المجتمع المدني والنهوض بالدولة.. مقاربة نظرية لدور غير تقليدي
::cck::1192::/cck::
::introtext::
لم يكن الاهتمام بدراسة المجتمع المدني ودوره في عملية بناء الديمقراطيات الناشئة مع بداية عقد التسعينات، سوى مدخل لما يمكن اعتباره بداية لعملية تنشيط واستنهاض للمنظمات غير الحكومية ـ الأهلية في بلدان العالم النامي ومن بينها الدول العربية، سواء على مستوى الممارسة أو الدراسات العلمية.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن الاهتمام بدراسة المجتمع المدني ودوره في عملية بناء الديمقراطيات الناشئة مع بداية عقد التسعينات، سوى مدخل لما يمكن اعتباره بداية لعملية تنشيط واستنهاض للمنظمات غير الحكومية ـ الأهلية في بلدان العالم النامي ومن بينها الدول العربية، سواء على مستوى الممارسة أو الدراسات العلمية.
كانت تجربة تنظيمات المجتمع المدني في أوروبا الشرقية في النصف الثاني من عقد الثمانينات ودورها في إسقاط النظم الشيوعية، مدخلاً للتنظير لدور المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي، بل بناء الدولة الحديثة. لكن المتتبع لهذه التجربة ذاتها، يرى أنها لم تحقق الوصول إلى مرحلة الديمقراطيات الغربية القائمة على المؤسسية، إذ لم تتجاوز مرحلة التعددية الشكلية، وأفرزت ما يمكن تسميته بـ (فوضى الديمقراطية).
فالديمقراطية كممارسة لا تقتصر على وجود تنظيمات سياسية وإطار قانوني يسمح بتداول السلطة فقط، وإنما هي في الأساس منظومة قيم ثقافية تراكمية مكتسبة عبر الوقت، تقوم بالأساس على مبدأ المشاركة والتنمية.
لذا وبعد متابعة ورصد تجربة أوروبا الشرقية في التحول الديمقراطي، وما أفرزته من تداعيات سلبية أثرت في عملية التنمية المستدامة (التي امتدت في بعض الدول إلى انهيار البناء الجغرافي الاجتماعي مثل تشيكوسلوفاكيا، ويوغسلافيا) بدأ اهتمام الباحثين والمنظرين يتحول إلى مدخل آخر يبحث في كيفية إعادة بناء الدول؛ وهو ما تجسد في الاتجاه نحو مفهوم الحداثة أو التحديث (Modernization).
والجدير بالذكر أن هذا المفهوم بدأ التنظير له منذ عقد الستينات، أي مع موجة الاستقلال الكبرى عن الدول الاستعمارية، وبداية الحرب الباردة والاستقطاب لهذه الدول الناشئة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وقد بدا في هذا المفهوم ما كان يبحث عنه المهتمون، وذلك استناداً إلى ما حققته الحداثة من بلورة آليات مناسبة لمشكلتين أساسيتين: الأولى: تتمثل في التغيير المنتظم والتدريجي للمجتمع حتى يستطيع البقاء والتكيف مع متغيرات البيئة المحيطة. أما المشكلة الثانية؛ فترتبط بآلية التداول السلمي و(الناجح) للسلطة، ويقصد بالتداول (الناجح) وصول الأفراد إلى مرحلة الوعي (المرحلة الإدراكية المتقدمة بعد مرحلتي المعرفة والإدراك) باحتياجاتهم، وآلية السلطة ونظام الحكم الذي من شأنه توفير هذه الاحتياجات.
وبالنظر إلى مضمون فكرة الحداثة، يتضح أنه يقوم بدوره على مبدأ التنمية الذي يعبر عن عملية مستدامة تطال كافة مناحي الحياة، وهنا تبرز أهمية الدور المحوري لمنظمات المجتمع المدني في بناء الهيكل الفكري ـ الإدراكي للقاعدة الشعبية في كيفية تحديد احتياجاتهم، وتدريبهم على آلية المشاركة ـ التي تعد المدخل الأساسي لعملية الاختيار ـ باعتبارها المدرسة الشعبية للتنشئة الاجتماعية.
وما بين تطور الرؤى حول البحث في كيفية بناء الدول الحديث، تبرز أهمية دور المجتمع المدني في عملية بناء ونهوض الدول. وبالتالي تبدو هناك ضرورة للوقوف على مداخل هذا الدور، في سياق بيان الملامح العامة لحدود الرهان عليه.
أولاً: التنمية والمشاركة.. مداخل الدور
انطلاقاً مما يتفرد به المجتمع المدني من قدرات تساعده على النفاذ إلى كافة شرائح المجتمع، ووظائفه المجتمعية المستمدة من مكانته كحلقة وصل بين القاعدة الشعبية والمؤسسات الرسمية، تبرز أهمية التنمية والمشاركة كمداخل لتطوير دور التنظيمات الأهلية في بناء المجتمعات.
إذ يعتبر مفهوما التنمية (Development) والمشاركة (Partnership) من أبرز المفاهيم المرتبطة بعملية التنمية المستدامة، وأيضاً من أبرز مقاييس نجاح استراتيجيات بناء الدول والمجتمعات عبر اعتماد آليات التنمية على المستوى القومي أو الإقليمي. فالتنمية تعبر بشكل عام عن النهوض والارتقاء بالمجتمعات، وذلك عبر تحسين نوعية حياة أفرادها وإشباع حاجاتهم الإنسانية المادية منها والمعرفية. لذا فإن التنمية تقوم بالأساس على تطوير حياة الفرد والارتقاء بها في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
في المقابل، فإن المشاركة كمفهوم يرتبط بالتنمية والتمكين، حيث يشير إلى (تلك العملية التي يقوم الفرد فيها بدور فاعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع، ويرتكز دوره على الإسهام في صياغة الأهداف العامة للمجتمع والوقوف على الفرص والموارد المتاحة واقتراح آليات تحقيق هذه الأهداف). وثمة تعريفات أخرى تطرح مفهوم المشاركة من منظور سياسي، يركز بالأساس على المشاركة الشعبية في صياغة السياسات العامة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لذا، فإن عملية المشاركة تعبر عن مستوى التنمية في دولة ما، وتعد من أبرز مظاهر الديمقراطية من جانب، وملمحاً من ملامح التمكين الشامل لأفراد المجتمع من جانب آخر، وبالتالي يعد التفاعل بينهما مطلباً أساسياً للارتفاع بمعدلات التنمية البشرية. وهو ما جسدته أهداف الألفية الإنمائية التي أخذت اتجاه تحقيق التنمية المستدامة عبر نمط التنمية بالمشاركة. لذا أصبحت المشاركة تمثل مطلباً مهماً لمواجهة التطورات العالمية سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي.
ويشير التفاعل السابق إلى وجود علاقة ارتباطية بين التنمية والمشاركة تبدو آلياتها مرتكزة على علاقة ثلاثية بين المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني بتكويناتها المختلفة والقطاع الخاص. وإذا كانت تلك العلاقة الثلاثية لم تصل بعد إلى مرحلة النضج المطلوب، فإن منظمات المجتمع المدني وخاصة الجمعيات الأهلية، تندرج ضمن أبرز آليات وأنماط المشاركة في التنمية لاسيما في المجتمعات النامية وبالتبعية في الدول العربية والخليجية على السواء.
وتأتي أهمية دور المجتمع المدني في عملية التنمية بالمشاركة في الدول العربية عموماً، ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص؛ انطلاقاً من الفلسفة الحاكمة لأنشطتها والتي ترتكز على تنمية المجتمع من جانب، وطبيعة البيئة القانونية والتشريعية التي تدفع باتجاه تبني هدف التنمية كمحور لنشاط الجمعيات الأهلية من جانب ثان، بالإضافة إلى ما يطرحه الواقع الاقتصادي والاجتماعي من بيئة مناسبة لتفعيل دور التنظيمات الأهلية في تنمية المجتمع والارتقاء بحياة الأفراد. لكن تبدو هناك بعض المعوقات التي تطرحها البيئة السياسية والثقافية.
فعملية التنمية بالمشاركة تتطلب إطاراً اقتصادياً اجتماعياً سياسياً مناسباً تعبر عنه مظاهر الحكم الجيد في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. فضلاً عن القيم الثقافية للشعوب العربية و(الخليجية) وخاصة في ما يتعلق بالنظرة لدور الدولة في المجتمع، وتركزها حول نمط (الدولة الأبوية)، الأمر الذي يفرض ضرورة السعي نحو إعادة النظر في مكونات البناء المجتمعي بأبعاده المختلفة وخاصة البعد الثقافي لأفراد المجتمع.
وإذا كانت التنمية بالمشاركة أحد أبرز مداخل تفعيل دور المجتمع المدني في النهوض بالدول، فإن قضايا المجتمع المدني في هذه الحالة إنما ترتكز على المساهمة بفاعلية في تعزيز آلية الحكم الرشيد، عبر القيام بدور فاعل في بناء مؤسسات الدولة من خلال نشر ثقافة المشاركة ذاتها التي تعد محور الديمقراطية.
ثانياً: الحكم الرشيد والمؤسسية.. آليات المجتمع المدني لبناء الدولة
تعد مفاهيم الحكم (governance) والمؤسسية (Institutionalization) والمجتمع المدني (civil society) من أبرز المفاهيم المرتبطة بالعملية الديمقراطية، حيث يعبر الحكم عن ممارسة السلطة لإدارة موارد الدولة المختلفة، وهو بذلك يقوم في جوهره على الممارسة (practice). وترتبط مسألة ديمقراطية الحكم بممارسة السلطة عبر مجموعة من المؤسسات التي يمكن من خلالها تدبير شؤون الدولة، وهو ما يمكن الوقوف عليه عبر ثلاثة مستويات من المؤسسات: المستوى الأول، يتمثل في مؤسسات الدولة الرسمية التنفيذية والتشريعية والقضائية. المستوى الثاني، يقوم على دور المؤسسات والمنظمات غير الرسمية، والتي تتمثل في منظمات المجتمع المدني. أما المستوى الثالث فيتعلق بالقطاع الخاص ودوره الاجتماعي كقطاع ثالث يمتلك من المقومات ما يجعله ذات تأثير في الجانب الاجتماعي للدولة.
لذا، فإن آلية الحكم في أي بلد (ديمقراطي) لا بد أن ترتكز على المؤسسية في إدارة شؤون الدولة والتوزيع السلطوي للقيم. وعلى الرغم من توافر مؤسسات الحكم بمستوياتها المختلفة في معظم بلدان العالم، وخاصة النامية منها، إلا أن مرد الاختلاف يرجع إلى مدى ديمقراطية الحكم ذاته الذي يعبر عنها شكل العلاقة بين القطاعات الثلاثة السابقة، بمعنى آخر مدى قدرة هذه المؤسسات على القيام بوظائفها باستقلالية، استناداً إلى شرعية دستورية ومشروعية سياسية شعبية، الأمر الذي يثير بدوره مفهوم الحكم الجيد (good governance) بسماته وأركانه المختلفة ومؤشرات قياسه، باعتباره مرادفاً للحكم الديمقراطي القائم على التفاعل بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وتوسيع قاعدة مشاركة المواطنين في صنع القرار.
أما المجتمع المدني، فهو يعبر في مجمله عن كل المنظمات والتجمعات المدنية غير الساعية للوصول الى السلطة والتي تتوسط بين الأفراد والدولة. فالمجتمع المدني يرتبط بالأساس بوجود مؤسسات ومنظمات غير حكومية ومن ثم يتوافر فاصل معين بينها وبين الدولة وأجهزتها. وهو ما يشير إلى العلاقة الارتباطية بين العملية الديمقراطية وحيز وجودها وارتباطها بوجود مجتمع مدني قوي. فالديمقراطية معناها الإدارة السلمية للمجموعات المتصارعة والمصالح المتباينة، وهو ما يتوافق مع مضمون تعريف المجتمع المدني الذي ينظر إليه على (أنه الرابطة المثلى بين المواطنين والحكومة، وهو الوسيلة المثلى لتوزيع المشاركة الشعبية).
ويشير التفاعل السابق إلى وجود علاقة ارتباطية بين الحكم الجيد والمؤسسية والمجتمع المدني والديمقراطية، يمثل المجتمع المدني فيها ـ بمكوناته المختلفة ـ حلقة رابطة ومحوراً لتلك العلاقة. فالحكم الجيد يعبر في مضمونه عن آلية الحكم الديمقراطي في الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات، والتي تقوم بدورها على بناء مجتمعي يقوم على ثقافة المشاركة، استناداً إلى وجود مجتمع مدني فاعل، يكون بمثابة حلقة وصل بين القاعدة الشعبية وأجهزة الدولة الرسمية.
ثالثاً: الديمقراطية والحكم الرشيد والتنمية
تنطلق العلاقة بين الحكم الرشيد والديمقراطية والتنمية من كونها تعد مدخلاً أساسياً لتنمية وتطوير المجتمعات والدول على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فإقرار الحكم الرشيد (كأحد أبرز مرتكزات الديمقراطية) من شأنه ترسيخ قيم:
* احترام كرامة الشعوب وحقوقهم وحرياتهم.
* ضمان مشاركتهم في اتخاذ القرارات وإخضاع صانعي القرار للمساءلة.
* إرساء قواعد المؤسسية لآلية الحكم والتي تحكم التفاعلات الاجتماعية.
* إقرار مبدأ عدم التمييز وتحقيق المواطنة.
* المساهمة في القضاء على الظواهر الاجتماعية السلبية مثل الفقر والبطالة.
ورغم عدم وجود صفة موحدة لتحقيق الديمقراطية عبر دول العالم، إلا أن تحقيقها يتطلب توافر عناصر تكون بمثابة قاعدة لتشكيل بنيتها الأساسية، وهي العناصر ذاتها التي أجمعت عليها معظم التقارير الدولية، ومن بين هذه العناصر:
* مكافحة الفساد وتبني إجراءات للشفافية والمساءلة واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين ونبذ أساليب القمع والتعذيب.
* بناء المؤسسات، وفي مقدمتها البرلمانات والأحزاب والقضاء، بالإضافة إلى ضمان كفاءة إدارة هذه المؤسسات، من خلال الصيغ القانونية المختلفة.
* النهوض بالتعليم والثقافة القائمة على مبدأ المشاركة، حيث إن الديمقراطية بما تمثله من إطار قيمي، تتطلب فترة زمنية طويلة يتخللها بعض مظاهر الممارسة والتدريب لهذه القيم ولاسيما قيمة المشاركة، التي تعد محور أي مظهر ديمقراطي.
* مشاركة سياسية تتيح الفرص المتكافئة أمام جماعات وأفراد وأحزاب وتيارات اتجاهات متعددة، وفق حق الاختلاف ومبدأ التوازن النسبي بين الجماعات والقوى الاجتماعية المختلفة. وهنا ثمة ضرورة للاهتمام بمشاركة الفئات الأقل تمثيلاً في المجتمع ـ المرأة والأقليات.
* بناء أطر قانونية وسياسية تعمل على تفعيل دور المجتمع المدني وقوة واستقلال مؤسساته وجماعاته المختلفة.
* حرية واستقلال الصحافة، وحرية المعلومات في عصر الاتصالات الرقمية.
وهنا يبدو من الممارسة العملية أن هذه العناصر لا تتجاوز الجانب النظري إلى الواقع العملي، حيث إن الديمقراطيات الغربية تضم مجموعة من الجماعات والقوى السياسية المهمشة والتي لا تمتلك قوة نسبية أمام جماعتين أو أكثر على الساحة السياسية، وتتجلى هذه الحقيقة في المجتمعين الأمريكي والبريطاني، وأيضاً في فرنسا، إذ يسيطر على الحياة السياسية جماعتان أو حزبان أو أكثر دون أن تكون للأحزاب الأخرى أي أوزان نسبية في مقابلها. إلا أن ذلك لا يمنع الاعتماد على هذه الشروط عند صياغة أية استراتيجية مستقبلية تساعد على بناء الدول والنهوض بالمجتمعات النامية.
رابعاً: الشراكة.. آلية المجتمع المدني لبناء الدولة الحديثة
فقد أصبحت عملية الشراكة بين المجتمع المدني وكل من القطاعين الحكومي والخاص مرادفة لعمليتي التنمية والإصلاح وسمة لم تعد قاصرة على المستوى الداخلي للدول، بل أضحت أحد المطالب الدولية وسمة من سمات النظام الدولي الراهن.
لذا أصبح الحديث عن الشراكة بمداخلها المختلفة تجاه عملية تنمية الموارد البشرية، وتجاه عملية الإصلاح مرتبطة بمجموعة من الآليات الدولية وبرؤية المنظمات والمؤسسات الدولية وبرامجها الهادفة لتعميق وتعزيز سبل هذه الشراكة.
وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن إشكاليتين أساسيتين، الأولى: تتعلق بما تثيره من حدود التفاعلات البينية بين القطاعين الأهلي والخاص، وتفاعلهما على أرضية القطاع الحكومي، أما الإشكالية الثانية: فترتبط بقضية الإصلاح وما خلفته قضية الركود السياسي من مشكلات متعددة ومتداخلة تفرض نفسها على منهج الإصلاح المنشود ومتطلباته. فالدول التي مرت بعملية التحول الديمقراطي بعد فترة طويلة من الركود استندت إلى مجموعة من العناصر الرئيسية التي مثلت بدورها آليات لعملية الإصلاح.
وفي هذا الإطار يمكن رصد بعض عناصر وآليات عملية الإصلاح في التالي:
1ـ وجود نخبة حاكمة مؤمنة بعملية الإصلاح وتمتلك المصداقية والشرعية لدى جموع الشعب لتمكنها من اتخاذ الإجراءات المناسبة وتدفعها نحو التغيير.
2ـ يعتبر الجانب التشريعي من أبرز الآليات التي تساعد على عملية الإصلاح، إذ يؤدي تغيير مجموعة القوانين والتشريعات المتعلقة بعملية الإصلاح إلى إيجاد بيئة مؤاتية لعملية الإصلاح، مع الأخذ في الاعتبار ألا تكون عملية تغيير التشريعات أو القوانين مرتبطة بفلسفة الإصلاح الجزئي بل بعملية الإصلاح الشامل.
3ـ تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني عبر دفعها بكل تشكيلاتها نحو المساهمة في دفع عملية التحول، من خلال امتلاكها للرؤية والقدرة على نشر القيم الثقافية المختلفة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فضلاً عن قدرتها على تصميم البرامج التدريبية للممارسة العملية للديمقراطية.
4ـ تلك العناصر والآليات السابقة تساهم بدورها في توجه البيئة السياسية نحو اعتماد تداول وتدوير السلطة، الأمر الذي يؤدي إلى تغير النخبة السياسية بشكل منتظم يساعد على توسيع نطاق الممارسة والمشاركة السياسية التي تعد أحد أركان الديمقراطية.
5ـ النخبة المثقفة والسياسة: يجب أن تلعب دوراً في تفعيل وإحياء عملية النهوض بعناصر المجتمع، من خلال طرح خطاب يعبر عن طبيعة احتياجات المجتمع ونبضه. فضلاً عن امتلاك أدوات من شأنها أن تثير حالة من حالات التجديد الفكري النهضوي.
إن نجاح النموذج الديمقراطي يرتبط بدرجة توافر بنية سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية تساعد على تعزيز ما وصلت إليه عملية التحول من تطور. لذا تلعب الثقافة السياسية والحالة الاقتصادية والتركيبة المجتمعية دوراً محورياً في تدعيم وبناء النظام الديمقراطي. وهو ما يمكن أن يساهم فيه القطاع الخاص عبر تدعيم دور منظمات المجتمع المدني في المجتمع، خاصة في ما يتعلق بآلية التمويل.
لذلك، فإن الشراكة الثلاثية بين مؤسسات الدولة (الحكومة) ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص تعد تجسيداً لنمط الحكم الجيد، كما تعد بدورها مدخلاً محورياً للنهوض بالدولة وتطويرها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1192::/cck::
::introtext::
لم يكن الاهتمام بدراسة المجتمع المدني ودوره في عملية بناء الديمقراطيات الناشئة مع بداية عقد التسعينات، سوى مدخل لما يمكن اعتباره بداية لعملية تنشيط واستنهاض للمنظمات غير الحكومية ـ الأهلية في بلدان العالم النامي ومن بينها الدول العربية، سواء على مستوى الممارسة أو الدراسات العلمية.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن الاهتمام بدراسة المجتمع المدني ودوره في عملية بناء الديمقراطيات الناشئة مع بداية عقد التسعينات، سوى مدخل لما يمكن اعتباره بداية لعملية تنشيط واستنهاض للمنظمات غير الحكومية ـ الأهلية في بلدان العالم النامي ومن بينها الدول العربية، سواء على مستوى الممارسة أو الدراسات العلمية.
كانت تجربة تنظيمات المجتمع المدني في أوروبا الشرقية في النصف الثاني من عقد الثمانينات ودورها في إسقاط النظم الشيوعية، مدخلاً للتنظير لدور المجتمع المدني في عملية التحول الديمقراطي، بل بناء الدولة الحديثة. لكن المتتبع لهذه التجربة ذاتها، يرى أنها لم تحقق الوصول إلى مرحلة الديمقراطيات الغربية القائمة على المؤسسية، إذ لم تتجاوز مرحلة التعددية الشكلية، وأفرزت ما يمكن تسميته بـ (فوضى الديمقراطية).
فالديمقراطية كممارسة لا تقتصر على وجود تنظيمات سياسية وإطار قانوني يسمح بتداول السلطة فقط، وإنما هي في الأساس منظومة قيم ثقافية تراكمية مكتسبة عبر الوقت، تقوم بالأساس على مبدأ المشاركة والتنمية.
لذا وبعد متابعة ورصد تجربة أوروبا الشرقية في التحول الديمقراطي، وما أفرزته من تداعيات سلبية أثرت في عملية التنمية المستدامة (التي امتدت في بعض الدول إلى انهيار البناء الجغرافي الاجتماعي مثل تشيكوسلوفاكيا، ويوغسلافيا) بدأ اهتمام الباحثين والمنظرين يتحول إلى مدخل آخر يبحث في كيفية إعادة بناء الدول؛ وهو ما تجسد في الاتجاه نحو مفهوم الحداثة أو التحديث (Modernization).
والجدير بالذكر أن هذا المفهوم بدأ التنظير له منذ عقد الستينات، أي مع موجة الاستقلال الكبرى عن الدول الاستعمارية، وبداية الحرب الباردة والاستقطاب لهذه الدول الناشئة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وقد بدا في هذا المفهوم ما كان يبحث عنه المهتمون، وذلك استناداً إلى ما حققته الحداثة من بلورة آليات مناسبة لمشكلتين أساسيتين: الأولى: تتمثل في التغيير المنتظم والتدريجي للمجتمع حتى يستطيع البقاء والتكيف مع متغيرات البيئة المحيطة. أما المشكلة الثانية؛ فترتبط بآلية التداول السلمي و(الناجح) للسلطة، ويقصد بالتداول (الناجح) وصول الأفراد إلى مرحلة الوعي (المرحلة الإدراكية المتقدمة بعد مرحلتي المعرفة والإدراك) باحتياجاتهم، وآلية السلطة ونظام الحكم الذي من شأنه توفير هذه الاحتياجات.
وبالنظر إلى مضمون فكرة الحداثة، يتضح أنه يقوم بدوره على مبدأ التنمية الذي يعبر عن عملية مستدامة تطال كافة مناحي الحياة، وهنا تبرز أهمية الدور المحوري لمنظمات المجتمع المدني في بناء الهيكل الفكري ـ الإدراكي للقاعدة الشعبية في كيفية تحديد احتياجاتهم، وتدريبهم على آلية المشاركة ـ التي تعد المدخل الأساسي لعملية الاختيار ـ باعتبارها المدرسة الشعبية للتنشئة الاجتماعية.
وما بين تطور الرؤى حول البحث في كيفية بناء الدول الحديث، تبرز أهمية دور المجتمع المدني في عملية بناء ونهوض الدول. وبالتالي تبدو هناك ضرورة للوقوف على مداخل هذا الدور، في سياق بيان الملامح العامة لحدود الرهان عليه.
أولاً: التنمية والمشاركة.. مداخل الدور
انطلاقاً مما يتفرد به المجتمع المدني من قدرات تساعده على النفاذ إلى كافة شرائح المجتمع، ووظائفه المجتمعية المستمدة من مكانته كحلقة وصل بين القاعدة الشعبية والمؤسسات الرسمية، تبرز أهمية التنمية والمشاركة كمداخل لتطوير دور التنظيمات الأهلية في بناء المجتمعات.
إذ يعتبر مفهوما التنمية (Development) والمشاركة (Partnership) من أبرز المفاهيم المرتبطة بعملية التنمية المستدامة، وأيضاً من أبرز مقاييس نجاح استراتيجيات بناء الدول والمجتمعات عبر اعتماد آليات التنمية على المستوى القومي أو الإقليمي. فالتنمية تعبر بشكل عام عن النهوض والارتقاء بالمجتمعات، وذلك عبر تحسين نوعية حياة أفرادها وإشباع حاجاتهم الإنسانية المادية منها والمعرفية. لذا فإن التنمية تقوم بالأساس على تطوير حياة الفرد والارتقاء بها في كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
في المقابل، فإن المشاركة كمفهوم يرتبط بالتنمية والتمكين، حيث يشير إلى (تلك العملية التي يقوم الفرد فيها بدور فاعل في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع، ويرتكز دوره على الإسهام في صياغة الأهداف العامة للمجتمع والوقوف على الفرص والموارد المتاحة واقتراح آليات تحقيق هذه الأهداف). وثمة تعريفات أخرى تطرح مفهوم المشاركة من منظور سياسي، يركز بالأساس على المشاركة الشعبية في صياغة السياسات العامة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
لذا، فإن عملية المشاركة تعبر عن مستوى التنمية في دولة ما، وتعد من أبرز مظاهر الديمقراطية من جانب، وملمحاً من ملامح التمكين الشامل لأفراد المجتمع من جانب آخر، وبالتالي يعد التفاعل بينهما مطلباً أساسياً للارتفاع بمعدلات التنمية البشرية. وهو ما جسدته أهداف الألفية الإنمائية التي أخذت اتجاه تحقيق التنمية المستدامة عبر نمط التنمية بالمشاركة. لذا أصبحت المشاركة تمثل مطلباً مهماً لمواجهة التطورات العالمية سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي.
ويشير التفاعل السابق إلى وجود علاقة ارتباطية بين التنمية والمشاركة تبدو آلياتها مرتكزة على علاقة ثلاثية بين المؤسسات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني بتكويناتها المختلفة والقطاع الخاص. وإذا كانت تلك العلاقة الثلاثية لم تصل بعد إلى مرحلة النضج المطلوب، فإن منظمات المجتمع المدني وخاصة الجمعيات الأهلية، تندرج ضمن أبرز آليات وأنماط المشاركة في التنمية لاسيما في المجتمعات النامية وبالتبعية في الدول العربية والخليجية على السواء.
وتأتي أهمية دور المجتمع المدني في عملية التنمية بالمشاركة في الدول العربية عموماً، ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص؛ انطلاقاً من الفلسفة الحاكمة لأنشطتها والتي ترتكز على تنمية المجتمع من جانب، وطبيعة البيئة القانونية والتشريعية التي تدفع باتجاه تبني هدف التنمية كمحور لنشاط الجمعيات الأهلية من جانب ثان، بالإضافة إلى ما يطرحه الواقع الاقتصادي والاجتماعي من بيئة مناسبة لتفعيل دور التنظيمات الأهلية في تنمية المجتمع والارتقاء بحياة الأفراد. لكن تبدو هناك بعض المعوقات التي تطرحها البيئة السياسية والثقافية.
فعملية التنمية بالمشاركة تتطلب إطاراً اقتصادياً اجتماعياً سياسياً مناسباً تعبر عنه مظاهر الحكم الجيد في إدارة شؤون الدولة والمجتمع. فضلاً عن القيم الثقافية للشعوب العربية و(الخليجية) وخاصة في ما يتعلق بالنظرة لدور الدولة في المجتمع، وتركزها حول نمط (الدولة الأبوية)، الأمر الذي يفرض ضرورة السعي نحو إعادة النظر في مكونات البناء المجتمعي بأبعاده المختلفة وخاصة البعد الثقافي لأفراد المجتمع.
وإذا كانت التنمية بالمشاركة أحد أبرز مداخل تفعيل دور المجتمع المدني في النهوض بالدول، فإن قضايا المجتمع المدني في هذه الحالة إنما ترتكز على المساهمة بفاعلية في تعزيز آلية الحكم الرشيد، عبر القيام بدور فاعل في بناء مؤسسات الدولة من خلال نشر ثقافة المشاركة ذاتها التي تعد محور الديمقراطية.
ثانياً: الحكم الرشيد والمؤسسية.. آليات المجتمع المدني لبناء الدولة
تعد مفاهيم الحكم (governance) والمؤسسية (Institutionalization) والمجتمع المدني (civil society) من أبرز المفاهيم المرتبطة بالعملية الديمقراطية، حيث يعبر الحكم عن ممارسة السلطة لإدارة موارد الدولة المختلفة، وهو بذلك يقوم في جوهره على الممارسة (practice). وترتبط مسألة ديمقراطية الحكم بممارسة السلطة عبر مجموعة من المؤسسات التي يمكن من خلالها تدبير شؤون الدولة، وهو ما يمكن الوقوف عليه عبر ثلاثة مستويات من المؤسسات: المستوى الأول، يتمثل في مؤسسات الدولة الرسمية التنفيذية والتشريعية والقضائية. المستوى الثاني، يقوم على دور المؤسسات والمنظمات غير الرسمية، والتي تتمثل في منظمات المجتمع المدني. أما المستوى الثالث فيتعلق بالقطاع الخاص ودوره الاجتماعي كقطاع ثالث يمتلك من المقومات ما يجعله ذات تأثير في الجانب الاجتماعي للدولة.
لذا، فإن آلية الحكم في أي بلد (ديمقراطي) لا بد أن ترتكز على المؤسسية في إدارة شؤون الدولة والتوزيع السلطوي للقيم. وعلى الرغم من توافر مؤسسات الحكم بمستوياتها المختلفة في معظم بلدان العالم، وخاصة النامية منها، إلا أن مرد الاختلاف يرجع إلى مدى ديمقراطية الحكم ذاته الذي يعبر عنها شكل العلاقة بين القطاعات الثلاثة السابقة، بمعنى آخر مدى قدرة هذه المؤسسات على القيام بوظائفها باستقلالية، استناداً إلى شرعية دستورية ومشروعية سياسية شعبية، الأمر الذي يثير بدوره مفهوم الحكم الجيد (good governance) بسماته وأركانه المختلفة ومؤشرات قياسه، باعتباره مرادفاً للحكم الديمقراطي القائم على التفاعل بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية وتوسيع قاعدة مشاركة المواطنين في صنع القرار.
أما المجتمع المدني، فهو يعبر في مجمله عن كل المنظمات والتجمعات المدنية غير الساعية للوصول الى السلطة والتي تتوسط بين الأفراد والدولة. فالمجتمع المدني يرتبط بالأساس بوجود مؤسسات ومنظمات غير حكومية ومن ثم يتوافر فاصل معين بينها وبين الدولة وأجهزتها. وهو ما يشير إلى العلاقة الارتباطية بين العملية الديمقراطية وحيز وجودها وارتباطها بوجود مجتمع مدني قوي. فالديمقراطية معناها الإدارة السلمية للمجموعات المتصارعة والمصالح المتباينة، وهو ما يتوافق مع مضمون تعريف المجتمع المدني الذي ينظر إليه على (أنه الرابطة المثلى بين المواطنين والحكومة، وهو الوسيلة المثلى لتوزيع المشاركة الشعبية).
ويشير التفاعل السابق إلى وجود علاقة ارتباطية بين الحكم الجيد والمؤسسية والمجتمع المدني والديمقراطية، يمثل المجتمع المدني فيها ـ بمكوناته المختلفة ـ حلقة رابطة ومحوراً لتلك العلاقة. فالحكم الجيد يعبر في مضمونه عن آلية الحكم الديمقراطي في الدولة الحديثة القائمة على المؤسسات، والتي تقوم بدورها على بناء مجتمعي يقوم على ثقافة المشاركة، استناداً إلى وجود مجتمع مدني فاعل، يكون بمثابة حلقة وصل بين القاعدة الشعبية وأجهزة الدولة الرسمية.
ثالثاً: الديمقراطية والحكم الرشيد والتنمية
تنطلق العلاقة بين الحكم الرشيد والديمقراطية والتنمية من كونها تعد مدخلاً أساسياً لتنمية وتطوير المجتمعات والدول على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فإقرار الحكم الرشيد (كأحد أبرز مرتكزات الديمقراطية) من شأنه ترسيخ قيم:
* احترام كرامة الشعوب وحقوقهم وحرياتهم.
* ضمان مشاركتهم في اتخاذ القرارات وإخضاع صانعي القرار للمساءلة.
* إرساء قواعد المؤسسية لآلية الحكم والتي تحكم التفاعلات الاجتماعية.
* إقرار مبدأ عدم التمييز وتحقيق المواطنة.
* المساهمة في القضاء على الظواهر الاجتماعية السلبية مثل الفقر والبطالة.
ورغم عدم وجود صفة موحدة لتحقيق الديمقراطية عبر دول العالم، إلا أن تحقيقها يتطلب توافر عناصر تكون بمثابة قاعدة لتشكيل بنيتها الأساسية، وهي العناصر ذاتها التي أجمعت عليها معظم التقارير الدولية، ومن بين هذه العناصر:
* مكافحة الفساد وتبني إجراءات للشفافية والمساءلة واحترام الحقوق الأساسية للمواطنين ونبذ أساليب القمع والتعذيب.
* بناء المؤسسات، وفي مقدمتها البرلمانات والأحزاب والقضاء، بالإضافة إلى ضمان كفاءة إدارة هذه المؤسسات، من خلال الصيغ القانونية المختلفة.
* النهوض بالتعليم والثقافة القائمة على مبدأ المشاركة، حيث إن الديمقراطية بما تمثله من إطار قيمي، تتطلب فترة زمنية طويلة يتخللها بعض مظاهر الممارسة والتدريب لهذه القيم ولاسيما قيمة المشاركة، التي تعد محور أي مظهر ديمقراطي.
* مشاركة سياسية تتيح الفرص المتكافئة أمام جماعات وأفراد وأحزاب وتيارات اتجاهات متعددة، وفق حق الاختلاف ومبدأ التوازن النسبي بين الجماعات والقوى الاجتماعية المختلفة. وهنا ثمة ضرورة للاهتمام بمشاركة الفئات الأقل تمثيلاً في المجتمع ـ المرأة والأقليات.
* بناء أطر قانونية وسياسية تعمل على تفعيل دور المجتمع المدني وقوة واستقلال مؤسساته وجماعاته المختلفة.
* حرية واستقلال الصحافة، وحرية المعلومات في عصر الاتصالات الرقمية.
وهنا يبدو من الممارسة العملية أن هذه العناصر لا تتجاوز الجانب النظري إلى الواقع العملي، حيث إن الديمقراطيات الغربية تضم مجموعة من الجماعات والقوى السياسية المهمشة والتي لا تمتلك قوة نسبية أمام جماعتين أو أكثر على الساحة السياسية، وتتجلى هذه الحقيقة في المجتمعين الأمريكي والبريطاني، وأيضاً في فرنسا، إذ يسيطر على الحياة السياسية جماعتان أو حزبان أو أكثر دون أن تكون للأحزاب الأخرى أي أوزان نسبية في مقابلها. إلا أن ذلك لا يمنع الاعتماد على هذه الشروط عند صياغة أية استراتيجية مستقبلية تساعد على بناء الدول والنهوض بالمجتمعات النامية.
رابعاً: الشراكة.. آلية المجتمع المدني لبناء الدولة الحديثة
فقد أصبحت عملية الشراكة بين المجتمع المدني وكل من القطاعين الحكومي والخاص مرادفة لعمليتي التنمية والإصلاح وسمة لم تعد قاصرة على المستوى الداخلي للدول، بل أضحت أحد المطالب الدولية وسمة من سمات النظام الدولي الراهن.
لذا أصبح الحديث عن الشراكة بمداخلها المختلفة تجاه عملية تنمية الموارد البشرية، وتجاه عملية الإصلاح مرتبطة بمجموعة من الآليات الدولية وبرؤية المنظمات والمؤسسات الدولية وبرامجها الهادفة لتعميق وتعزيز سبل هذه الشراكة.
وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن إشكاليتين أساسيتين، الأولى: تتعلق بما تثيره من حدود التفاعلات البينية بين القطاعين الأهلي والخاص، وتفاعلهما على أرضية القطاع الحكومي، أما الإشكالية الثانية: فترتبط بقضية الإصلاح وما خلفته قضية الركود السياسي من مشكلات متعددة ومتداخلة تفرض نفسها على منهج الإصلاح المنشود ومتطلباته. فالدول التي مرت بعملية التحول الديمقراطي بعد فترة طويلة من الركود استندت إلى مجموعة من العناصر الرئيسية التي مثلت بدورها آليات لعملية الإصلاح.
وفي هذا الإطار يمكن رصد بعض عناصر وآليات عملية الإصلاح في التالي:
1ـ وجود نخبة حاكمة مؤمنة بعملية الإصلاح وتمتلك المصداقية والشرعية لدى جموع الشعب لتمكنها من اتخاذ الإجراءات المناسبة وتدفعها نحو التغيير.
2ـ يعتبر الجانب التشريعي من أبرز الآليات التي تساعد على عملية الإصلاح، إذ يؤدي تغيير مجموعة القوانين والتشريعات المتعلقة بعملية الإصلاح إلى إيجاد بيئة مؤاتية لعملية الإصلاح، مع الأخذ في الاعتبار ألا تكون عملية تغيير التشريعات أو القوانين مرتبطة بفلسفة الإصلاح الجزئي بل بعملية الإصلاح الشامل.
3ـ تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني عبر دفعها بكل تشكيلاتها نحو المساهمة في دفع عملية التحول، من خلال امتلاكها للرؤية والقدرة على نشر القيم الثقافية المختلفة سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، فضلاً عن قدرتها على تصميم البرامج التدريبية للممارسة العملية للديمقراطية.
4ـ تلك العناصر والآليات السابقة تساهم بدورها في توجه البيئة السياسية نحو اعتماد تداول وتدوير السلطة، الأمر الذي يؤدي إلى تغير النخبة السياسية بشكل منتظم يساعد على توسيع نطاق الممارسة والمشاركة السياسية التي تعد أحد أركان الديمقراطية.
5ـ النخبة المثقفة والسياسة: يجب أن تلعب دوراً في تفعيل وإحياء عملية النهوض بعناصر المجتمع، من خلال طرح خطاب يعبر عن طبيعة احتياجات المجتمع ونبضه. فضلاً عن امتلاك أدوات من شأنها أن تثير حالة من حالات التجديد الفكري النهضوي.
إن نجاح النموذج الديمقراطي يرتبط بدرجة توافر بنية سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية تساعد على تعزيز ما وصلت إليه عملية التحول من تطور. لذا تلعب الثقافة السياسية والحالة الاقتصادية والتركيبة المجتمعية دوراً محورياً في تدعيم وبناء النظام الديمقراطي. وهو ما يمكن أن يساهم فيه القطاع الخاص عبر تدعيم دور منظمات المجتمع المدني في المجتمع، خاصة في ما يتعلق بآلية التمويل.
لذلك، فإن الشراكة الثلاثية بين مؤسسات الدولة (الحكومة) ومنظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص تعد تجسيداً لنمط الحكم الجيد، كما تعد بدورها مدخلاً محورياً للنهوض بالدولة وتطويرها.
::/fulltext::
::cck::1192::/cck::
