا إلى أوله.
وفي التقرير الأخير (الخامس) والذي طرح في حوارات مفتوحة ونقاش ساهم فيه عدد من الخبراء والناشطين وأهل القانون والفكر والسياسة من رجال ونساء اجتمعوا في بيروت خلال الفترة من 21 – 22 يوليو 2009 للحوار حول ما جاء في التقرير الذي حمل عنواناً غاية في الأهمية (تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية). نعم، حمل عنواناً يثير الجدل لموضوع غاية في الحساسية خاصة للأنظمة الحاكمة، ويعتبر نقلة نوعية في المعالجة لقضية محورية، لكنها لم تحظ بالاهتمام والتركيز بالقدر الذي حواه التقرير والذي شهدته قاعات الحوار الجاد والهادف الذي تم في بيروت، ويتركز التقرير في أن أمن الإنسان هو الركيزة الأساسية لأمن الأوطان، وأن العلاقة بينهما تكاملية، فلا أمن للإنسان بغياب أمن الوطن، ولا يمكن أن يتحقق أمن الوطن إذا صودر أمن الإنسان أو انتهك، وذلك رداً على الممارسات التي تقوم بها بعض الدول في مصادرة وتهديد أمن المواطنين فيها بحجة حماية أمن الدولة، فهذه مقولة قد سقطت وتبرير لتعسف الدولة ضد الإنسان فيها (مواطناً كان أو وافداً) قد انكشف عدم صحته. أضف إلى ذلك أن العقبات التي تقف دون تحقيق أمن الشعوب العربية وحقها في مستقبل آمن زاهر تضخمت في السنوات الأخيرة، وأصبح استمرار انتهاك حق الأمن عائقاً حقيقياً دون التقدم والتنمية ومظهراً أساسياً من مظاهر التخلف وأي ادعاء بغير ذلك هو مكابرة. بمعنى أن العلاقة طردية بين الأمن والتنمية بكافة أشكالها، فالتنمية الاقتصادية تستلزم تمتع الإنسان بحريته وتمتع الإنسان بعناصر أمنه واستقراره، والتنمية السياسية لا يمكن أن تزدهر وتترعرع على أرض الواقع من دون تحقيق المبادئ الأساسية لأمن الإنسان حتى يمارس دوره السياسي المباشر وغير المباشر خاصة دوره في مراقبة السلطات ومحاسبتها وتشكيلها. أما التنمية الاجتماعية فركيزتها الأساسية الشعور بالأمن والطمأنينة. ورب العالمين عندما أراد التأكيد على ما تتمتع به قريش من تعمير وازدهار جعل الأمن ركيزة ومحوراً لما تعيشه قريش (لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف، فليعبدوا رب هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).
إن رسالة أمن الإنسان في البلدان العربية حملها التقرير الخامس ولأول مرة يفتح حولها نقاشاً واسعاً هادفاً قبل إطلاق التقرير للتداول العام والذي أشار إلى سبعة مخاطر تحيط بالإنسان ومن ثم تعزز فرص انهيار أمنه وتهدد وجوده وكينونته وتهدم إنسانيته وتقضي عليها:
* وجوده في بيئة غير آمنة.
* الدولة ودورها في تعزيز أو هدم الأمن.
* الفئات الضعيفة المقهورة والانتهاكات الممارسة ضدها ومدى توافر أو عدم توافر سبل حمايتها من انتهاكات أمنها.
* النمو المتقلب ونسب البطالة المرتفعة والفقر الدائم.
* الجوع وسوء التغذية وانعدام الأمن الغذائي.
* تحديات الأمن الصحي.
* الاحتلال والتدخل العسكري.
وقد ثار جدل في معالجة هذه التحديات ونقاش حول الترتيب لهذه التحديات ولماذا جاء أبرز وأهم تحد في المؤخرة (الاحتلال والتدخل العسكري)، وخلصنا إلى أن الترتيب ليست له أهمية، فكلها تحديات مهمة وكلها لها ذات الوزن، بمعنى أن الدول التي تعاني من الاحتلال والتدخل العسكري بلا شك سيكون هو التحدي الأهم، في حين أن الدول التي تعاني من تعدد الأعراق واضطهاد الأقليات فإن التحدي المعني بالفئات الضعيفة هو التحدي الأهم، أما الدول المنتشرة فيها المجاعة وسوء التغذية وعدم توافر الغذاء والماء فبلا أدنى شك لن يكون التحدي الأهم إلا تحدي توفير الغذاء ومحاربة الجوع وتأمين مصادر صالحة لمياه الشرب حتى يتمكن الإنسان من أن ينعم بالأمن الغذائي والأمن المائي. إذاً التحديات هي تحديات حقيقية لأمن الإنسان في العالم العربي، وأن ترتيبها يختلف من حيث الوزن والأهمية من دولة إلى أخرى ومن وقت إلى آخر.
هذه المخاطر حتى يمكن التخفيف من حدتها ومن ثم توفير بيئة آمنة للإنسان لا بد من أن تلعب الدولة دوراً أساسياً في معالجة هذه المخاطر إما منفردة أو متعاونة مع دول أخرى أو مع المنظمات الدولية ذات الاختصاص سواء عالمية كمنظمة الأمم المتحدة وبرامجها المعنية بالتنمية الاقتصادية والبشرية أو منظمات إقليمية كالجامعة العربية، التي كان لها تقييم صاعق للتقرير الخامس، حيث هاجم ممثل الجامعة العربية في جلسة الافتتاح التقرير برمته وأعلن رفضه لما جاء فيه مما أثار استياء الحاضرين من ذوي الاختصاص والاهتمام، وكم تمنينا في تلك اللحظة أن يكون البديل لهذا التقرير بنفس الموضوعية والمهنية يعالج قضايا الإنسان العربي، وتكون الجهة المعدة له والقائمة عليه هي الجامعة العربية، وقد علّقت شخصياً على كلمة ممثل الجامعة العربية بأن قلت (نتمنى أن يستفز هذا التقرير الجامعة لتتبنى تقارير للتنمية البشرية وأمن الإنسان في عالمنا العربي لكي نتمكن من القول إن الجامعة تحولت من جامعة حكومات إلى جامعة دول معنية بمن يسكن هذه الدول صحته وأمنه ومستقبله لا بمن يحكم الدول).
لكن الحقيقة الأساسية والتي تصدمنا يومياً هي أن الجامعة العربية هي ناد للحكومات، ولم تتمكن من أن تلعب دوراً يركز على الإنسان العربي وهمومه وتطلعاته ومن ثم فإن ممثل الجامعة العربية في كلمته وهجومه على التقرير كان متسقاً مع نفسه ومع ما هو مقتنع به بشأن دور الجامعة العربية وفاعلياتها وموقع الإنسان العربي فيها وموقعها لدى الإنسان العربي.
إن الإنسان العربي ومعاناته في سبيل العيش الكريم تتنوع درجاتها وتتباين من دولة إلى أخرى، لكن الجميع يشترك في التحديات التي تواجه أمنه من تحديات الأمن الاقتصادي إلى تحديات مواجهة الجوع والتغذية وتحديات مواجهة الأخطار الصحية وما تمثله من تهديد لأمن الإنسان خاصة مع أخطار الأمراض العابرة للحدود والشديدة العدوى وسرعة الانتقال بين الأفراد (الإيدز، السارس، إنفلونزا الطيور، إنفلونزا الخنازير) التي يشهد العالم تمدداً سريعاً وخطيراً للفيروس في كافة دول العالم وما يحتاجه هذا الانتشار من سرعة العلاج، فإذا لم توفر الدولة العلاج اللازم والمرتفع التكلفة في الوقت المناسب فإن خطورة المرض ستستفحل وانتشاره سيتفاقم، وسينهار الأمن الصحي للإنسان بزيادة أعداد المصابين والضحايا من الوفيات.
أما الاحتلال والتدخل العسكري وأثرهما في أمن الإنسان فلا يحتاج هذا التحدي إلى المزيد من الشرح أو الإحصائيات التي تثبت ذلك، فالاحتلال أول ما يستهدفه هو تقييد الإنسان وتكبيله بشروط المحتل وقواعد الاحتلال التي تصادر طاقة حقوقه بما فيها حقه في الحياة، ومعظم الدول العربية عانت من الاحتلال أو من التدخلات العسكرية ومن ثم ذاقت شعوبها مرارة الممارسات ضد أبسط حقوقها كحق التجول وحق التعبير في رفض الاحتلال أو التدخل العسكري وإن كان الاحتلال الإسرائيلي أوضحها وأطولها سواء للأراضي المصرية والفلسطينية واللبنانية والسورية، لكن كذلك هناك الاحتلال الأمريكي للعراق والاحتلال العراقي للكويت والتدخلات العسكرية في ليبيا والسودان والصومال.. إلخ، الأمر الذي يجعل الإنسان العربي عرضة لانهيار أمنه بشكل كامل ويضع مسؤولية مضاعفة على المنظمات الدولية للتصدي للاحتلال بالعمل على إنهائه ومحاسبة المحتل وفقاً لاتفاقيات جنيف 1949.
إن التقرير الخامس للتنمية الإنسانية (تحديات أمن الإنسان في البلدان العربية) أياً كانت الانتقادات الموجهة إلى ما حواه من إحصائيات وتحليلات قد نتفق أو نختلف معها إلا أنه بلا شك جهد طيب يستحق أن نتناوله بجدية تدفعنا للتعامل مع قضية خطيرة وهي أمن الإنسان العربي الموضوع الذي كان إلى عهد قريب من المحظور التعامل معه، فإذا به يفتح للحوار ولمدة عام كامل في أكثر من عاصمة عربية، إنها فعلاً نقلة فكرية نوعية.
::/fulltext::
::cck::854::/cck::
