رفع الحصار عن غزة ومستقبل المشروع الوطني الفلسطيني
::cck::1190::/cck::
::introtext::
الأحداث الساخنة والخطيرة تحتاج إلى عقول باردة للتعامل معها، وليس من حدث راهن اليوم بسخونة وخطورة القرصنة الإسرائيلية لقافلة الحرية التي تمثل عنواناً ورأس حربة لرأي عام عالمي يتزايد يومياً مطالباً برفع الحصار عن غزة من منطلقات إنسانية غالباً، وهو حدث غير منفصل عن جهود رفع الحصار المتزامنة مع فشل المفاوضات وتعثر المصالحة.
::/introtext::
::fulltext::
الأحداث الساخنة والخطيرة تحتاج إلى عقول باردة للتعامل معها، وليس من حدث راهن اليوم بسخونة وخطورة القرصنة الإسرائيلية لقافلة الحرية التي تمثل عنواناً ورأس حربة لرأي عام عالمي يتزايد يومياً مطالباً برفع الحصار عن غزة من منطلقات إنسانية غالباً، وهو حدث غير منفصل عن جهود رفع الحصار المتزامنة مع فشل المفاوضات وتعثر المصالحة.
الهجوم على قافلة الحرية أخذ بعداً عاطفياً انفعالياً كبيراً بسبب العنف الإسرائيلي، وبعداً دولياً بسبب وقوعه في المياه الدولية، لكنه لم يُثر إلا القليل من التفكير العقلاني حول مآلية حملات رفع الحصار وكيفية رفعه والوظيفة الحقيقية للحملات الدولية لرفع الحصار وخصوصاً في ظل استمرار الحالة الفلسطينية والعربية على انقسامها. فعندما تتقدم العاطفة وثقافة الصورة على العقل، وتتغلب الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة على حساب الرؤية الواقعية العقلانية للتعامل مع الحدث من منظور المصلحة الوطنية، فإن الواقع سيعيد إنتاج نفسه مراراً، لكن بصورة أكثر مأساوية، أو ستكون إنجازات متواضعة لا تصب في المصلحة الوطنية حتى إن تم تمرير الإنجاز كانتصار من هذا الفريق أو ذاك.
مَن كان يعتقد أن قافلة الحرية وغيرها من القوافل البرية أو البحرية وحدها سترفع الحصار كلياً عن غزة سيكون واهماً، فليس هكذا يتم حل مشكلة سياسية معقدة، ذلك أن حصار غزة غير منفصل عن مجمل ما تتعرض له القضية من مخاطر ولا ينفصل عن السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بالقضية. إن مهمة قافلة الحرية هو تسليط الأضواء على معاناة أهل غزة وتبليغ رسالة عن تأييد قطاع واسع من الرأي العام العالمي لشعب فلسطين ورفضه للاحتلال الصهيوني وممارساته، وبالتالي يمكن القول إن قافلة الحرية حققت هدفها ضمن هذه الرؤية على الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعه المشاركون فيها. أما الذين يراهنون على هذه الحملات وعلى الرأي العام فقط لرفع الحصار فسيجانبهم الصواب من حيث إن الحصار قد يرفع اقتصادياً وإنسانياً، ولكن حل أبعاده السياسية يحتاج إلى آليات مغايرة، وحتى من يستشهد أو يستحضر ما جرى في جنوب إفريقيا أو فيتنام ? على الرغم من الاختلاف بينهما والحالة الفلسطينية- حيث كان لتحرك الرأي العام العالمي دور في محاصرة النظام العنصري في جنوب إفريقيا وفي تسريع انسحاب الولايات المتحدة من فيتنام فعليهم التذكر بأن الأمور حسمت في الحالتين رسمياً على طاولة المفاوضات بين القيادة الوطنية الموحدة في البلدين ودولة الاحتلال وبقرارات دولية.

لقد نجحت قافلة الحرية في المياه الدولية وغيرها من حملات مساندة الشعب الفلسطيني في تأكيد ثلاث حقائق:
الحقيقة الأولى: إن إسرائيل دولة إرهابية لا تتورع عن انتهاك كل الشرائع والقوانين الدولية سواء تعلق الأمر بممارساتها ضد الفلسطينيين في نطاق سيادتها المستمدة من كونها دولة احتلال كالعدوان على غزة وكل الممارسات الإرهابية في الضفة وغزة وهي الجرائم التي وثقها تقرير غولدستون، أو تعلق الأمر بممارساتها خارج حدودها والتي تدخل في إطار الإرهاب والقرصنة الدولية، كجريمة مدرسة بحر البقر في مصر وجريمة قانا في لبنان أو اغتيال محمود المبحوح في دبي وعماد مغنية في سوريا وقصف موقع في سوريا بذريعة أنه ينتج مواد كيماوية أو نووية، أو قصف قافلة في أقاصي السودان وقبل ذلك عشرات الجرائم في أكثر من بلد أوروبي وعربي.
الحقيقة الثانية: إن قطاع غزة يخضع لحصار جائر يفقد كل يوم مبررات استمراره ويستحث مزيداً من الناس من كل الجنسيات لمحاولة كسره، وهؤلاء الذين قتلتهم أو اعتقلتهم إسرائيل من على ظهر السفن يمثلون رأياً عاماً عالمياً متعاطفاً ومؤيداً للشعب الفلسطيني ورافضاً للسياسة الإسرائيلية، وبالتالي يجب إنهاء هذا الحصار.
الحقيقة الثالثة: إن عدالة القضية الفلسطينية لا تشوبها شائبة، وأن إسرائيل وعلى الرغم من إرهابها وما تحققه على الأرض بإرهابها سواء بالاستيطان أو التهويد أو الاعتقالات والاغتيالات، فإنها تخسر التأييد والتعاطف الدولي يوماً بعد يوم.
لقد نجحت قافلة الحرية وما سبقها من حملات مؤيدة للشعب الفلسطيني في كشف زيف المبررات الأخلاقية والقانونية الدولية للحصار وخصوصاً بعد العدوان على القطاع بداية 2009، لكن لا يجوز أن نبالغ لدرجة الجزم بأن هذه الجهود الشعبية تكفي لكسر الحصار نهائياً أي الحصار كجزء من قضية وطنية متعددة الأبعاد. ذلك أنه مقابل هذه التوجهات الشعبية نحو كسر الحصار تقابلها تصورات مغايرة لرفع الحصار ومواقف دولية لا تتناسب مع توجهات الرأي العام ومتغيرات عميقة تمس النظام السياسي الفلسطيني كنظام يقوم على وحدة الضفة وغزة جغرافياً ووحدة السلطة سياسياً، وأهم هذه المتغيرات:
1- تزايد الحرج الذي تشعر به أنظمة عربية وإسلامية بسبب المواقف الشعبية المتعاطفة مع الفلسطينيين والمطالبة برفع الحصار عن غزة، وممارسة هذه الأنظمة لعبة الهروب للأمام بمجاراة الجماهير في شعاراتها بدلاً من التصرف كدول في التعامل مع مجمل الصراع في المنطقة. ويبدو أن هذه الأنظمة استحسنت التعامل مع القضية الفلسطينية من بوابة رفع الحصار عن غزة بدلاً من التعامل معها كقضية صراع عربي-إسرائيلي وحتى كصراع فلسطيني-إسرائيلي، فثمن سياساتها لرفع الحصار عن غزة سيكون أقل تكلفة مما لو نهجت سياسة المواجهة مع إسرائيل وواشنطن.
2- ظهور مواقف دولية تسعى إلى تغيير طبيعة الصراع في المنطقة من خلال تجزئة القضية الفلسطينية إلى قضية غزة ورفع الحصار عنها وقضية الضفة وإيجاد حل للاستيطان وسبل التعايش ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين هناك.
3- فشل المصالحة الفلسطينية الداخلية حتى الآن، حيث تم تعليق المصالحة على الورقة المصرية من دون التفكير بمداخل أخرى للمصالحة.
4- تثبيت سلطة حماس في قطاع غزة كسلطة حمساوية شمولية لا تتعدى ولايتها القطاع، وتثبيت سلطة فياض وحركة فتح في الضفة كسلطة حكم ذاتي مقتصرة على الضفة ولا تتعدى ولايتها جزءاً من الأرض.
5- إفشال إسرائيل المتعمد للمفاوضات لأن هذه المفاوضات تقوم على اتفاقات تقول بالوحدة الجغرافية لغزة والضفة وبوحدة السلطة الفلسطينية وبالولاية السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
6- استمرار التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل وهي تهدئة تشمل مجمل الأراضي الفلسطينية من البحر إلى النهر.
7- اعتراف حركة حماس بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع وهو ما أعاد التأكيد عليه الدكتور أحمد يوسف قبل أيام والشرط الوحيد الذي يشترطه هو مشاركة حماس في الحكم، وهي مشاركة قائمة في قطاع غزة.
8- تصريحات خالد مشعل الأخيرة بأن لا مشكلة بين حركة حماس وواشنطن لا داخلياً ولا دولياً.
ضمن هذه المتغيرات فإن الحصار سيُرفع اليوم أو غداً، ولذلك سيكون الفلسطينيون أمام مفترق طرق: إما أن يُرفع الحصار بقرار مصري منفرد أو دولي /عربي، في ظل الانقسام، أو يتم رفعه في ظل مصالحة وطنية، والسؤال: ما هو مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ما بعد رفع الحصار عن غزة، والذي قد يكون قريباً وعلى مستوى فتح معبر رفح، إن لم تحدث المصالحة قبل ذلك أو لم يكن رفع الحصار ضمن صفقة فلسطينية أو عربية تكون المصالحة جوهرها؟
لنذكر مرة أخرى بأن الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة يدخل ضمن مخطط سياسي استراتيجي، وبالتالي فالمخططون الإسرائيليون يريدون رفع الحصار بعد أخذ الثمن في إطار صفقة سياسية أو تسوية سياسية يجري الإعداد لها، سيرفعون الحصار عن القطاع عند استكمال حلقات هذا المخطط الذي يحقق نجاحات على الأرض كما سبق الذكر، أيضاً هناك دول وحركات سياسية تسعى إلى رفع الحصار عن القطاع، ولكن ضمن رؤيتها السياسية الخاصة المتعارضة مع المشروع الوطني الفلسطيني، وهذه الجهات تعتبر رفع الحصار عن القطاع، حتى إن أدى إلى تكريس فصل غزة عن الضفة وتكريس كيان سياسي منفصل في غزة، نصراً لمشروعها الإسلامي العالمي، وهذه الأطراف لا ترى في مسعاها هذا خيانة للقضية الفلسطينية بل هو مدخل مغاير للتعامل مع القضية ومع الصراع في المنطقة، ويجد مسعى هذه الأطراف قبولاً تكتيكياً من مراكز قرار أمريكية.
في المقابل لا نرى أو نسمع، لا من مسؤولين سياسيين أو كتّاب ومفكرين وطنيين، عن وجود استراتيجية فلسطينية أو تصور لمواجهة هذه المخططات، استراتيجية تعمل على رفع الحصار في إطار وحدة المشروع الوطني حتى إن كان رفعاً جزئياً يقتصر على فتح معبر رفح. وخارج إطار الورقة المصرية التي أصبحت متجاوزة، لم نسمع من مسؤول أو حزب فلسطيني عن إجابة أو تصور لمستقبل النظام السياسي الذي يقوم على وحدة الضفة وغزة تحت سلطة واحدة لما بعد رفع الحصار عن غزة، لم نسمع عن تصور أو رؤية استشرافية لمستقبل المشروع الوطني برمته، سواء كان مشروع السلطة أو مشروع التحرر الوطني، إذا ما تم رفع الحصار عن القطاع خارج إطار المصالحة الوطنية.
هل لأن الموضوع لم يخطر على بال أحد؟ وهل لأنهم فكروا فيه ولا يجدون إجابة ففضلوا الصمت ؟أم لأنهم، أو بعضهم، لديهم الإجابة والتصور، لكنهم لا يجرؤون على البوح به ويتركون الواقع ليفرض نفسه ويتحدث عن نفسه؟ أم أن هناك في التسوية الأمريكية القادمة إجابة عن هذه التساؤلات؟ لأننا لم نفقد ثقتنا بقيادتنا فما زلنا نراهن على إمكانية تدارك الأمر واستباق ما يُخطط من مؤامرات لتدمير المشروع الوطني بتجديد جلسات حوارات المصالحة بسرعة وإن اقتصر جدول الأعمال على إيجاد آلية لفتح معبر رفح بما لا يؤدي إلى حالة قطيعة ما بين غزة والضفة وبما يحفظ وحدة الشعب الفلسطيني ووحدانية التمثيل الفلسطيني.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1190::/cck::
::introtext::
الأحداث الساخنة والخطيرة تحتاج إلى عقول باردة للتعامل معها، وليس من حدث راهن اليوم بسخونة وخطورة القرصنة الإسرائيلية لقافلة الحرية التي تمثل عنواناً ورأس حربة لرأي عام عالمي يتزايد يومياً مطالباً برفع الحصار عن غزة من منطلقات إنسانية غالباً، وهو حدث غير منفصل عن جهود رفع الحصار المتزامنة مع فشل المفاوضات وتعثر المصالحة.
::/introtext::
::fulltext::
الأحداث الساخنة والخطيرة تحتاج إلى عقول باردة للتعامل معها، وليس من حدث راهن اليوم بسخونة وخطورة القرصنة الإسرائيلية لقافلة الحرية التي تمثل عنواناً ورأس حربة لرأي عام عالمي يتزايد يومياً مطالباً برفع الحصار عن غزة من منطلقات إنسانية غالباً، وهو حدث غير منفصل عن جهود رفع الحصار المتزامنة مع فشل المفاوضات وتعثر المصالحة.
الهجوم على قافلة الحرية أخذ بعداً عاطفياً انفعالياً كبيراً بسبب العنف الإسرائيلي، وبعداً دولياً بسبب وقوعه في المياه الدولية، لكنه لم يُثر إلا القليل من التفكير العقلاني حول مآلية حملات رفع الحصار وكيفية رفعه والوظيفة الحقيقية للحملات الدولية لرفع الحصار وخصوصاً في ظل استمرار الحالة الفلسطينية والعربية على انقسامها. فعندما تتقدم العاطفة وثقافة الصورة على العقل، وتتغلب الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة على حساب الرؤية الواقعية العقلانية للتعامل مع الحدث من منظور المصلحة الوطنية، فإن الواقع سيعيد إنتاج نفسه مراراً، لكن بصورة أكثر مأساوية، أو ستكون إنجازات متواضعة لا تصب في المصلحة الوطنية حتى إن تم تمرير الإنجاز كانتصار من هذا الفريق أو ذاك.
مَن كان يعتقد أن قافلة الحرية وغيرها من القوافل البرية أو البحرية وحدها سترفع الحصار كلياً عن غزة سيكون واهماً، فليس هكذا يتم حل مشكلة سياسية معقدة، ذلك أن حصار غزة غير منفصل عن مجمل ما تتعرض له القضية من مخاطر ولا ينفصل عن السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بالقضية. إن مهمة قافلة الحرية هو تسليط الأضواء على معاناة أهل غزة وتبليغ رسالة عن تأييد قطاع واسع من الرأي العام العالمي لشعب فلسطين ورفضه للاحتلال الصهيوني وممارساته، وبالتالي يمكن القول إن قافلة الحرية حققت هدفها ضمن هذه الرؤية على الرغم من الثمن الباهظ الذي دفعه المشاركون فيها. أما الذين يراهنون على هذه الحملات وعلى الرأي العام فقط لرفع الحصار فسيجانبهم الصواب من حيث إن الحصار قد يرفع اقتصادياً وإنسانياً، ولكن حل أبعاده السياسية يحتاج إلى آليات مغايرة، وحتى من يستشهد أو يستحضر ما جرى في جنوب إفريقيا أو فيتنام ? على الرغم من الاختلاف بينهما والحالة الفلسطينية- حيث كان لتحرك الرأي العام العالمي دور في محاصرة النظام العنصري في جنوب إفريقيا وفي تسريع انسحاب الولايات المتحدة من فيتنام فعليهم التذكر بأن الأمور حسمت في الحالتين رسمياً على طاولة المفاوضات بين القيادة الوطنية الموحدة في البلدين ودولة الاحتلال وبقرارات دولية.

لقد نجحت قافلة الحرية في المياه الدولية وغيرها من حملات مساندة الشعب الفلسطيني في تأكيد ثلاث حقائق:
الحقيقة الأولى: إن إسرائيل دولة إرهابية لا تتورع عن انتهاك كل الشرائع والقوانين الدولية سواء تعلق الأمر بممارساتها ضد الفلسطينيين في نطاق سيادتها المستمدة من كونها دولة احتلال كالعدوان على غزة وكل الممارسات الإرهابية في الضفة وغزة وهي الجرائم التي وثقها تقرير غولدستون، أو تعلق الأمر بممارساتها خارج حدودها والتي تدخل في إطار الإرهاب والقرصنة الدولية، كجريمة مدرسة بحر البقر في مصر وجريمة قانا في لبنان أو اغتيال محمود المبحوح في دبي وعماد مغنية في سوريا وقصف موقع في سوريا بذريعة أنه ينتج مواد كيماوية أو نووية، أو قصف قافلة في أقاصي السودان وقبل ذلك عشرات الجرائم في أكثر من بلد أوروبي وعربي.
الحقيقة الثانية: إن قطاع غزة يخضع لحصار جائر يفقد كل يوم مبررات استمراره ويستحث مزيداً من الناس من كل الجنسيات لمحاولة كسره، وهؤلاء الذين قتلتهم أو اعتقلتهم إسرائيل من على ظهر السفن يمثلون رأياً عاماً عالمياً متعاطفاً ومؤيداً للشعب الفلسطيني ورافضاً للسياسة الإسرائيلية، وبالتالي يجب إنهاء هذا الحصار.
الحقيقة الثالثة: إن عدالة القضية الفلسطينية لا تشوبها شائبة، وأن إسرائيل وعلى الرغم من إرهابها وما تحققه على الأرض بإرهابها سواء بالاستيطان أو التهويد أو الاعتقالات والاغتيالات، فإنها تخسر التأييد والتعاطف الدولي يوماً بعد يوم.
لقد نجحت قافلة الحرية وما سبقها من حملات مؤيدة للشعب الفلسطيني في كشف زيف المبررات الأخلاقية والقانونية الدولية للحصار وخصوصاً بعد العدوان على القطاع بداية 2009، لكن لا يجوز أن نبالغ لدرجة الجزم بأن هذه الجهود الشعبية تكفي لكسر الحصار نهائياً أي الحصار كجزء من قضية وطنية متعددة الأبعاد. ذلك أنه مقابل هذه التوجهات الشعبية نحو كسر الحصار تقابلها تصورات مغايرة لرفع الحصار ومواقف دولية لا تتناسب مع توجهات الرأي العام ومتغيرات عميقة تمس النظام السياسي الفلسطيني كنظام يقوم على وحدة الضفة وغزة جغرافياً ووحدة السلطة سياسياً، وأهم هذه المتغيرات:
1- تزايد الحرج الذي تشعر به أنظمة عربية وإسلامية بسبب المواقف الشعبية المتعاطفة مع الفلسطينيين والمطالبة برفع الحصار عن غزة، وممارسة هذه الأنظمة لعبة الهروب للأمام بمجاراة الجماهير في شعاراتها بدلاً من التصرف كدول في التعامل مع مجمل الصراع في المنطقة. ويبدو أن هذه الأنظمة استحسنت التعامل مع القضية الفلسطينية من بوابة رفع الحصار عن غزة بدلاً من التعامل معها كقضية صراع عربي-إسرائيلي وحتى كصراع فلسطيني-إسرائيلي، فثمن سياساتها لرفع الحصار عن غزة سيكون أقل تكلفة مما لو نهجت سياسة المواجهة مع إسرائيل وواشنطن.
2- ظهور مواقف دولية تسعى إلى تغيير طبيعة الصراع في المنطقة من خلال تجزئة القضية الفلسطينية إلى قضية غزة ورفع الحصار عنها وقضية الضفة وإيجاد حل للاستيطان وسبل التعايش ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين هناك.
3- فشل المصالحة الفلسطينية الداخلية حتى الآن، حيث تم تعليق المصالحة على الورقة المصرية من دون التفكير بمداخل أخرى للمصالحة.
4- تثبيت سلطة حماس في قطاع غزة كسلطة حمساوية شمولية لا تتعدى ولايتها القطاع، وتثبيت سلطة فياض وحركة فتح في الضفة كسلطة حكم ذاتي مقتصرة على الضفة ولا تتعدى ولايتها جزءاً من الأرض.
5- إفشال إسرائيل المتعمد للمفاوضات لأن هذه المفاوضات تقوم على اتفاقات تقول بالوحدة الجغرافية لغزة والضفة وبوحدة السلطة الفلسطينية وبالولاية السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية.
6- استمرار التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل وهي تهدئة تشمل مجمل الأراضي الفلسطينية من البحر إلى النهر.
7- اعتراف حركة حماس بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع وهو ما أعاد التأكيد عليه الدكتور أحمد يوسف قبل أيام والشرط الوحيد الذي يشترطه هو مشاركة حماس في الحكم، وهي مشاركة قائمة في قطاع غزة.
8- تصريحات خالد مشعل الأخيرة بأن لا مشكلة بين حركة حماس وواشنطن لا داخلياً ولا دولياً.
ضمن هذه المتغيرات فإن الحصار سيُرفع اليوم أو غداً، ولذلك سيكون الفلسطينيون أمام مفترق طرق: إما أن يُرفع الحصار بقرار مصري منفرد أو دولي /عربي، في ظل الانقسام، أو يتم رفعه في ظل مصالحة وطنية، والسؤال: ما هو مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ما بعد رفع الحصار عن غزة، والذي قد يكون قريباً وعلى مستوى فتح معبر رفح، إن لم تحدث المصالحة قبل ذلك أو لم يكن رفع الحصار ضمن صفقة فلسطينية أو عربية تكون المصالحة جوهرها؟
لنذكر مرة أخرى بأن الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة يدخل ضمن مخطط سياسي استراتيجي، وبالتالي فالمخططون الإسرائيليون يريدون رفع الحصار بعد أخذ الثمن في إطار صفقة سياسية أو تسوية سياسية يجري الإعداد لها، سيرفعون الحصار عن القطاع عند استكمال حلقات هذا المخطط الذي يحقق نجاحات على الأرض كما سبق الذكر، أيضاً هناك دول وحركات سياسية تسعى إلى رفع الحصار عن القطاع، ولكن ضمن رؤيتها السياسية الخاصة المتعارضة مع المشروع الوطني الفلسطيني، وهذه الجهات تعتبر رفع الحصار عن القطاع، حتى إن أدى إلى تكريس فصل غزة عن الضفة وتكريس كيان سياسي منفصل في غزة، نصراً لمشروعها الإسلامي العالمي، وهذه الأطراف لا ترى في مسعاها هذا خيانة للقضية الفلسطينية بل هو مدخل مغاير للتعامل مع القضية ومع الصراع في المنطقة، ويجد مسعى هذه الأطراف قبولاً تكتيكياً من مراكز قرار أمريكية.
في المقابل لا نرى أو نسمع، لا من مسؤولين سياسيين أو كتّاب ومفكرين وطنيين، عن وجود استراتيجية فلسطينية أو تصور لمواجهة هذه المخططات، استراتيجية تعمل على رفع الحصار في إطار وحدة المشروع الوطني حتى إن كان رفعاً جزئياً يقتصر على فتح معبر رفح. وخارج إطار الورقة المصرية التي أصبحت متجاوزة، لم نسمع من مسؤول أو حزب فلسطيني عن إجابة أو تصور لمستقبل النظام السياسي الذي يقوم على وحدة الضفة وغزة تحت سلطة واحدة لما بعد رفع الحصار عن غزة، لم نسمع عن تصور أو رؤية استشرافية لمستقبل المشروع الوطني برمته، سواء كان مشروع السلطة أو مشروع التحرر الوطني، إذا ما تم رفع الحصار عن القطاع خارج إطار المصالحة الوطنية.
هل لأن الموضوع لم يخطر على بال أحد؟ وهل لأنهم فكروا فيه ولا يجدون إجابة ففضلوا الصمت ؟أم لأنهم، أو بعضهم، لديهم الإجابة والتصور، لكنهم لا يجرؤون على البوح به ويتركون الواقع ليفرض نفسه ويتحدث عن نفسه؟ أم أن هناك في التسوية الأمريكية القادمة إجابة عن هذه التساؤلات؟ لأننا لم نفقد ثقتنا بقيادتنا فما زلنا نراهن على إمكانية تدارك الأمر واستباق ما يُخطط من مؤامرات لتدمير المشروع الوطني بتجديد جلسات حوارات المصالحة بسرعة وإن اقتصر جدول الأعمال على إيجاد آلية لفتح معبر رفح بما لا يؤدي إلى حالة قطيعة ما بين غزة والضفة وبما يحفظ وحدة الشعب الفلسطيني ووحدانية التمثيل الفلسطيني.
::/fulltext::
::cck::1190::/cck::
