تعزيز أواصر التعاون بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي على صعيد التعليم العالي
::cck::805::/cck::
::introtext::
في إطار المبادرة التي أطلقتها منظمة اليونيسكو بعنوان (التعليم للجميع) عام 1999 وانسجاماً مع أهداف التقرير العربي للتنمية البشرية الصادر عام 2003، اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعداد الكثير من الأوراق البحثية بغية إصلاح أنظمتها التعليمية، ووضعت التنمية الاجتماعية والبشرية على رأس أولوياتها الوطنيةمن خلال الارتقاء بمستوى التعليم، وأقرت بأن الفجوة المعرفية بين الدول العربية وبقية أنحاء العالم قد تشهد مزيداً من الاتساع إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عملية وفعالة في هذا الإطار. لذا اهتمت دول المجلس برصد قدر كبير من الموارد المالية والسياسية لتحديث وتطوير منظومتها التعليمية.
::/introtext::
::fulltext::
في إطار المبادرة التي أطلقتها منظمة اليونيسكو بعنوان (التعليم للجميع) عام 1999 وانسجاماً مع أهداف التقرير العربي للتنمية البشرية الصادر عام 2003، اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعداد الكثير من الأوراق البحثية بغية إصلاح أنظمتها التعليمية، ووضعت التنمية الاجتماعية والبشرية على رأس أولوياتها الوطنيةمن خلال الارتقاء بمستوى التعليم، وأقرت بأن الفجوة المعرفية بين الدول العربية وبقية أنحاء العالم قد تشهد مزيداً من الاتساع إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عملية وفعالة في هذا الإطار. لذا اهتمت دول المجلس برصد قدر كبير من الموارد المالية والسياسية لتحديث وتطوير منظومتها التعليمية.
إيماناً بأهمية ومكانة التعليم، عقد قسم الأبحاث الأوروبية – الخليجية في جامعة الكويت ومؤسسة برتلسمان ومركز الخليج للأبحاث حلقة دراسية للخبراء ومنتدى مفتوحاً في الفترة ما بين 10 – 11 مارس 2009 بدولة الكويت وذلك في إطار (مشروع الجسر) حول الدبلوماسية العامة لدول المجلس والاتحاد الأوروبي وتعزيز العلاقات بين الطرفين بهدف بحث أفضل السبل للارتقاء بأحد قطاعات التعليم المهمة وهو قطاع التعليم العالي. وتبين من خلال المناقشات أن دول المجلس تواجه تحديات مماثلة تعوق مسيرة تطوير المؤسسات التعليمية ونشر المعرفة والموازنة بين الكم والكيف وتحديث أنظمتها التعليمية. واتضح من خلال المناقشات مدى أهمية بناء مجتمعات معرفية ومد جسور التعاون إلى آفاق جديدة بين الطرفين.
واستناداً إلى الحلقة الدراسية هذه، قدم مشروع الجسر توصيات عملية يتعين على المسؤولين والمتخصصين وصناع القرار في الجانب الأوروبي والخليجي أخذها في الاعتبار عند وضع برامج جديدة للتعاون وتسلط الضوء على أفضل السبل لتنشيط التعاون الأوروبي – الخليجي في إصلاح منظومة التعليم الخليجية. وتستند هذه التوصيات إلى محاور مهمة يتوجب على الأطراف المعنية أخذها في الاعتبار مثل إقامة برامج توأمة ومجموعات عمل دورية وبرامج صيفية وخطط عمل مشتركة لتمويل الأنشطة البحثية وتعزيز الشراكات الخاصة بتبادل الأبحاث وإنشاء شبكة من التعاون والعلاقات داخل دول المجلس وتأسيس برامج متطورة في مجال ضمان الجودة وتدريب المعلمين وتبادل البعثات العلمية والإعارات. ويمكن أن تخرج بخطة عمل فعالةذات دور حيوي في تعزيز آفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول المجلس على صعيد التعليم العالي.
التعليم محور التعاون الأوروبي – الخليجي
أثبتت التجربة الأوروبية أن التعاون في مجال التعليم وتبادل الخبرات بين الطلاب والباحثين والمتخصصين أدى إلى وضع اللبنات الاجتماعية اللازمة لتوطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية، فقد أسهمت بعض البرامج مثل برنامج (أراسموس مودنس) ومنحة (جيان مونيه وماري كيوري) في بث روح الاندماج والتكامل ولا سيما في أوساط الشباب الأوروبيين الذين يشعرون حالياً بهويتهم الأوروبية أكثر من أي وقت مضى.
أما بالنسبة للعلاقات الأوروبية – الخليجية، فتجدر الإشارة إلى أن التعليم كان يمثل أحد محاور التعاون بين الجانبين منذ توقيع اتفاقية التعاون عام 1988. وعلاوة على ذلك فقد أكد البيان الوزاري المشترك السابع عشر الصادر في مايو عام 2007 على ضرورة إيجاد سبل عملية للارتقاء بمستوى التعاون في مجال التعليم العالي. ويتعين على بلدان الاتحاد الأوروبي ودول المجلس توسيع آفاق التعاون كي يشمل كافة مجالات ومراحل التعليم بدءاً من مرحلة الحضانة حتى المرحلة الجامعية ويتحتم على الاتحاد الأوروبي الإنصات لدول المجلس والمبادرة إلى تقديم الدعم والمساعدة اللازمة في هذا المجال، ويجب أن تهتم الجهود المبذولة في مجال التعاون بملاءمة الأنشطة التعليمية للمناخ الثقافي، نظراً لعدم جدوى وفاعلية الحلول الجاهزة المستوردة من بيئات ثقافية مغايرة. ومن المعلوم أن ترسيخ الشراكة بين الجانبين يحتاج إلى وقت طويل، وأن تقييم مدى نجاح التعاون يجب أن يتم على مدار فترة من الوقت، وبالتالي فإن المساعي الرامية إلى توسيع آفاق التعاون يجب أن تنتقل من البرامج الصغيرة إلى العلاقات طويلة المدى. وقد آن الآوان حالياً للمضي قدماً في هذه الشراكة حتى نتمكن من حصد ثمارها في المستقبل القريب.
إيجاد شعور بالملكية على مستوى صنع القرار
هناك حاجة ماسة إلى وضع إطار عام يضم إجراءات لتعزيز التعاون بين الجانبين ويهدف إلى توطيد العلاقات المؤسسية ويجسد الإرادة السياسية التي تسعى إلى المضي قدماً نحو تطبيق الأفكار والمبادرات المطروحة. ولا ريب في أن الاتحاد الأوروبي ودول المجلس بصفتهما مؤسستين تلعبان دوراً بارزاً في هذا الإطار. وفي الوقت ذاته ومن أجل تحقيق تعاون مستدام، يمكن تعزيز الشعور بالملكية استناداً إلى التجربة التضامنية بين الجانبين وتقوية العلاقات الشخصية وذلك من خلال البدء بتقوية الاتصالات المباشرة وتبادل الموظفين والكفاءات على مختلف الصعد ولا سيما على مستوى صناع القرار مثل مديري المدارس وأساتذة الجامعات ومديري الأقسام. فعلى سبيل المثال يمكن أن يؤدي تبادل الزيارات الدورية بين رؤساء الجامعات إلى الارتقاء بمستوى التعاون، وهنا لا بد من التنسيق الجيد والفعال بين مرحلة التخطيط ومرحلة التنفيذ بغيةتفعيل دور صناع القرار حتى يمكن صياغة مبادرات متميزة قابلة للتطبيق على أرض الواقع.ولا ريب في أن نجاح هذه المشروعات مرهون بالجهود التي تبذلها الأطراف الرئيسية والفاعلة في مشروعات التعاون بين الجانبين.
تنشيط دور الباحثين والدارسين
إضافة إلى ما سبق، يتعين على الأطراف المعنية الارتقاء بمستوى علاقاتها من خلال تبادل الطلاب والباحثين على مدار مراحلهم المهنية المختلفة. فعلى مستوى أوروبا حقق برنامج (أراسموس) نجاحاً باهراً على مستوى باحثي الاتحاد الأوروبي. ويجب السماح للباحثين من دول المجلس بالانضمام إلى هذا البرنامج في أسرع وقت ممكن. ويرى البرنامج أن تنظيم زيارات قصيرة إلى المؤسسات المشاركة بالخارج لا يتطلب الكثير من الجهد وقد يصبح برنامج أراسموس أحد المحاور المهمة والتي يرتكز عليها التعاون بين الجانبين. علاوة على ذلك يمكن أن يدرس الاتحاد الأوروبي فتح برنامج (ماري كيوري) أمام طلبة الدكتوراه من دول المجلس وتشجيع البرامج المشتركة للحصول على درجة الماجستير. أما على مستوى طلبة الجامعات، فيوصى بدعم برنامج أراسموس – الذي لم يلق نجاحاً كبيراً حتى الآن في الأوساط الخليجية -عن طريق تنفيذ برامج صيفية في الجامعات تركز على قضايا وموضوعات مختارة مع توفير دورات للغات الأجنبية وبرامج حول الثقافات المختلفة. ويمكن أن تسهم هذه البرامج في تزويد الطلاب بخبرات أولية تؤهلهم للمشاركة في برامج طويلة الأمد فيما بعد.
ويجب تشجيع الجامعات في دول مجلس التعاون على القيام بتمويل التعاون من خلال برنامج جان مونيه ودعم إنشاء مشروعات بحثية في دول المجلس تنشر الوعي حول الاتحاد الأوروبي. ومن المقترح أن يسعى المجلس إلى طرح مبادرات مشابهة تصبو إلى إعداد دراسات شاملة عن الخليج في الاتحاد الأوروبي. ومن هذا المنطلق، عمد الصندوق الكويتي للتقدم العلمي إلى إنشاء وحدات علمية للدراسات الخليجية في عدد من الجامعات المرموقة في أوروبا، وينبغي الاهتمام بمثل هذه البرامج والمبادرات حتى يتم تعميمها على مستوى عدد من الدول الأوروبية. ويتعين على دول المجلس وضع نسختها الخاصة من برنامج أراسموس مودنس كي تسهل على الطلبة الأوروبيين الالتحاق بالجامعات الخليجية مثل مدينة التعليم القطرية. وبصورة عامة، لا بد من الاهتمام بتبادل البرامج الشاملة التي تجمع بين الطلاب والأساتذة والإداريين وصناع القرار في القطاع التعليمي.
نشر الوعي في الاتحاد الأوروبي ودول المجلس
هناك حاجة ملحة إلى إبرام تعاون وثيق بين دول المجلس وبلدان الاتحاد الأوروبي على مستوى الدبلوماسية العامة من أجل تعزيز الوعي بين المواطنين الخليجيين عن الاتحاد الأوروبي والعكس صحيح ويمكن القيام بذلك من خلال تأسيس أو تمويل برامج تعليمية موجهة لصناع القرار وصناع الرأي وطلاب الجامعات الصيفية وإثراء معرفة تلك الأطراف عن المنظمات التابعة للاتحاد الأوروبي والهياكل المؤسسية التي ينتهجها وتسليط الضوء على العلاقة التي تربط الاتحاد الأوروبي بالدول الأعضاء والدور الأوروبي في توجيه القضايا الدولية، كما يمكن مناقشة القضايا والموضوعات المهمة التي تؤثر في مجريات الأحداث بدول المجلس. ويتعين على الأطراف المعنية دعم جهود التنسيق لإقامة معارض تعليمية بين الجانبين تهدف إلى التعريف بالفرص والبرامج المتوافرة في هذا الإطار. وربما تسند إدارة هذه المؤتمرات والمعارض السنوية إلى مجلس مشترك بين الجامعات.
وقد يستفيد الاتحاد الأوروبي من عامل اللغة المشتركة بين دول المجلس، حيث يمكنه مد جسور التعاون والتواصل مع مواطني دول المجلس عبر دعم وتشجيع ترجمة الأعمال والدراسات التي تتحدث عنه إلى اللغة العربية ولا سيما في البرامج المتاحة للطلبة الخليجيين التي لا تحظىبمعرفة عامة في دول المجلس. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى وجود جملة من المبادرات الراهنة التي تحتاج إلى مزيد من الدعم والتشجيع من جانب الأطراف المعنية، فنحن لسنا في حاجة إلى البدء من الصفر والقيام بدراسات وأبحاث جديدة تماماً في حين يمكن الاعتماد على هذه المبادرات.

دمج دول المجلس في الأبحاث الأوروبية
أسهم إدماج دول المجلس في المبادرة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي بعنوان (تمويل أدوات التعاون مع الدول الصناعية والدول ذات الدخل المرتفع) في تسهيل القيام بمشروعات بحثية مشتركة بين المنطقتين. وعلى هذا الأساس، يتحتم على الاتحاد الأوروبي تشجيع دول المجلس على الانضمام إلى البرنامج الأوروبي للبحث العلمي، فمن المؤسف أن سلطنة عُمان التي تعتبر دولة نامية، هي الدولة الوحيدة بين دول المجلس التي انضمت إلى مبادرة التعاون الدولي والدول الشريكة. ونظراً لأن دول المجلس تصنف على أنها بلدان صناعية، فإن انضمامها إلى هذه المبادرة سيسهم في توفير مصادر مالية إضافية للبرنامج الأوروبي للبحث العلمي، وفي الوقت ذاته سيسهل عملية تواصل المؤسسات الخليجية مع الشبكات البحثية في أوروبا المنتشرة في أوروبا وفي غيرها من أنحاء العالم. ومن المعلوم أن انضمام دول مجلس إلى مبادرة تعزيز التعاون العلمي والتقني التي يتم تنفيذها في إطار البرنامج الأوروبي للبحث العملي يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح ويجب دفعها نحو الأمام.
ويأتي إنشاء وحدة بحث مشتركة بين الجانبين على القدر نفسه من الأهمية، فيجب على الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون تحديد الموضوعات والقضايا ذات الاهتمام المشترك -مثل قضايا الطاقة والطاقة المتجددة وإدارة موارد المياه وتغير المناخ وقطاع الرعاية الصحية وحتى قضايا السياسة الدولية والخدمات اللوجستية – وإطلاق مشروعات بحثية وتمويلها تركز على هذه القضايا مستفيدة من بعض الدراسات والمبادرات المتميزة التي أجريت في هذا الإطار مثل مشروع الجسر ومشروع العلاقات الأوروبية – الخليجية. ونود أن نلفت الانتباه إلى أن هذه المبادرات الحالية، مع تميزها، لا تعد كافية، ويعتقد أنها ستقطع شوطاً طويلاً لوضع أسسراسخة لسياسة البحث والتطوير في دول المجلس غير أن هذه السياسة لا تكفي في الوقت الحالي، وليس أدل على ذلك من اعتماد دول المجلس على التقنية المستوردة من الخارج ويتم تصنيفها في مرتبة متدنية على المستوى الدولي من حيث الابتكار، الأمر الذي يعرضها لمنافسة قوية ليست في صالحها على المديين المتوسط والبعيد. ومن المتوقع أن تقطع جهود التعاون بين المنطقتين شوطاً طويلاً للتغلب على هذه المعضلة.
الاهتمام بقضايا التعليم العام
يأتي إصلاح النظام التعليمي العام على رأس أولويات دول المجلس، إذ يجب أن يستند التطوير في مرحلة التعليم العالي إلى أساس قوي يبدأ من مرحلة الحضانة والمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية. وتقر السياسات التعليمية التي تتبعها دول المجلس بهذه الحقيقة وحرصت على تطوير منظومتها التعليمية عبر الخطوات الثلاث التالية:
1- تعديل المناهج والحصص لزيادة الأوقات المخصصة للرياضيات والعلوم واللغات الأجنبية.
2- استخدام وسائل تدريس تشجع على الابتكار والتفكير الإبداعي والقدرة على الاستنباط بدلاً من الحشو والحفظ.
3- إعطاء دورات تدريبية للمدرسين تساعدهم على تدريس المنهج الجديد وتطبيق وسائل التدريس المبتكرة.
والواقع أن إصلاح المناهج ووسائل التدريس وتدريب المعلمين هما أحد محاور إصلاح المنظومة التعليمية على مستوى الاتحاد الأوروبي أيضاً. وقد تستفيد دول المجلس من بعض التجارب الأوروبية. وفي هذا السياق، يتعين على الاتحاد الأوروبي جمع هذه التجارب وتبادل الخبرات التي يرى أنها قد تكون ذات جدوى بالنسبة لدول المجلس ويمكن رصد هذه القضية من خلال عقد مؤتمرات وندوات تضم كبار المسؤولين في قطاع التعليم من الجانبين. كما يمكن أن يشجع الاتحاد الأوروبي أعضاءه على تزويد دول المجلس بالدعم الفني والموارد البشرية وتوطيد علاقاتها مع أعضائه عبر مؤسساتها الوطنية. وينصح في هذا الإطار بأن تقوم دول الاتحاد الأوروبي بتنسيق جهودها من أجل إحداث التكامل المطلوب إن أمكن.
التعاون في مجال الإدارة في قطاع التعليم
تسعى دول المجلس اعتماداً على مواردها الاقتصادية إلى تحقيق إصلاحات اجتماعية هائلة بصورة لم يسبق لها مثيل، غير أن هياكل الإدارة الرشيدة في التعليم لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب، ويمكن أن تعود المساعدة من الاتحاد الأوروبي في هذا المجال بفوائد كبيرة ولا سيما من حيث تحديث الأنظمة التعليمية الحالية. فعلى سبيل المثال، يجب أن تتبع الإدارات التعليمية في دول المجلس أسلوب اللامركزية وتُشرك أصحاب المصالح المعنيين في عملية صناعة القرار. كما يجب أيضاً إعطاء الجامعات والمدارس سلطة اتخاذ القرارات متى أمكن بحيث تستطيع هذه المؤسسات تطوير قدراتها وتوجهاتها وثقافاتها المؤسسية طالما أنها تسير في إطار العمل الذي توفره الحكومة. ولا بد من تشجيع إنشاء مجالس الآباء واتحادات الطلبة وجماعات المصالح الأخرى، فقد تأتي هذه الجماعات بمقترحات مبتكرة، وتعبر عن اهتماماتها، وتضفي روح الابتكار على القطاع التعليمي، وتسهم في الارتقاء بكافة جوانبه.
وإذا انتقلنا إلى الاتحاد الأوروبي، سنجد أن معظم الدول الأعضاء فيه تطبق أسلوب اللامركزية في العملية التعليمية ويمكن أن تستفيد دول المجلس من تجربة هذه الدول في كافة المراحل والخطوات اللازمة للتحول من العملية البيروقراطية ومساعدة الجامعات والمدارس والمؤسسات العلمية على الارتقاء بقدراتها وإمكاناتها ويمكن للاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء أن يلعبا دوراً فعّالاً في هذه الميادين والمجالات ولا سيما في مجال تطوير قطاع التعليم.
الارتقاء بإدارة وتقييم الجودة في قطاع التعليم
عمدت دول المجلس في الآونة الأخيرة إلى فتح التعليم أمام القطاع الخاص، وأنفقت مبالغ طائلة على برامج التعاون الدولية، لكن هذه الجهود والاستثمارات لا تتلاءم حتى الآن مع النتائج التي تم التوصل إليها. وبالمثل، نجد أن هناك تبايناً كبيراًبين هذه الدول، بل داخل الدولة نفسها، من حيث أشكال وأنماط اعتماد وتقييم أداء القطاع الخاص في العملية التعليمية. وفي الواقع فإن زيادة فرصة الالتحاق بالتعليم لا يدلل بالضرورة عن أن جودة العملية التعليمية قد زادت بنفس الوتيرة. وهناك حاجة ماسة إلى إدخال تعديلات على عملية التعليم تهدف إلى الارتقاء بمستوى الشفافية في جوانب هذا القطاع المهم حتى تتمكن مجالس الآباء والطلاب من اتخاذ القرارات التعليمية على أسس واضحة. ويتعين على الاتحاد الأوروبي مساعدة دول المجلس في عملية وضع إجراءات التقييم والقياس للوقوف على جودة المؤسسات التعليمية سواء في القطاعين العام والخاص – في مرحلة الحضانة والمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية والتعليم العالي. فهناك حاجة لوضع معايير للتعليم الإقليمي وذلك بهدف تقييم أداء كفاءة الخريجين ونوعية البرامج التعليمية المعتمدة. إضافة إلى أن هذه العملية ستؤدي إلى إمكانية المقارنة بين المدارس والجامعات المختلفة، فإنها ستعزز في الوقت ذاته الجهود المبذولة لوضع معايير للاعتراف الأكاديمي وعمليات والتقييم والتصنيف. علماً أنه يجب أن يولى اهتمام خاص إلى الارتقاء بمستوى نوعية الأساتذة. وكما أكدت حالة سنغافورة، فإن الإنفاق السخي على التعليم لن يكون له أثر يذكر من دون أن يرافق ذلك تحسن ملحوظ في نوعية كادر المدرسين.
دعم الجهود الإقليمية لانتشار التدريب المهني
تهدف دول مجلس التعاون إلى إيجاد قوى عاملة ماهرة بهدف تقليل اعتمادها على العمالة الوافدة ولتنويع اقتصاداتها. كما أن هناك برامج مشابهة تطبق في العديد من دول المجلس. وتتمتع دول الاتحاد الأوروبي بخبرة طويلة في مجال التدريب المهني داخل دولها وخارجها. ويتوجب على دول الاتحاد الأوروبي وضع خبرتها بين أيدي دول المجلس ومساعدتها على توفير الموارد البشرية المتخصصة والدعم التقني المطلوب لتحقيق أهداف دول المجلس في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، فإن مشاريع القطاع الخاص تلعب دوراً حيوياً كمصدر للتدريب المهني في كافة أنحاء أوروبا. ولذلك فإن على دول المجلس والاتحاد الأوروبي أن يسمحا للقطاع الخاص بالمشاركة في مباحثاتهما وفي تنفيذ بعض المشاريع.
تشجيع التعاون بين المناطق على كافة المستويات
لقد أكدت التجربة الأوروبية أن التعاون في مجال التعليم يمكن أن يساهم في عملية الاندماج بين المناطق على كافة المستويات. إن مثل هذا التطور سيكون منسجماً تماماً مع جدول الأعمال الطموح الذي تسعى دول المجلس إلى تحقيقه. ونتيجة لذلك فإن هناك حاجة ملحة لوضع برامج تعاون بين المناطق يتضمن التعاون بين المدارس والجامعات أو البرامج البحثية المشتركة وغيرها من المجالات الأخرى. ولجعل مثل هذه المشاريع أمراً ممكناً ولزيادة مستويات المرونة والملكية يجب على دول المجلس العمل على تمكين المؤسسات التي تنفذ هذه المشاريع من المشاركة في هذه البرامج التعاونية كخطوة أولى لتحقيق المزيد من التقدم بالتزامن مع الإصلاحات الإدارية. ويمكن لهذه الجهود كذلك أن تؤدي إلى إقامة معايير إقليمية للشهادات الأكاديمية والتقييم وتضيف الجامعات والكليات كما ذكرنا آنفاً. ومن المفيد كذلك مناقشة تجربة دول الاتحاد الأوروبي في عمليات الاعتراف الأكاديمي.
وفي الختام يمكن القول إنه بينما يبقى التعليم جهداً وامتيازاً وطنيين، إلا أن تطوير سياسات ملائمة في إطار العلاقات الخليجية – الأوروبية يمكن أن يوفر الإطار الضروري الذي يمكن من خلاله تحقيق أفضل النتائج الممكنة. ونظراً للتركيبة السكانية الشابة لدول المجلس فإن من المتوقع أن يرتفع الطلب في هذه الدول على التعليم الثانوي والمهني. ولذلك فإنه ليس من قبيل المبالغة القول إن التعليم بالإضافة إلى كونه عملية تتعلق أساساً باكتساب المعرفة، فإنه كذلك عملية حضارية تساهم في بناء الجسور وتعزيز التفاهم بين الشعوب، وقد يكون هذا هو الأمر الوحيد والأهم الذي قد يؤدي إلى علاقات أوثق بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::805::/cck::
::introtext::
في إطار المبادرة التي أطلقتها منظمة اليونيسكو بعنوان (التعليم للجميع) عام 1999 وانسجاماً مع أهداف التقرير العربي للتنمية البشرية الصادر عام 2003، اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعداد الكثير من الأوراق البحثية بغية إصلاح أنظمتها التعليمية، ووضعت التنمية الاجتماعية والبشرية على رأس أولوياتها الوطنيةمن خلال الارتقاء بمستوى التعليم، وأقرت بأن الفجوة المعرفية بين الدول العربية وبقية أنحاء العالم قد تشهد مزيداً من الاتساع إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عملية وفعالة في هذا الإطار. لذا اهتمت دول المجلس برصد قدر كبير من الموارد المالية والسياسية لتحديث وتطوير منظومتها التعليمية.
::/introtext::
::fulltext::
في إطار المبادرة التي أطلقتها منظمة اليونيسكو بعنوان (التعليم للجميع) عام 1999 وانسجاماً مع أهداف التقرير العربي للتنمية البشرية الصادر عام 2003، اتجهت دول مجلس التعاون الخليجي إلى إعداد الكثير من الأوراق البحثية بغية إصلاح أنظمتها التعليمية، ووضعت التنمية الاجتماعية والبشرية على رأس أولوياتها الوطنيةمن خلال الارتقاء بمستوى التعليم، وأقرت بأن الفجوة المعرفية بين الدول العربية وبقية أنحاء العالم قد تشهد مزيداً من الاتساع إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عملية وفعالة في هذا الإطار. لذا اهتمت دول المجلس برصد قدر كبير من الموارد المالية والسياسية لتحديث وتطوير منظومتها التعليمية.
إيماناً بأهمية ومكانة التعليم، عقد قسم الأبحاث الأوروبية – الخليجية في جامعة الكويت ومؤسسة برتلسمان ومركز الخليج للأبحاث حلقة دراسية للخبراء ومنتدى مفتوحاً في الفترة ما بين 10 – 11 مارس 2009 بدولة الكويت وذلك في إطار (مشروع الجسر) حول الدبلوماسية العامة لدول المجلس والاتحاد الأوروبي وتعزيز العلاقات بين الطرفين بهدف بحث أفضل السبل للارتقاء بأحد قطاعات التعليم المهمة وهو قطاع التعليم العالي. وتبين من خلال المناقشات أن دول المجلس تواجه تحديات مماثلة تعوق مسيرة تطوير المؤسسات التعليمية ونشر المعرفة والموازنة بين الكم والكيف وتحديث أنظمتها التعليمية. واتضح من خلال المناقشات مدى أهمية بناء مجتمعات معرفية ومد جسور التعاون إلى آفاق جديدة بين الطرفين.
واستناداً إلى الحلقة الدراسية هذه، قدم مشروع الجسر توصيات عملية يتعين على المسؤولين والمتخصصين وصناع القرار في الجانب الأوروبي والخليجي أخذها في الاعتبار عند وضع برامج جديدة للتعاون وتسلط الضوء على أفضل السبل لتنشيط التعاون الأوروبي – الخليجي في إصلاح منظومة التعليم الخليجية. وتستند هذه التوصيات إلى محاور مهمة يتوجب على الأطراف المعنية أخذها في الاعتبار مثل إقامة برامج توأمة ومجموعات عمل دورية وبرامج صيفية وخطط عمل مشتركة لتمويل الأنشطة البحثية وتعزيز الشراكات الخاصة بتبادل الأبحاث وإنشاء شبكة من التعاون والعلاقات داخل دول المجلس وتأسيس برامج متطورة في مجال ضمان الجودة وتدريب المعلمين وتبادل البعثات العلمية والإعارات. ويمكن أن تخرج بخطة عمل فعالةذات دور حيوي في تعزيز آفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي ودول المجلس على صعيد التعليم العالي.
التعليم محور التعاون الأوروبي – الخليجي
أثبتت التجربة الأوروبية أن التعاون في مجال التعليم وتبادل الخبرات بين الطلاب والباحثين والمتخصصين أدى إلى وضع اللبنات الاجتماعية اللازمة لتوطيد العلاقات الاقتصادية والسياسية، فقد أسهمت بعض البرامج مثل برنامج (أراسموس مودنس) ومنحة (جيان مونيه وماري كيوري) في بث روح الاندماج والتكامل ولا سيما في أوساط الشباب الأوروبيين الذين يشعرون حالياً بهويتهم الأوروبية أكثر من أي وقت مضى.
أما بالنسبة للعلاقات الأوروبية – الخليجية، فتجدر الإشارة إلى أن التعليم كان يمثل أحد محاور التعاون بين الجانبين منذ توقيع اتفاقية التعاون عام 1988. وعلاوة على ذلك فقد أكد البيان الوزاري المشترك السابع عشر الصادر في مايو عام 2007 على ضرورة إيجاد سبل عملية للارتقاء بمستوى التعاون في مجال التعليم العالي. ويتعين على بلدان الاتحاد الأوروبي ودول المجلس توسيع آفاق التعاون كي يشمل كافة مجالات ومراحل التعليم بدءاً من مرحلة الحضانة حتى المرحلة الجامعية ويتحتم على الاتحاد الأوروبي الإنصات لدول المجلس والمبادرة إلى تقديم الدعم والمساعدة اللازمة في هذا المجال، ويجب أن تهتم الجهود المبذولة في مجال التعاون بملاءمة الأنشطة التعليمية للمناخ الثقافي، نظراً لعدم جدوى وفاعلية الحلول الجاهزة المستوردة من بيئات ثقافية مغايرة. ومن المعلوم أن ترسيخ الشراكة بين الجانبين يحتاج إلى وقت طويل، وأن تقييم مدى نجاح التعاون يجب أن يتم على مدار فترة من الوقت، وبالتالي فإن المساعي الرامية إلى توسيع آفاق التعاون يجب أن تنتقل من البرامج الصغيرة إلى العلاقات طويلة المدى. وقد آن الآوان حالياً للمضي قدماً في هذه الشراكة حتى نتمكن من حصد ثمارها في المستقبل القريب.
إيجاد شعور بالملكية على مستوى صنع القرار
هناك حاجة ماسة إلى وضع إطار عام يضم إجراءات لتعزيز التعاون بين الجانبين ويهدف إلى توطيد العلاقات المؤسسية ويجسد الإرادة السياسية التي تسعى إلى المضي قدماً نحو تطبيق الأفكار والمبادرات المطروحة. ولا ريب في أن الاتحاد الأوروبي ودول المجلس بصفتهما مؤسستين تلعبان دوراً بارزاً في هذا الإطار. وفي الوقت ذاته ومن أجل تحقيق تعاون مستدام، يمكن تعزيز الشعور بالملكية استناداً إلى التجربة التضامنية بين الجانبين وتقوية العلاقات الشخصية وذلك من خلال البدء بتقوية الاتصالات المباشرة وتبادل الموظفين والكفاءات على مختلف الصعد ولا سيما على مستوى صناع القرار مثل مديري المدارس وأساتذة الجامعات ومديري الأقسام. فعلى سبيل المثال يمكن أن يؤدي تبادل الزيارات الدورية بين رؤساء الجامعات إلى الارتقاء بمستوى التعاون، وهنا لا بد من التنسيق الجيد والفعال بين مرحلة التخطيط ومرحلة التنفيذ بغيةتفعيل دور صناع القرار حتى يمكن صياغة مبادرات متميزة قابلة للتطبيق على أرض الواقع.ولا ريب في أن نجاح هذه المشروعات مرهون بالجهود التي تبذلها الأطراف الرئيسية والفاعلة في مشروعات التعاون بين الجانبين.
تنشيط دور الباحثين والدارسين
إضافة إلى ما سبق، يتعين على الأطراف المعنية الارتقاء بمستوى علاقاتها من خلال تبادل الطلاب والباحثين على مدار مراحلهم المهنية المختلفة. فعلى مستوى أوروبا حقق برنامج (أراسموس) نجاحاً باهراً على مستوى باحثي الاتحاد الأوروبي. ويجب السماح للباحثين من دول المجلس بالانضمام إلى هذا البرنامج في أسرع وقت ممكن. ويرى البرنامج أن تنظيم زيارات قصيرة إلى المؤسسات المشاركة بالخارج لا يتطلب الكثير من الجهد وقد يصبح برنامج أراسموس أحد المحاور المهمة والتي يرتكز عليها التعاون بين الجانبين. علاوة على ذلك يمكن أن يدرس الاتحاد الأوروبي فتح برنامج (ماري كيوري) أمام طلبة الدكتوراه من دول المجلس وتشجيع البرامج المشتركة للحصول على درجة الماجستير. أما على مستوى طلبة الجامعات، فيوصى بدعم برنامج أراسموس – الذي لم يلق نجاحاً كبيراً حتى الآن في الأوساط الخليجية -عن طريق تنفيذ برامج صيفية في الجامعات تركز على قضايا وموضوعات مختارة مع توفير دورات للغات الأجنبية وبرامج حول الثقافات المختلفة. ويمكن أن تسهم هذه البرامج في تزويد الطلاب بخبرات أولية تؤهلهم للمشاركة في برامج طويلة الأمد فيما بعد.
ويجب تشجيع الجامعات في دول مجلس التعاون على القيام بتمويل التعاون من خلال برنامج جان مونيه ودعم إنشاء مشروعات بحثية في دول المجلس تنشر الوعي حول الاتحاد الأوروبي. ومن المقترح أن يسعى المجلس إلى طرح مبادرات مشابهة تصبو إلى إعداد دراسات شاملة عن الخليج في الاتحاد الأوروبي. ومن هذا المنطلق، عمد الصندوق الكويتي للتقدم العلمي إلى إنشاء وحدات علمية للدراسات الخليجية في عدد من الجامعات المرموقة في أوروبا، وينبغي الاهتمام بمثل هذه البرامج والمبادرات حتى يتم تعميمها على مستوى عدد من الدول الأوروبية. ويتعين على دول المجلس وضع نسختها الخاصة من برنامج أراسموس مودنس كي تسهل على الطلبة الأوروبيين الالتحاق بالجامعات الخليجية مثل مدينة التعليم القطرية. وبصورة عامة، لا بد من الاهتمام بتبادل البرامج الشاملة التي تجمع بين الطلاب والأساتذة والإداريين وصناع القرار في القطاع التعليمي.
نشر الوعي في الاتحاد الأوروبي ودول المجلس
هناك حاجة ملحة إلى إبرام تعاون وثيق بين دول المجلس وبلدان الاتحاد الأوروبي على مستوى الدبلوماسية العامة من أجل تعزيز الوعي بين المواطنين الخليجيين عن الاتحاد الأوروبي والعكس صحيح ويمكن القيام بذلك من خلال تأسيس أو تمويل برامج تعليمية موجهة لصناع القرار وصناع الرأي وطلاب الجامعات الصيفية وإثراء معرفة تلك الأطراف عن المنظمات التابعة للاتحاد الأوروبي والهياكل المؤسسية التي ينتهجها وتسليط الضوء على العلاقة التي تربط الاتحاد الأوروبي بالدول الأعضاء والدور الأوروبي في توجيه القضايا الدولية، كما يمكن مناقشة القضايا والموضوعات المهمة التي تؤثر في مجريات الأحداث بدول المجلس. ويتعين على الأطراف المعنية دعم جهود التنسيق لإقامة معارض تعليمية بين الجانبين تهدف إلى التعريف بالفرص والبرامج المتوافرة في هذا الإطار. وربما تسند إدارة هذه المؤتمرات والمعارض السنوية إلى مجلس مشترك بين الجامعات.
وقد يستفيد الاتحاد الأوروبي من عامل اللغة المشتركة بين دول المجلس، حيث يمكنه مد جسور التعاون والتواصل مع مواطني دول المجلس عبر دعم وتشجيع ترجمة الأعمال والدراسات التي تتحدث عنه إلى اللغة العربية ولا سيما في البرامج المتاحة للطلبة الخليجيين التي لا تحظىبمعرفة عامة في دول المجلس. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى وجود جملة من المبادرات الراهنة التي تحتاج إلى مزيد من الدعم والتشجيع من جانب الأطراف المعنية، فنحن لسنا في حاجة إلى البدء من الصفر والقيام بدراسات وأبحاث جديدة تماماً في حين يمكن الاعتماد على هذه المبادرات.

دمج دول المجلس في الأبحاث الأوروبية
أسهم إدماج دول المجلس في المبادرة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي بعنوان (تمويل أدوات التعاون مع الدول الصناعية والدول ذات الدخل المرتفع) في تسهيل القيام بمشروعات بحثية مشتركة بين المنطقتين. وعلى هذا الأساس، يتحتم على الاتحاد الأوروبي تشجيع دول المجلس على الانضمام إلى البرنامج الأوروبي للبحث العلمي، فمن المؤسف أن سلطنة عُمان التي تعتبر دولة نامية، هي الدولة الوحيدة بين دول المجلس التي انضمت إلى مبادرة التعاون الدولي والدول الشريكة. ونظراً لأن دول المجلس تصنف على أنها بلدان صناعية، فإن انضمامها إلى هذه المبادرة سيسهم في توفير مصادر مالية إضافية للبرنامج الأوروبي للبحث العلمي، وفي الوقت ذاته سيسهل عملية تواصل المؤسسات الخليجية مع الشبكات البحثية في أوروبا المنتشرة في أوروبا وفي غيرها من أنحاء العالم. ومن المعلوم أن انضمام دول مجلس إلى مبادرة تعزيز التعاون العلمي والتقني التي يتم تنفيذها في إطار البرنامج الأوروبي للبحث العملي يشكل خطوة في الاتجاه الصحيح ويجب دفعها نحو الأمام.
ويأتي إنشاء وحدة بحث مشتركة بين الجانبين على القدر نفسه من الأهمية، فيجب على الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون تحديد الموضوعات والقضايا ذات الاهتمام المشترك -مثل قضايا الطاقة والطاقة المتجددة وإدارة موارد المياه وتغير المناخ وقطاع الرعاية الصحية وحتى قضايا السياسة الدولية والخدمات اللوجستية – وإطلاق مشروعات بحثية وتمويلها تركز على هذه القضايا مستفيدة من بعض الدراسات والمبادرات المتميزة التي أجريت في هذا الإطار مثل مشروع الجسر ومشروع العلاقات الأوروبية – الخليجية. ونود أن نلفت الانتباه إلى أن هذه المبادرات الحالية، مع تميزها، لا تعد كافية، ويعتقد أنها ستقطع شوطاً طويلاً لوضع أسسراسخة لسياسة البحث والتطوير في دول المجلس غير أن هذه السياسة لا تكفي في الوقت الحالي، وليس أدل على ذلك من اعتماد دول المجلس على التقنية المستوردة من الخارج ويتم تصنيفها في مرتبة متدنية على المستوى الدولي من حيث الابتكار، الأمر الذي يعرضها لمنافسة قوية ليست في صالحها على المديين المتوسط والبعيد. ومن المتوقع أن تقطع جهود التعاون بين المنطقتين شوطاً طويلاً للتغلب على هذه المعضلة.
الاهتمام بقضايا التعليم العام
يأتي إصلاح النظام التعليمي العام على رأس أولويات دول المجلس، إذ يجب أن يستند التطوير في مرحلة التعليم العالي إلى أساس قوي يبدأ من مرحلة الحضانة والمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية. وتقر السياسات التعليمية التي تتبعها دول المجلس بهذه الحقيقة وحرصت على تطوير منظومتها التعليمية عبر الخطوات الثلاث التالية:
1- تعديل المناهج والحصص لزيادة الأوقات المخصصة للرياضيات والعلوم واللغات الأجنبية.
2- استخدام وسائل تدريس تشجع على الابتكار والتفكير الإبداعي والقدرة على الاستنباط بدلاً من الحشو والحفظ.
3- إعطاء دورات تدريبية للمدرسين تساعدهم على تدريس المنهج الجديد وتطبيق وسائل التدريس المبتكرة.
والواقع أن إصلاح المناهج ووسائل التدريس وتدريب المعلمين هما أحد محاور إصلاح المنظومة التعليمية على مستوى الاتحاد الأوروبي أيضاً. وقد تستفيد دول المجلس من بعض التجارب الأوروبية. وفي هذا السياق، يتعين على الاتحاد الأوروبي جمع هذه التجارب وتبادل الخبرات التي يرى أنها قد تكون ذات جدوى بالنسبة لدول المجلس ويمكن رصد هذه القضية من خلال عقد مؤتمرات وندوات تضم كبار المسؤولين في قطاع التعليم من الجانبين. كما يمكن أن يشجع الاتحاد الأوروبي أعضاءه على تزويد دول المجلس بالدعم الفني والموارد البشرية وتوطيد علاقاتها مع أعضائه عبر مؤسساتها الوطنية. وينصح في هذا الإطار بأن تقوم دول الاتحاد الأوروبي بتنسيق جهودها من أجل إحداث التكامل المطلوب إن أمكن.
التعاون في مجال الإدارة في قطاع التعليم
تسعى دول المجلس اعتماداً على مواردها الاقتصادية إلى تحقيق إصلاحات اجتماعية هائلة بصورة لم يسبق لها مثيل، غير أن هياكل الإدارة الرشيدة في التعليم لم ترق بعد إلى المستوى المطلوب، ويمكن أن تعود المساعدة من الاتحاد الأوروبي في هذا المجال بفوائد كبيرة ولا سيما من حيث تحديث الأنظمة التعليمية الحالية. فعلى سبيل المثال، يجب أن تتبع الإدارات التعليمية في دول المجلس أسلوب اللامركزية وتُشرك أصحاب المصالح المعنيين في عملية صناعة القرار. كما يجب أيضاً إعطاء الجامعات والمدارس سلطة اتخاذ القرارات متى أمكن بحيث تستطيع هذه المؤسسات تطوير قدراتها وتوجهاتها وثقافاتها المؤسسية طالما أنها تسير في إطار العمل الذي توفره الحكومة. ولا بد من تشجيع إنشاء مجالس الآباء واتحادات الطلبة وجماعات المصالح الأخرى، فقد تأتي هذه الجماعات بمقترحات مبتكرة، وتعبر عن اهتماماتها، وتضفي روح الابتكار على القطاع التعليمي، وتسهم في الارتقاء بكافة جوانبه.
وإذا انتقلنا إلى الاتحاد الأوروبي، سنجد أن معظم الدول الأعضاء فيه تطبق أسلوب اللامركزية في العملية التعليمية ويمكن أن تستفيد دول المجلس من تجربة هذه الدول في كافة المراحل والخطوات اللازمة للتحول من العملية البيروقراطية ومساعدة الجامعات والمدارس والمؤسسات العلمية على الارتقاء بقدراتها وإمكاناتها ويمكن للاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء أن يلعبا دوراً فعّالاً في هذه الميادين والمجالات ولا سيما في مجال تطوير قطاع التعليم.
الارتقاء بإدارة وتقييم الجودة في قطاع التعليم
عمدت دول المجلس في الآونة الأخيرة إلى فتح التعليم أمام القطاع الخاص، وأنفقت مبالغ طائلة على برامج التعاون الدولية، لكن هذه الجهود والاستثمارات لا تتلاءم حتى الآن مع النتائج التي تم التوصل إليها. وبالمثل، نجد أن هناك تبايناً كبيراًبين هذه الدول، بل داخل الدولة نفسها، من حيث أشكال وأنماط اعتماد وتقييم أداء القطاع الخاص في العملية التعليمية. وفي الواقع فإن زيادة فرصة الالتحاق بالتعليم لا يدلل بالضرورة عن أن جودة العملية التعليمية قد زادت بنفس الوتيرة. وهناك حاجة ماسة إلى إدخال تعديلات على عملية التعليم تهدف إلى الارتقاء بمستوى الشفافية في جوانب هذا القطاع المهم حتى تتمكن مجالس الآباء والطلاب من اتخاذ القرارات التعليمية على أسس واضحة. ويتعين على الاتحاد الأوروبي مساعدة دول المجلس في عملية وضع إجراءات التقييم والقياس للوقوف على جودة المؤسسات التعليمية سواء في القطاعين العام والخاص – في مرحلة الحضانة والمرحلة الابتدائية والإعدادية والثانوية والتعليم العالي. فهناك حاجة لوضع معايير للتعليم الإقليمي وذلك بهدف تقييم أداء كفاءة الخريجين ونوعية البرامج التعليمية المعتمدة. إضافة إلى أن هذه العملية ستؤدي إلى إمكانية المقارنة بين المدارس والجامعات المختلفة، فإنها ستعزز في الوقت ذاته الجهود المبذولة لوضع معايير للاعتراف الأكاديمي وعمليات والتقييم والتصنيف. علماً أنه يجب أن يولى اهتمام خاص إلى الارتقاء بمستوى نوعية الأساتذة. وكما أكدت حالة سنغافورة، فإن الإنفاق السخي على التعليم لن يكون له أثر يذكر من دون أن يرافق ذلك تحسن ملحوظ في نوعية كادر المدرسين.
دعم الجهود الإقليمية لانتشار التدريب المهني
تهدف دول مجلس التعاون إلى إيجاد قوى عاملة ماهرة بهدف تقليل اعتمادها على العمالة الوافدة ولتنويع اقتصاداتها. كما أن هناك برامج مشابهة تطبق في العديد من دول المجلس. وتتمتع دول الاتحاد الأوروبي بخبرة طويلة في مجال التدريب المهني داخل دولها وخارجها. ويتوجب على دول الاتحاد الأوروبي وضع خبرتها بين أيدي دول المجلس ومساعدتها على توفير الموارد البشرية المتخصصة والدعم التقني المطلوب لتحقيق أهداف دول المجلس في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، فإن مشاريع القطاع الخاص تلعب دوراً حيوياً كمصدر للتدريب المهني في كافة أنحاء أوروبا. ولذلك فإن على دول المجلس والاتحاد الأوروبي أن يسمحا للقطاع الخاص بالمشاركة في مباحثاتهما وفي تنفيذ بعض المشاريع.
تشجيع التعاون بين المناطق على كافة المستويات
لقد أكدت التجربة الأوروبية أن التعاون في مجال التعليم يمكن أن يساهم في عملية الاندماج بين المناطق على كافة المستويات. إن مثل هذا التطور سيكون منسجماً تماماً مع جدول الأعمال الطموح الذي تسعى دول المجلس إلى تحقيقه. ونتيجة لذلك فإن هناك حاجة ملحة لوضع برامج تعاون بين المناطق يتضمن التعاون بين المدارس والجامعات أو البرامج البحثية المشتركة وغيرها من المجالات الأخرى. ولجعل مثل هذه المشاريع أمراً ممكناً ولزيادة مستويات المرونة والملكية يجب على دول المجلس العمل على تمكين المؤسسات التي تنفذ هذه المشاريع من المشاركة في هذه البرامج التعاونية كخطوة أولى لتحقيق المزيد من التقدم بالتزامن مع الإصلاحات الإدارية. ويمكن لهذه الجهود كذلك أن تؤدي إلى إقامة معايير إقليمية للشهادات الأكاديمية والتقييم وتضيف الجامعات والكليات كما ذكرنا آنفاً. ومن المفيد كذلك مناقشة تجربة دول الاتحاد الأوروبي في عمليات الاعتراف الأكاديمي.
وفي الختام يمكن القول إنه بينما يبقى التعليم جهداً وامتيازاً وطنيين، إلا أن تطوير سياسات ملائمة في إطار العلاقات الخليجية – الأوروبية يمكن أن يوفر الإطار الضروري الذي يمكن من خلاله تحقيق أفضل النتائج الممكنة. ونظراً للتركيبة السكانية الشابة لدول المجلس فإن من المتوقع أن يرتفع الطلب في هذه الدول على التعليم الثانوي والمهني. ولذلك فإنه ليس من قبيل المبالغة القول إن التعليم بالإضافة إلى كونه عملية تتعلق أساساً باكتساب المعرفة، فإنه كذلك عملية حضارية تساهم في بناء الجسور وتعزيز التفاهم بين الشعوب، وقد يكون هذا هو الأمر الوحيد والأهم الذي قد يؤدي إلى علاقات أوثق بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي.
::/fulltext::
::cck::805::/cck::
