التكتلات الاقتصادية: المفهوم والأبعاد والمحددات

::cck::3154::/cck::
::introtext::

رغم أن التكتلات الاقتصادية ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ذاتها وأنماط التبادل المختلفة القائمة فيما بينها، فإن الحديث عن هذه الظاهرة، رغم قلته وندرته، هو حديث معاصر يرتبط بدرجة أو أخرى بالنصف الثاني من القرن العشرين. 

::/introtext::
::fulltext::

رغم أن التكتلات الاقتصادية ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ذاتها وأنماط التبادل المختلفة القائمة فيما بينها، فإن الحديث عن هذه الظاهرة، رغم قلته وندرته، هو حديث معاصر يرتبط بدرجة أو أخرى بالنصف الثاني من القرن العشرين.

الأمر لا شك فيه أن جوهر التكتلات الاقتصادية هو التعاون والتكامل الإنسانيان، الأمر الذي يعني أننا أمام ظاهرة قديمة قدم الإنسانية، وإن كانت قد أخذت أشكالاً وتجليات مختلفة أكثر تعقيداً وأكثر تقنيناً وأكثر قانونية. فما كان يقوم به البشر عبر علاقاتهم اليومية العفوية من تعاون وتكامل أضحى اليوم يتم من خلال الاتفاقيات والمحددات القانونية الملزمة لكافة الأطراف المشتركة ضمن هذه الاتفاقيات والتكتلات الاقتصادية المختلفة.

وقبل تناول المحددات والشروط المعاصرة المرتبطة بنشأة ظاهرة التكتلات الاقتصادية سوف نحاول تقديم تعريف أولي خاص بالظاهرة، حيث تشير التكتلات الاقتصادية إلى (تلك المحاولات التي تتم بين أكثر من دولة عبر فترات زمنية ممتدة وضمن حيز جغرافي واحد ومتقارب من أجل تفعيل الجوانب والممارسات والأنشطة الاقتصادية فيما بينهم). ورغم بساطة التعريف السابق إلا أنه يشتمل على العديد من النقاط المهمة التالية:

1- تمثل ظاهرة التكتلات الاقتصادية عملية متواصلة وممتدة عبر الزمن، وليست منجزاً نهائياً. ويعني ذلك أن التكتلات الاقتصادية ليست وليدة قرارات فورية وفوقية بقدر ما هي وليدة عمليات ممتدة تخضع للصواب والخطأ إلى أن تصل إلى مرحلة مقبولة من النجاح والاستقرار النسبيين. وعلينا هنا أن نضع في الاعتبار أن التكتلات الاقتصادية لا تعمل في فراغ من دون منافسة أو صراع، لكنها تعمل من خلال تغيرات عالمية تؤثر في عمل هذه التكتلات إن بالسلب أو الإيجاب؛ الأمر الذي يجعلنا نرى أن ظاهرة التكتلات الاقتصادية عملية متواصلة ترتبط بآليات عديدة من المتابعة والمراقبة والتطور.

2- تتجاوز ظاهرة التكتلات الاقتصادية بنية الدولة كوحدة جغرافية واحدة لتشمل العديد من الدول. ويعني ذلك أن الحد الأدنى لنشأة أي تكتل اقتصادي هو دولتان على الأقل. وفي العديد من الدول التي تنتهج النهج الفيدرالي يمكن الحديث عن تكتل اقتصادي فيما بين أجزاء ومناطق الدولة الواحدة، لكن هذا النوع من التكتلات يظل مرتبطاً بسيادة الدولة الواحدة وقوانينها الخاصة بها.

3- تقع ظاهرة التكتلات الاقتصادية ضمن حدود إقليمية معينة؛ حيث يمكن الحديث عن تكتل اقتصادي لدول شمال أمريكا، أو تكتل اقتصادي أوروبي أو آسيوي أو إفريقي. فلا يمكن تحقيق تكتل اقتصادي بين مناطق جغرافية متباعدة لا يوجد بينها رابط وحدود جغرافية متلاصقة. فالحديث عن تكتل اقتصادي يعني حرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية والتبادل التجاري والتخفيف من تأثيرات القيود الجمركية المختلفة؛ الأمر الذي يصب بالنهاية في تدعيم عملية الالتصاق الجغرافي والتواصل المكاني.

4- كما أن ظاهرة التكتلات الاقتصادية محكومة أيضاً بالقوانين والمعاهدات الدولية التي تحدد وظائف وسلوكيات وممارسات كل طرف من الأطراف المشاركة في تلك التكتلات الاقتصادية.

5- وأخيراً، فإن الهدف من الدخول في مثل هذه التكتلات هو تفعيل الجوانب الاقتصادية فيما بين الأطراف المشاركة، الأمر الذي يعظّم من الفوائد الاقتصادية المتحققة من خلال الاندماج في مثل هذه التكتلات.

وإذا كانت الجوانب السابقة ترتبط بالتعريف الخاص بالتكتلات الاقتصادية فإن تاريخ ظهور هذه التكتلات عبر القرن العشرين وحتى الآن يكشف عن مجموعة من الشروط اللازمة، المسبقة والضرورية، لقيام مثل هذه التكتلات الاقتصادية، بل وضمان نجاحها. وتؤكد العديد من التكتلات الاقتصادية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين على أهمية وضرورة وجود مثل تلك الجوانب لنجاح تلك التكتلات واستمرارية وجودها. ويمكن أن نشير هنا إلى بعض التجارب الناجحة قبل الإشارة إلى بعض العناصر المهمة التي جمعت بين هذه التجارب. ويأتي في صدارة هذه التكتلات الوحدة الأوروبية التي بدأت مع إطلاق معاهدة ماستريخت عام 1991، واستطاعت تحويل أوروبا المشتتة والمنقسمة على ذاتها بعد حربين عالميتين داميتين إلى اتحاد أوروبي يأتي في طليعة الاتحادات الاقتصادية المهيمنة عالمياً والأكثر تأثيراً كونياً. ويلي ذلك إنشاء منظمة النافتا (NAFTA) الخاصة بالتجارة الحرة لدول شمال أمريكا والتي تشمل كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. ولم تكن آسيا بعيدة عن تلك التكتلات الاقتصادية العالمية، بل إنها كانت الأقدم بالنظر إلى ظهور تلك التكتلات الاقتصادية، حيث شهدت تكتلين اقتصاديين مهمين: أولهما جاء تحت مسمى رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة اختصاراً باسم الآسيان (ASEAN) والتي تأسست عام 1967، وثانيهما منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا الباسيفيكية والمعروفة اختصاراً باسم إيبيك (APEC) ، والتي ظهرت عام 1989.
ويلاحظ في كل التكتلات الاقتصادية السابقة أنها اتسمت بالعديد من الأبعاد والمحددات التي أدت إلى نجاحها من جانب، واستمراريتها من جانب آخر. وهو الأمر الذي يجعل من هذه التجارب التجمعية أمثلة جيدة يمكن الاحتذاء والاستهداء بها عند تأسيس أي تكتلات اقتصادية جديدة، وبشكلٍ خاص في العديد من دول العالم الثالث النامية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، واضعين في الاعتبار في الوقت نفسه الفروق النسبية والتاريخية والجغرافية بين تكتل وآخر.

ومن أبرز الملامح والمحددات المرتبطة بهذه التكتلات تغليب المصالح الاقتصادية على الاختلافات السياسية. فمن الواضح أن المشاركين في مثل هذه التكتلات الاقتصادية ينحّون خلافاتهم السياسية جانباً، وينظرون إلى الأمر بعين المصلحة الاقتصادية المباشرة المتحققة من جراء الاندماج في مثل هذه التكتلات. والمثال الواضح على ذلك ما قامت به الدول الأوروبية صاحبة التاريخ العدائي الطويل فيما بينها، حيث آثرت ألا تنظر للوراء مصوبة عينيها نحو المستقبل بغض النظر عن عداءات وصراعات الأمس القريبة. إن العديد من التكتلات الاقتصادية فشلت في الكثير من مناطق العالم بسبب تغليب الرؤى السياسية الجامدة على المصالح الاقتصادية الأكثر مرونة. وتحتاج التكتلات الاقتصادية في هذا السياق إلى توجهات براغماتية مباشرة تتخذ من المصالح الخاصة بالشعوب هدفاً مباشراً بغض النظر عن الاختلافات السياسية أو الثقافية أو الإيديولوجية.

ويرتبط ما سبق بعقلانية تشكيل وتأسيس التكتلات الاقتصادية، حيث يتم توزيع الأدوار والوظائف بما يتناسب مع طبيعة كل عضو، وما يضيفه من مزايا للتكتل ككل. إن التكتلات الاقتصادية المعاصرة لا يمكن لها أن تتم من دون قدر كبير من الوفاق والتعاون بين أطراف التكتل كاملة. وهو وفاق وتعاون حقيقي وليس شكلياً؛ حيث يعبر عن ضمانة أساسية تتعلق بأهمية كل عضو ضمن التكتل الكلي، وبما يضيفه هذا العضو إلى باقي أعضاء التكتل، ومن إحساس هذا العضو المشارك ذاته بما يستفيده من اندماجه ضمن هذا التكتل. إن الضمانة الأساسية لفاعلية واستمرارية التكتلات الاقتصادية تتأسس من خلال ذلك القدر الذي يقبل الأعضاء بالتنازل عنه للآخرين مقابل حصولهم على مزايا أخرى يحصلون عليها في المقابل. ومن دون هذا القدر من الأخذ والعطاء لا يمكن لأي تكتل أن يظهر ويستمر في الوجود.

وتكشف تجارب التكتلات الاقتصادية الرائدة السابق الإشارة إليها عن تدرجها في تحقيق الأهداف التي وضعتها في ميثاق تأسيسها. فلم تبدأ مثل هذه التكتلات بطموحات جامحة بقدر ما بدأت بطموحات محدودة وصغيرة وانتقلت منها إلى ما هو أصعب وأكثر طموحاً. والمثال على ذلك الاتحاد الأوروبي الذي بدأ بخمس عشرة دولة ووصل الآن ليشمل القارة الأوروبية بأكملها. إن من الضروري البدء بالطموحات المتواضعة عند البدء بتأسيس أى تكتل، حيث تمثل تلك الخطوات البسيطة القاعدة التي تتشكل عبرها الطموحات الهائلة والشاملة.

وعلى ذكر الطموحات والتدرج بها من البسيط إلى المركب، فإن التكتلات الاقتصادية تمثل المدخل البسيط والمباشر للبدء في تحقيق كافة أشكال التكتلات الأخرى، والأكثر صعوبة مثل التكتلات السياسية والثقافية والإعلامية. إن البدء بما يحقق مصالح السواد الأعظم من الشعوب المندرجة ضمن تكتل اقتصادي بعينه يساعد لا محالة على قبول الاندماج السياسي والثقافي والإعلامي فيما بعد. ورغم أننا نفصل هنا بين مستويات التكتل المختلفة، إلا أن واقع الأمر يكشف أنه لولا وجود درجة ما من الانسجام السياسي والثقافي والإعلامي فإن معظم التكتلات الاقتصادية سابقة الذكر ما كانت لتنجح وباءت بالفشل الذريع. وربما يمنحنا مرة أخرى مثال الاتحاد الأوروبي دليلاً مهماً على أن الانسجام السياسي والثقافي والإعلامي يلعب دوراً كبيراً في نجاح الانسجام الاقتصادي.

إن ظاهرة التكتلات الاقتصادية لم تعد ترفاً أو مشروعاً سياسياً دعائياً بقدر ما أصبحت متطلباً حياتياً مهماً يمكن من خلاله للدول النامية على وجه الخصوص أن تحافظ على أمنها من ناحية، وأن تقلل مخاطر العولمة والقوى الاقتصادية الهائلة والشركات المتعددة الجنسية التي تفترس تلك الدول طالما بقيت وحدات متناثرة ضعيفة غير مرتكنة إلى ضمانة وأمان أي تكتل اقتصادي من ناحية ثانية.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3154::/cck::
::introtext::

رغم أن التكتلات الاقتصادية ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ذاتها وأنماط التبادل المختلفة القائمة فيما بينها، فإن الحديث عن هذه الظاهرة، رغم قلته وندرته، هو حديث معاصر يرتبط بدرجة أو أخرى بالنصف الثاني من القرن العشرين. 

::/introtext::
::fulltext::

رغم أن التكتلات الاقتصادية ظاهرة قديمة قدم المجتمعات الإنسانية ذاتها وأنماط التبادل المختلفة القائمة فيما بينها، فإن الحديث عن هذه الظاهرة، رغم قلته وندرته، هو حديث معاصر يرتبط بدرجة أو أخرى بالنصف الثاني من القرن العشرين.

الأمر لا شك فيه أن جوهر التكتلات الاقتصادية هو التعاون والتكامل الإنسانيان، الأمر الذي يعني أننا أمام ظاهرة قديمة قدم الإنسانية، وإن كانت قد أخذت أشكالاً وتجليات مختلفة أكثر تعقيداً وأكثر تقنيناً وأكثر قانونية. فما كان يقوم به البشر عبر علاقاتهم اليومية العفوية من تعاون وتكامل أضحى اليوم يتم من خلال الاتفاقيات والمحددات القانونية الملزمة لكافة الأطراف المشتركة ضمن هذه الاتفاقيات والتكتلات الاقتصادية المختلفة.

وقبل تناول المحددات والشروط المعاصرة المرتبطة بنشأة ظاهرة التكتلات الاقتصادية سوف نحاول تقديم تعريف أولي خاص بالظاهرة، حيث تشير التكتلات الاقتصادية إلى (تلك المحاولات التي تتم بين أكثر من دولة عبر فترات زمنية ممتدة وضمن حيز جغرافي واحد ومتقارب من أجل تفعيل الجوانب والممارسات والأنشطة الاقتصادية فيما بينهم). ورغم بساطة التعريف السابق إلا أنه يشتمل على العديد من النقاط المهمة التالية:

1- تمثل ظاهرة التكتلات الاقتصادية عملية متواصلة وممتدة عبر الزمن، وليست منجزاً نهائياً. ويعني ذلك أن التكتلات الاقتصادية ليست وليدة قرارات فورية وفوقية بقدر ما هي وليدة عمليات ممتدة تخضع للصواب والخطأ إلى أن تصل إلى مرحلة مقبولة من النجاح والاستقرار النسبيين. وعلينا هنا أن نضع في الاعتبار أن التكتلات الاقتصادية لا تعمل في فراغ من دون منافسة أو صراع، لكنها تعمل من خلال تغيرات عالمية تؤثر في عمل هذه التكتلات إن بالسلب أو الإيجاب؛ الأمر الذي يجعلنا نرى أن ظاهرة التكتلات الاقتصادية عملية متواصلة ترتبط بآليات عديدة من المتابعة والمراقبة والتطور.

2- تتجاوز ظاهرة التكتلات الاقتصادية بنية الدولة كوحدة جغرافية واحدة لتشمل العديد من الدول. ويعني ذلك أن الحد الأدنى لنشأة أي تكتل اقتصادي هو دولتان على الأقل. وفي العديد من الدول التي تنتهج النهج الفيدرالي يمكن الحديث عن تكتل اقتصادي فيما بين أجزاء ومناطق الدولة الواحدة، لكن هذا النوع من التكتلات يظل مرتبطاً بسيادة الدولة الواحدة وقوانينها الخاصة بها.

3- تقع ظاهرة التكتلات الاقتصادية ضمن حدود إقليمية معينة؛ حيث يمكن الحديث عن تكتل اقتصادي لدول شمال أمريكا، أو تكتل اقتصادي أوروبي أو آسيوي أو إفريقي. فلا يمكن تحقيق تكتل اقتصادي بين مناطق جغرافية متباعدة لا يوجد بينها رابط وحدود جغرافية متلاصقة. فالحديث عن تكتل اقتصادي يعني حرية ممارسة الأنشطة الاقتصادية والتبادل التجاري والتخفيف من تأثيرات القيود الجمركية المختلفة؛ الأمر الذي يصب بالنهاية في تدعيم عملية الالتصاق الجغرافي والتواصل المكاني.

4- كما أن ظاهرة التكتلات الاقتصادية محكومة أيضاً بالقوانين والمعاهدات الدولية التي تحدد وظائف وسلوكيات وممارسات كل طرف من الأطراف المشاركة في تلك التكتلات الاقتصادية.

5- وأخيراً، فإن الهدف من الدخول في مثل هذه التكتلات هو تفعيل الجوانب الاقتصادية فيما بين الأطراف المشاركة، الأمر الذي يعظّم من الفوائد الاقتصادية المتحققة من خلال الاندماج في مثل هذه التكتلات.

وإذا كانت الجوانب السابقة ترتبط بالتعريف الخاص بالتكتلات الاقتصادية فإن تاريخ ظهور هذه التكتلات عبر القرن العشرين وحتى الآن يكشف عن مجموعة من الشروط اللازمة، المسبقة والضرورية، لقيام مثل هذه التكتلات الاقتصادية، بل وضمان نجاحها. وتؤكد العديد من التكتلات الاقتصادية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين على أهمية وضرورة وجود مثل تلك الجوانب لنجاح تلك التكتلات واستمرارية وجودها. ويمكن أن نشير هنا إلى بعض التجارب الناجحة قبل الإشارة إلى بعض العناصر المهمة التي جمعت بين هذه التجارب. ويأتي في صدارة هذه التكتلات الوحدة الأوروبية التي بدأت مع إطلاق معاهدة ماستريخت عام 1991، واستطاعت تحويل أوروبا المشتتة والمنقسمة على ذاتها بعد حربين عالميتين داميتين إلى اتحاد أوروبي يأتي في طليعة الاتحادات الاقتصادية المهيمنة عالمياً والأكثر تأثيراً كونياً. ويلي ذلك إنشاء منظمة النافتا (NAFTA) الخاصة بالتجارة الحرة لدول شمال أمريكا والتي تشمل كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك. ولم تكن آسيا بعيدة عن تلك التكتلات الاقتصادية العالمية، بل إنها كانت الأقدم بالنظر إلى ظهور تلك التكتلات الاقتصادية، حيث شهدت تكتلين اقتصاديين مهمين: أولهما جاء تحت مسمى رابطة دول جنوب شرق آسيا المعروفة اختصاراً باسم الآسيان (ASEAN) والتي تأسست عام 1967، وثانيهما منظمة التعاون الاقتصادي لآسيا الباسيفيكية والمعروفة اختصاراً باسم إيبيك (APEC) ، والتي ظهرت عام 1989.
ويلاحظ في كل التكتلات الاقتصادية السابقة أنها اتسمت بالعديد من الأبعاد والمحددات التي أدت إلى نجاحها من جانب، واستمراريتها من جانب آخر. وهو الأمر الذي يجعل من هذه التجارب التجمعية أمثلة جيدة يمكن الاحتذاء والاستهداء بها عند تأسيس أي تكتلات اقتصادية جديدة، وبشكلٍ خاص في العديد من دول العالم الثالث النامية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا، واضعين في الاعتبار في الوقت نفسه الفروق النسبية والتاريخية والجغرافية بين تكتل وآخر.

ومن أبرز الملامح والمحددات المرتبطة بهذه التكتلات تغليب المصالح الاقتصادية على الاختلافات السياسية. فمن الواضح أن المشاركين في مثل هذه التكتلات الاقتصادية ينحّون خلافاتهم السياسية جانباً، وينظرون إلى الأمر بعين المصلحة الاقتصادية المباشرة المتحققة من جراء الاندماج في مثل هذه التكتلات. والمثال الواضح على ذلك ما قامت به الدول الأوروبية صاحبة التاريخ العدائي الطويل فيما بينها، حيث آثرت ألا تنظر للوراء مصوبة عينيها نحو المستقبل بغض النظر عن عداءات وصراعات الأمس القريبة. إن العديد من التكتلات الاقتصادية فشلت في الكثير من مناطق العالم بسبب تغليب الرؤى السياسية الجامدة على المصالح الاقتصادية الأكثر مرونة. وتحتاج التكتلات الاقتصادية في هذا السياق إلى توجهات براغماتية مباشرة تتخذ من المصالح الخاصة بالشعوب هدفاً مباشراً بغض النظر عن الاختلافات السياسية أو الثقافية أو الإيديولوجية.

ويرتبط ما سبق بعقلانية تشكيل وتأسيس التكتلات الاقتصادية، حيث يتم توزيع الأدوار والوظائف بما يتناسب مع طبيعة كل عضو، وما يضيفه من مزايا للتكتل ككل. إن التكتلات الاقتصادية المعاصرة لا يمكن لها أن تتم من دون قدر كبير من الوفاق والتعاون بين أطراف التكتل كاملة. وهو وفاق وتعاون حقيقي وليس شكلياً؛ حيث يعبر عن ضمانة أساسية تتعلق بأهمية كل عضو ضمن التكتل الكلي، وبما يضيفه هذا العضو إلى باقي أعضاء التكتل، ومن إحساس هذا العضو المشارك ذاته بما يستفيده من اندماجه ضمن هذا التكتل. إن الضمانة الأساسية لفاعلية واستمرارية التكتلات الاقتصادية تتأسس من خلال ذلك القدر الذي يقبل الأعضاء بالتنازل عنه للآخرين مقابل حصولهم على مزايا أخرى يحصلون عليها في المقابل. ومن دون هذا القدر من الأخذ والعطاء لا يمكن لأي تكتل أن يظهر ويستمر في الوجود.

وتكشف تجارب التكتلات الاقتصادية الرائدة السابق الإشارة إليها عن تدرجها في تحقيق الأهداف التي وضعتها في ميثاق تأسيسها. فلم تبدأ مثل هذه التكتلات بطموحات جامحة بقدر ما بدأت بطموحات محدودة وصغيرة وانتقلت منها إلى ما هو أصعب وأكثر طموحاً. والمثال على ذلك الاتحاد الأوروبي الذي بدأ بخمس عشرة دولة ووصل الآن ليشمل القارة الأوروبية بأكملها. إن من الضروري البدء بالطموحات المتواضعة عند البدء بتأسيس أى تكتل، حيث تمثل تلك الخطوات البسيطة القاعدة التي تتشكل عبرها الطموحات الهائلة والشاملة.

وعلى ذكر الطموحات والتدرج بها من البسيط إلى المركب، فإن التكتلات الاقتصادية تمثل المدخل البسيط والمباشر للبدء في تحقيق كافة أشكال التكتلات الأخرى، والأكثر صعوبة مثل التكتلات السياسية والثقافية والإعلامية. إن البدء بما يحقق مصالح السواد الأعظم من الشعوب المندرجة ضمن تكتل اقتصادي بعينه يساعد لا محالة على قبول الاندماج السياسي والثقافي والإعلامي فيما بعد. ورغم أننا نفصل هنا بين مستويات التكتل المختلفة، إلا أن واقع الأمر يكشف أنه لولا وجود درجة ما من الانسجام السياسي والثقافي والإعلامي فإن معظم التكتلات الاقتصادية سابقة الذكر ما كانت لتنجح وباءت بالفشل الذريع. وربما يمنحنا مرة أخرى مثال الاتحاد الأوروبي دليلاً مهماً على أن الانسجام السياسي والثقافي والإعلامي يلعب دوراً كبيراً في نجاح الانسجام الاقتصادي.

إن ظاهرة التكتلات الاقتصادية لم تعد ترفاً أو مشروعاً سياسياً دعائياً بقدر ما أصبحت متطلباً حياتياً مهماً يمكن من خلاله للدول النامية على وجه الخصوص أن تحافظ على أمنها من ناحية، وأن تقلل مخاطر العولمة والقوى الاقتصادية الهائلة والشركات المتعددة الجنسية التي تفترس تلك الدول طالما بقيت وحدات متناثرة ضعيفة غير مرتكنة إلى ضمانة وأمان أي تكتل اقتصادي من ناحية ثانية.

::/fulltext::
::cck::3154::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *