مستقبل العلاقات السعودية – الصينية: التحديات والفرص

::cck::1030::/cck::
::introtext::

تمر العلاقات السعودية – الصينية منذ عقد تقريباً بمرحلة دقيقة تتطلب مراجعة نقدية للإنجازات التي تحققت، وللعقبات التي تحول دون تطوير تلك العلاقات بما يتماشى مع وزن السعودية والصين في المجتمع الدولي. ومن المؤكد أن أحد مصادر الخلل الراهن في العلاقات الثنائية يعود إلى أسباب يطرحها الطرف السعودي.

::/introtext::
::fulltext::

تمر العلاقات السعودية – الصينية منذ عقد تقريباً بمرحلة دقيقة تتطلب مراجعة نقدية للإنجازات التي تحققت، وللعقبات التي تحول دون تطوير تلك العلاقات بما يتماشى مع وزن السعودية والصين في المجتمع الدولي. ومن المؤكد أن أحد مصادر الخلل الراهن في العلاقات الثنائية يعود إلى أسباب يطرحها الطرف السعودي.

إن المصالح السعودية في ما يتعلق بالتعامل مع الصين ليست متماثلة، كما أن ما لدى السعودية منتكنولوجيا ربما لا يشكل دافعاً قوياً لتطوير تلك العلاقات. ومن ثم، فإن جزءاً مهماًمن مسؤولية تطوير العلاقات السعودية – الصينية يقع على عاتق السعودية، لكن جزءاً آخر يقع على عاتق الصين أيضاً، وذلك على الأقل لحماية مصالحها التجارية والنفطية والاستراتيجية في  الخليج العربي.

هناك رغبة سعودية – صينية مشتركة لبناء و تطوير العلاقات إلى مستوى أرقى من التعاون

وفي تقدير الكاتب، فإن استمرار الوتيرة الراهنة للعلاقات السعودية – الصينيةسيؤدي في خلال سنوات معدودة إلى رسوخ إدراك سعودي بأن الصين لم تعد عاملاً مؤثراً فيمعادلات الشرق الأوسط، لذا من الأفضل بناء مشاركات استراتيجية مع القوى المؤثرة فيتلك المعادلات، وهو أمر لا يتفق مع المصالح الصينية في المدى البعيد. لقد أمكن حتى الآن حماية تلك المصالح استناداً إلى سجل الإنجازات السعودية – الصينية المشتركة طوالالفترة الماضية، لكن هذا السجل إذا لم يتم تجديد وتنشيط وتطوير عناصره، وفقاً لتصورات السيناريوهات المطروحة أدناه، فإنه لا بد أن يتآكل بفعل تحلل تلك العناصر.

 

وتكتسب محاولة وضع رؤية مستقبلية للعلاقات السعودية – الصينية أهمية خاصة، نظراً لأهمية هذه العلاقات الثنائية بالنسبة للطرفين، وهو ما تؤكده الخبرة التاريخية والمعاصرة، ونظراً أيضاً لأن هذه العلاقات بدأت تشهد تغيرات جوهرية في السنوات الأخيرة توحي بأن توجهاتها المستقبلية سوف تختلف اختلافاً جذرياً عن توجهاتها خلال المرحلة السابقة، أي عن المرحلة السابقة التي بدأت عام 1985 على صعيد بداية الحوار شبه الرسمي وعقد صفقة السلام المعروفة، والمرحلة الأكثر خصوصية للطرفين إبان إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1990م. 

العلاقات السعودية-الصينية حققت بعض التقدم خلال السنوات القليلة الماضية

ولا شك في أن الهدف من وضع تصورات لمستقبل العلاقات السعودية – الصينية، هو طرح الأفكار التي يرى الكاتب أنها قد تكون ملائمة لتخطيط السياسة الخارجية السعودية خلال المرحلة المقبلة في قضية مهمة من قضايا العلاقات الخارجية للمملكة تدور في نطاق التعامل مع القوى العظمى القائمة والصاعدة في المستقبل، فموضوع كهذا لا بد من الاهتمام به والتخطيط له من الآن، خاصة بعد التغيرات الجيو سياسية التي تشهدها المنطقة منذ احتلال العراق عام 2003م وأفغانستان عام 2002م والضعف الذي تبدو عليه الدول العربية في مواجهة التفرّد الأمريكي في شؤون المنطقة وثرواتها النفطية.

ووضع الكاتب –باجتهاده الخاص- وبعد جملة قراءات عن واقع ومستقبل العلاقات السعودية – الصينية، تصوراته لثلاثة سيناريوهات مكملة لبعضها بعضاً، قد تكون بداية جيدة لصانع القرار السعودي لتنويع الخيارات أمامه في سبيل تطوير وتنمية علاقات بلاده مع الصين، كما يمكن تطوير هذه الرؤى من خلال الحذف أو الإضافة.

أولاً: سيناريو البناء على ما هو قائم حالياً

ليس ثمة شك في أن العلاقات السعودية – الصينية حققت بعض التقدم خلال السنوات القليلة الماضية، سواء من حيث توافر الإطار المؤسسي من لجان واتفاقيات وبروتوكولات، بالإضافة إلى وجود بعض المشروعات المشتركة القائمة بالفعل، بالإضافة إلى توافر قدر من الخبرة العملية في المعاملات الاقتصادية والتجارية والسياسية.

وبالتالي، فهذا السيناريو يقوم على أساس ما هو قائم حالياً من أجل تطويره، بما يؤدي إلى تحقيق التوازن في المصالح بين الطرفين، وبما يساعد على وضع الأسس التي تمثل البنية الأساسية لاستمرار عملية البناء والتطوير في هذه العلاقات.

ويقوم هذا السيناريو على افتراضات عدة أهمها:

1- إن هناك تراكماً في الخبرة العملية والعلمية تجمعت من خلال العمل في الفترة الماضية، وإن كلا الطرفين أردك أهمية هذه العلاقات بالنسبة لمصالحه الحالية والمستقبلية.

2- إن تجربة السنوات الماضية تستحق التحليل والدراسة في ضوء تحديد النقاط التالية:

* أوجه القوة والضعف في هذه العلاقات.

* الأهداف التي يمكن تحقيقها ولم تتحقق للطرفين، خاصة على الصعيدين السياسي والتجاري، ومعرفة حقيقة المعوقات التي حالت دون ذلك.

* معرفة رؤية كل طرف تجاه الآخر ومدى ملاءمة هذه الرؤية للطموح المشترك والواقع الإقليمي والدولي القائم.

* تحديد المجالات التي ركز عليها الجانبان خلال السنوات الماضية، وسعياً إلى تطويرها من دون غيرها من المجالات.

3- من خلال هذا التقييم الموضوعي، يمكن تحديد الأهداف المطلوب تحقيقها في المستقبل، وكذلك تحديد أسلوب البناء على ما هو قائم حالياً، مع الأخذ في الاعتبار التطورات والمستجدات المتوقعة في نطاق هذه العلاقات، إقليمياً ودولياً.

وثمة عوامل دافعة لتحقيق هذا السيناريو، منها توافر الرغبة المشتركة لدى الطرفين في بناء وتطوير هذه العلاقات إلى مستوى أرقى عما هو قائم، وتوافر رؤية استراتيجية متكاملة ومعلنة بالفعل بالنسبة لسياستهما الخارجية، بالإضافة إلى توافر قدر ملائم من المصالح المتبادلة التي تدفع نحو الأخذ بهذا السيناريو.

بيد أن ثمة عوامل محددة أو مقيدة لهذا السيناريو، وهي طبيعة التوازنات الدولية القائمة، من حيث كونها قد تساعد أو تعيق تحقيق هذا السيناريو، وكذلك إلى أي حد قد يتعارض تطبيق هذا السيناريو مع ارتباطات السعودية الخارجية مع القوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة التي تسعى دوماً إلى تقييد حركة الصين في مناطق النفوذ الأمريكي، خاصة منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

 ثانياً: سيناريو إعادة بناء العلاقات الثنائية بصورة شاملة

يقوم هذا السيناريو على افتراضات أساسية عدة، هي:

1- إن كلاً من السعودية والصين تأكدتا بعد تجربة السنوات الماضية أن المرحلة السابقة لم تكن ملائمة بصورة جيدة لتحقيق أهداف ومصالح كل منهما، الأمر الذي يتطلب مراجعة شاملة لكافة أبعاد وجوانب هذه العلاقات وإعادة بنائها من جديد.

2- إدراك الطرفين بأن إعادة البناء الشامل لهذه العلاقات يمكن أن تساهم في تعديل توازن القوى الدولي والإقليمي لكل منهما بما يتوافق ومصالح وأهداف كل طرف.

3- بروز مجالات جديدة لهذه العلاقات في حين زادت أهمية مجالات أخرى لم تكن قد نالت القدر الكافي من الاهتمام في المرحلة السابقة.

4- تغير أولويات كل طرف، الأمر الذي يتطلب إعادة بناء هذه العلاقات من جديد بما يتوافق مع هذا التغيّر.

 ومن العوامل الدافعة لهذا السيناريو:

* تصاعد القوة الصينية المستمر والمتدرج على مدى السنوات الأخيرة، وتوافر إمكانية نمو هذه القوة في المستقبل.

* اتفاق الصين مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بشأن خطورة استمرار الانفراد الأمريكي في العالم، والتداعيات السلبية لذلك على مصالح دول المنطقة والصين.

* ازدياد حاجة الصين إلى السعودية ودول منطقة الخليج العربي في المستقبل، سواء في مجال الطاقة (النفط) أو الدعم السياسي لقضاياها في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.

* عدم وجود تناقضات جوهرية بين الجانبين، وتوافر مقومات إيجابية للعلاقات المشتركة بينهما، خاصة في المجال الاقتصادي – التجاري.

وثمة عوامل محددة أو معوّقة لهذا السيناريو، منها إمكانية أن تؤدي عملية إعادة البناء الشامل للعلاقات إلى المساس بمصالح قوى إقليمية ودولية، كإيران والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وكذلك إمكانية وجود خلافات في وجهات النظر بين البلدين حول ضرورة الأخذ بهذا البديل، وتردد الجانب الصيني بإمكانية إنجاز هذا البديل أو التفكير فيه مستقبلاً، خاصة أنه –مثلاً- قد يزيد من تأثير السعودية في بعض المناطق الداخلية الصينية التي توجد فيها أقلية مسلمة، لها مطالبها السياسية والثقافية الخاصة.

ومن ثم، فإن الأخذ بهذا السيناريو يتوقف على مدى التفاعل بين العوامل الدافعة والعوامل المعوّقة.

 ثالثاً: سيناريو العلاقات المتخصصة أو النوعية

يفترض هذا السيناريو أن العلاقات السعودية – الصينية قامت أساساً على علاقات متخصصة في مجال الطاقة والتبادل التجاري والتكنولوجيا الصناعية، فالصين ترغب في الحصول على الطاقة بشكل مستمر من السعودية ودول الخليج، وكذلك فتح السوق الخليجي، خاصة السعودي، أمام الصادرات الصينية المتميزة، بينما ترغب المملكة العربية السعودية في الاستفادة من تكنولوجيا الصين المتقدمة لدعم إمكاناتها الصناعية والعسكرية، فضلاً عن فتح المجال أمام الشركات الصينية العملاقة للاستثمار في السوق السعودي وجذب رؤوس أموال صينية في بعض القطاعات الصناعية والتجارية المهمة. بمعنى أن العلاقات قد تبدو –حسب هذا السيناريو- علاقات متخصصة أو نوعية في شكلها ومضمونها.

كما يفترض هذا السيناريو أن ثمة توافقاً مشتركاً بين الطرفين على هذا الأساس، خاصة أن الدور الصيني في القضايا السياسية لمنطقة الخليج والشرق الأوسط ضعف تدريجياً خلال العقد الماضي مقارنة بدوره القوي قبل انتهاء الحرب البادرة وسقوط الاتحاد السوفييتي وتزعم الولايات المتحدة نظاماً دولياً أحادي الجانب، وهي حقيقة أدركتها المملكة العربية السعودية سلفاً، وأقامت علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع الصين للاستفادة فقط من مكانتها المرموقة في الاقتصاد الدولي، ومستقبلها كقوة عظمى قادرة في السياسة الدولية.

ويمكن القول، إن الاستمرار في تعظيم هذه الجوانب المتخصصة في العلاقات المشتركة بينهما، قد يقود مستقبلاً إلى طرق أبواب المجالات الأخرى بصورة أقوى تبعاً للظروف والمتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة.

وثمة عوامل تدفع نحو هذا السيناريو أهمها، بروز أهمية العوامل الاقتصادية والتجارية والنفطية في العلاقات الدولية المعاصرة، ووضوحها بالنسبة لطرفي العلاقة، ومن ثم فقد يكون التركيز على تطوير وتوسيع نطاق العلاقات الاقتصادية والتجارية، جانباً إيجابياً لضمان استقرار العلاقات مستقبلاً والحفاظ على وتيرة عالية من التفاهم المشترك حول العديد من القضايا الأخرى ذات الصلة بالعلاقات الثنائية المتميزة.

والأهم، أن العلاقات التجارية والنفطية بينهما لا تثير حساسيات إقليمية ودولية، بل يمكن أن تفتح المجال أمام أطراف أخرى للدخول في نطاقها وتوسيع دائرة العلاقات الإقليمية والدولية بصورة ناجعة.

أما المعوقات التي تقف في وجه هذا السيناريو، فتتمثل في إمكانية عدم التوصل إلى التوازن في تحقيق المصالح الاقتصادية بين الطرفين، خاصة مع وجود خلل واضح في توازن القوى الاقتصادي بين الجانبين، ووجود قوى ذات مصالح مهمة في الإطار الإقليمي والدولي يمكن أن تؤثر في سير هذا النوع المتخصص من العلاقات، كذلك فإن الارتباط القائم بين الاقتصادي والسياسي في عالم اليوم، قد يفرض بعض القيود الموضوعية أو النفسية على العلاقات المتخصصة بين الطرفين في المجال التجاري – الاقتصادي، بالإضافة إلى وجود اختلاف بينهما حول القطاعات الاقتصادية التي يرى كل منهما أهمية تطويرها وتوسيعها.      

وبذا، فإنالمصالح السعودية – الصينية المشتركة تدفع في هذا الاتجاه ليس بحكم التراث التاريخي والثقافي المشترك فقط، لكن أيضاً بحكم التحديات المشتركة التي يواجهها الطرفان في ظل نظام عالمي (أمريكي) يُصر على (تنميط) العالم في قالب غربي.‏

 

 

::/fulltext::

kking-10b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1030::/cck::
::introtext::

تمر العلاقات السعودية – الصينية منذ عقد تقريباً بمرحلة دقيقة تتطلب مراجعة نقدية للإنجازات التي تحققت، وللعقبات التي تحول دون تطوير تلك العلاقات بما يتماشى مع وزن السعودية والصين في المجتمع الدولي. ومن المؤكد أن أحد مصادر الخلل الراهن في العلاقات الثنائية يعود إلى أسباب يطرحها الطرف السعودي.

::/introtext::
::fulltext::

تمر العلاقات السعودية – الصينية منذ عقد تقريباً بمرحلة دقيقة تتطلب مراجعة نقدية للإنجازات التي تحققت، وللعقبات التي تحول دون تطوير تلك العلاقات بما يتماشى مع وزن السعودية والصين في المجتمع الدولي. ومن المؤكد أن أحد مصادر الخلل الراهن في العلاقات الثنائية يعود إلى أسباب يطرحها الطرف السعودي.

إن المصالح السعودية في ما يتعلق بالتعامل مع الصين ليست متماثلة، كما أن ما لدى السعودية منتكنولوجيا ربما لا يشكل دافعاً قوياً لتطوير تلك العلاقات. ومن ثم، فإن جزءاً مهماًمن مسؤولية تطوير العلاقات السعودية – الصينية يقع على عاتق السعودية، لكن جزءاً آخر يقع على عاتق الصين أيضاً، وذلك على الأقل لحماية مصالحها التجارية والنفطية والاستراتيجية في  الخليج العربي.

هناك رغبة سعودية – صينية مشتركة لبناء و تطوير العلاقات إلى مستوى أرقى من التعاون

وفي تقدير الكاتب، فإن استمرار الوتيرة الراهنة للعلاقات السعودية – الصينيةسيؤدي في خلال سنوات معدودة إلى رسوخ إدراك سعودي بأن الصين لم تعد عاملاً مؤثراً فيمعادلات الشرق الأوسط، لذا من الأفضل بناء مشاركات استراتيجية مع القوى المؤثرة فيتلك المعادلات، وهو أمر لا يتفق مع المصالح الصينية في المدى البعيد. لقد أمكن حتى الآن حماية تلك المصالح استناداً إلى سجل الإنجازات السعودية – الصينية المشتركة طوالالفترة الماضية، لكن هذا السجل إذا لم يتم تجديد وتنشيط وتطوير عناصره، وفقاً لتصورات السيناريوهات المطروحة أدناه، فإنه لا بد أن يتآكل بفعل تحلل تلك العناصر.

 

وتكتسب محاولة وضع رؤية مستقبلية للعلاقات السعودية – الصينية أهمية خاصة، نظراً لأهمية هذه العلاقات الثنائية بالنسبة للطرفين، وهو ما تؤكده الخبرة التاريخية والمعاصرة، ونظراً أيضاً لأن هذه العلاقات بدأت تشهد تغيرات جوهرية في السنوات الأخيرة توحي بأن توجهاتها المستقبلية سوف تختلف اختلافاً جذرياً عن توجهاتها خلال المرحلة السابقة، أي عن المرحلة السابقة التي بدأت عام 1985 على صعيد بداية الحوار شبه الرسمي وعقد صفقة السلام المعروفة، والمرحلة الأكثر خصوصية للطرفين إبان إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما عام 1990م. 

العلاقات السعودية-الصينية حققت بعض التقدم خلال السنوات القليلة الماضية

ولا شك في أن الهدف من وضع تصورات لمستقبل العلاقات السعودية – الصينية، هو طرح الأفكار التي يرى الكاتب أنها قد تكون ملائمة لتخطيط السياسة الخارجية السعودية خلال المرحلة المقبلة في قضية مهمة من قضايا العلاقات الخارجية للمملكة تدور في نطاق التعامل مع القوى العظمى القائمة والصاعدة في المستقبل، فموضوع كهذا لا بد من الاهتمام به والتخطيط له من الآن، خاصة بعد التغيرات الجيو سياسية التي تشهدها المنطقة منذ احتلال العراق عام 2003م وأفغانستان عام 2002م والضعف الذي تبدو عليه الدول العربية في مواجهة التفرّد الأمريكي في شؤون المنطقة وثرواتها النفطية.

ووضع الكاتب –باجتهاده الخاص- وبعد جملة قراءات عن واقع ومستقبل العلاقات السعودية – الصينية، تصوراته لثلاثة سيناريوهات مكملة لبعضها بعضاً، قد تكون بداية جيدة لصانع القرار السعودي لتنويع الخيارات أمامه في سبيل تطوير وتنمية علاقات بلاده مع الصين، كما يمكن تطوير هذه الرؤى من خلال الحذف أو الإضافة.

أولاً: سيناريو البناء على ما هو قائم حالياً

ليس ثمة شك في أن العلاقات السعودية – الصينية حققت بعض التقدم خلال السنوات القليلة الماضية، سواء من حيث توافر الإطار المؤسسي من لجان واتفاقيات وبروتوكولات، بالإضافة إلى وجود بعض المشروعات المشتركة القائمة بالفعل، بالإضافة إلى توافر قدر من الخبرة العملية في المعاملات الاقتصادية والتجارية والسياسية.

وبالتالي، فهذا السيناريو يقوم على أساس ما هو قائم حالياً من أجل تطويره، بما يؤدي إلى تحقيق التوازن في المصالح بين الطرفين، وبما يساعد على وضع الأسس التي تمثل البنية الأساسية لاستمرار عملية البناء والتطوير في هذه العلاقات.

ويقوم هذا السيناريو على افتراضات عدة أهمها:

1- إن هناك تراكماً في الخبرة العملية والعلمية تجمعت من خلال العمل في الفترة الماضية، وإن كلا الطرفين أردك أهمية هذه العلاقات بالنسبة لمصالحه الحالية والمستقبلية.

2- إن تجربة السنوات الماضية تستحق التحليل والدراسة في ضوء تحديد النقاط التالية:

* أوجه القوة والضعف في هذه العلاقات.

* الأهداف التي يمكن تحقيقها ولم تتحقق للطرفين، خاصة على الصعيدين السياسي والتجاري، ومعرفة حقيقة المعوقات التي حالت دون ذلك.

* معرفة رؤية كل طرف تجاه الآخر ومدى ملاءمة هذه الرؤية للطموح المشترك والواقع الإقليمي والدولي القائم.

* تحديد المجالات التي ركز عليها الجانبان خلال السنوات الماضية، وسعياً إلى تطويرها من دون غيرها من المجالات.

3- من خلال هذا التقييم الموضوعي، يمكن تحديد الأهداف المطلوب تحقيقها في المستقبل، وكذلك تحديد أسلوب البناء على ما هو قائم حالياً، مع الأخذ في الاعتبار التطورات والمستجدات المتوقعة في نطاق هذه العلاقات، إقليمياً ودولياً.

وثمة عوامل دافعة لتحقيق هذا السيناريو، منها توافر الرغبة المشتركة لدى الطرفين في بناء وتطوير هذه العلاقات إلى مستوى أرقى عما هو قائم، وتوافر رؤية استراتيجية متكاملة ومعلنة بالفعل بالنسبة لسياستهما الخارجية، بالإضافة إلى توافر قدر ملائم من المصالح المتبادلة التي تدفع نحو الأخذ بهذا السيناريو.

بيد أن ثمة عوامل محددة أو مقيدة لهذا السيناريو، وهي طبيعة التوازنات الدولية القائمة، من حيث كونها قد تساعد أو تعيق تحقيق هذا السيناريو، وكذلك إلى أي حد قد يتعارض تطبيق هذا السيناريو مع ارتباطات السعودية الخارجية مع القوى العظمى، خاصة الولايات المتحدة التي تسعى دوماً إلى تقييد حركة الصين في مناطق النفوذ الأمريكي، خاصة منطقة الخليج العربي والشرق الأوسط.

 ثانياً: سيناريو إعادة بناء العلاقات الثنائية بصورة شاملة

يقوم هذا السيناريو على افتراضات أساسية عدة، هي:

1- إن كلاً من السعودية والصين تأكدتا بعد تجربة السنوات الماضية أن المرحلة السابقة لم تكن ملائمة بصورة جيدة لتحقيق أهداف ومصالح كل منهما، الأمر الذي يتطلب مراجعة شاملة لكافة أبعاد وجوانب هذه العلاقات وإعادة بنائها من جديد.

2- إدراك الطرفين بأن إعادة البناء الشامل لهذه العلاقات يمكن أن تساهم في تعديل توازن القوى الدولي والإقليمي لكل منهما بما يتوافق ومصالح وأهداف كل طرف.

3- بروز مجالات جديدة لهذه العلاقات في حين زادت أهمية مجالات أخرى لم تكن قد نالت القدر الكافي من الاهتمام في المرحلة السابقة.

4- تغير أولويات كل طرف، الأمر الذي يتطلب إعادة بناء هذه العلاقات من جديد بما يتوافق مع هذا التغيّر.

 ومن العوامل الدافعة لهذا السيناريو:

* تصاعد القوة الصينية المستمر والمتدرج على مدى السنوات الأخيرة، وتوافر إمكانية نمو هذه القوة في المستقبل.

* اتفاق الصين مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي بشأن خطورة استمرار الانفراد الأمريكي في العالم، والتداعيات السلبية لذلك على مصالح دول المنطقة والصين.

* ازدياد حاجة الصين إلى السعودية ودول منطقة الخليج العربي في المستقبل، سواء في مجال الطاقة (النفط) أو الدعم السياسي لقضاياها في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية.

* عدم وجود تناقضات جوهرية بين الجانبين، وتوافر مقومات إيجابية للعلاقات المشتركة بينهما، خاصة في المجال الاقتصادي – التجاري.

وثمة عوامل محددة أو معوّقة لهذا السيناريو، منها إمكانية أن تؤدي عملية إعادة البناء الشامل للعلاقات إلى المساس بمصالح قوى إقليمية ودولية، كإيران والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وكذلك إمكانية وجود خلافات في وجهات النظر بين البلدين حول ضرورة الأخذ بهذا البديل، وتردد الجانب الصيني بإمكانية إنجاز هذا البديل أو التفكير فيه مستقبلاً، خاصة أنه –مثلاً- قد يزيد من تأثير السعودية في بعض المناطق الداخلية الصينية التي توجد فيها أقلية مسلمة، لها مطالبها السياسية والثقافية الخاصة.

ومن ثم، فإن الأخذ بهذا السيناريو يتوقف على مدى التفاعل بين العوامل الدافعة والعوامل المعوّقة.

 ثالثاً: سيناريو العلاقات المتخصصة أو النوعية

يفترض هذا السيناريو أن العلاقات السعودية – الصينية قامت أساساً على علاقات متخصصة في مجال الطاقة والتبادل التجاري والتكنولوجيا الصناعية، فالصين ترغب في الحصول على الطاقة بشكل مستمر من السعودية ودول الخليج، وكذلك فتح السوق الخليجي، خاصة السعودي، أمام الصادرات الصينية المتميزة، بينما ترغب المملكة العربية السعودية في الاستفادة من تكنولوجيا الصين المتقدمة لدعم إمكاناتها الصناعية والعسكرية، فضلاً عن فتح المجال أمام الشركات الصينية العملاقة للاستثمار في السوق السعودي وجذب رؤوس أموال صينية في بعض القطاعات الصناعية والتجارية المهمة. بمعنى أن العلاقات قد تبدو –حسب هذا السيناريو- علاقات متخصصة أو نوعية في شكلها ومضمونها.

كما يفترض هذا السيناريو أن ثمة توافقاً مشتركاً بين الطرفين على هذا الأساس، خاصة أن الدور الصيني في القضايا السياسية لمنطقة الخليج والشرق الأوسط ضعف تدريجياً خلال العقد الماضي مقارنة بدوره القوي قبل انتهاء الحرب البادرة وسقوط الاتحاد السوفييتي وتزعم الولايات المتحدة نظاماً دولياً أحادي الجانب، وهي حقيقة أدركتها المملكة العربية السعودية سلفاً، وأقامت علاقاتها السياسية والدبلوماسية مع الصين للاستفادة فقط من مكانتها المرموقة في الاقتصاد الدولي، ومستقبلها كقوة عظمى قادرة في السياسة الدولية.

ويمكن القول، إن الاستمرار في تعظيم هذه الجوانب المتخصصة في العلاقات المشتركة بينهما، قد يقود مستقبلاً إلى طرق أبواب المجالات الأخرى بصورة أقوى تبعاً للظروف والمتغيرات الإقليمية والدولية الجديدة.

وثمة عوامل تدفع نحو هذا السيناريو أهمها، بروز أهمية العوامل الاقتصادية والتجارية والنفطية في العلاقات الدولية المعاصرة، ووضوحها بالنسبة لطرفي العلاقة، ومن ثم فقد يكون التركيز على تطوير وتوسيع نطاق العلاقات الاقتصادية والتجارية، جانباً إيجابياً لضمان استقرار العلاقات مستقبلاً والحفاظ على وتيرة عالية من التفاهم المشترك حول العديد من القضايا الأخرى ذات الصلة بالعلاقات الثنائية المتميزة.

والأهم، أن العلاقات التجارية والنفطية بينهما لا تثير حساسيات إقليمية ودولية، بل يمكن أن تفتح المجال أمام أطراف أخرى للدخول في نطاقها وتوسيع دائرة العلاقات الإقليمية والدولية بصورة ناجعة.

أما المعوقات التي تقف في وجه هذا السيناريو، فتتمثل في إمكانية عدم التوصل إلى التوازن في تحقيق المصالح الاقتصادية بين الطرفين، خاصة مع وجود خلل واضح في توازن القوى الاقتصادي بين الجانبين، ووجود قوى ذات مصالح مهمة في الإطار الإقليمي والدولي يمكن أن تؤثر في سير هذا النوع المتخصص من العلاقات، كذلك فإن الارتباط القائم بين الاقتصادي والسياسي في عالم اليوم، قد يفرض بعض القيود الموضوعية أو النفسية على العلاقات المتخصصة بين الطرفين في المجال التجاري – الاقتصادي، بالإضافة إلى وجود اختلاف بينهما حول القطاعات الاقتصادية التي يرى كل منهما أهمية تطويرها وتوسيعها.      

وبذا، فإنالمصالح السعودية – الصينية المشتركة تدفع في هذا الاتجاه ليس بحكم التراث التاريخي والثقافي المشترك فقط، لكن أيضاً بحكم التحديات المشتركة التي يواجهها الطرفان في ظل نظام عالمي (أمريكي) يُصر على (تنميط) العالم في قالب غربي.‏

 

 

::/fulltext::
::cck::1030::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *