الأمن الوطني وتأثير العولمة فيه

::cck::809::/cck::
::introtext::

في أصل تكوّن الأمم والحضارات وسقوطها يتحدث الغرب هذه الأيام عن مبادئ جديدة عليه، في ما يتعلق بالأمن الوطني للدول وتأثيرات العولمة عليه، مستقاة من عندنا في الأصل، وكأن المؤثر على أمنه فقط يأتي من المنطقة العربية والإسلامية، وبالتالي فهو يدرس الأطروحات الموجودة في المنطقة لفهم عقلية التوجهات فيها.

::/introtext::
::fulltext::

في أصل تكوّن الأمم والحضارات وسقوطها يتحدث الغرب هذه الأيام عن مبادئ جديدة عليه، في ما يتعلق بالأمن الوطني للدول وتأثيرات العولمة عليه، مستقاة من عندنا في الأصل، وكأن المؤثر على أمنه فقط يأتي من المنطقة العربية والإسلامية، وبالتالي فهو يدرس الأطروحات الموجودة في المنطقة لفهم عقلية التوجهات فيها.

أبرز هذه الأطروحات التي يركز على دراستها الغرب عندنا في الشرق، وبالذات العربي، هي أطروحة ابن خلدون حول العصبية في تكون الأمم وازدهارها، وعيشها حالة الترف، ومن ثم تهاويها وسقوطها.

 وفجأة وبقدرة قادر يصبح ابن خلدون من جديد هو أبو علم الاجتماع، بل أول من درس نشوء وسقوط الحضارات، وعلم التاريخ، والعمران والاقتصاد، بعد أن كنا ندرس ونعرف، حتى في جامعاتنا العربية، أن آباء علم الاجتماع هم المفكرون الغربيون من أمثال المفكر الفرنسي إميل دوركهايم، الذي يعد أول من أدخل علم الاجتماع إلى مناهج الدراسة والبحث في الجامعات الأوروبية، كما يقول البعض، أو أغست كونت، كما يقول بعض آخر، بالإضافة إلى كارل ماركس وكتاباته حول المادية التاريخية، وماكس فيبر، وكتاباته الاجتماعية المتعددة حول التطور الاجتماعي الاقتصادي الديني بالذات، وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين الغربيين.

وكل هذا يأتي ضمن دراسة التأثيرات الكبيرة للهجرة التي جلبتها العولمة على الأمن الوطني للدول مع انفتاح الحدود للسلع والأفراد والأفكار والثقافات والمعلومات من مجتمعات إلى أخرى، ومن المجتمعات الفقيرة إلى المجتمعات الغنية بالذات.

هذا المقال يتناول هذه الموضوعات بالتحليل والمقارنة من أجل الوصول إلى فهم أفضل لمشكلة تأثيرات العولمة على الانتماء الوطني للدول، وبالذات دول الخليج العربية، وذلك من خلال أطروحتي الهجرة من الدول الفقيرة للدول الغنية، وأطروحة العصبية، عبر المنهج التحليلي والنقدي.

أدب مكتوب

تطالعنا آنا د. سيمون (2007)، في ورقة لها نشرت حول العولمة وتأثيراتها على الأمن الوطني، وبعد دراستها لتكوّن الأقليات المهاجرة في الدول الغنية وتأثيراتها على الوحدة والأمن الوطني، ونقلا عن كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، في تقريره عن التنمية الدولية، حيث يؤكد (لا بد أن جميعنا يعي التوتر الاجتماعي والثقافي الذي نشأ في العديد من الدول، حيث بدأت تتشكل مجموعات سكان كبيرة من أصول أجنبية، وأصبحت مؤخراً تؤسس نفسها على اعتبار الحركة واسعة النطاق للناس، وهو الاتجاه الذي من المؤكد أن يستمر في العقد المقبل، فكيف ستواجه الحكومات التنوع الجديد في نوعية السكان؟ وكيف ستستطيع الدول إيجاد وحدة وطنية من هذا التنوع) (الأمم المتحدة 18 مايو 2006).

 واستناداً إلى نظرية الهجرة الديموغرافية المعولمة لشيخ رضى شاتا وأوليفر روي، والتي قالت سيمون إن لها تأثيرات هائلة على الأمن الوطني في الدول المستضيفة، وعلى قوانينها وسياساتها في ما يتعلق بالهجرة، سواء كان في الدول الغنية الأوروبية والولايات المتحدة وأستراليا، أو في دول الخليج العربية. وقالت حسب هذه النظرية فإنه وفقاً للعديد من الحالات فإن الهجرات الديموغرافية تشكل، وتتحول إلى، تجمعات إثنية في أنحاء أوروبا الأصلية لتصبح كما لو كانت مناطق من البلدان الأصلية التي قدم منها المهاجرون في باكستان، وتركيا، والعراق والمغرب إلى آخره. وهذا ما يخلق تأثيرات على استيعابهم، وعلى الحفاظ على مناطق النفوذ الخاصة بالبلد المضيف وقدرته على إعداد القوانين والسياسات لحماية كل من المهاجرين ومواطنيها.

وتنقل سيمون عن أندريه كابيزويسكي (2007)، في مقال تحدث فيه عن (اللاعروبة في الخليج ـ العمال الأجانب والصراع من أجل الحفاظ على الثقافة المحلية) الأشكال الديموغرافية للمهاجرين، وأورد أمثلة عن تأثيرات هذه الهجرة على دول الخليج العربية، وبالذات الكويت وقطر والإمارات في 2005 من قبل العمال الآسيويين. ويقول إن مجموع السكان في دول الخليج المشيخية والملكية قد زاد ونما من أربعة ملايين عام 1950 إلى أربعين مليوناً عام 2006، حيث يعد هذا أحد أعلى معدلات النمو للسكان في العالم، وأصبح حتى عام 2004 ما يقارب 12.5 مليون أجنبي يعيشون في دول الخليج العربية، مما يشكل 37 في المائة من مجموع السكان الإجمالي في المنطقة.

وفي دراسة أخرى نشرت عام 2005 من قبل جامعة كامبريدج في بريطانيا ذكرت أن معدل السكان في دول الخليج العربية وصل إلى 35,863 مليون نسمة، وبلغ الأجانب في هذه الدول 12,801,3 مليون نسمة، أي أن الأجانب في دول الخليج العربية يشكلون 35,7 في المائة من مجموع السكان. وكلتا الإحصائيتين تبينان مشكلة حقيقية تعيشها بلداننا في الخليج بسبب الهجرة إليها من كل صوب وحدب.

وبالطبع فإن لتيار العولمة دور كبير في هذه الهجرات، والانفتاح الكبير للمجتمعات على بعضها، بسبب ما سماه جيدن (تكثف العلاقات الاجتماعية على نطاق العالم، والتي أصبحت تربط المناطق المحلية النائية، بحيث يصبح ما يحدث محليا يتشكل بالأحداث التي تظهر على بعد آلاف الأميال، وبالعكس).

وكما يبدو، فإن أوروبا الآن أصبحت تشعر بضيق شديد من وجود جاليات مسلمة في ضواحيها، وبدأت تتململ من وجود هؤلاء المهاجرين العرب والمسلمين فيها، باختلاف ثقافاتهم وعاداتهم. لكن الأصل في ذلك، على حد قول العديد من الباحثين الغربيين، هو أن هؤلاء المهاجرين لا يرغبون في الاندماج في المجتمعات المستقبلة لهم، بل إنهم يريدون تغيير المجتمعات المستقبلة باتجاه ثقافاتهم وأفكارهم وعقائدهم الأصلية التي جلبوها معهم من بلدان المنشأ. مما بدأ يشعر الغرب بتخوف من هذه الجاليات والأقليات، ويجعلها تفكر ملياً في الكيفية التي تدمج هؤلاء في مجتمعاتها، من غير إحداث تأثيرات على وحدة مجتمعاتها الوطنية.

وهو الأمر نفسه، كما أعتقد، الذي يشعر به الكثير في منطقة الخليج، غير أن دول الخليج العربية تعاني أكثر من أوروبا، التي في الغالب نسبة السكان الأصليين فيها هم الغالبية في مجتمعاتهم، مقارنة بالمهاجرين، في حين هناك على الأقل ثلاث دول من دولنا الخليجية العربية يشكل المواطنون فيها أقلية. فما الإشكالية في ذلك؟ الإشكالية هي في إيجاد التجمعات الكبيرة للمهاجرين في مجتمعات خاصة بهم، كما هو حاصل في أوروبا، أو في توزعهم وتناثرهم في أنحاء الدول المستضيفة، كما هو حاصل في الولايات المتحدة وكندا. ففي تجمعهم تكون هناك حاجة للاعتراف بهويتهم الخاصة، وانتمائهم الأصلي المختلف عن واقع المجتمع المضيف وعاداته وثقافاته. فما الذي يجعل هؤلاء القادمون من مجتمعات هم واللذين غير راضين بالكامل عما يدور فيها، يتمسكون بالعادات والتقاليد والثقافات والقيم الخاصة لدولهم الأصلية، التي قد تختلف بشكل تام عما في الدول المضيفة؟

الكثير من المفكرين والدارسين الغربيين بدأوا يدرسون أفكار ابن خلدون عن العصبية، التي تعرفها آنا د. سيمون نقلاً عن ابن خلدون بأنها (تضامن اجتماعي يعتمد على القيم والمعايير والنظرة الموحدة للعالم، والتي تشكل هوية كل حضارة. وتنقل عنه سيمون القول: إن الحضارات تكون قوية فقط عندما تكون مؤسسة على العصبية القوية.

ولكون سيمون أوروبية الأصل فإنها علمانية التوجه، والعلمانية مبنية على مبدأ الفردية الذي استشرى في الغرب مع الثورة الصناعية، كما هو معروف، والذي يؤكده جيرالد مارس ، من قسم علم الأجناس يونيفرسيتي كوليدج في لندن، ويؤكد، من جانب آخر، أن العولمة والتصنيع يتشابكان إلى حد كبير، ويكون أحدهما بياناً لوجود وتطور الآخر.

ويضيف نقلاً عن ماري دوغلاس في تحليلها للنظرية الثقافية، أن العولمة المعاصرة وربيبتها التصنيع يتبنيان المنافسة وترافقها زيادة في الفردية، على الصعيد المحلي والعالمي. ومع تفشي الفردية تضعف الأشكال السابقة للعلاقات الهرمية الاجتماعية، أي بمعنى آخر تضعف العصبية في هذه المجتمعات.

آنا سيمون تدعو الغرب ليفكر بعصبيته، ولكن نظرية ابن خلدون عن تكون الدول وسقوطها لا تطرح العصبية كمبدأ وحيد يعتمد عليه في تكون الحضارة واستمرارها، بل تضيف إليه عناصر أخرى درسها ابن خلدون من تاريخ الدول الإسلامية التي تشكلت أمام ناظريه وغيرها من الحضارات، وعمم نظريته في العمران والاجتماع البشري، على أساس أن هناك ثلاثة عناصر كما يقول جورج لابيكا في كتابة (السياسة والدين عند ابن خلدون) (1980)، وهذه العناصر الثلاثة هي العصبية والدعوة والملك.

لكن ابن خلدون لم ينظر إلى العصبية فقط على أنها رابطة الدم التي أدانها الدين، ولا يأخذها بحرفيتها، بل يتعلق الأمر بمفهوم واحد يقلبه ابن خلدون حسب حاجات تفسيره للظواهر الاجتماعية. فالعصبية تعني في مصدرها من عصب، أي جمع وتجمع في مكان واحد، وبذلك يتسع المعنى لمختلف تجليات الجماعة من القبيلة الموسعة للموالي والمصطنعين، إلى التشكل السياسي (الدولة) وحتى الأمة بـ (المعنى الروحي) التي تجمع كل المسلمين.

وكما يرى ابن خلدون فإن العصبية تتبدى مظاهرها كونها لحمة الاجتماع في الأصل في طور البداوة، في حين يتم تراخيها عند بلوغ أعلى أطوار التحضر، مما يبشر بالانحطاط الذي لا مفر منه للدول، حيث إن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الفوز بالملك. فحسب رؤية ابن خلدون فإن العصبية تمثل القوة القادرة على الفوز بالملك، أيا كان شكله. يقول ابن خلدون في مقدمته:

(إذا تبين ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية، فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه نبوءة أو إمامة ملك أو دعوة، إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء، ولا بد من القتال من العصبية)

لكن عبرة التاريخ لدى ابن خلدون تتلخص في مبدأ واحد هو أن الملك يحتاج إلى الدعوة، والدعوة تحتاج إلى العصبية في تلاحم أيديولوجي لا فكاك منه لكي تنجح معادلة تكوين السلطان. ويعول ابن خلدون على العصبية في الأساس بالارتباط بالدعوة لأنه ما كان لنبي أو ملك أن تنجح دعوته أو مطالبته بالملك دون شرط مؤهلات الرياسة تبعاً لما جاء في الحديث الشريف (ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه). لكن الدعوة تحل حتى في التابعين من الموالي ضمن عصبية الدين ليتبوؤوا موقع الرياسة إذا ما انطبق عليهم شرط الريادة في الدعوة نفسها التي تنقلب نصرة من نوع جديد، ليس بالدم بل بالإيديولوجيا: فالدين يأمر أتباعه إنه لو ولي عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا. فقد جاء في صحيح مسلم: (عن يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين، قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، قالت: فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: ((إن أُمِّرَ عليكم عبد مجدع (حسبتها قالت أسود) يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا)) (مسلم).

وينقل مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّةِ يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل فقتلةٌ جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني، ولست منه) (مسلم).

 فالدعوة واضحة جلية في رفض العصبية الضيقة بالدم، والعصبة هنا عصبة الدين والعمل بكتاب الله، حتى لو كان العامل بكتاب الله أقل مرتبة في عصبة الدم، أو من خارج هذه العصبة. على أن الريادة حددت من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم في قريش، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى عليه وسلم، قال: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) (مسلم). لكون قريش هي أوسط الناس في الجزيرة العربية، والناس تبع لقريش، في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم.

ويبقى الأمر في تكون الأمم واندثارها في أطوار كما حددها ابن خلدون بخمسة أطوار، وأربعة أجيال أسرية: فالأطوار هي: مرحلة البداية والتأسيس، ومرحلة توطيد الحاكم نفوذه إلى أن يصبح حاكماً مطلقاً، ومن ثم يبعد نفسه عن عصبيته، وبعدها يعتمد على المرتزقة في الدفاع عن الدولة، ومن ثم تقضي المرتزقة على الملك.

وما زالت دولنا الخليجية في مرحلة التأسيس، والعصبية فيها قوية، والدين قوي، والملك بسبب الرخاء الاقتصادي راسخ ومستقر، وما زلنا في الطور الأول، وفي معظم دول الخليج العربية في الجيل الأول، أو البدايات الأولى للثاني، لكننا نشهد هذه الأيام، ومع المواقف السياسية التي تحصل حولنا، وتؤثر فينا، فإن هناك استقطاباً يتم لمهاجرين من عوالم لها طمع ليس في الأرض، بل فيما تحتها وما عليها. وتعرف هذه المجموعات من المهاجرين حاجتنا للكثير من المهن والمعارف، وحاجتنا للمنعة الداخلية والخارجية، وهي تؤسس نفسها حولنا ومعنا. وعصبيتها لا تظهر للعيان كثيراً إلا حين تتقارع هويتنا أو عصبيتنا مع الهوية الأم لهذه المجموعات، وعندما تراها تكشف عن ولاءاتها الحقيقية، التي لا تستطيع سترها. ولقلة السكان عندنا فإننا نبدي قبولاً لاستيعابها. وسريعاً ما سيتضح أننا بدأنا نعطيها مواقع متقدمة في دولنا تمثل من الخطورة مكاناً أولى بنا أن نحتاط منه، خاصة أن هذه المواقع تمس أمننا الوطني، ومستحوذة على الثقافة الوطنية، وعلى إعلامنا، ونفطنا، وكل النشاط الاقتصادي الحاسم لبقائنا واستمرار ازدهارنا. إنها إشارة تنبيه من هذا المقال المقتضب علها تنبه لمصدر خطر محدق، قد لا ينفع بعده ندم. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::809::/cck::
::introtext::

في أصل تكوّن الأمم والحضارات وسقوطها يتحدث الغرب هذه الأيام عن مبادئ جديدة عليه، في ما يتعلق بالأمن الوطني للدول وتأثيرات العولمة عليه، مستقاة من عندنا في الأصل، وكأن المؤثر على أمنه فقط يأتي من المنطقة العربية والإسلامية، وبالتالي فهو يدرس الأطروحات الموجودة في المنطقة لفهم عقلية التوجهات فيها.

::/introtext::
::fulltext::

في أصل تكوّن الأمم والحضارات وسقوطها يتحدث الغرب هذه الأيام عن مبادئ جديدة عليه، في ما يتعلق بالأمن الوطني للدول وتأثيرات العولمة عليه، مستقاة من عندنا في الأصل، وكأن المؤثر على أمنه فقط يأتي من المنطقة العربية والإسلامية، وبالتالي فهو يدرس الأطروحات الموجودة في المنطقة لفهم عقلية التوجهات فيها.

أبرز هذه الأطروحات التي يركز على دراستها الغرب عندنا في الشرق، وبالذات العربي، هي أطروحة ابن خلدون حول العصبية في تكون الأمم وازدهارها، وعيشها حالة الترف، ومن ثم تهاويها وسقوطها.

 وفجأة وبقدرة قادر يصبح ابن خلدون من جديد هو أبو علم الاجتماع، بل أول من درس نشوء وسقوط الحضارات، وعلم التاريخ، والعمران والاقتصاد، بعد أن كنا ندرس ونعرف، حتى في جامعاتنا العربية، أن آباء علم الاجتماع هم المفكرون الغربيون من أمثال المفكر الفرنسي إميل دوركهايم، الذي يعد أول من أدخل علم الاجتماع إلى مناهج الدراسة والبحث في الجامعات الأوروبية، كما يقول البعض، أو أغست كونت، كما يقول بعض آخر، بالإضافة إلى كارل ماركس وكتاباته حول المادية التاريخية، وماكس فيبر، وكتاباته الاجتماعية المتعددة حول التطور الاجتماعي الاقتصادي الديني بالذات، وغيرهم من الفلاسفة والمفكرين الغربيين.

وكل هذا يأتي ضمن دراسة التأثيرات الكبيرة للهجرة التي جلبتها العولمة على الأمن الوطني للدول مع انفتاح الحدود للسلع والأفراد والأفكار والثقافات والمعلومات من مجتمعات إلى أخرى، ومن المجتمعات الفقيرة إلى المجتمعات الغنية بالذات.

هذا المقال يتناول هذه الموضوعات بالتحليل والمقارنة من أجل الوصول إلى فهم أفضل لمشكلة تأثيرات العولمة على الانتماء الوطني للدول، وبالذات دول الخليج العربية، وذلك من خلال أطروحتي الهجرة من الدول الفقيرة للدول الغنية، وأطروحة العصبية، عبر المنهج التحليلي والنقدي.

أدب مكتوب

تطالعنا آنا د. سيمون (2007)، في ورقة لها نشرت حول العولمة وتأثيراتها على الأمن الوطني، وبعد دراستها لتكوّن الأقليات المهاجرة في الدول الغنية وتأثيراتها على الوحدة والأمن الوطني، ونقلا عن كوفي عنان، الأمين العام السابق للأمم المتحدة، في تقريره عن التنمية الدولية، حيث يؤكد (لا بد أن جميعنا يعي التوتر الاجتماعي والثقافي الذي نشأ في العديد من الدول، حيث بدأت تتشكل مجموعات سكان كبيرة من أصول أجنبية، وأصبحت مؤخراً تؤسس نفسها على اعتبار الحركة واسعة النطاق للناس، وهو الاتجاه الذي من المؤكد أن يستمر في العقد المقبل، فكيف ستواجه الحكومات التنوع الجديد في نوعية السكان؟ وكيف ستستطيع الدول إيجاد وحدة وطنية من هذا التنوع) (الأمم المتحدة 18 مايو 2006).

 واستناداً إلى نظرية الهجرة الديموغرافية المعولمة لشيخ رضى شاتا وأوليفر روي، والتي قالت سيمون إن لها تأثيرات هائلة على الأمن الوطني في الدول المستضيفة، وعلى قوانينها وسياساتها في ما يتعلق بالهجرة، سواء كان في الدول الغنية الأوروبية والولايات المتحدة وأستراليا، أو في دول الخليج العربية. وقالت حسب هذه النظرية فإنه وفقاً للعديد من الحالات فإن الهجرات الديموغرافية تشكل، وتتحول إلى، تجمعات إثنية في أنحاء أوروبا الأصلية لتصبح كما لو كانت مناطق من البلدان الأصلية التي قدم منها المهاجرون في باكستان، وتركيا، والعراق والمغرب إلى آخره. وهذا ما يخلق تأثيرات على استيعابهم، وعلى الحفاظ على مناطق النفوذ الخاصة بالبلد المضيف وقدرته على إعداد القوانين والسياسات لحماية كل من المهاجرين ومواطنيها.

وتنقل سيمون عن أندريه كابيزويسكي (2007)، في مقال تحدث فيه عن (اللاعروبة في الخليج ـ العمال الأجانب والصراع من أجل الحفاظ على الثقافة المحلية) الأشكال الديموغرافية للمهاجرين، وأورد أمثلة عن تأثيرات هذه الهجرة على دول الخليج العربية، وبالذات الكويت وقطر والإمارات في 2005 من قبل العمال الآسيويين. ويقول إن مجموع السكان في دول الخليج المشيخية والملكية قد زاد ونما من أربعة ملايين عام 1950 إلى أربعين مليوناً عام 2006، حيث يعد هذا أحد أعلى معدلات النمو للسكان في العالم، وأصبح حتى عام 2004 ما يقارب 12.5 مليون أجنبي يعيشون في دول الخليج العربية، مما يشكل 37 في المائة من مجموع السكان الإجمالي في المنطقة.

وفي دراسة أخرى نشرت عام 2005 من قبل جامعة كامبريدج في بريطانيا ذكرت أن معدل السكان في دول الخليج العربية وصل إلى 35,863 مليون نسمة، وبلغ الأجانب في هذه الدول 12,801,3 مليون نسمة، أي أن الأجانب في دول الخليج العربية يشكلون 35,7 في المائة من مجموع السكان. وكلتا الإحصائيتين تبينان مشكلة حقيقية تعيشها بلداننا في الخليج بسبب الهجرة إليها من كل صوب وحدب.

وبالطبع فإن لتيار العولمة دور كبير في هذه الهجرات، والانفتاح الكبير للمجتمعات على بعضها، بسبب ما سماه جيدن (تكثف العلاقات الاجتماعية على نطاق العالم، والتي أصبحت تربط المناطق المحلية النائية، بحيث يصبح ما يحدث محليا يتشكل بالأحداث التي تظهر على بعد آلاف الأميال، وبالعكس).

وكما يبدو، فإن أوروبا الآن أصبحت تشعر بضيق شديد من وجود جاليات مسلمة في ضواحيها، وبدأت تتململ من وجود هؤلاء المهاجرين العرب والمسلمين فيها، باختلاف ثقافاتهم وعاداتهم. لكن الأصل في ذلك، على حد قول العديد من الباحثين الغربيين، هو أن هؤلاء المهاجرين لا يرغبون في الاندماج في المجتمعات المستقبلة لهم، بل إنهم يريدون تغيير المجتمعات المستقبلة باتجاه ثقافاتهم وأفكارهم وعقائدهم الأصلية التي جلبوها معهم من بلدان المنشأ. مما بدأ يشعر الغرب بتخوف من هذه الجاليات والأقليات، ويجعلها تفكر ملياً في الكيفية التي تدمج هؤلاء في مجتمعاتها، من غير إحداث تأثيرات على وحدة مجتمعاتها الوطنية.

وهو الأمر نفسه، كما أعتقد، الذي يشعر به الكثير في منطقة الخليج، غير أن دول الخليج العربية تعاني أكثر من أوروبا، التي في الغالب نسبة السكان الأصليين فيها هم الغالبية في مجتمعاتهم، مقارنة بالمهاجرين، في حين هناك على الأقل ثلاث دول من دولنا الخليجية العربية يشكل المواطنون فيها أقلية. فما الإشكالية في ذلك؟ الإشكالية هي في إيجاد التجمعات الكبيرة للمهاجرين في مجتمعات خاصة بهم، كما هو حاصل في أوروبا، أو في توزعهم وتناثرهم في أنحاء الدول المستضيفة، كما هو حاصل في الولايات المتحدة وكندا. ففي تجمعهم تكون هناك حاجة للاعتراف بهويتهم الخاصة، وانتمائهم الأصلي المختلف عن واقع المجتمع المضيف وعاداته وثقافاته. فما الذي يجعل هؤلاء القادمون من مجتمعات هم واللذين غير راضين بالكامل عما يدور فيها، يتمسكون بالعادات والتقاليد والثقافات والقيم الخاصة لدولهم الأصلية، التي قد تختلف بشكل تام عما في الدول المضيفة؟

الكثير من المفكرين والدارسين الغربيين بدأوا يدرسون أفكار ابن خلدون عن العصبية، التي تعرفها آنا د. سيمون نقلاً عن ابن خلدون بأنها (تضامن اجتماعي يعتمد على القيم والمعايير والنظرة الموحدة للعالم، والتي تشكل هوية كل حضارة. وتنقل عنه سيمون القول: إن الحضارات تكون قوية فقط عندما تكون مؤسسة على العصبية القوية.

ولكون سيمون أوروبية الأصل فإنها علمانية التوجه، والعلمانية مبنية على مبدأ الفردية الذي استشرى في الغرب مع الثورة الصناعية، كما هو معروف، والذي يؤكده جيرالد مارس ، من قسم علم الأجناس يونيفرسيتي كوليدج في لندن، ويؤكد، من جانب آخر، أن العولمة والتصنيع يتشابكان إلى حد كبير، ويكون أحدهما بياناً لوجود وتطور الآخر.

ويضيف نقلاً عن ماري دوغلاس في تحليلها للنظرية الثقافية، أن العولمة المعاصرة وربيبتها التصنيع يتبنيان المنافسة وترافقها زيادة في الفردية، على الصعيد المحلي والعالمي. ومع تفشي الفردية تضعف الأشكال السابقة للعلاقات الهرمية الاجتماعية، أي بمعنى آخر تضعف العصبية في هذه المجتمعات.

آنا سيمون تدعو الغرب ليفكر بعصبيته، ولكن نظرية ابن خلدون عن تكون الدول وسقوطها لا تطرح العصبية كمبدأ وحيد يعتمد عليه في تكون الحضارة واستمرارها، بل تضيف إليه عناصر أخرى درسها ابن خلدون من تاريخ الدول الإسلامية التي تشكلت أمام ناظريه وغيرها من الحضارات، وعمم نظريته في العمران والاجتماع البشري، على أساس أن هناك ثلاثة عناصر كما يقول جورج لابيكا في كتابة (السياسة والدين عند ابن خلدون) (1980)، وهذه العناصر الثلاثة هي العصبية والدعوة والملك.

لكن ابن خلدون لم ينظر إلى العصبية فقط على أنها رابطة الدم التي أدانها الدين، ولا يأخذها بحرفيتها، بل يتعلق الأمر بمفهوم واحد يقلبه ابن خلدون حسب حاجات تفسيره للظواهر الاجتماعية. فالعصبية تعني في مصدرها من عصب، أي جمع وتجمع في مكان واحد، وبذلك يتسع المعنى لمختلف تجليات الجماعة من القبيلة الموسعة للموالي والمصطنعين، إلى التشكل السياسي (الدولة) وحتى الأمة بـ (المعنى الروحي) التي تجمع كل المسلمين.

وكما يرى ابن خلدون فإن العصبية تتبدى مظاهرها كونها لحمة الاجتماع في الأصل في طور البداوة، في حين يتم تراخيها عند بلوغ أعلى أطوار التحضر، مما يبشر بالانحطاط الذي لا مفر منه للدول، حيث إن الغاية التي تجري إليها العصبية هي الفوز بالملك. فحسب رؤية ابن خلدون فإن العصبية تمثل القوة القادرة على الفوز بالملك، أيا كان شكله. يقول ابن خلدون في مقدمته:

(إذا تبين ذلك في السكنى التي تحتاج للمدافعة والحماية، فبمثله يتبين لك في كل أمر يحمل الناس عليه نبوءة أو إمامة ملك أو دعوة، إذ بلوغ الغرض من ذلك كله إنما يتم بالقتال عليه لما في طبائع البشر من الاستعصاء، ولا بد من القتال من العصبية)

لكن عبرة التاريخ لدى ابن خلدون تتلخص في مبدأ واحد هو أن الملك يحتاج إلى الدعوة، والدعوة تحتاج إلى العصبية في تلاحم أيديولوجي لا فكاك منه لكي تنجح معادلة تكوين السلطان. ويعول ابن خلدون على العصبية في الأساس بالارتباط بالدعوة لأنه ما كان لنبي أو ملك أن تنجح دعوته أو مطالبته بالملك دون شرط مؤهلات الرياسة تبعاً لما جاء في الحديث الشريف (ما بعث الله نبياً إلا في منعة من قومه). لكن الدعوة تحل حتى في التابعين من الموالي ضمن عصبية الدين ليتبوؤوا موقع الرياسة إذا ما انطبق عليهم شرط الريادة في الدعوة نفسها التي تنقلب نصرة من نوع جديد، ليس بالدم بل بالإيديولوجيا: فالدين يأمر أتباعه إنه لو ولي عليكم عبد مجدع يقودكم بكتاب الله، فاسمعوا له وأطيعوا. فقد جاء في صحيح مسلم: (عن يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين، قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، قالت: فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قولاً كثيراً، ثم سمعته يقول: ((إن أُمِّرَ عليكم عبد مجدع (حسبتها قالت أسود) يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا)) (مسلم).

وينقل مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهلية، ومن قاتل تحت راية عُمِّيَّةِ يغضب لعصبة، أو يدعو إلى عصبة، أو ينصر عصبة فقتل فقتلةٌ جاهلية، ومن خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني، ولست منه) (مسلم).

 فالدعوة واضحة جلية في رفض العصبية الضيقة بالدم، والعصبة هنا عصبة الدين والعمل بكتاب الله، حتى لو كان العامل بكتاب الله أقل مرتبة في عصبة الدم، أو من خارج هذه العصبة. على أن الريادة حددت من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم في قريش، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى عليه وسلم، قال: (لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان) (مسلم). لكون قريش هي أوسط الناس في الجزيرة العربية، والناس تبع لقريش، في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم وكافرهم لكافرهم.

ويبقى الأمر في تكون الأمم واندثارها في أطوار كما حددها ابن خلدون بخمسة أطوار، وأربعة أجيال أسرية: فالأطوار هي: مرحلة البداية والتأسيس، ومرحلة توطيد الحاكم نفوذه إلى أن يصبح حاكماً مطلقاً، ومن ثم يبعد نفسه عن عصبيته، وبعدها يعتمد على المرتزقة في الدفاع عن الدولة، ومن ثم تقضي المرتزقة على الملك.

وما زالت دولنا الخليجية في مرحلة التأسيس، والعصبية فيها قوية، والدين قوي، والملك بسبب الرخاء الاقتصادي راسخ ومستقر، وما زلنا في الطور الأول، وفي معظم دول الخليج العربية في الجيل الأول، أو البدايات الأولى للثاني، لكننا نشهد هذه الأيام، ومع المواقف السياسية التي تحصل حولنا، وتؤثر فينا، فإن هناك استقطاباً يتم لمهاجرين من عوالم لها طمع ليس في الأرض، بل فيما تحتها وما عليها. وتعرف هذه المجموعات من المهاجرين حاجتنا للكثير من المهن والمعارف، وحاجتنا للمنعة الداخلية والخارجية، وهي تؤسس نفسها حولنا ومعنا. وعصبيتها لا تظهر للعيان كثيراً إلا حين تتقارع هويتنا أو عصبيتنا مع الهوية الأم لهذه المجموعات، وعندما تراها تكشف عن ولاءاتها الحقيقية، التي لا تستطيع سترها. ولقلة السكان عندنا فإننا نبدي قبولاً لاستيعابها. وسريعاً ما سيتضح أننا بدأنا نعطيها مواقع متقدمة في دولنا تمثل من الخطورة مكاناً أولى بنا أن نحتاط منه، خاصة أن هذه المواقع تمس أمننا الوطني، ومستحوذة على الثقافة الوطنية، وعلى إعلامنا، ونفطنا، وكل النشاط الاقتصادي الحاسم لبقائنا واستمرار ازدهارنا. إنها إشارة تنبيه من هذا المقال المقتضب علها تنبه لمصدر خطر محدق، قد لا ينفع بعده ندم. 

::/fulltext::
::cck::809::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *