مقومات التنمية الشاملة في مجلس التعاون الخليجي

::cck::1194::/cck::
::introtext::

استحوذ موضوع التنمية الاقتصادية الشاملة على اهتمام النُخب السياسية والاقتصادية في مختلف دول العالم، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، رغم تباين الرؤى لمقوماتها وفقاً لفلسفة وتفكير المدارس الاقتصادية، على تباين مناهجها الفكرية وتطبيقاتها العملية. ورغم ذلك، فإنها كلها تكاد تتفق على أن الإنسان هو محور عملية التنمية الشاملة ووسيلتها المُثلى وفي كافة ميادين الحياة. وبذلك أضحت التنمية الشاملة في الخليج العربي نموذجاً متفرداً عززته إرادات سياسية استوعبت الدروس التاريخية السابقة، وأخذت في الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية لخصوصية التجربة الخليجية.

 

::/introtext::
::fulltext::

استحوذ موضوع التنمية الاقتصادية الشاملة على اهتمام النُخب السياسية والاقتصادية في مختلف دول العالم، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، رغم تباين الرؤى لمقوماتها وفقاً لفلسفة وتفكير المدارس الاقتصادية، على تباين مناهجها الفكرية وتطبيقاتها العملية. ورغم ذلك، فإنها كلها تكاد تتفق على أن الإنسان هو محور عملية التنمية الشاملة ووسيلتها المُثلى وفي كافة ميادين الحياة. وبذلك أضحت التنمية الشاملة في الخليج العربي نموذجاً متفرداً عززته إرادات سياسية استوعبت الدروس التاريخية السابقة، وأخذت في الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية لخصوصية التجربة الخليجية.

تعكس التنمية الشاملة عملية تحول تاريخية متعددة الأطراف تمس الهياكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما تتناول الثقافة الوطنية وهي مدفوعة بقوى داخلية وليس بمجرد استجابة لرغبات قوى خارجية، وتجري في إطار مؤسسات سياسية تحظى بالقبول العام وتسمح باستمرار التنمية الشاملة.

مفهوم التنمية الشاملة

ظهر مفهوم التنمية الاقتصادية (Economic Development) بعد الحرب العالمية الثانية، وساعد على إبرازها الاستقلال السياسي لعدد كبير من المستعمرات السابقة، فضلاً عن المنافسة الأيديولوجية بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وبخاصة في أوائل خمسينات القرن الماضي، حيث بدأ علماء الاقتصاد يُقسّمون دول العالم من حيث بنيانها الاقتصادي إلى دول متقدمة وأخرى نامية. وبحلول عقد الستينات غدا مصطلح التنمية الاقتصادية يجري على كل لسان بين قادة الفكر والمختصين في مختلف الميادين، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

وإزاء ما واجهته الدول النامية، وبضمنها دول مجلس التعاون الخليجي، بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي سياسات اقتصادية جديدة تبناها صندوق النقد الدولي، وإلى حد كبير البنك الدولي، والتي عرفت بسياسات الإصلاح الاقتصادي، وتدور الأفكار الأساسية لهذا الإصلاح الاقتصادي حول ضرورة ضبط التوازن النقدي والمالي للدول النامية وذلك عن طريق تخفيض العجز في الموازنات العامة ومحاولة السيطرة على التضخم واستخدام أسعار الفائدة المناسبة وتحديد أسعار الصرف على نحو أكثر واقعية. وتستند هذه السياسات إلى إعادة النظر في دور الدولة الاقتصادي ومحاولة تقليص هذا الدور وتشجيع القطاع الخاص مع مزيد من الاعتماد على مؤشرات السوق.

وسرعان ما تشعب مفهوم التنمية الاقتصادية وما تبعه من تطبيقات عملية، ابتداء بالتنمية الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، وما تبعه من توزيع بحسب القطاعات: زراعية، صناعية وخدمية. ثم توسع المجال ليشمل قطاع التربية والتعليم والتكنولوجيا والبيئة، وعبر مفهوم التنمية المستدامة (Sustainable Development). وأخيراً اتسع مجال التطبيقات ليشمل كافة القطاعات عبر مفهوم التنمية الشاملة (Comprehensive Development). وارتبط مفهوم التنمية بالتقدم الاقتصادي والاجتماعي وما يعنيه ذلك من تغيير في بُنية الاقتصاد بتعدد قطاعات الإنتاج وتطور خدمات الصحة والتعليم وما شابه ذلك.

ونظراً لتباين مستوى التنمية بين الدول المتقدمة والنامية، فقد انقسم الفكر الاقتصادي المعاصر في تعريفها إلى تيارين رئيسيين: أحدهما، يمثل الفكر الاقتصادي الغربي والذي عّرف التنمية بأنها العملية الهادفة إلى إيجاد طاقة تؤدي إلى تزايد دائم في متوسط الدخل الحقيقي للفرد بشكل مًنتظم لفترة طويلة من الزمن

أما التيار الثاني، فقد تمثل في دول العالم الثالث (الدول النامية) والذي عّرف التنمية بكونها العملية الهادفة إلى إحداث تحولات هيكلية اقتصادية واجتماعية، يتحقق بموجبها للأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع مستوى من الحياة الكريمة التي يقل في ظلها عدم المساواة وتزول بالتدريج مشكلات البطالة والفقر والجهل والمرض، ويتوفر للمواطن قدر أكبر من فرص المشاركة، وحق المساهمة في توجيه مسار وطنه ومستقبله.

لذا فإن التنمية بمفهومها الشامل، ليست عملية اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية فحسب، لكنها مزيج من هذه كلها وغيرها، تحتوي المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وتتفاعل كلها، وتتداخل بعضها مع بعض في إطار شمولي يستهدف تحقيق أهداف تتغير وفقاً لما يحتاج إليه المجتمع، وما هو ممكن للتحقيق، وتعمل عل تغيير المجتمع نحو الأفضل بكافة وجوهه وبكامل تطلعاته.

وقد أخذت غالبية المجتمعات العربية بهذا المفهوم للتنمية الشاملة، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة منها لسد الفجوة الهائلة التي تفصلها عن المجتمعات والأمم المتقدمة، وإيجاد ثقافة تربوية شاملة تتفهم عملية التنمية وتسّدها في مشاريع إنتاجية تتناسب وثرواتها القومية، وتتجاوب مع الإرث التاريخي للثقافة العربية الإسلامية، وتتجاوب مع تطلعات شعوبنا في تأمين ما تحتاج إليه حتى تتحقق حريتها الاقتصادية التي هي في المقدمة ضرورية جداً لحريتها السياسية والاجتماعية.

مقومات التنمية الشاملة

لأغراض عملية وتحليلية ظل المعيار الرئيسي الذي يستخدمه البنك الدولي في تصنيف الاقتصادات هو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وقد تم تصنيف كل اقتصاد باعتباره منخفض الدخل أو متوسط الدخل أو مرتفع الدخل.

أما دول مجلس التعاون الخليجي، فتوصف بكونها من الاقتصادات مرتفعة الدخل طبقاً لهذا المعيار، حيث يبلغ نصيب الفرد فيها (28.3) ألف دولار إلا أن هذا التصنيف حسب معيار الدخل وحده لا يعكس بالضرورة مستوى التنمية التي تخضع لمقاييس أخرى، لذلك فإن دول مجلس التعاون الخليجي تعمل لإدامة العمل بتطبيقات التنمية الشاملة، وبخاصة أنها تمتلك العديد من المقومات ولعل أهمها الآتي:

1- المقومات السياسية: يشكل الميدان السياسي أحد أهم الأسس أو المقومات الأساسية لعملية التنمية الشاملة، وفي تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي. ويتطلب نجاح عملية التنمية الشاملة ضرورة إنشاء المؤسسات السياسية التي تمثل مصالح القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في التنمية، وتلعب المؤسسات السياسية دوراً حاسماً في تعبئة المجتمع لمواصلة العمل في هذا الميدان عن طريق إيجاد الوعي الإنمائي وترسيخه وخاصة أن التنمية الشاملة بمثابة (وثيقة تأمين وطنية)، يفضل مشاركة كافة أفراد المجتمع فيها بصورة طوعية.

وقد أثبتت تطورات الأحداث الاقتصادية والسياسية، وبشكل لا يقبل اللبس أن استقرار الأوضاع السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي شكل ضمانة لإرساء تجربة التنمية الاقتصادية الشاملة، بل أضحى هذا الاستقرار عنصر جذب واستقرار للاستثمار المحلي والأجنبي وفي مختلف الميادين.

2- المقومات الاقتصادية: تبلغ مساحة دول مجلس التعاون الخليجي نحو (2673.2) ألف كيلومتر مربع. فيما يبلغ عدد سكانها (37.5) مليون نسمة، وترتبط بوشائج تاريخية عريقة. كما تتميز بعمق الروابط الدينية والثقافية والتمازج الأسري بين مواطنيها، وهي في مجملها عوامل تقارب وتوحد عززتها الرقعة الجغرافية المنبسطة عبر البيئة الصحراوية الساحلية التي تحتضن سكان هذه المنطقة وقد يسرت موارد الثروة النفطية، ولاسيما بعد أن تجاوز مجمل إنتاجها (16.200) مليون برميل يومياً منذ عام 2006، الاتصال والتواصل بينهم وخلقت ترابطاً بين سكان هذه المنطقة وتجانساً في التقاليد والعادات والهوية والقيم السائدة. وإذا كان مجلس التعاون الخليجي، لهذه الاعتبارات، استمراراً وتطويراً وتنظيماً لتفاعلات قديمة راسخة وحديثة مؤثرة، فإنه من زاوية أخرى يمثل مقوماً راسخاً وعملياً لمواجهة تحديات التنمية، كما يمثل وفقاً لنظامه الأساسي الذي نص على (أن تأسيس المجلس جاء استجابة لتطلعات أبناء المنطقة في العقود الأخيرة لنوع من الوحدة العربية الإقليمية، بعد أن تعذر تحقيقها على المستوى العربي الشامل). وذلك من خلال تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في المجلس في كافة الميادين، وبخاصة الميدان الاقتصادي في مجالاته كافة.

3- المقومات العلمية والتكنولوجية: تتطلب عملية التنمية الاقتصادية تغييراً جوهرياً في مناهج التعليم السائدة، وذلك لإيجاد العقلية المنهجية الراغبة في فهم واقعها ومحيطها ومتغيراته المختلفة. مع الأخذ في الاعتبار أن التعليم من أجل التنمية الاقتصادية ليس سلعة استهلاكية ولا يصح النظر إليه بوصفه كذلك، أما التعليم في جوهره فهو إيجاد سلعة استثمارية، أي أنه نوع من الاستثمار في الإنسان ويجب النظر إليه من هذه الزاوية. ولا نقصد بالتعليم هنا المعنى الضيق للكلمة والقاصرة على التعليم التقليدي ووسائله، حيث يدخل ضمن هذا التعريف كافة الوسائل والأدوات اللازمة لرفع مستوى المهارات والكفاءات وزيادة عرض هذه المهارات الفنية والكفاءات بصفة مستمرة بما يتلاءم واحتياجات التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وعلى الرغم من توفر مستلزمات نهضة علمية وتكنولوجية واعدة في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لا تزال في بداياتها، مما يتطلب مواصلة الخطى لإدامة زخم تقدمها. مع الأخذ في الاعتبار أن الاستثمار البشري في حقل التربية والتعليم يحتاج إلى موارد مالية عالية ووقت وجهد وصبر ومواكبة مستمرة للتطورات العلمية والتكنولوجية وفي مختلف المجالات.

4- المقومات القانونية: لقد يسر توفر المقومات القانونية أساساً ساهم في إرساء المقدمات الأساسية للتنمية الشاملة في دول مجلس التعاون الخليجي لتنظيم آليات عمل المؤسسات الاقتصادية والمالية في كافة دول المجلس. وقد لخصت المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي الأهداف الأساسية للمجلس بنص واضح من خلال (تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كافة الميادين وصولاً إلى وحدتها وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين).

وقد أضفى هذا النص وضوحاً باتجاه شمولية مقومات وأسس التنمية الشاملة عبر التركيز على مبدأ (جميع الميادين) وبالتالي توفير الفرصة الذاتية والموضوعية لبناء تجربة اقتصادية ناجحة لدول المجلس

أهداف التنمية الشاملة.

إن صفة التحول التاريخية التي تعكسها التنمية الشاملة والتي تطبق في دول مجلس التعاون الخليجي، عادة ما استهدفت تغييراً تدريجياً وشاملاً لغالبية مؤسسات وضوابط المجتمع السائد، مع مراعاة المقومات التاريخية والدينية الراسخة فيه، وصولاً إلى تحقيق أهداف عملية تتواءم مع خصوصية التجربة الخليجية الرائدة في هذا الميدان، وذلك من خلال ترتيب أهداف التنمية الشاملة لتحقيق نتائج عملية في العديد من الميادين مع إعطاء أسبقية للميدان الاقتصادي لتوفر مقومات النهوض في هذا الميدان، وذلك من خلال السعي لزيادة إنتاجية العمل، وتغيير الأهمية النسبية للقطاعات الرئيسية في الاقتصاد الوطني، أي زيادة الأهمية النسبية لقطاع الصناعة والخدمات، بالإضافة إلى تزايد الاعتماد على المدخرات المحلية كمصدر رئيسي للاستثمار. وكذلك تنمية القدرات المحلية لتوطين التكنولوجيا واستخداماتها المختلفة، فضلاً عن رفع المستوى العام لمدخرات السكان وزيادة الدخل الحقيقي لهم.

وفي الميدان الاجتماعي، استهدفت التنمية الشاملة تحسين مستويات التعليم والصحة والرفاهية، ولكافة مواطني دول المجلس، وزيادة الاهتمام بالطبقة الوسطى، والاستفادة من الفوائض النفطية لتوفير الخبرة والخبراء والفنيين والعلماء لاستثمارهم لتطوير المجتمع الخليجي، وتشجيع قيم حُب المعرفة وإتقان العمل وتشجيع مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي.

وقد أدت التنمية الشاملة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى ظهور مؤسسات دولة قوية، ومجتمع متماسك، استمتع بثمرة الاستقلال السياسي والاقتصادي والذي أرسى سياسات تنفيذية ناجحة في كافة المجالات، مما أعطى مناعة نسبية في مواجهة إرهاصات العولمة الاقتصادية رغم ما فيها من إيجابيات.

معوقات التنمية الشاملة

على الرغم من أهمية التطبيقات التي شرعت بها دول مجلس التعاون الخليجي لإرساء مقدمات راسخة للتنمية الشاملة، إلا أنها لاتزال تعاني من عقبات ذاتية وموضوعية منها ما يرتبط بوجود هوة واسعة في ميادين تراكم الخبرة المحلية والاعتماد على الخبرات الأجنبية، بالإضافة إلى وجود خلل في ميادين تراكم المعرفة والاعتماد على التلقين والتقليد وتبني مناهج تكرس الخضوع والطاعة، ولا تسوغ نقد المسلمات الاجتماعية والسياسية والتراثية، وتحصل على مخرجات تعليمية مكبلة التفكير تخشى وتتحسب للرأي الآخر من رقابة داخلية أو نقد خارجي.

كما تواجه التنمية الشاملة صراعاً مستمراً بين قيم وتقاليد ومؤسسات المجتمع القديمة وما يواكبها من تطورات حديثة، حيث يتمسك المجتمع بتقاليده القديمة الموروثة والراسخة من جهة، ومن جهة أخرى تأسره اكتشافات الحداثة العلمية والتكنولوجية والتي يتناقض بعضها مع القيم الراسخة.

تأسيساً على ما تقدم يمكن أن نستنتج الآتي:

1- تتصف عملية التنمية الشاملة بالاستمرارية وتتطلب إرادة سياسية حاسمة، وتوفر مستلزمات بشرية متطورة وإمكانات مالية، ومستلزمات فنية وتكنولوجية متطورة، ولحسن الحظ تتوفر هذه المستلزمات في دول مجلس التعاون الخليجي.

2- بتقديرنا، إن هذه العملية، ولاعتبارات ذاتية وموضوعية تخص الدول النامية، تتطلب دوراً ريادياً لمؤسسة الدولة، ولاسيما أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال تصنف ضمن الدول النامية رغم التطورات الاقتصادية والاجتماعية الحاصلة فيها.

3- لا تتقاطع عملية التنمية الشاملة مع التقاليد التاريخية والاجتماعية والدينية السامية الموجودة في المجتمع العربي في دول مجلس التعاون الخليجي، شريطة أن تُحسن إدارتها وبما يتواءم مع الظروف الذاتية والموضوعية للمرحلة التاريخية التي تمر بها دول مجلس التعاون الخليجي.

4- تتطلب عملية التنمية الشاملة ضرورة إعداد خطة استراتيجية من شانها إرساء خطوات تتضمن كافة القطاعات الاقتصادية، ولمواكبة مسيرة إرساء الخطوات الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة هذه لا بد من اقتناص الفرصة وتوسيع دائرة العقل والاستفادة القصوى من صناعة المعرفة باستثمار الفوائض المالية النفطية المتاحة لترسيخ التجربة الحالية والاستفادة من مخرجاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، سواء أكان ذلك على المدى القريب أم على المدى الاستراتيجي.

::/fulltext::

araa70_27-1d7
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1194::/cck::
::introtext::

استحوذ موضوع التنمية الاقتصادية الشاملة على اهتمام النُخب السياسية والاقتصادية في مختلف دول العالم، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، رغم تباين الرؤى لمقوماتها وفقاً لفلسفة وتفكير المدارس الاقتصادية، على تباين مناهجها الفكرية وتطبيقاتها العملية. ورغم ذلك، فإنها كلها تكاد تتفق على أن الإنسان هو محور عملية التنمية الشاملة ووسيلتها المُثلى وفي كافة ميادين الحياة. وبذلك أضحت التنمية الشاملة في الخليج العربي نموذجاً متفرداً عززته إرادات سياسية استوعبت الدروس التاريخية السابقة، وأخذت في الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية لخصوصية التجربة الخليجية.

 

::/introtext::
::fulltext::

استحوذ موضوع التنمية الاقتصادية الشاملة على اهتمام النُخب السياسية والاقتصادية في مختلف دول العالم، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، رغم تباين الرؤى لمقوماتها وفقاً لفلسفة وتفكير المدارس الاقتصادية، على تباين مناهجها الفكرية وتطبيقاتها العملية. ورغم ذلك، فإنها كلها تكاد تتفق على أن الإنسان هو محور عملية التنمية الشاملة ووسيلتها المُثلى وفي كافة ميادين الحياة. وبذلك أضحت التنمية الشاملة في الخليج العربي نموذجاً متفرداً عززته إرادات سياسية استوعبت الدروس التاريخية السابقة، وأخذت في الاعتبار الظروف الذاتية والموضوعية لخصوصية التجربة الخليجية.

تعكس التنمية الشاملة عملية تحول تاريخية متعددة الأطراف تمس الهياكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، كما تتناول الثقافة الوطنية وهي مدفوعة بقوى داخلية وليس بمجرد استجابة لرغبات قوى خارجية، وتجري في إطار مؤسسات سياسية تحظى بالقبول العام وتسمح باستمرار التنمية الشاملة.

مفهوم التنمية الشاملة

ظهر مفهوم التنمية الاقتصادية (Economic Development) بعد الحرب العالمية الثانية، وساعد على إبرازها الاستقلال السياسي لعدد كبير من المستعمرات السابقة، فضلاً عن المنافسة الأيديولوجية بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وبخاصة في أوائل خمسينات القرن الماضي، حيث بدأ علماء الاقتصاد يُقسّمون دول العالم من حيث بنيانها الاقتصادي إلى دول متقدمة وأخرى نامية. وبحلول عقد الستينات غدا مصطلح التنمية الاقتصادية يجري على كل لسان بين قادة الفكر والمختصين في مختلف الميادين، السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها.

وإزاء ما واجهته الدول النامية، وبضمنها دول مجلس التعاون الخليجي، بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي سياسات اقتصادية جديدة تبناها صندوق النقد الدولي، وإلى حد كبير البنك الدولي، والتي عرفت بسياسات الإصلاح الاقتصادي، وتدور الأفكار الأساسية لهذا الإصلاح الاقتصادي حول ضرورة ضبط التوازن النقدي والمالي للدول النامية وذلك عن طريق تخفيض العجز في الموازنات العامة ومحاولة السيطرة على التضخم واستخدام أسعار الفائدة المناسبة وتحديد أسعار الصرف على نحو أكثر واقعية. وتستند هذه السياسات إلى إعادة النظر في دور الدولة الاقتصادي ومحاولة تقليص هذا الدور وتشجيع القطاع الخاص مع مزيد من الاعتماد على مؤشرات السوق.

وسرعان ما تشعب مفهوم التنمية الاقتصادية وما تبعه من تطبيقات عملية، ابتداء بالتنمية الاقتصادية، والتنمية الاجتماعية، وما تبعه من توزيع بحسب القطاعات: زراعية، صناعية وخدمية. ثم توسع المجال ليشمل قطاع التربية والتعليم والتكنولوجيا والبيئة، وعبر مفهوم التنمية المستدامة (Sustainable Development). وأخيراً اتسع مجال التطبيقات ليشمل كافة القطاعات عبر مفهوم التنمية الشاملة (Comprehensive Development). وارتبط مفهوم التنمية بالتقدم الاقتصادي والاجتماعي وما يعنيه ذلك من تغيير في بُنية الاقتصاد بتعدد قطاعات الإنتاج وتطور خدمات الصحة والتعليم وما شابه ذلك.

ونظراً لتباين مستوى التنمية بين الدول المتقدمة والنامية، فقد انقسم الفكر الاقتصادي المعاصر في تعريفها إلى تيارين رئيسيين: أحدهما، يمثل الفكر الاقتصادي الغربي والذي عّرف التنمية بأنها العملية الهادفة إلى إيجاد طاقة تؤدي إلى تزايد دائم في متوسط الدخل الحقيقي للفرد بشكل مًنتظم لفترة طويلة من الزمن

أما التيار الثاني، فقد تمثل في دول العالم الثالث (الدول النامية) والذي عّرف التنمية بكونها العملية الهادفة إلى إحداث تحولات هيكلية اقتصادية واجتماعية، يتحقق بموجبها للأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع مستوى من الحياة الكريمة التي يقل في ظلها عدم المساواة وتزول بالتدريج مشكلات البطالة والفقر والجهل والمرض، ويتوفر للمواطن قدر أكبر من فرص المشاركة، وحق المساهمة في توجيه مسار وطنه ومستقبله.

لذا فإن التنمية بمفهومها الشامل، ليست عملية اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو ثقافية فحسب، لكنها مزيج من هذه كلها وغيرها، تحتوي المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وتتفاعل كلها، وتتداخل بعضها مع بعض في إطار شمولي يستهدف تحقيق أهداف تتغير وفقاً لما يحتاج إليه المجتمع، وما هو ممكن للتحقيق، وتعمل عل تغيير المجتمع نحو الأفضل بكافة وجوهه وبكامل تطلعاته.

وقد أخذت غالبية المجتمعات العربية بهذا المفهوم للتنمية الشاملة، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، في محاولة منها لسد الفجوة الهائلة التي تفصلها عن المجتمعات والأمم المتقدمة، وإيجاد ثقافة تربوية شاملة تتفهم عملية التنمية وتسّدها في مشاريع إنتاجية تتناسب وثرواتها القومية، وتتجاوب مع الإرث التاريخي للثقافة العربية الإسلامية، وتتجاوب مع تطلعات شعوبنا في تأمين ما تحتاج إليه حتى تتحقق حريتها الاقتصادية التي هي في المقدمة ضرورية جداً لحريتها السياسية والاجتماعية.

مقومات التنمية الشاملة

لأغراض عملية وتحليلية ظل المعيار الرئيسي الذي يستخدمه البنك الدولي في تصنيف الاقتصادات هو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وقد تم تصنيف كل اقتصاد باعتباره منخفض الدخل أو متوسط الدخل أو مرتفع الدخل.

أما دول مجلس التعاون الخليجي، فتوصف بكونها من الاقتصادات مرتفعة الدخل طبقاً لهذا المعيار، حيث يبلغ نصيب الفرد فيها (28.3) ألف دولار إلا أن هذا التصنيف حسب معيار الدخل وحده لا يعكس بالضرورة مستوى التنمية التي تخضع لمقاييس أخرى، لذلك فإن دول مجلس التعاون الخليجي تعمل لإدامة العمل بتطبيقات التنمية الشاملة، وبخاصة أنها تمتلك العديد من المقومات ولعل أهمها الآتي:

1- المقومات السياسية: يشكل الميدان السياسي أحد أهم الأسس أو المقومات الأساسية لعملية التنمية الشاملة، وفي تحقيق الاستقلال السياسي والاقتصادي. ويتطلب نجاح عملية التنمية الشاملة ضرورة إنشاء المؤسسات السياسية التي تمثل مصالح القوى صاحبة المصلحة الحقيقية في التنمية، وتلعب المؤسسات السياسية دوراً حاسماً في تعبئة المجتمع لمواصلة العمل في هذا الميدان عن طريق إيجاد الوعي الإنمائي وترسيخه وخاصة أن التنمية الشاملة بمثابة (وثيقة تأمين وطنية)، يفضل مشاركة كافة أفراد المجتمع فيها بصورة طوعية.

وقد أثبتت تطورات الأحداث الاقتصادية والسياسية، وبشكل لا يقبل اللبس أن استقرار الأوضاع السياسية في دول مجلس التعاون الخليجي شكل ضمانة لإرساء تجربة التنمية الاقتصادية الشاملة، بل أضحى هذا الاستقرار عنصر جذب واستقرار للاستثمار المحلي والأجنبي وفي مختلف الميادين.

2- المقومات الاقتصادية: تبلغ مساحة دول مجلس التعاون الخليجي نحو (2673.2) ألف كيلومتر مربع. فيما يبلغ عدد سكانها (37.5) مليون نسمة، وترتبط بوشائج تاريخية عريقة. كما تتميز بعمق الروابط الدينية والثقافية والتمازج الأسري بين مواطنيها، وهي في مجملها عوامل تقارب وتوحد عززتها الرقعة الجغرافية المنبسطة عبر البيئة الصحراوية الساحلية التي تحتضن سكان هذه المنطقة وقد يسرت موارد الثروة النفطية، ولاسيما بعد أن تجاوز مجمل إنتاجها (16.200) مليون برميل يومياً منذ عام 2006، الاتصال والتواصل بينهم وخلقت ترابطاً بين سكان هذه المنطقة وتجانساً في التقاليد والعادات والهوية والقيم السائدة. وإذا كان مجلس التعاون الخليجي، لهذه الاعتبارات، استمراراً وتطويراً وتنظيماً لتفاعلات قديمة راسخة وحديثة مؤثرة، فإنه من زاوية أخرى يمثل مقوماً راسخاً وعملياً لمواجهة تحديات التنمية، كما يمثل وفقاً لنظامه الأساسي الذي نص على (أن تأسيس المجلس جاء استجابة لتطلعات أبناء المنطقة في العقود الأخيرة لنوع من الوحدة العربية الإقليمية، بعد أن تعذر تحقيقها على المستوى العربي الشامل). وذلك من خلال تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في المجلس في كافة الميادين، وبخاصة الميدان الاقتصادي في مجالاته كافة.

3- المقومات العلمية والتكنولوجية: تتطلب عملية التنمية الاقتصادية تغييراً جوهرياً في مناهج التعليم السائدة، وذلك لإيجاد العقلية المنهجية الراغبة في فهم واقعها ومحيطها ومتغيراته المختلفة. مع الأخذ في الاعتبار أن التعليم من أجل التنمية الاقتصادية ليس سلعة استهلاكية ولا يصح النظر إليه بوصفه كذلك، أما التعليم في جوهره فهو إيجاد سلعة استثمارية، أي أنه نوع من الاستثمار في الإنسان ويجب النظر إليه من هذه الزاوية. ولا نقصد بالتعليم هنا المعنى الضيق للكلمة والقاصرة على التعليم التقليدي ووسائله، حيث يدخل ضمن هذا التعريف كافة الوسائل والأدوات اللازمة لرفع مستوى المهارات والكفاءات وزيادة عرض هذه المهارات الفنية والكفاءات بصفة مستمرة بما يتلاءم واحتياجات التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي.

وعلى الرغم من توفر مستلزمات نهضة علمية وتكنولوجية واعدة في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها لا تزال في بداياتها، مما يتطلب مواصلة الخطى لإدامة زخم تقدمها. مع الأخذ في الاعتبار أن الاستثمار البشري في حقل التربية والتعليم يحتاج إلى موارد مالية عالية ووقت وجهد وصبر ومواكبة مستمرة للتطورات العلمية والتكنولوجية وفي مختلف المجالات.

4- المقومات القانونية: لقد يسر توفر المقومات القانونية أساساً ساهم في إرساء المقدمات الأساسية للتنمية الشاملة في دول مجلس التعاون الخليجي لتنظيم آليات عمل المؤسسات الاقتصادية والمالية في كافة دول المجلس. وقد لخصت المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي الأهداف الأساسية للمجلس بنص واضح من خلال (تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في كافة الميادين وصولاً إلى وحدتها وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين).

وقد أضفى هذا النص وضوحاً باتجاه شمولية مقومات وأسس التنمية الشاملة عبر التركيز على مبدأ (جميع الميادين) وبالتالي توفير الفرصة الذاتية والموضوعية لبناء تجربة اقتصادية ناجحة لدول المجلس

أهداف التنمية الشاملة.

إن صفة التحول التاريخية التي تعكسها التنمية الشاملة والتي تطبق في دول مجلس التعاون الخليجي، عادة ما استهدفت تغييراً تدريجياً وشاملاً لغالبية مؤسسات وضوابط المجتمع السائد، مع مراعاة المقومات التاريخية والدينية الراسخة فيه، وصولاً إلى تحقيق أهداف عملية تتواءم مع خصوصية التجربة الخليجية الرائدة في هذا الميدان، وذلك من خلال ترتيب أهداف التنمية الشاملة لتحقيق نتائج عملية في العديد من الميادين مع إعطاء أسبقية للميدان الاقتصادي لتوفر مقومات النهوض في هذا الميدان، وذلك من خلال السعي لزيادة إنتاجية العمل، وتغيير الأهمية النسبية للقطاعات الرئيسية في الاقتصاد الوطني، أي زيادة الأهمية النسبية لقطاع الصناعة والخدمات، بالإضافة إلى تزايد الاعتماد على المدخرات المحلية كمصدر رئيسي للاستثمار. وكذلك تنمية القدرات المحلية لتوطين التكنولوجيا واستخداماتها المختلفة، فضلاً عن رفع المستوى العام لمدخرات السكان وزيادة الدخل الحقيقي لهم.

وفي الميدان الاجتماعي، استهدفت التنمية الشاملة تحسين مستويات التعليم والصحة والرفاهية، ولكافة مواطني دول المجلس، وزيادة الاهتمام بالطبقة الوسطى، والاستفادة من الفوائض النفطية لتوفير الخبرة والخبراء والفنيين والعلماء لاستثمارهم لتطوير المجتمع الخليجي، وتشجيع قيم حُب المعرفة وإتقان العمل وتشجيع مشاركة المرأة في النشاط الاقتصادي.

وقد أدت التنمية الشاملة في دول مجلس التعاون الخليجي إلى ظهور مؤسسات دولة قوية، ومجتمع متماسك، استمتع بثمرة الاستقلال السياسي والاقتصادي والذي أرسى سياسات تنفيذية ناجحة في كافة المجالات، مما أعطى مناعة نسبية في مواجهة إرهاصات العولمة الاقتصادية رغم ما فيها من إيجابيات.

معوقات التنمية الشاملة

على الرغم من أهمية التطبيقات التي شرعت بها دول مجلس التعاون الخليجي لإرساء مقدمات راسخة للتنمية الشاملة، إلا أنها لاتزال تعاني من عقبات ذاتية وموضوعية منها ما يرتبط بوجود هوة واسعة في ميادين تراكم الخبرة المحلية والاعتماد على الخبرات الأجنبية، بالإضافة إلى وجود خلل في ميادين تراكم المعرفة والاعتماد على التلقين والتقليد وتبني مناهج تكرس الخضوع والطاعة، ولا تسوغ نقد المسلمات الاجتماعية والسياسية والتراثية، وتحصل على مخرجات تعليمية مكبلة التفكير تخشى وتتحسب للرأي الآخر من رقابة داخلية أو نقد خارجي.

كما تواجه التنمية الشاملة صراعاً مستمراً بين قيم وتقاليد ومؤسسات المجتمع القديمة وما يواكبها من تطورات حديثة، حيث يتمسك المجتمع بتقاليده القديمة الموروثة والراسخة من جهة، ومن جهة أخرى تأسره اكتشافات الحداثة العلمية والتكنولوجية والتي يتناقض بعضها مع القيم الراسخة.

تأسيساً على ما تقدم يمكن أن نستنتج الآتي:

1- تتصف عملية التنمية الشاملة بالاستمرارية وتتطلب إرادة سياسية حاسمة، وتوفر مستلزمات بشرية متطورة وإمكانات مالية، ومستلزمات فنية وتكنولوجية متطورة، ولحسن الحظ تتوفر هذه المستلزمات في دول مجلس التعاون الخليجي.

2- بتقديرنا، إن هذه العملية، ولاعتبارات ذاتية وموضوعية تخص الدول النامية، تتطلب دوراً ريادياً لمؤسسة الدولة، ولاسيما أن دول مجلس التعاون الخليجي لا تزال تصنف ضمن الدول النامية رغم التطورات الاقتصادية والاجتماعية الحاصلة فيها.

3- لا تتقاطع عملية التنمية الشاملة مع التقاليد التاريخية والاجتماعية والدينية السامية الموجودة في المجتمع العربي في دول مجلس التعاون الخليجي، شريطة أن تُحسن إدارتها وبما يتواءم مع الظروف الذاتية والموضوعية للمرحلة التاريخية التي تمر بها دول مجلس التعاون الخليجي.

4- تتطلب عملية التنمية الشاملة ضرورة إعداد خطة استراتيجية من شانها إرساء خطوات تتضمن كافة القطاعات الاقتصادية، ولمواكبة مسيرة إرساء الخطوات الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة هذه لا بد من اقتناص الفرصة وتوسيع دائرة العقل والاستفادة القصوى من صناعة المعرفة باستثمار الفوائض المالية النفطية المتاحة لترسيخ التجربة الحالية والاستفادة من مخرجاتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، سواء أكان ذلك على المدى القريب أم على المدى الاستراتيجي.

::/fulltext::
::cck::1194::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *