ماذا وراء أول عقد نووي عربي؟ الإمارات والعقد النووي الكوري
::cck::855::/cck::
::introtext::
هناك سؤال بديهي ومشروع يتردَّد في الأوساط الداخلية العربية والأوساط الدولية مفاده: لماذا، وبعد طول انتظار وترقُّب، اختارت حكومة دولة الإمارات أن تمنح عقد إنشاء مفاعلاتها النووية لكوريا الجنوبية؟
::/introtext::
::fulltext::
هناك سؤال بديهي ومشروع يتردَّد في الأوساط الداخلية العربية والأوساط الدولية مفاده: لماذا، وبعد طول انتظار وترقُّب، اختارت حكومة دولة الإمارات أن تمنح عقد إنشاء مفاعلاتها النووية لكوريا الجنوبية؟
تكمن أهمية هذا العقد في كونه أول عقد تتوصل إليه دولة عربية لامتلاك مفاعلات نووية حديثة ذات طاقة إنتاجية عالية. وفي ظِلّ تنامي الطموحات لتطوير وامتلاك الطاقة النووية في العالم العربي فإن العقد الإماراتي، لكونه رائداً في هذا المجال، ستكون له تأثيرات حتمية في العقود النووية المستقبلية التي تُزمِع عقدها دول خليجية وعربية أعلنت مُؤخَّراً عن تبنِّيها برامج نووية سلمية مشابهة في مضمونها وأهدافها للبرنامج الإماراتي.
العقد النووي الإماراتي ستكون له تأثيراته الحتمية في العقود النووية المستقبلية في دول الخليج
ويجب الإشارة هنا إلى حقيقة أن العقود النووية ليست عقوداً ذات طبيعة تجارية بحتة، رغم أنها عادة يتم التوصل إليها مع كيانات تجارية تتمثَّل في مؤسسات صناعية متخصصة، لكنها في حقيقة الأمر، ولأهمية وحساسية العقد النووي، هي عقود تتم بين دولتين. لذا فقد درجت العادة على تصنيف العقود النووية ضمن قائمة العقود (ذات الطبيعة الاستراتيجية)، حيث تدخل فيها حسابات واعتبارات متعددة ومعقَّدة، وخاصة توافر عنصر الرغبة في نقل التكنولوجيا النووية إلى دولة أخرى والحصول على موافقة القيادات السياسية في كلتا الدولتين على فكرة ومضمون العقد النووي.
إن معركة الفوز بالعقد دارت رحاها منذ اليوم الأول الذي أعلنت فيه دولة الإمارات عن تبنِّي الطاقة النووية كمصدر جديد لتوليد الطاقة الكهربائية، وشارك فيها رؤساء دول ووزراء وكبار الشخصيات من الدول التي طمعت في الحصول على العقد والتي سعت إلى التأثير في القرار الإماراتي. وخلال المرحلة الأخيرة برزت أربعة تحالفات صناعية متخصصة تابعة لخمس دول رئيسية هي: الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، اليابان، وأخيراً كوريا الجنوبية، قامت هذه التحالفات بتقديم عروضها لحكومة دولة الإمارات قبل ما يُقارب العام، وخلال هذه الفترة قامت الحكومة الإماراتية بالاستعانة بخبرات دولية لدراسة وتقييم العروض المقدَّمة. وعلى ما يبدو أن القرار النهائي بمنح التحالف الكوري الجنوبي عقد المشروع النووي استند إلى الاعتبارات الأساسية التالية:
* اعتبارات الكفاءة التقنية: وأهم عنصر في هذا الاعتبار هو عنصر الأمان والسلامة وهو عنصر يجب أن يتوافر في التصميم الأساسي للمشروع، ثم يأتي بعد ذلك سِجل تجارِب التشغيل العملي للمفاعل والتي يجب أن تمتد إلى سنوات طويلة لإثبات سلامة التصميم؛ فأكبر معضلة تواجه أي مشروع نووي سلمي هي ضمان سلامة وأمان المفاعل من مخاطر التلوث والتسريبات الإشعاعية ومخاطر الانفجارات المصاحبة لأخطاء التشغيل وغيرها من الأخطار التي تُلازم عمل المفاعلات النووية على امتداد فترة العمر الافتراضي للمشروع. وفي هذا الخصوص توافرت الأدلة لصُنّاع القرار الإماراتي على كون تصميم المفاعلات المعتمدة من قِبَل الشركة الكورية للطاقة الكهربائية يُعَدّ واحداً من أفضل التصاميم المتوافرة، وله سِجلّ طويل في ضمان عنصر الأمان والسلامة يتجاوز ثلاثة عقود زمنية. ومن ناحية عمق الخبرة التقنية فإن الشركة الكورية تُعَدّ ثالث أكبر شركة عالمية في مجال توليد الطاقة الكهربائية بالمفاعلات النووية، وتمتلك أكثر من عشرين محطة توليد نووية عاملة بطاقة إنتاجية تتجاوز 17 ألف ميغاواط، إلى جانب ثماني عشرة محطة قيد الإنجاز أو في مراحل التخطيط، وبالإضافة إلى عنصري الأمان والسلامة، وهما العنصران الأساسيان، فقد امتازت تصاميم المفاعلات الكورية الجنوبية بسهولة التشغيل والإدامة.
* اعتبارات حساب التكلفة التراكمية للمشروع: لعبت حسابات التكلفة التراكمية للمشروع دوراً أساسياً في قرار منح العقد للتحالف الكوري. فقد ظهرت دلائل على أن حسابات التكلفة التراكمية في العرض الكوري هي الأفضل مقارنة بكافة العروض المقدَّمة من الدول الأخرى. ومفهوم (التكلفة التراكمية) يشير إلى التكلفة الأساسية لتوريد المفاعلات، تكلفة الإنشاء، تكلفة التشغيل، تكلفة نظام الإدامة، إلى جانب تكلفة التطوير المستقبلي للمنشآت النووية.
* اعتبارات تقييم الآثار الاقتصادية والعلمية للعقد: وكان لهذا الاعتبار نصيبه في التأثير في حسابات صُنّاع القرار في دولة الإمارات. فالعرض الكوري الجنوبي يتضمن اتفاقاً بين مؤسسة الإمارات للطاقة النووية والشركة الكورية للطاقة الكهربائية تحصل بموجبه الشركة الكورية على جُزء من أسهُم المشروع، وهو ما يجعل الجانب الكوري شريكاً جزئياً في المشروع؛ وهو الأمر الذي يضمن قيام مصلحة للطرَف المتعاقِد في إنجاز المشروع بالسرعة الممكنة، وضمن التقديرات المالية المتفَق عليها، وضمان سير المشروع على أُسُس التشغيل الآمِن. وهناك بُعد آخَر للعقد يتضمن تعهُّد الجانب الكوري بنقل الخبرات التقنية والعلمية لمواطني الدولة عبر استيعابهم في مؤسسات المشروع النووي وهو ما يُؤسِّس، وعلى المدى الطويل، كادراً وطنياً يكتسب الخبرات المطلوبة ليكون قادراً على إدارة المشروع مستقبلاً.
* اعتبارات عملية تقييم الثقة بالطرَف الشريك على المدى البعيد: وفي اعتقادنا أن هذه القضية شغلت حيزاً كبيراً ومهماً في القرار الإماراتي في عدم الاستعانة بالطرَف الأمريكي، وربما بأي طرَف غربي آخَر. هذا رغم أن دولة الإمارات وخلال العامين الماضيين قامت بتوقيع اتفاقات تعاون في المجال النووي السلمي مع أغلب الدول الغربية؛ وهو ما يسهل افتراضاً عملية التوصل إلى عقود بناء المفاعلات النووية مع هذه الدول. لقد شعر صُنّاع القرار في أبوظبي بأن الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى التي تسعى إلى الحصول على العقد النووي الإماراتي ربما ستحاول استخدام عقد المشروع النووي كوسيلة لممارسة الضغط والابتزاز السياسي على حكومة الدولة عندما تستدعي الحاجة إلى ذلك. وقد تعزّز هذا الشعور الإماراتي نتيجة للصعوبات التي مرت بها عملية إقرار اتفاقية التعاون النووي الإماراتي مع الولايات المتحدة خلال مناقشة الكونغرس الأمريكي للمشروع.
فخلال العام الأخير من فترة رئاسة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن تم التوصل إلى اتفاق بين الإدارة الأمريكية وحكومة الإمارات على تأسيس أُسُس التعاون النووي السلمي بين الدولتين ضمن إطار ترتيبات أمريكية يطلق عليها اسم (اتفاقية 123). وتشير هذه الاتفاقية إلى المادة رقم 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكية لعام 1954 التي تُخوِّل الإدارات الأمريكية عقد (اتفاقيات تعاون نووي) مع الدول الأخرى للأغراض السلمية، وتوفير المعَدّات والوقود النووي والمساعدات التقنية الأمريكية لهذه الدول التي وافقت على الالتزام بالشروط التي حددتها الاتفاقية. وتُعَدّ (اتفاقية 123) ضمن الاتفاقيات التي تُؤسِّس (الإطار العامّ) للتعاون النووي، وهو ما يستوجب التفاوض اللاحق على تفاصيل وشروط أي عقد نووي أمريكي مع هذه الدول. وقامت الولايات المتحدة بعقد هذا النوع من الاتفاقية مع ما يُقارِب الخمس وعشرين دولة.
اختيار التحالف الكوري كمتعهِّد لتنفيذ المشروع يتضمن هدف تقليل مخاطر التدخلات السياسية
وخلال شهر ديسمبر 2008 تم التوصل إلى الصيغة النهائية لاتفاقية التعاون النووي بين الدولتين. وخلال شهر يوليو عام 2009 قامت إدارة الرئيس الجديد باراك أوباما، التي دعمت الاتفاقية، بعرض نصوص الاتفاقية الأمريكية–الإماراتية على الكونغرس الأمريكي من أجل المصادقة عليها، وقد فوجئ الجانب الإماراتي بقيام عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي بمحاولة تعطيل إقرار الاتفاقية ووضع الاعتراضات والتحفظات، وتوجيه اتهامات باطلة لدولة الإمارات، وخاصّة حول علاقات دولة الإمارات بإيران، والادعاء، ضمن ادعاءات أخرى، بعدم تعاون الجانب الإماراتي في فرض الحظر والمقاطعة المفروضة على برنامج إيران النووي.
وتم تمرير الاتفاقية في نهاية المطاف وأمست سارية المفعول، لكن تركت تجربة تمرير الاتفاق عبر الكونغرس، وما أثير حولها من اعتراضات وتحفظات لا أساس لها في الواقع، تركت ذكريات مُرة في حسابات صُنّاع القرار الإماراتي، وأُخذت على أنها نذير شؤم وإشارة تحذير في كيفية تعامل الكونغرس الأمريكي المستقبلي مع أي عقد نووي أمريكي فعلي مع دولة الإمارات.

ومما يستوجب الإشارة إليه أن اعتراضات وتحفظات بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي على تمرير (اتفاقية 123) جاءت رغم الجهد الذي بذلته حكومة دولة الإمارات في التأكيد على نيّتها السلمية والطبيعة المدنية البحتة للبرنامج النووي الإماراتي، والذهاب إلى أبعد ما يمكن لتأكيد هذه الحقيقة عبر إقرار وإعلان استراتيجية وطنية تحدِّد وبدقة طبيعة وأهداف برنامج الدولة النووي تم إعلانها رسمياً في مارس 2008، تُلزِم الدولة ومؤسساتها بالحفاظ على الطبيعة المدنية والسلمية للبرنامج. وذهبت الاستراتيجية التي أعلنتها الدولة إلى حد التعهد بعدم تخصيب اليورانيوم داخل حدود الدولة، وهذا يُعَدّ تنازلاً طوعياً عن حق سيادي ضمنته اتفاقية حظر الانتشار النووي لكافة الدول الأعضاء فيها، وهو حقّ تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.
أكبر معضلة تواجه أي مشروع نووي سلمي هي ضمان سلامة وأمان المفاعل
إن القرار الإماراتي في تجنُّب منح عقد بناء المفاعلات النووية إلى الولايات المتحدة، أو حتى لدولة غربية يقوم على حسابات منطقية مفادها أن بناء مفاعلات الطاقة النووية سيستغرق فترة زمنية تقارب العشر سنوات، وعملية التشغيل والاستفادة تستمر لمدة ثلاثين عاماً. وخلال هذه السنوات الطويلة من عُمر المشروع النووي التي تقارب الأربعة عقود ستتمكن الإدارات الأمريكية القادمة، أو أي عضو من أعضاء الكونغرس الأمريكي، أو حتى جماعات الضغط الصهيونية من وضع العقبات في سير وتطور المشروع. ومن الممكن إيقاف أو تعطيل المشروع خلال مرحلة التأسيس، أو في أي مرحلة من مراحل التشغيل طويل المدى. لذا فإن اختيار التحالف الكوري الجنوبي كمتعهِّد لتنفيذ المشروع يتضمن هدف تقليل مخاطر التدخلات السياسية في سير المشروع النووي من قِبَل حكومة الدولة المتعاقِدة.
وهذا طبعاً لا يعني، بأي حال، زوال مخاطر التدخلات السياسية بشكل تامّ. فالولايات المتحدة ستكون قادرة على وضع الضغوط غير المباشرة على البرنامج النووي الإماراتي، إن رغبت في هذا الأمر، عبر وضع الضغوط على حكومة كوريا الجنوبية. لكن هذا الأمر لن يكون يسيراً مقارنة بالاختيار القائم على منح العقد لتحالف صناعي أمريكي يخضع وبشكل مباشر وفوري لضغوط الكونغرس والإدارات الأمريكية.
يبقى السؤال المهم هنا: في ظِلّ تسارع الدول الخليجية وبقية الدول العربية إلى تبنِّي الخيار النووي للأغراض السلمية، هل ستخدم تجربة المشروع الإماراتي الرائد هدف تبنِّي العالم العربي الخيار النووي بعد طول غياب وتردُّد؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::855::/cck::
::introtext::
هناك سؤال بديهي ومشروع يتردَّد في الأوساط الداخلية العربية والأوساط الدولية مفاده: لماذا، وبعد طول انتظار وترقُّب، اختارت حكومة دولة الإمارات أن تمنح عقد إنشاء مفاعلاتها النووية لكوريا الجنوبية؟
::/introtext::
::fulltext::
هناك سؤال بديهي ومشروع يتردَّد في الأوساط الداخلية العربية والأوساط الدولية مفاده: لماذا، وبعد طول انتظار وترقُّب، اختارت حكومة دولة الإمارات أن تمنح عقد إنشاء مفاعلاتها النووية لكوريا الجنوبية؟
تكمن أهمية هذا العقد في كونه أول عقد تتوصل إليه دولة عربية لامتلاك مفاعلات نووية حديثة ذات طاقة إنتاجية عالية. وفي ظِلّ تنامي الطموحات لتطوير وامتلاك الطاقة النووية في العالم العربي فإن العقد الإماراتي، لكونه رائداً في هذا المجال، ستكون له تأثيرات حتمية في العقود النووية المستقبلية التي تُزمِع عقدها دول خليجية وعربية أعلنت مُؤخَّراً عن تبنِّيها برامج نووية سلمية مشابهة في مضمونها وأهدافها للبرنامج الإماراتي.
العقد النووي الإماراتي ستكون له تأثيراته الحتمية في العقود النووية المستقبلية في دول الخليج
ويجب الإشارة هنا إلى حقيقة أن العقود النووية ليست عقوداً ذات طبيعة تجارية بحتة، رغم أنها عادة يتم التوصل إليها مع كيانات تجارية تتمثَّل في مؤسسات صناعية متخصصة، لكنها في حقيقة الأمر، ولأهمية وحساسية العقد النووي، هي عقود تتم بين دولتين. لذا فقد درجت العادة على تصنيف العقود النووية ضمن قائمة العقود (ذات الطبيعة الاستراتيجية)، حيث تدخل فيها حسابات واعتبارات متعددة ومعقَّدة، وخاصة توافر عنصر الرغبة في نقل التكنولوجيا النووية إلى دولة أخرى والحصول على موافقة القيادات السياسية في كلتا الدولتين على فكرة ومضمون العقد النووي.
إن معركة الفوز بالعقد دارت رحاها منذ اليوم الأول الذي أعلنت فيه دولة الإمارات عن تبنِّي الطاقة النووية كمصدر جديد لتوليد الطاقة الكهربائية، وشارك فيها رؤساء دول ووزراء وكبار الشخصيات من الدول التي طمعت في الحصول على العقد والتي سعت إلى التأثير في القرار الإماراتي. وخلال المرحلة الأخيرة برزت أربعة تحالفات صناعية متخصصة تابعة لخمس دول رئيسية هي: الولايات المتحدة، فرنسا، ألمانيا، اليابان، وأخيراً كوريا الجنوبية، قامت هذه التحالفات بتقديم عروضها لحكومة دولة الإمارات قبل ما يُقارب العام، وخلال هذه الفترة قامت الحكومة الإماراتية بالاستعانة بخبرات دولية لدراسة وتقييم العروض المقدَّمة. وعلى ما يبدو أن القرار النهائي بمنح التحالف الكوري الجنوبي عقد المشروع النووي استند إلى الاعتبارات الأساسية التالية:
* اعتبارات الكفاءة التقنية: وأهم عنصر في هذا الاعتبار هو عنصر الأمان والسلامة وهو عنصر يجب أن يتوافر في التصميم الأساسي للمشروع، ثم يأتي بعد ذلك سِجل تجارِب التشغيل العملي للمفاعل والتي يجب أن تمتد إلى سنوات طويلة لإثبات سلامة التصميم؛ فأكبر معضلة تواجه أي مشروع نووي سلمي هي ضمان سلامة وأمان المفاعل من مخاطر التلوث والتسريبات الإشعاعية ومخاطر الانفجارات المصاحبة لأخطاء التشغيل وغيرها من الأخطار التي تُلازم عمل المفاعلات النووية على امتداد فترة العمر الافتراضي للمشروع. وفي هذا الخصوص توافرت الأدلة لصُنّاع القرار الإماراتي على كون تصميم المفاعلات المعتمدة من قِبَل الشركة الكورية للطاقة الكهربائية يُعَدّ واحداً من أفضل التصاميم المتوافرة، وله سِجلّ طويل في ضمان عنصر الأمان والسلامة يتجاوز ثلاثة عقود زمنية. ومن ناحية عمق الخبرة التقنية فإن الشركة الكورية تُعَدّ ثالث أكبر شركة عالمية في مجال توليد الطاقة الكهربائية بالمفاعلات النووية، وتمتلك أكثر من عشرين محطة توليد نووية عاملة بطاقة إنتاجية تتجاوز 17 ألف ميغاواط، إلى جانب ثماني عشرة محطة قيد الإنجاز أو في مراحل التخطيط، وبالإضافة إلى عنصري الأمان والسلامة، وهما العنصران الأساسيان، فقد امتازت تصاميم المفاعلات الكورية الجنوبية بسهولة التشغيل والإدامة.
* اعتبارات حساب التكلفة التراكمية للمشروع: لعبت حسابات التكلفة التراكمية للمشروع دوراً أساسياً في قرار منح العقد للتحالف الكوري. فقد ظهرت دلائل على أن حسابات التكلفة التراكمية في العرض الكوري هي الأفضل مقارنة بكافة العروض المقدَّمة من الدول الأخرى. ومفهوم (التكلفة التراكمية) يشير إلى التكلفة الأساسية لتوريد المفاعلات، تكلفة الإنشاء، تكلفة التشغيل، تكلفة نظام الإدامة، إلى جانب تكلفة التطوير المستقبلي للمنشآت النووية.
* اعتبارات تقييم الآثار الاقتصادية والعلمية للعقد: وكان لهذا الاعتبار نصيبه في التأثير في حسابات صُنّاع القرار في دولة الإمارات. فالعرض الكوري الجنوبي يتضمن اتفاقاً بين مؤسسة الإمارات للطاقة النووية والشركة الكورية للطاقة الكهربائية تحصل بموجبه الشركة الكورية على جُزء من أسهُم المشروع، وهو ما يجعل الجانب الكوري شريكاً جزئياً في المشروع؛ وهو الأمر الذي يضمن قيام مصلحة للطرَف المتعاقِد في إنجاز المشروع بالسرعة الممكنة، وضمن التقديرات المالية المتفَق عليها، وضمان سير المشروع على أُسُس التشغيل الآمِن. وهناك بُعد آخَر للعقد يتضمن تعهُّد الجانب الكوري بنقل الخبرات التقنية والعلمية لمواطني الدولة عبر استيعابهم في مؤسسات المشروع النووي وهو ما يُؤسِّس، وعلى المدى الطويل، كادراً وطنياً يكتسب الخبرات المطلوبة ليكون قادراً على إدارة المشروع مستقبلاً.
* اعتبارات عملية تقييم الثقة بالطرَف الشريك على المدى البعيد: وفي اعتقادنا أن هذه القضية شغلت حيزاً كبيراً ومهماً في القرار الإماراتي في عدم الاستعانة بالطرَف الأمريكي، وربما بأي طرَف غربي آخَر. هذا رغم أن دولة الإمارات وخلال العامين الماضيين قامت بتوقيع اتفاقات تعاون في المجال النووي السلمي مع أغلب الدول الغربية؛ وهو ما يسهل افتراضاً عملية التوصل إلى عقود بناء المفاعلات النووية مع هذه الدول. لقد شعر صُنّاع القرار في أبوظبي بأن الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية الأخرى التي تسعى إلى الحصول على العقد النووي الإماراتي ربما ستحاول استخدام عقد المشروع النووي كوسيلة لممارسة الضغط والابتزاز السياسي على حكومة الدولة عندما تستدعي الحاجة إلى ذلك. وقد تعزّز هذا الشعور الإماراتي نتيجة للصعوبات التي مرت بها عملية إقرار اتفاقية التعاون النووي الإماراتي مع الولايات المتحدة خلال مناقشة الكونغرس الأمريكي للمشروع.
فخلال العام الأخير من فترة رئاسة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش الابن تم التوصل إلى اتفاق بين الإدارة الأمريكية وحكومة الإمارات على تأسيس أُسُس التعاون النووي السلمي بين الدولتين ضمن إطار ترتيبات أمريكية يطلق عليها اسم (اتفاقية 123). وتشير هذه الاتفاقية إلى المادة رقم 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكية لعام 1954 التي تُخوِّل الإدارات الأمريكية عقد (اتفاقيات تعاون نووي) مع الدول الأخرى للأغراض السلمية، وتوفير المعَدّات والوقود النووي والمساعدات التقنية الأمريكية لهذه الدول التي وافقت على الالتزام بالشروط التي حددتها الاتفاقية. وتُعَدّ (اتفاقية 123) ضمن الاتفاقيات التي تُؤسِّس (الإطار العامّ) للتعاون النووي، وهو ما يستوجب التفاوض اللاحق على تفاصيل وشروط أي عقد نووي أمريكي مع هذه الدول. وقامت الولايات المتحدة بعقد هذا النوع من الاتفاقية مع ما يُقارِب الخمس وعشرين دولة.
اختيار التحالف الكوري كمتعهِّد لتنفيذ المشروع يتضمن هدف تقليل مخاطر التدخلات السياسية
وخلال شهر ديسمبر 2008 تم التوصل إلى الصيغة النهائية لاتفاقية التعاون النووي بين الدولتين. وخلال شهر يوليو عام 2009 قامت إدارة الرئيس الجديد باراك أوباما، التي دعمت الاتفاقية، بعرض نصوص الاتفاقية الأمريكية–الإماراتية على الكونغرس الأمريكي من أجل المصادقة عليها، وقد فوجئ الجانب الإماراتي بقيام عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي بمحاولة تعطيل إقرار الاتفاقية ووضع الاعتراضات والتحفظات، وتوجيه اتهامات باطلة لدولة الإمارات، وخاصّة حول علاقات دولة الإمارات بإيران، والادعاء، ضمن ادعاءات أخرى، بعدم تعاون الجانب الإماراتي في فرض الحظر والمقاطعة المفروضة على برنامج إيران النووي.
وتم تمرير الاتفاقية في نهاية المطاف وأمست سارية المفعول، لكن تركت تجربة تمرير الاتفاق عبر الكونغرس، وما أثير حولها من اعتراضات وتحفظات لا أساس لها في الواقع، تركت ذكريات مُرة في حسابات صُنّاع القرار الإماراتي، وأُخذت على أنها نذير شؤم وإشارة تحذير في كيفية تعامل الكونغرس الأمريكي المستقبلي مع أي عقد نووي أمريكي فعلي مع دولة الإمارات.

ومما يستوجب الإشارة إليه أن اعتراضات وتحفظات بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي على تمرير (اتفاقية 123) جاءت رغم الجهد الذي بذلته حكومة دولة الإمارات في التأكيد على نيّتها السلمية والطبيعة المدنية البحتة للبرنامج النووي الإماراتي، والذهاب إلى أبعد ما يمكن لتأكيد هذه الحقيقة عبر إقرار وإعلان استراتيجية وطنية تحدِّد وبدقة طبيعة وأهداف برنامج الدولة النووي تم إعلانها رسمياً في مارس 2008، تُلزِم الدولة ومؤسساتها بالحفاظ على الطبيعة المدنية والسلمية للبرنامج. وذهبت الاستراتيجية التي أعلنتها الدولة إلى حد التعهد بعدم تخصيب اليورانيوم داخل حدود الدولة، وهذا يُعَدّ تنازلاً طوعياً عن حق سيادي ضمنته اتفاقية حظر الانتشار النووي لكافة الدول الأعضاء فيها، وهو حقّ تخصيب اليورانيوم للأغراض السلمية.
أكبر معضلة تواجه أي مشروع نووي سلمي هي ضمان سلامة وأمان المفاعل
إن القرار الإماراتي في تجنُّب منح عقد بناء المفاعلات النووية إلى الولايات المتحدة، أو حتى لدولة غربية يقوم على حسابات منطقية مفادها أن بناء مفاعلات الطاقة النووية سيستغرق فترة زمنية تقارب العشر سنوات، وعملية التشغيل والاستفادة تستمر لمدة ثلاثين عاماً. وخلال هذه السنوات الطويلة من عُمر المشروع النووي التي تقارب الأربعة عقود ستتمكن الإدارات الأمريكية القادمة، أو أي عضو من أعضاء الكونغرس الأمريكي، أو حتى جماعات الضغط الصهيونية من وضع العقبات في سير وتطور المشروع. ومن الممكن إيقاف أو تعطيل المشروع خلال مرحلة التأسيس، أو في أي مرحلة من مراحل التشغيل طويل المدى. لذا فإن اختيار التحالف الكوري الجنوبي كمتعهِّد لتنفيذ المشروع يتضمن هدف تقليل مخاطر التدخلات السياسية في سير المشروع النووي من قِبَل حكومة الدولة المتعاقِدة.
وهذا طبعاً لا يعني، بأي حال، زوال مخاطر التدخلات السياسية بشكل تامّ. فالولايات المتحدة ستكون قادرة على وضع الضغوط غير المباشرة على البرنامج النووي الإماراتي، إن رغبت في هذا الأمر، عبر وضع الضغوط على حكومة كوريا الجنوبية. لكن هذا الأمر لن يكون يسيراً مقارنة بالاختيار القائم على منح العقد لتحالف صناعي أمريكي يخضع وبشكل مباشر وفوري لضغوط الكونغرس والإدارات الأمريكية.
يبقى السؤال المهم هنا: في ظِلّ تسارع الدول الخليجية وبقية الدول العربية إلى تبنِّي الخيار النووي للأغراض السلمية، هل ستخدم تجربة المشروع الإماراتي الرائد هدف تبنِّي العالم العربي الخيار النووي بعد طول غياب وتردُّد؟
::/fulltext::
::cck::855::/cck::
