السيادة الوطنية ومسألة عالمية العولمة
::cck::781::/cck::
::introtext::
تعتبر السيادة داخل الدولة فكرة قانونية معبرة عن الجماعة السياسية القانونية الكبرى ذات الكيان المعنوي في ما تقوم به من تصرفات سياسية وإدارية لصالح المواطنين، ومقتضى هذه السيادة أن سلطة الدولة وسيادتها سلطة أصلية (originaire)، بمعنى أنها تنبع من ذات الدولة ولا تستمد أصلها من سلطة أخرى، فالهيئات والأجهزة الأخرى المختلفة في الداخل تستمد سلطتها من الدولة التي تملك إنشاء مختلف الهيئات ومنح وتحديد اختصاصاتها. إن الدولة هي التي تنظم شؤون نفسها لأنها تملك السلطة التأسيسية، أي سلطة وضع الدستور.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر السيادة داخل الدولة فكرة قانونية معبرة عن الجماعة السياسية القانونية الكبرى ذات الكيان المعنوي في ما تقوم به من تصرفات سياسية وإدارية لصالح المواطنين، ومقتضى هذه السيادة أن سلطة الدولة وسيادتها سلطة أصلية (originaire)، بمعنى أنها تنبع من ذات الدولة ولا تستمد أصلها من سلطة أخرى، فالهيئات والأجهزة الأخرى المختلفة في الداخل تستمد سلطتها من الدولة التي تملك إنشاء مختلف الهيئات ومنح وتحديد اختصاصاتها. إن الدولة هي التي تنظم شؤون نفسها لأنها تملك السلطة التأسيسية، أي سلطة وضع الدستور. ولسيادة الدولة وجهان، داخلي وخارجي.
فالسيادة الداخلية، أي في علاقات الدولة بالأفراد والهيئات في الداخل، تعني السلطة العليا التي تفرض نفسها على الجميع ولا تنازعها سلطة أخرى. أما السيادة الخارجية، فإنها تعني أن تكون الدولة مستقلة وأن تتعامل على قدم المساواة مع غيرها من الدول. أي أن السيادة الخارجية مرادفة للاستقلال. وعلى ذلك فإن السيادة الخارجية لها معنى سلبي، لأنها تعني مجرد عدم خضوع الدولة لغيرها من الدول، أما السيادة الداخلية فيبدو أن لها معنى إيجابياً، لأنها سلطة آمرة عليا تفرض إرادتها على الجميع. على أن البعض قد ذهب إلى أن للسيادة الداخلية بدورها معنى سلبياً لأنها وصف لسلطة عليا من دون تحديد لمضمون هذه السلطة. أي أنها لا تبين الاختصاصات التي تملك الدولة مباشرتها في الداخل. وعلى ذلك فإن هذه السيادة، في جوهرها، إنما تفيد استبعاد أية عقبات يقيمها الأفراد أو الجماعات في سبيل ممارسة الدولة لسلطتها العليا.
ولذلك فإن بعض فقهاء القانون الدولي يرون أن سلطة الدولة بغير سيادة أو بسيادة ناقصة أو معدومة لا يطلق عليها وصف الدولة. لكن هذا الرأي يخالفه البعض، ويذهبون إلى أن السيادة شيء غير السلطة السياسية، وإنه إذا كانت السلطة السياسية ركناً من أركان الدولة فإن السيادة ليست كذلك، إذ قد توجد الدولة بغير سيادة ذلك في حين لا توجد دولة بغير سلطة.
وهذا الرأي الأخير يلتقي مع مفاهيم العولمة الجديدة التي من أهدافها الانتقاص من سلطة الدول بحكم ما تمثله من توجهات وتدخلات تحت مسميات الحرية الاقتصادية أو الديمقراطية أو تعميم الانفتاح السياسي الليبرالي من خلال إلغاء الحواجز والأبواب المغلقة الذي تنتهجه الدولة القومية أو الدولة الاشتراكية التي دارت آنذاك في فلك المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي. لذلك فإن سيادة الدول ستتناقص تدريجياً (بدرجات متفاوتة في ما يتعلق بممارسة سيادتها في ضبط عمليات تدفق الأفكار والمعلومات والسلع والأموال والبشر عبر حدودها. فالثورة الهائلة في مجالات الاتصال والمعلومات والإعلام حدت من أهمية حواجز الحدود والجغرافيا. وإذا كان بمقدور بعض الدول أن تحد في الوقت الراهن وبصورة جزئية من التدفق الإعلامي والمعلوماتي القادم إليها من الخارج، فإن هذه القدرة سوف تتراجع إلى حد كبير وقد تنعدم في المستقبل، خاصة في ظل وجود العشرات من الأقمار الصناعية التي تتنافس على الفضاء. كما أن توظيف التكنولوجيا الحديثة في عمليات التبادل التجاري والمعاملات المالية يحد من قدرة الحكومات على ضبط هذه الأمور، مما سيكون له تأثيره بالطبع في سياساتها المالية والضريبية وقدرتها على محاربة الجرائم المالية والاقتصادية.

إضافة إلى ما سبق، فإن القوة الاقتصادية والمالية التي تمثلها الشركات متعددة الجنسية، خاصة مع اتجاه بعضها نحو الاندماج والتكتل في كيانات أكبر، إنما تسمح لها بممارسة المزيد من الضغط على الحكومات، وبخاصة في العالم الثالث، والتأثير في سياساتها وقراراتها السيادية. وليس بجديد القول إن رأسمال شركة واحدة من الشركات العالمية العملاقة يفوق إجمالي الدخل القومي لعشر أو خمس عشرة دولة إفريقية مجتمعة، وهو ما يجعل هذه الكيانات في وضع أقوى من الدول.
ومن هذه المنطلقات الجديدة للعولمة أيضاً ستصبح المقدرة السيادية للدول، خاصة في العالم الثالث، تتغير لصالح هذه التحولات التي يشهدها العالم في الوقت الراهن. فهذه التحولات تفرض قيوداً ومحددات على قرارات الدول وسياساتها من ناحية، كما أن قدرات الدول على التحكم في عمليات التدفق الإعلامي والمعلوماتي والمالي عبر حدودها تتآكل وبصورة متسارعة من ناحية أخرى. وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عن مستقبل الدولة القومية في ظل هذه التحولات؟
قال الباحث د. تركي الحمد إن هذا التوجه الجديد في مسألة انحسار سيادة الدول أو الانتقاص من سلطتها هو نوع من الانقلاب الجذري في العلاقات بين الدول، على اعتبار أن هذا التحول الجديد هو تغيير محتمل في شكل الدولة ونمط الحكم المعتبر شرعياً، بحيث يمكن القول إن مثل هذا الانقلاب لا يقل في أهميته المستقبلية عن ذلك الانقلاب في التاريخ الأوروبي، الذي أدى في النهاية إلى انتهاء عصر وبداية عصر جديد، مع ما يرافق ذلك من بداية ظهور مفاهيم سياسية جديدة، أو مضامين جديدة لمفاهيم قديمة، تصف هذا الانقلاب والتحوّل، وتحاول أن تضعه في إطار نظري سياسي جديد، كما فعل منظرو تلك الحقبة. فبعيداً عن مستوى التحليل الآني والجزئي (MICRO) للسياسة، والمواقف السياسية بصفتها فن الممكن، فإن الإفرازات السياسية بعيدة المدى تعود إلى المسألة من زاوية كلية (MACRO) لعصر العولمة، وخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية وانهيار آخر الإمبراطوريات (الكوزموبوليتانية) التقليدية (الاتحاد السوفييتي).
ويبرر الباحث د. الحمد أن التدخلات في شؤون الدول إنما هي عبارة عن نوع من الشعور بالقدر الإنساني المشترك في عصرنا الراهن وما يمكن أن يقوم على مثل هذا الوعي من إحساس إنساني مشترك، وكما أدت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا في بداية العصور الحديثة إلى الشعور بالقدر القومي المشترك، وما قام عليه من شعور قومي مشترك، فمجرد طفل جائع يبكي في أدغال إفريقيا مثلاً، يستثير العطف وحركات المشاركة الوجدانية وغير الوجدانية لدى البعض على ضفاف نهر الدانوب أو المسيسيبي، وعلى ذلك قس. ليست القضية هنا تدخل هذه الدولة في الشأن الداخلي لتلك الدولة، بقدر ما هو في ذلك الشعور المتنامي بالمصير المشترك لكل بني الإنسان. نعم إن لمثل هذه العولمة نتائجها السلبية العديدة على الدولة في العالم الثالث خاصة، وما يثيره ذلك من أسئلة وإشكاليات الهوية والمصير الوطني أو القومي أو نحو ذلك، وما قد يؤدي إليه ذلك من حركات عنف وتطرف، إلا أن كل ذلك لن يكبح تياراً هو سائر في طريق، كما أن البكاء على دولة المدينة الوادعة لم يقف في طريق انبثاق دولة العالم المقدونية والرومانية.
لكن الكثيرين يختلفون مع الباحث د. تركي الحمد في ما طرحه في هذه القضية، ويرون أن العولمة يمكن أن تكتسب طابع العمومية والانتشار في كل الأمم والحضارات والدول بحكم إمكاناتها العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية مع احتفاظ هذه الدول والشعوب بسلطتها وتراثها السياسي والاقتصادي مع ضرورة انفتاحها السياسي وإقرارها التعددية وغيرها من المضامين التي لا تختلف حولها الأمم والشعوب الأخرى.
وإذا ضعفت الدول وانتقصت سيادتها مع بروز سلبيات العولمة التي من آثارها تسريح العمالة وتراجع الصناعات الوطنية أمام الصناعات العالمية المتقدمة وغيرها من المؤثرات، فإن المشكلات الداخلية ستتفاقم وسيصبح الكلام عن الانفتاح السياسي والديمقراطي والرفاه الاقتصادي مجرد أحلام وردية، وستحل القلاقل بدل الاستقرار والرفاه وغيرها من مقولات أدعياء العولمة.
فالعولمة ليست خالية من الأيديولوجيات لأنها تقاد من مجموعات لها استراتيجيتها وأفكارها وطموحاتها السياسية والاقتصادية والفكرية، ولذلك فإن التطبيقات ستكون مختلفة، وليست بالصورة الوردية التي يطلقها مؤيدوها.
صحيح أنها ظاهرة إنسانية جديدة بكل إفرازاتها السلبية والإيجابية، فإذا ما أرادت إلغاء الآخر وهويته ونموذجه الخاص، فإن هذا التجاهل له من السلبيات الكبيرة ما يسهم في عدم إرساء نموذج كوني تعددي يؤمن بالديمقراطية والحرية وثقافة التسامح تجاه الآخر المختلف.
لقد ذهب عدد من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين إلى توصيف المجتمع الأمريكي في العصر ما بعد الصناعي بأنه مجتمع ما بعد الحداثة. فإن هذا المجتمع- بحسب جيمس كورث أستاذ العلوم السياسية في كلية سوارشور- (لا يتسم بمدارس نمطية منهمكة في تعليم جماهيري وثقافة قومية راقية غالباً، بل إن مجتمع ما بعد المجتمع الحديث يتسم بوسائل إعلان منظمة منهمكة في التسلية الجماهيرية في ثقافة دولية وشعبية أو متدنية عادة (…)، إن مجتمع ما بعد العصر الحديث لا يتسم بوجود جيوش تقليدية تقوم على التجنيد الإجباري الجماهيري وتوفر الدفاع القومي، بل اتسم في البدء بوجود الأسلحة النووية التي توفر الردع الموسع لأحلاف دولية دائمة (مثلما حدث مع حلف الأطلنطي). فالعولمة بما هي أنساق فكرية وسياسية متعددة الأهداف والمرامي تسعى بقوة إلى إحلال مفاهيمها السياسية والفكرية، ولذلك سعت العولمة إلى رسم صورة نظام دولي يتجه نحو توحيد مناهجه وقيمه وأهدافه، مع طموحه في الوقت عينه إلى دمج الإنسانية كلها داخله. وبطبيعة الحال تبدو هذه العملية المستحدثة في التاريخ كأنها تدعم فرضية (التقارب) بل ترسّخها.
والواقع أنها تكشف عن العديد من أنواع التنافر وعدم الاتساق حين تحدد نطاق هذا النظام. فعندما تحثّ على استيراد نماذج غربية إلى مجتمعات الجنوب تكشف بذلك عن عدم ملاءمة هذه النماذج، وأيضاً عندما تحرّض المجتمعات الطرفية على التكيّف، وتوقظ أيضاً آمال التجدد، مع المخاطر، في الوقت ذاته تقوم بخداعها. وحين تعجّل بتوحيد العالم، فإنها تحبّذ ظهور التفردات وتزيد تأكيدها. وحين تمنح النظام الدولي مركزاً للسلطة مركّباً أكثر من أي وقت مضى، فإنها تتجه نحو زيادة حدة منازعاته وشدة صراعاته. وحين تسعى (العولمة) إلى وضع نهاية للتاريخ، فإنها تمنحه فجأة معاني متعددة ومتناقضة. إن المجتمعات غير الغربية، ولا سيما منها تلك التي تنتمي، عرفاً، إلى ما يسمى العالم الثالث، أمرّها مع متناقضات (العولمة) ومفارقاتها في منتهى المرارة، فإن التوحيد المزعوم، الذي ينبغي أن يستنقذ تاريخها من (التأخر الأبدي) بدا كما لو أنه يعيد تأسيسه من جديد.
ولا شك في أن تطبيق العولمة بلا محاذير أو تدرجات في تعاطيها مع الدول سياسياً ستكون له تفاعلات سلبية كبيرة على تماسك الدول. وخاصة دول العالم الثالث التي تعاني في الأساس من الكثير من المشكلات العالقة لا سيما مشكلات التخلف والفقر والفساد الإداري وغيرها من المشكلات السكانية المتفاقمة منذ عقود. فقائمة فشل الدولة ستتضاعف مع فوضوية السوق العالمية، وتكاد تكون بلا نهاية، إذ شيئاً فشيئاً تفقد الحكومات في أرجاء المعمورة قدرتها على أخذ زمام المبادرة في توجيه تطور أممها. فعلى كل الصعد يتضح للعيان الخطأ السائد في نظام التكامل العالمي: فمع أن تدفق السلع ورأس المال اتخذ أبعاداً عالمية، إلا أن التوجيه والرقابة ظلا مهمة وطنية. لقد صار الاقتصاد هو المهيمن على السياسة.
لذلك نرى أن على دول مجلس التعاون الخليجي أن تضع في حساباتها السياسية والاقتصادية مخاطر السيادة الوطنية من خلال التشريعات والنظم التي تضعها العولمة في مزاياها وحوافزها على الدول والحكومات الأقل نمواً، وينبغي علينا ألا نقلل من المخاطر والسلبيات المقبلة خاصة التشريعات المصاحبة لهذه التدفقات الهائلة من التكنولوجيا والسلع وغيرها من الأدوات والحوافز الجديدة، وما حصل في سنغافورة خير مثال على التحولات والتبدلات السكانية وآثارها على التركيبة السكانية. المهم أن نضع كل التقديرات والحسابات على ما يستجد من قوانين ونظم العولمة في ضوء قوانينا وتشريعاتنا الوطنية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::781::/cck::
::introtext::
تعتبر السيادة داخل الدولة فكرة قانونية معبرة عن الجماعة السياسية القانونية الكبرى ذات الكيان المعنوي في ما تقوم به من تصرفات سياسية وإدارية لصالح المواطنين، ومقتضى هذه السيادة أن سلطة الدولة وسيادتها سلطة أصلية (originaire)، بمعنى أنها تنبع من ذات الدولة ولا تستمد أصلها من سلطة أخرى، فالهيئات والأجهزة الأخرى المختلفة في الداخل تستمد سلطتها من الدولة التي تملك إنشاء مختلف الهيئات ومنح وتحديد اختصاصاتها. إن الدولة هي التي تنظم شؤون نفسها لأنها تملك السلطة التأسيسية، أي سلطة وضع الدستور.
::/introtext::
::fulltext::
تعتبر السيادة داخل الدولة فكرة قانونية معبرة عن الجماعة السياسية القانونية الكبرى ذات الكيان المعنوي في ما تقوم به من تصرفات سياسية وإدارية لصالح المواطنين، ومقتضى هذه السيادة أن سلطة الدولة وسيادتها سلطة أصلية (originaire)، بمعنى أنها تنبع من ذات الدولة ولا تستمد أصلها من سلطة أخرى، فالهيئات والأجهزة الأخرى المختلفة في الداخل تستمد سلطتها من الدولة التي تملك إنشاء مختلف الهيئات ومنح وتحديد اختصاصاتها. إن الدولة هي التي تنظم شؤون نفسها لأنها تملك السلطة التأسيسية، أي سلطة وضع الدستور. ولسيادة الدولة وجهان، داخلي وخارجي.
فالسيادة الداخلية، أي في علاقات الدولة بالأفراد والهيئات في الداخل، تعني السلطة العليا التي تفرض نفسها على الجميع ولا تنازعها سلطة أخرى. أما السيادة الخارجية، فإنها تعني أن تكون الدولة مستقلة وأن تتعامل على قدم المساواة مع غيرها من الدول. أي أن السيادة الخارجية مرادفة للاستقلال. وعلى ذلك فإن السيادة الخارجية لها معنى سلبي، لأنها تعني مجرد عدم خضوع الدولة لغيرها من الدول، أما السيادة الداخلية فيبدو أن لها معنى إيجابياً، لأنها سلطة آمرة عليا تفرض إرادتها على الجميع. على أن البعض قد ذهب إلى أن للسيادة الداخلية بدورها معنى سلبياً لأنها وصف لسلطة عليا من دون تحديد لمضمون هذه السلطة. أي أنها لا تبين الاختصاصات التي تملك الدولة مباشرتها في الداخل. وعلى ذلك فإن هذه السيادة، في جوهرها، إنما تفيد استبعاد أية عقبات يقيمها الأفراد أو الجماعات في سبيل ممارسة الدولة لسلطتها العليا.
ولذلك فإن بعض فقهاء القانون الدولي يرون أن سلطة الدولة بغير سيادة أو بسيادة ناقصة أو معدومة لا يطلق عليها وصف الدولة. لكن هذا الرأي يخالفه البعض، ويذهبون إلى أن السيادة شيء غير السلطة السياسية، وإنه إذا كانت السلطة السياسية ركناً من أركان الدولة فإن السيادة ليست كذلك، إذ قد توجد الدولة بغير سيادة ذلك في حين لا توجد دولة بغير سلطة.
وهذا الرأي الأخير يلتقي مع مفاهيم العولمة الجديدة التي من أهدافها الانتقاص من سلطة الدول بحكم ما تمثله من توجهات وتدخلات تحت مسميات الحرية الاقتصادية أو الديمقراطية أو تعميم الانفتاح السياسي الليبرالي من خلال إلغاء الحواجز والأبواب المغلقة الذي تنتهجه الدولة القومية أو الدولة الاشتراكية التي دارت آنذاك في فلك المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفييتي. لذلك فإن سيادة الدول ستتناقص تدريجياً (بدرجات متفاوتة في ما يتعلق بممارسة سيادتها في ضبط عمليات تدفق الأفكار والمعلومات والسلع والأموال والبشر عبر حدودها. فالثورة الهائلة في مجالات الاتصال والمعلومات والإعلام حدت من أهمية حواجز الحدود والجغرافيا. وإذا كان بمقدور بعض الدول أن تحد في الوقت الراهن وبصورة جزئية من التدفق الإعلامي والمعلوماتي القادم إليها من الخارج، فإن هذه القدرة سوف تتراجع إلى حد كبير وقد تنعدم في المستقبل، خاصة في ظل وجود العشرات من الأقمار الصناعية التي تتنافس على الفضاء. كما أن توظيف التكنولوجيا الحديثة في عمليات التبادل التجاري والمعاملات المالية يحد من قدرة الحكومات على ضبط هذه الأمور، مما سيكون له تأثيره بالطبع في سياساتها المالية والضريبية وقدرتها على محاربة الجرائم المالية والاقتصادية.

إضافة إلى ما سبق، فإن القوة الاقتصادية والمالية التي تمثلها الشركات متعددة الجنسية، خاصة مع اتجاه بعضها نحو الاندماج والتكتل في كيانات أكبر، إنما تسمح لها بممارسة المزيد من الضغط على الحكومات، وبخاصة في العالم الثالث، والتأثير في سياساتها وقراراتها السيادية. وليس بجديد القول إن رأسمال شركة واحدة من الشركات العالمية العملاقة يفوق إجمالي الدخل القومي لعشر أو خمس عشرة دولة إفريقية مجتمعة، وهو ما يجعل هذه الكيانات في وضع أقوى من الدول.
ومن هذه المنطلقات الجديدة للعولمة أيضاً ستصبح المقدرة السيادية للدول، خاصة في العالم الثالث، تتغير لصالح هذه التحولات التي يشهدها العالم في الوقت الراهن. فهذه التحولات تفرض قيوداً ومحددات على قرارات الدول وسياساتها من ناحية، كما أن قدرات الدول على التحكم في عمليات التدفق الإعلامي والمعلوماتي والمالي عبر حدودها تتآكل وبصورة متسارعة من ناحية أخرى. وهو ما دفع البعض إلى التساؤل عن مستقبل الدولة القومية في ظل هذه التحولات؟
قال الباحث د. تركي الحمد إن هذا التوجه الجديد في مسألة انحسار سيادة الدول أو الانتقاص من سلطتها هو نوع من الانقلاب الجذري في العلاقات بين الدول، على اعتبار أن هذا التحول الجديد هو تغيير محتمل في شكل الدولة ونمط الحكم المعتبر شرعياً، بحيث يمكن القول إن مثل هذا الانقلاب لا يقل في أهميته المستقبلية عن ذلك الانقلاب في التاريخ الأوروبي، الذي أدى في النهاية إلى انتهاء عصر وبداية عصر جديد، مع ما يرافق ذلك من بداية ظهور مفاهيم سياسية جديدة، أو مضامين جديدة لمفاهيم قديمة، تصف هذا الانقلاب والتحوّل، وتحاول أن تضعه في إطار نظري سياسي جديد، كما فعل منظرو تلك الحقبة. فبعيداً عن مستوى التحليل الآني والجزئي (MICRO) للسياسة، والمواقف السياسية بصفتها فن الممكن، فإن الإفرازات السياسية بعيدة المدى تعود إلى المسألة من زاوية كلية (MACRO) لعصر العولمة، وخاصة في أعقاب حرب الخليج الثانية وانهيار آخر الإمبراطوريات (الكوزموبوليتانية) التقليدية (الاتحاد السوفييتي).
ويبرر الباحث د. الحمد أن التدخلات في شؤون الدول إنما هي عبارة عن نوع من الشعور بالقدر الإنساني المشترك في عصرنا الراهن وما يمكن أن يقوم على مثل هذا الوعي من إحساس إنساني مشترك، وكما أدت التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في أوروبا في بداية العصور الحديثة إلى الشعور بالقدر القومي المشترك، وما قام عليه من شعور قومي مشترك، فمجرد طفل جائع يبكي في أدغال إفريقيا مثلاً، يستثير العطف وحركات المشاركة الوجدانية وغير الوجدانية لدى البعض على ضفاف نهر الدانوب أو المسيسيبي، وعلى ذلك قس. ليست القضية هنا تدخل هذه الدولة في الشأن الداخلي لتلك الدولة، بقدر ما هو في ذلك الشعور المتنامي بالمصير المشترك لكل بني الإنسان. نعم إن لمثل هذه العولمة نتائجها السلبية العديدة على الدولة في العالم الثالث خاصة، وما يثيره ذلك من أسئلة وإشكاليات الهوية والمصير الوطني أو القومي أو نحو ذلك، وما قد يؤدي إليه ذلك من حركات عنف وتطرف، إلا أن كل ذلك لن يكبح تياراً هو سائر في طريق، كما أن البكاء على دولة المدينة الوادعة لم يقف في طريق انبثاق دولة العالم المقدونية والرومانية.
لكن الكثيرين يختلفون مع الباحث د. تركي الحمد في ما طرحه في هذه القضية، ويرون أن العولمة يمكن أن تكتسب طابع العمومية والانتشار في كل الأمم والحضارات والدول بحكم إمكاناتها العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية مع احتفاظ هذه الدول والشعوب بسلطتها وتراثها السياسي والاقتصادي مع ضرورة انفتاحها السياسي وإقرارها التعددية وغيرها من المضامين التي لا تختلف حولها الأمم والشعوب الأخرى.
وإذا ضعفت الدول وانتقصت سيادتها مع بروز سلبيات العولمة التي من آثارها تسريح العمالة وتراجع الصناعات الوطنية أمام الصناعات العالمية المتقدمة وغيرها من المؤثرات، فإن المشكلات الداخلية ستتفاقم وسيصبح الكلام عن الانفتاح السياسي والديمقراطي والرفاه الاقتصادي مجرد أحلام وردية، وستحل القلاقل بدل الاستقرار والرفاه وغيرها من مقولات أدعياء العولمة.
فالعولمة ليست خالية من الأيديولوجيات لأنها تقاد من مجموعات لها استراتيجيتها وأفكارها وطموحاتها السياسية والاقتصادية والفكرية، ولذلك فإن التطبيقات ستكون مختلفة، وليست بالصورة الوردية التي يطلقها مؤيدوها.
صحيح أنها ظاهرة إنسانية جديدة بكل إفرازاتها السلبية والإيجابية، فإذا ما أرادت إلغاء الآخر وهويته ونموذجه الخاص، فإن هذا التجاهل له من السلبيات الكبيرة ما يسهم في عدم إرساء نموذج كوني تعددي يؤمن بالديمقراطية والحرية وثقافة التسامح تجاه الآخر المختلف.
لقد ذهب عدد من المفكرين الاستراتيجيين الأمريكيين إلى توصيف المجتمع الأمريكي في العصر ما بعد الصناعي بأنه مجتمع ما بعد الحداثة. فإن هذا المجتمع- بحسب جيمس كورث أستاذ العلوم السياسية في كلية سوارشور- (لا يتسم بمدارس نمطية منهمكة في تعليم جماهيري وثقافة قومية راقية غالباً، بل إن مجتمع ما بعد المجتمع الحديث يتسم بوسائل إعلان منظمة منهمكة في التسلية الجماهيرية في ثقافة دولية وشعبية أو متدنية عادة (…)، إن مجتمع ما بعد العصر الحديث لا يتسم بوجود جيوش تقليدية تقوم على التجنيد الإجباري الجماهيري وتوفر الدفاع القومي، بل اتسم في البدء بوجود الأسلحة النووية التي توفر الردع الموسع لأحلاف دولية دائمة (مثلما حدث مع حلف الأطلنطي). فالعولمة بما هي أنساق فكرية وسياسية متعددة الأهداف والمرامي تسعى بقوة إلى إحلال مفاهيمها السياسية والفكرية، ولذلك سعت العولمة إلى رسم صورة نظام دولي يتجه نحو توحيد مناهجه وقيمه وأهدافه، مع طموحه في الوقت عينه إلى دمج الإنسانية كلها داخله. وبطبيعة الحال تبدو هذه العملية المستحدثة في التاريخ كأنها تدعم فرضية (التقارب) بل ترسّخها.
والواقع أنها تكشف عن العديد من أنواع التنافر وعدم الاتساق حين تحدد نطاق هذا النظام. فعندما تحثّ على استيراد نماذج غربية إلى مجتمعات الجنوب تكشف بذلك عن عدم ملاءمة هذه النماذج، وأيضاً عندما تحرّض المجتمعات الطرفية على التكيّف، وتوقظ أيضاً آمال التجدد، مع المخاطر، في الوقت ذاته تقوم بخداعها. وحين تعجّل بتوحيد العالم، فإنها تحبّذ ظهور التفردات وتزيد تأكيدها. وحين تمنح النظام الدولي مركزاً للسلطة مركّباً أكثر من أي وقت مضى، فإنها تتجه نحو زيادة حدة منازعاته وشدة صراعاته. وحين تسعى (العولمة) إلى وضع نهاية للتاريخ، فإنها تمنحه فجأة معاني متعددة ومتناقضة. إن المجتمعات غير الغربية، ولا سيما منها تلك التي تنتمي، عرفاً، إلى ما يسمى العالم الثالث، أمرّها مع متناقضات (العولمة) ومفارقاتها في منتهى المرارة، فإن التوحيد المزعوم، الذي ينبغي أن يستنقذ تاريخها من (التأخر الأبدي) بدا كما لو أنه يعيد تأسيسه من جديد.
ولا شك في أن تطبيق العولمة بلا محاذير أو تدرجات في تعاطيها مع الدول سياسياً ستكون له تفاعلات سلبية كبيرة على تماسك الدول. وخاصة دول العالم الثالث التي تعاني في الأساس من الكثير من المشكلات العالقة لا سيما مشكلات التخلف والفقر والفساد الإداري وغيرها من المشكلات السكانية المتفاقمة منذ عقود. فقائمة فشل الدولة ستتضاعف مع فوضوية السوق العالمية، وتكاد تكون بلا نهاية، إذ شيئاً فشيئاً تفقد الحكومات في أرجاء المعمورة قدرتها على أخذ زمام المبادرة في توجيه تطور أممها. فعلى كل الصعد يتضح للعيان الخطأ السائد في نظام التكامل العالمي: فمع أن تدفق السلع ورأس المال اتخذ أبعاداً عالمية، إلا أن التوجيه والرقابة ظلا مهمة وطنية. لقد صار الاقتصاد هو المهيمن على السياسة.
لذلك نرى أن على دول مجلس التعاون الخليجي أن تضع في حساباتها السياسية والاقتصادية مخاطر السيادة الوطنية من خلال التشريعات والنظم التي تضعها العولمة في مزاياها وحوافزها على الدول والحكومات الأقل نمواً، وينبغي علينا ألا نقلل من المخاطر والسلبيات المقبلة خاصة التشريعات المصاحبة لهذه التدفقات الهائلة من التكنولوجيا والسلع وغيرها من الأدوات والحوافز الجديدة، وما حصل في سنغافورة خير مثال على التحولات والتبدلات السكانية وآثارها على التركيبة السكانية. المهم أن نضع كل التقديرات والحسابات على ما يستجد من قوانين ونظم العولمة في ضوء قوانينا وتشريعاتنا الوطنية.
::/fulltext::
::cck::781::/cck::
