العلاقات التركية-الخليجية في ثمانية أعوام.. رؤية تحليلية

::cck::3085::/cck::
::introtext::

مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم التركي عام 2002م، شهدت العلاقات التركية – الخليجية تغيراً ملحوظاً، فالمراقب جيداً للعلاقات بينهما خلال الفترة الممتدة من 2002م وحتى وقتنا الحالي، أو بالأحرى خلال حكومة العدالة والتنمية، يُلاحظ أن مؤشرات التقارب بين الجانبين تخطت حد العلاقات الاعتيادية النمطية.

::/introtext::
::fulltext::

مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم التركي عام 2002م، شهدت العلاقات التركية – الخليجية تغيراً ملحوظاً، فالمراقب جيداً للعلاقات بينهما خلال الفترة الممتدة من 2002م وحتى وقتنا الحالي، أو بالأحرى خلال حكومة العدالة والتنمية، يُلاحظ أن مؤشرات التقارب بين الجانبين تخطت حد العلاقات الاعتيادية النمطية.
أخذت العلاقات الاعتيادية تُشكل إطاراً لعلاقات أوسع وأشمل وأعم سواء على المستوى الدبلوماسي أو السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، ظهرت ملامحها في العديد من المواقف، كمبادرة (اسطنبول للتعاون) عام 2004م، التي أقرت خططاً عمليةً، تعاونيةً، عسكريةً، أمنيةً، سياسيةً، بين (حلف الناتو) ودول الخليج العربية؛ يمكن أن يدعم من خلالها (الناتو) شراكته مع دول الخليج بشأن موضعي الدفاع والأمن، ومحاربة الإرهاب، وتحقيق المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
وكذلك حزمة الاتفاقيات التي أُبرمت بين الجانبين، بهدف زيادة التقارب، كالاتفاقيات الثلاث التي عقدتها تركيا مع دولة قطر، وتضمنت (القوى العاملة، والتعاون الإذاعي، والتأشيرات، حيث تم إلغاء تأشيرات الدخول لأصحاب الجوازات الدبلوماسية والخدمية والخاصة بين البلدين)، واتفاقية التفاهم المشترك مع دولة الكويت في مايو 2006م بهدف تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، كما عقدت سلطنة عمان عدة اتفاقيات مع تركيا تتعلق بحماية الاستثمار المشترك، ومنع الازدواج الضريبي، وتشجيع التعاون في المجالات العلمية والفنية والشبابية والرياضية‏، ومجال التبادل التجاري والثقافي‏‏.
هذا بخلاف الزيارات الرسمية، التي ازدادت بشكل كبير رغم غيابها قرابة العشرين عاماً، ومنها – على سبيل المثال لا الحصر- الزيارات الخمس التي قام بها عبدالله غول إلى الرياض، منذ كان نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية خلال الأعوام (2004م– 2005م– 2006م)، والزيارة التاريخية للبحرين، والتي تضمنت خطابه الشهير أمام المجلس الوطني البحريني (البرلمان) في إبريل 2009م، والذي أكد خلاله أن (استقرار البحرين ووحدة أراضيها مهمان بالنسبة لتركيا)، ناهيك عما أعلنه وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو خلال اجتماعه مع نظيره الإماراتي أثناء المشاركة في مؤتمر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، من أنه يوجد تعاون وتفاهم وثيقان بين بلاده والإمارات العربية المتحدة في المواضيع التي تهم البلدين والمواضيع الإقليمية.
يُضاف إلى ما سبق، مذكرة التفاهم التي وقُعت بين تركيا ودول الخليج العربية مجتمعة في الثاني من سبتمبر 2008م، بهدف تفعيل الحوار الاستراتيجي، وتطوير العلاقات الإيجابية، والتعاون البنيوي بين الجانبين، وتأسيس آلية استشارية منتظمة وشاملة في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية والأمنية والثقافية، والتي اعتبرها آنذاك وزير الخارجية التركي، بمثابة صفحة جديدة في العلاقات التركية-الخليجية عنوانها (التعاون لمواجهة التحديات في المنطقة والعمل على الاستقرار والسلم فيها).
وعلى ما يبدو، أن ملامح التقارب الوارد ذكرها سلفاً، تكشف حقيقتين رئيسيتين، تتعلق الأولى: بوجود رغبة متبادلة بين الجانبين التركي والخليجي في إقامة علاقات وطيدة، تعويضاً للفترات السابقة. والثانية: المقاربات بين الجانبين حدثت في ثمانية أعوام فقط، أي في عهد حكومة العدالة والتنمية، مما يجعلنا نتساءل ماذا بعد العدالة والتنمية؟
بيد أن القراءة الموضوعية للمقاربات هذه وغيرها، تدل على النجاح التركي – الخليجي في إعادة جسور التعاون المفقود، وهو ما نتفق عليه جميعاً، لكن ما يثير الاهتمام هنا إلى أي مدى حقق كل طرف أهدافه من التقارب؟ فتركيا العدالة والتنمية تبنت منذ اللحظات الأولى لإعلان توجهها نحو دول الخليج العربية، أجندة واضحة، تجسدت في تحقيق أهداف عدة، أولها: ما يمكن تسميته بـ (الأمن النفطي)؛ إذ تستورد الجمهورية التركية ما يعادل الـ 95 في المائة من حاجاتها النفطية، (ربعها تقريباً من العراق)، وينتقل إليها حوالي 500 ألف برميل يومياً عبر خط أنابيب كركوك الذي ينقل الخام من العراق إلى مرفأ جيهان التركي. والجدير بالملاحظة أن هذا الخط دائم التعرض للتوقف عن الضخ بسبب عمليات التخريب شبه المستمرة، وكان آخرها ما تعرض له الخط من تخريب في نوفمبر 2009م.
ومن الواضح أن تركيا قطعت شوطاً في هذا الجانب، بدءاً بطرحها مبادرة إحياء مشروع خط سكة حديد الحجاز، وإعادة مرة أخرى فكرة ربط تركيا بمنطقة الخليج العربي المملوءة بالثروات النفطية إلى الأذهان، مروراً بتدشين أولى خطوات إحياء خط السكة الحديدي أو ما يعرف هناك بـ (جسر الأخوة)، الذي من المتوقع أن يكون منفذاً آمناً لتركيا نحو الشرق، ونقطة تحول آمنة لنقل المواد النفطية بابتعاده عن مناطق التوتر، وكذلك زيادة وتيرة التبادل التجاري.
ولا يمكن الجزم بأن خط (الحجاز) مفيد لتركيا فقط، لأنه من الناحية الفعلية قد يُحقق لدول الخليج أمرين، الأول: تقريب الأسواق، بخاصة أن الخليج العربي يُعاني من بُعد الأسواق التي تتطلب النفط. والثاني: توفير الآمان في نقل النفط، فالطرق البحرية مهددة بالإغلاق، بخاصة في حال نشوب حرب في المنطقة بسبب البرنامج النووي الإيراني.
وتأتي عملية توسيع القاعدة الاستثمارية الخليجية في البلاد التركية، ضمن ثاني أهداف أجندة حكومة العدالة والتنمية، لاسيما أن رؤوس الأموال الخليجية تتمتع بوفرة كبيرة، ولتحقيق الزيادة المرتقبة في جذب الأموال الخليجية وغيرها عمدت الحكومة التركية إلى سن قوانين اقتصادية جديدة جعلت الاقتصاد التركي جاذباً للاستثمار؛ وحسب وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو تبلغ الاستثمارات الخليجية في تركيا حوالي 10 مليارات دولار، وحجم التبادل التجاري 16.6 مليار دولار بنسبة 2.7 في المائة ، ومقارنة بحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا، والتي قُدرت بحوالي 22 مليار دولار عامي 2007 – 2008م، فإن الاستثمارات الخليجية يبدو أنها لا ترتقي إلى حجم استثمارات الدول الأخرى، (تأتي دول الخليج العربية في المرتبة الرابعة في الاستثمار التركي حالياً بعد الاتحاد الأوروبي وأمريكا واليابان)، لكن التحليل المتأني لعملية توسيع القاعدة الاستثمارية الخليجية داخل تركيا، يكشف نمواً ملموساً لهذه القاعدة فقد ازداد حجم التبادل التجاري بنسبة عالية كما ارتفع عدد الشركات ذات رؤوس الأموال الخليجية بدرجة كبيرة.
وبخلاف النفط والاستثمار، وأمام المعوقات التي تواجهها العمالة التركية في دول الاتحاد الأوروبي كتدني الأجور والمعاملة شبه السيئة، فإنها تضع على أجندتها أيضاً، عملية توسيع قاعدتها العمالية في منطقة الخليج العربي، التي تبلغ في المملكة العربية السعودية فقط 120 ألفاً، يعمل أغلبهم في تخصصات ضيقة (ورش السيارات، محلات الحلاقة، المطاعم)، فعمدت إلى عقد اتفاقيات تتعلق بالقوى العاملة والتأشيرة مثل التي عقدتها مع قطر.
وبالنظر إلى الدور الأمني، فإن تركيا ترى دورها الأمني في المنطقة من منظور يختلف عما تراه دول الخليج العربية، فهي تريد إحداث نوع من التوازن الدبلوماسي (الوسيط المحايد) وليس العسكري في المنطقة، من شأنه أن يُرضي جميع الأطراف، وليس لغلبة طرف على آخر، فهي ترفض تزايد الدور الإيراني في العراق والمنطقة، ولا تقبل بالطموحات النووية الإيرانية غير السلمية، مما جعلها تُعيد النظر في استراتيجيتها النووية باتجاه التراجع عن حيادها النووي، بخاصة وجود (إيران نووية) ما من شأنه أن يُضيق الخناق على رغباتها في التمدد نحو الشرق الأوسط، ورغم ذلك، فالعلاقات مستمرة بل تزداد تفاعلاً عن ذي قبل.
ولا يمكن تجاهل أن استراتيجيتها المتبعة بإرضاء كل الأطراف في المنطقة، لاقت القبول والاستحسان من كافة أطراف المجتمع الدولي، فتلك السياسية ساعدت على إحداث تحول بالعلاقات التركية-الأمريكية، وأصبحت الإدارة الأمريكية تنظر إلى تركيا من منظور الحليف الإسلامي المعتدل الضروري في المنطقة، والذي من الممكن أن يُحدث توازناً أمام التقدم الإيراني، ويمكن تلخيص العلاقات التركية-الأمريكية، وفقاً لرؤية رئيس الوزراء التركي بقوله (إن علاقاتنا تقوم على القيم السياسية المشتركة والشراكة الاستراتيجية، فالعلاقات متعددة البعد بين تركيا والولايات المتحدة تصير أكثر عمقاً وقوة كل يوم).
كما أحدثت تلك السياسة أيضاً إرضاءً جزئياً، وليس كلياً، لدول مجلس التعاون الخليجي، التي ترفض أن يكون لإيران أي ثقل في المنطقة، فهناك توتر دائم بين دول الخليج وإيران، فلا تزال قضية الجزر الإماراتية الثلاث قائمة، ولا تزال أيضاً حرب التصريحات الإيرانية ضد دول الخليج العربية مشتعلة، وبالتالي فإن الوجود التركي في المنطقة رغم أنه وجود حيادي، إلا أنه يُشعر دول الخليج بالأمان النسبي، إذ يخدم توجهاً أساسياً في أجندة السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون.
وفي ضوء مما سبق، يبدو أن الجمهورية التركية الجديدة، عَرفت الدول الخليجية تعريفاً جامعاً مانعاً، يعكس مدى الوضوح في رؤيتها الخارجية، إذ تحقق تركيا أهدافها واحداً تلو الآخر من توطيد علاقتها بدول الخليج العربية، من دون التنازل عن السياسة العامة التي رسمتها لنفسها منذ ما يسميه البعض بـ (العودة التركية)، في حين اختزلت دول مجلس التعاون الخليجي الجزء الأكبر من علاقتها بتركيا في البعد الأمني، حيث نظرت إليها من منظور أُحادي، أو بالأحرى وضعت على قمة أجندتها في علاقتها بتركيا التوازن الأمني باعتبارها الدولة الحليفة التي قد تُحقق لها ما ترجوه من التوازن الإقليمي في المنطقة، خاصة وهي في حالة قلق مستمر من الصعود الإيراني (النووي والعقائدي)، فهي تنظر إلى تركيا (السنية) ذات الـ 75 مليون نسمة، وإمكاناتها (الجيو- استراتيجية) الكبيرة، وقيادتها الجديدة المتمثلة في حزب يعتبره الكثيرون (إسلامياً)، على أنها دولة قادرة على أن تكون حليفها الأقوى في المنطقة أمام التوجهات الإيرانية بخاصة العقائدية منها.
ومن الواضح أن تركيا رفضت على استحياء أن تكون هدفاً أمنياً خالصاً، أو معادياً لطرف على حساب آخر، وهو ما يبدو واضحاً من المواقف التركية إزاء الملف النووي الإيراني، وآخرها تصريحات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قبل مقابلة رئيس الوزراء البريطاني في لندن مؤخراً، قائلاً (إن إيران تصنع أسلحة نووية مجرد شائعات)، هذا بخلاف علاقتها القوية مع إيران، فلا يمكن تناسي أنها عرضت على طهران من قبل إتمام صفقة مبادلة (اليورانيوم) المخصب بنسبة 20 في المائة على أراضيها، وكذلك تصريحات مساعد رئيس الوزراء التركي بأن بلاده تولي أهمية فائقة لعلاقاتها مع إيران، وأن العلاقات بين البلدين هي سياسة أساسية بالنسبة لبلاده)، وقوله (إن تعزيز هذه العلاقات من شأنه أن يكرس السلام والاستقرار والأمن في المنطقة).
وهنا يمكن التأكيد على مجموعة من الأمور يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي وضعها في الحسبان مستقبلاً، وذلك لتجاوز سياسة الاختزال التي وضعت نفسها فيها مع الجانب التركي، أول هذه الأمور، أن تركيا دولة علمانية، وعودتها ليست من قبيل عودة الابن الضال، بل يمكن ترجمة العودة بأنها محاولة للتحلل من قوقعتها الذاتية القاصرة على الاتحاد الأوروبي، والانطلاق ليس جهة الشرق فحسب بل العالم أجمع. وثانيها، التيقن بأن تركيا تحاول إيجاد تفاعلات جديدة مع كيانات أخرى أياً كان توجهها، تستطيع من خلالها تأكيد إمكانية تحليقها بعيداً عن سرب الاتحاد، علماً بأن التحليق خارج السرب لا يعني الرغبة في الخروج عنه، بل يمكن القول إنها مداعبة للسرب بإمكانية التحليق خارجة ليس إلا، لأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يعد من الثوابت في السياسة الخارجية التركية، وأن مبررات صعود حزب العدالة والتنمية واستمراره وعدم حظره من قبل المحكمة الدستورية العليا، مثل الكثير من الأحزاب التركية، هي أنه يضع على قمة برنامجه الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن الاختلاف الوحيد عن سابقيه في الوصول للحُلم هو الطريق الذي سلكه الحزب، والذي تعبر عنه بوضوح توجهات السياسة الخارجية الجديدة. وثالثها: ضرورة عدم اختزال العلاقات مع الجمهورية التركية في جانب واحد كالبعد الأمني، إذ ينبغي إقامة شراكة حقيقة في إطار منظومة متنوعة ومتكاملة يمكن أن تحقق تكاملاً حقيقياً وليس ورقياً في مختلف النواحي. وأخيراً من الضروري الاستفادة من كم الاتفاقيات التي أُبرمت بتشجيع المستثمرين الخليجيين على توجيه أكبر لاستثماراتهم تجاه تركيا باعتبارها سوقاً دولية كبيرة ذات مجالات استثمارية عديدة ومتنوعة، ومؤهلة خلال العام الحالي والأعوام المقبلة أن تكون مركزاً اقتصادياً عالمياً في منطقة الشرق الأوسط.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3085::/cck::
::introtext::

مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم التركي عام 2002م، شهدت العلاقات التركية – الخليجية تغيراً ملحوظاً، فالمراقب جيداً للعلاقات بينهما خلال الفترة الممتدة من 2002م وحتى وقتنا الحالي، أو بالأحرى خلال حكومة العدالة والتنمية، يُلاحظ أن مؤشرات التقارب بين الجانبين تخطت حد العلاقات الاعتيادية النمطية.

::/introtext::
::fulltext::

مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم التركي عام 2002م، شهدت العلاقات التركية – الخليجية تغيراً ملحوظاً، فالمراقب جيداً للعلاقات بينهما خلال الفترة الممتدة من 2002م وحتى وقتنا الحالي، أو بالأحرى خلال حكومة العدالة والتنمية، يُلاحظ أن مؤشرات التقارب بين الجانبين تخطت حد العلاقات الاعتيادية النمطية.
أخذت العلاقات الاعتيادية تُشكل إطاراً لعلاقات أوسع وأشمل وأعم سواء على المستوى الدبلوماسي أو السياسي أو الأمني أو الاقتصادي، ظهرت ملامحها في العديد من المواقف، كمبادرة (اسطنبول للتعاون) عام 2004م، التي أقرت خططاً عمليةً، تعاونيةً، عسكريةً، أمنيةً، سياسيةً، بين (حلف الناتو) ودول الخليج العربية؛ يمكن أن يدعم من خلالها (الناتو) شراكته مع دول الخليج بشأن موضعي الدفاع والأمن، ومحاربة الإرهاب، وتحقيق المصالح المشتركة وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
وكذلك حزمة الاتفاقيات التي أُبرمت بين الجانبين، بهدف زيادة التقارب، كالاتفاقيات الثلاث التي عقدتها تركيا مع دولة قطر، وتضمنت (القوى العاملة، والتعاون الإذاعي، والتأشيرات، حيث تم إلغاء تأشيرات الدخول لأصحاب الجوازات الدبلوماسية والخدمية والخاصة بين البلدين)، واتفاقية التفاهم المشترك مع دولة الكويت في مايو 2006م بهدف تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، كما عقدت سلطنة عمان عدة اتفاقيات مع تركيا تتعلق بحماية الاستثمار المشترك، ومنع الازدواج الضريبي، وتشجيع التعاون في المجالات العلمية والفنية والشبابية والرياضية‏، ومجال التبادل التجاري والثقافي‏‏.
هذا بخلاف الزيارات الرسمية، التي ازدادت بشكل كبير رغم غيابها قرابة العشرين عاماً، ومنها – على سبيل المثال لا الحصر- الزيارات الخمس التي قام بها عبدالله غول إلى الرياض، منذ كان نائباً لرئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية خلال الأعوام (2004م– 2005م– 2006م)، والزيارة التاريخية للبحرين، والتي تضمنت خطابه الشهير أمام المجلس الوطني البحريني (البرلمان) في إبريل 2009م، والذي أكد خلاله أن (استقرار البحرين ووحدة أراضيها مهمان بالنسبة لتركيا)، ناهيك عما أعلنه وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو خلال اجتماعه مع نظيره الإماراتي أثناء المشاركة في مؤتمر وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي، من أنه يوجد تعاون وتفاهم وثيقان بين بلاده والإمارات العربية المتحدة في المواضيع التي تهم البلدين والمواضيع الإقليمية.
يُضاف إلى ما سبق، مذكرة التفاهم التي وقُعت بين تركيا ودول الخليج العربية مجتمعة في الثاني من سبتمبر 2008م، بهدف تفعيل الحوار الاستراتيجي، وتطوير العلاقات الإيجابية، والتعاون البنيوي بين الجانبين، وتأسيس آلية استشارية منتظمة وشاملة في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية والأمنية والثقافية، والتي اعتبرها آنذاك وزير الخارجية التركي، بمثابة صفحة جديدة في العلاقات التركية-الخليجية عنوانها (التعاون لمواجهة التحديات في المنطقة والعمل على الاستقرار والسلم فيها).
وعلى ما يبدو، أن ملامح التقارب الوارد ذكرها سلفاً، تكشف حقيقتين رئيسيتين، تتعلق الأولى: بوجود رغبة متبادلة بين الجانبين التركي والخليجي في إقامة علاقات وطيدة، تعويضاً للفترات السابقة. والثانية: المقاربات بين الجانبين حدثت في ثمانية أعوام فقط، أي في عهد حكومة العدالة والتنمية، مما يجعلنا نتساءل ماذا بعد العدالة والتنمية؟
بيد أن القراءة الموضوعية للمقاربات هذه وغيرها، تدل على النجاح التركي – الخليجي في إعادة جسور التعاون المفقود، وهو ما نتفق عليه جميعاً، لكن ما يثير الاهتمام هنا إلى أي مدى حقق كل طرف أهدافه من التقارب؟ فتركيا العدالة والتنمية تبنت منذ اللحظات الأولى لإعلان توجهها نحو دول الخليج العربية، أجندة واضحة، تجسدت في تحقيق أهداف عدة، أولها: ما يمكن تسميته بـ (الأمن النفطي)؛ إذ تستورد الجمهورية التركية ما يعادل الـ 95 في المائة من حاجاتها النفطية، (ربعها تقريباً من العراق)، وينتقل إليها حوالي 500 ألف برميل يومياً عبر خط أنابيب كركوك الذي ينقل الخام من العراق إلى مرفأ جيهان التركي. والجدير بالملاحظة أن هذا الخط دائم التعرض للتوقف عن الضخ بسبب عمليات التخريب شبه المستمرة، وكان آخرها ما تعرض له الخط من تخريب في نوفمبر 2009م.
ومن الواضح أن تركيا قطعت شوطاً في هذا الجانب، بدءاً بطرحها مبادرة إحياء مشروع خط سكة حديد الحجاز، وإعادة مرة أخرى فكرة ربط تركيا بمنطقة الخليج العربي المملوءة بالثروات النفطية إلى الأذهان، مروراً بتدشين أولى خطوات إحياء خط السكة الحديدي أو ما يعرف هناك بـ (جسر الأخوة)، الذي من المتوقع أن يكون منفذاً آمناً لتركيا نحو الشرق، ونقطة تحول آمنة لنقل المواد النفطية بابتعاده عن مناطق التوتر، وكذلك زيادة وتيرة التبادل التجاري.
ولا يمكن الجزم بأن خط (الحجاز) مفيد لتركيا فقط، لأنه من الناحية الفعلية قد يُحقق لدول الخليج أمرين، الأول: تقريب الأسواق، بخاصة أن الخليج العربي يُعاني من بُعد الأسواق التي تتطلب النفط. والثاني: توفير الآمان في نقل النفط، فالطرق البحرية مهددة بالإغلاق، بخاصة في حال نشوب حرب في المنطقة بسبب البرنامج النووي الإيراني.
وتأتي عملية توسيع القاعدة الاستثمارية الخليجية في البلاد التركية، ضمن ثاني أهداف أجندة حكومة العدالة والتنمية، لاسيما أن رؤوس الأموال الخليجية تتمتع بوفرة كبيرة، ولتحقيق الزيادة المرتقبة في جذب الأموال الخليجية وغيرها عمدت الحكومة التركية إلى سن قوانين اقتصادية جديدة جعلت الاقتصاد التركي جاذباً للاستثمار؛ وحسب وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو تبلغ الاستثمارات الخليجية في تركيا حوالي 10 مليارات دولار، وحجم التبادل التجاري 16.6 مليار دولار بنسبة 2.7 في المائة ، ومقارنة بحجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا، والتي قُدرت بحوالي 22 مليار دولار عامي 2007 – 2008م، فإن الاستثمارات الخليجية يبدو أنها لا ترتقي إلى حجم استثمارات الدول الأخرى، (تأتي دول الخليج العربية في المرتبة الرابعة في الاستثمار التركي حالياً بعد الاتحاد الأوروبي وأمريكا واليابان)، لكن التحليل المتأني لعملية توسيع القاعدة الاستثمارية الخليجية داخل تركيا، يكشف نمواً ملموساً لهذه القاعدة فقد ازداد حجم التبادل التجاري بنسبة عالية كما ارتفع عدد الشركات ذات رؤوس الأموال الخليجية بدرجة كبيرة.
وبخلاف النفط والاستثمار، وأمام المعوقات التي تواجهها العمالة التركية في دول الاتحاد الأوروبي كتدني الأجور والمعاملة شبه السيئة، فإنها تضع على أجندتها أيضاً، عملية توسيع قاعدتها العمالية في منطقة الخليج العربي، التي تبلغ في المملكة العربية السعودية فقط 120 ألفاً، يعمل أغلبهم في تخصصات ضيقة (ورش السيارات، محلات الحلاقة، المطاعم)، فعمدت إلى عقد اتفاقيات تتعلق بالقوى العاملة والتأشيرة مثل التي عقدتها مع قطر.
وبالنظر إلى الدور الأمني، فإن تركيا ترى دورها الأمني في المنطقة من منظور يختلف عما تراه دول الخليج العربية، فهي تريد إحداث نوع من التوازن الدبلوماسي (الوسيط المحايد) وليس العسكري في المنطقة، من شأنه أن يُرضي جميع الأطراف، وليس لغلبة طرف على آخر، فهي ترفض تزايد الدور الإيراني في العراق والمنطقة، ولا تقبل بالطموحات النووية الإيرانية غير السلمية، مما جعلها تُعيد النظر في استراتيجيتها النووية باتجاه التراجع عن حيادها النووي، بخاصة وجود (إيران نووية) ما من شأنه أن يُضيق الخناق على رغباتها في التمدد نحو الشرق الأوسط، ورغم ذلك، فالعلاقات مستمرة بل تزداد تفاعلاً عن ذي قبل.
ولا يمكن تجاهل أن استراتيجيتها المتبعة بإرضاء كل الأطراف في المنطقة، لاقت القبول والاستحسان من كافة أطراف المجتمع الدولي، فتلك السياسية ساعدت على إحداث تحول بالعلاقات التركية-الأمريكية، وأصبحت الإدارة الأمريكية تنظر إلى تركيا من منظور الحليف الإسلامي المعتدل الضروري في المنطقة، والذي من الممكن أن يُحدث توازناً أمام التقدم الإيراني، ويمكن تلخيص العلاقات التركية-الأمريكية، وفقاً لرؤية رئيس الوزراء التركي بقوله (إن علاقاتنا تقوم على القيم السياسية المشتركة والشراكة الاستراتيجية، فالعلاقات متعددة البعد بين تركيا والولايات المتحدة تصير أكثر عمقاً وقوة كل يوم).
كما أحدثت تلك السياسة أيضاً إرضاءً جزئياً، وليس كلياً، لدول مجلس التعاون الخليجي، التي ترفض أن يكون لإيران أي ثقل في المنطقة، فهناك توتر دائم بين دول الخليج وإيران، فلا تزال قضية الجزر الإماراتية الثلاث قائمة، ولا تزال أيضاً حرب التصريحات الإيرانية ضد دول الخليج العربية مشتعلة، وبالتالي فإن الوجود التركي في المنطقة رغم أنه وجود حيادي، إلا أنه يُشعر دول الخليج بالأمان النسبي، إذ يخدم توجهاً أساسياً في أجندة السياسة الخارجية لدول مجلس التعاون.
وفي ضوء مما سبق، يبدو أن الجمهورية التركية الجديدة، عَرفت الدول الخليجية تعريفاً جامعاً مانعاً، يعكس مدى الوضوح في رؤيتها الخارجية، إذ تحقق تركيا أهدافها واحداً تلو الآخر من توطيد علاقتها بدول الخليج العربية، من دون التنازل عن السياسة العامة التي رسمتها لنفسها منذ ما يسميه البعض بـ (العودة التركية)، في حين اختزلت دول مجلس التعاون الخليجي الجزء الأكبر من علاقتها بتركيا في البعد الأمني، حيث نظرت إليها من منظور أُحادي، أو بالأحرى وضعت على قمة أجندتها في علاقتها بتركيا التوازن الأمني باعتبارها الدولة الحليفة التي قد تُحقق لها ما ترجوه من التوازن الإقليمي في المنطقة، خاصة وهي في حالة قلق مستمر من الصعود الإيراني (النووي والعقائدي)، فهي تنظر إلى تركيا (السنية) ذات الـ 75 مليون نسمة، وإمكاناتها (الجيو- استراتيجية) الكبيرة، وقيادتها الجديدة المتمثلة في حزب يعتبره الكثيرون (إسلامياً)، على أنها دولة قادرة على أن تكون حليفها الأقوى في المنطقة أمام التوجهات الإيرانية بخاصة العقائدية منها.
ومن الواضح أن تركيا رفضت على استحياء أن تكون هدفاً أمنياً خالصاً، أو معادياً لطرف على حساب آخر، وهو ما يبدو واضحاً من المواقف التركية إزاء الملف النووي الإيراني، وآخرها تصريحات رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان قبل مقابلة رئيس الوزراء البريطاني في لندن مؤخراً، قائلاً (إن إيران تصنع أسلحة نووية مجرد شائعات)، هذا بخلاف علاقتها القوية مع إيران، فلا يمكن تناسي أنها عرضت على طهران من قبل إتمام صفقة مبادلة (اليورانيوم) المخصب بنسبة 20 في المائة على أراضيها، وكذلك تصريحات مساعد رئيس الوزراء التركي بأن بلاده تولي أهمية فائقة لعلاقاتها مع إيران، وأن العلاقات بين البلدين هي سياسة أساسية بالنسبة لبلاده)، وقوله (إن تعزيز هذه العلاقات من شأنه أن يكرس السلام والاستقرار والأمن في المنطقة).
وهنا يمكن التأكيد على مجموعة من الأمور يتعين على دول مجلس التعاون الخليجي وضعها في الحسبان مستقبلاً، وذلك لتجاوز سياسة الاختزال التي وضعت نفسها فيها مع الجانب التركي، أول هذه الأمور، أن تركيا دولة علمانية، وعودتها ليست من قبيل عودة الابن الضال، بل يمكن ترجمة العودة بأنها محاولة للتحلل من قوقعتها الذاتية القاصرة على الاتحاد الأوروبي، والانطلاق ليس جهة الشرق فحسب بل العالم أجمع. وثانيها، التيقن بأن تركيا تحاول إيجاد تفاعلات جديدة مع كيانات أخرى أياً كان توجهها، تستطيع من خلالها تأكيد إمكانية تحليقها بعيداً عن سرب الاتحاد، علماً بأن التحليق خارج السرب لا يعني الرغبة في الخروج عنه، بل يمكن القول إنها مداعبة للسرب بإمكانية التحليق خارجة ليس إلا، لأن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي يعد من الثوابت في السياسة الخارجية التركية، وأن مبررات صعود حزب العدالة والتنمية واستمراره وعدم حظره من قبل المحكمة الدستورية العليا، مثل الكثير من الأحزاب التركية، هي أنه يضع على قمة برنامجه الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن الاختلاف الوحيد عن سابقيه في الوصول للحُلم هو الطريق الذي سلكه الحزب، والذي تعبر عنه بوضوح توجهات السياسة الخارجية الجديدة. وثالثها: ضرورة عدم اختزال العلاقات مع الجمهورية التركية في جانب واحد كالبعد الأمني، إذ ينبغي إقامة شراكة حقيقة في إطار منظومة متنوعة ومتكاملة يمكن أن تحقق تكاملاً حقيقياً وليس ورقياً في مختلف النواحي. وأخيراً من الضروري الاستفادة من كم الاتفاقيات التي أُبرمت بتشجيع المستثمرين الخليجيين على توجيه أكبر لاستثماراتهم تجاه تركيا باعتبارها سوقاً دولية كبيرة ذات مجالات استثمارية عديدة ومتنوعة، ومؤهلة خلال العام الحالي والأعوام المقبلة أن تكون مركزاً اقتصادياً عالمياً في منطقة الشرق الأوسط.

::/fulltext::
::cck::3085::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *