صِدام الهوية والعولمة في الخليج العربي
::cck::802::/cck::
::introtext::
توجد بين مفهومي الهوية والعولمة وشائج علاقات جدلية فريدة من نوعها في طبيعة العلاقة بين المفاهيم والأشياء، إنهما مفهومان متجاذبان متقاطبان متكاملان في آن واحد. وفي دائرة هذا التجاذب والتقاطب، يأخذ مفهوم الهوية على الغالب دور الطريدة بينما يأخذ مفهوم العولمة دور الصياد. فالعولمة تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتجهز عليها ثم تتغذى بها، وفي دائرة هذه المطاردة تعاند الهوية أسباب الذوبان والفناء وتشدّ في طلب الأمن والأمان فتتشبث بالأصول حفاظاً على الكينونة والبقاء والاستمرار.
::/introtext::
::fulltext::
توجد بين مفهومي الهوية والعولمة وشائج علاقات جدلية فريدة من نوعها في طبيعة العلاقة بين المفاهيم والأشياء، إنهما مفهومان متجاذبان متقاطبان متكاملان في آن واحد. وفي دائرة هذا التجاذب والتقاطب، يأخذ مفهوم الهوية على الغالب دور الطريدة بينما يأخذ مفهوم العولمة دور الصياد. فالعولمة تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتجهز عليها ثم تتغذى بها، وفي دائرة هذه المطاردة تعاند الهوية أسباب الذوبان والفناء وتشدّ في طلب الأمن والأمان فتتشبث بالأصول حفاظاً على الكينونة والبقاء والاستمرار.
العولمة تعني ذوبان الخصوصية والانتقال من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن المحدود إلى الشامل، ومن المتعّين إلى اللامتعين. وعلى خلاف ذلك، يأخذ مفهوم الهوية اتجاهاً متقاطباً كلياً مع مفهوم الشمولية والعمومية، فالهوية انتقال من العام إلى الخاص، ومن الشامل إلى المحدود، ومن اللامتعّين إلى المتعين. فمفهوم الهوية يبحث عن التمايز والتباين والمجسد والمشخص والمتفرّد والمعيّن، أما العولمة فهي بحث لا ينقطع عن العام والشامل والمجرد والمتجانس واللامحدود.
وتسجل مسألة العلاقة بين مفهوم الهوية والعولمة نفسها في عمق الجدل الدائر حول العولمة ذاتها في العقود الأخيرة من الزمن. والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه في سياق هذه العلاقة هو: هل تؤدي العولمة إلى ذوبان الهوية القومية وتهميش الثقافات الوطنية؟ وهل تؤدي أيضاً إلى تفتيت وتدمير الثقافات الوطنية تحت تأثير هويات جديدة متنافرة غالباً ما تكون هويات عرقية وطائفية ودينية؟ وهل تعمل العولمة على توحيد العالم أم على تجزئته وتدميره ثقافياً؟ وهل تعمل على تفتيت العالم والتهامه مجدداً؟ وهل تسعى العولمة إلى بناء ثقافة إنسانية واحدة أم أنها تدعو إلى تعدد ثقافي وتنوع قومي؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل تعمل حقاً على تحقيق مبدأ التكافؤ بين الهويات الثقافية والقومية المختلفة؟ هل تعني العولمة حالة تجانس ثقافي يجسد مقولة نهاية التاريخ كما يقول فوكوياما؟ أم أنها حالة من الصراع بين حضارات متباينة كما يذهب صموئيل هنتنغتون؟
يذهب أغلب المفكرين والباحثين إلى الاعتقاد بأن العولمة فعل يقلص امتداد الكون في هوية واحدة متجانسة ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً. فالعولمة وفقاً لهذا المنظور تعمل على بناء ثقافة واحدة وتسعى إلى تذويب الحدود والحواجز الثقافية والفكرية والاقتصادية بين الأمم، إنها سعي لبناء المجتمع الإنساني على مقياس الثقافة الواحدة والحياة الاقتصادية الواحدة، وبالتالي فإن ثقافة العولمة هي ثقافة الشركات العابرة للجنسية والقوميات والثقافات.
ويمثل هذا الاتجاه بجدارة الطيب تيزيني الذي يعرف العولمة (بأنها نظام اقتصادي سياسي اجتماعي وثقافي يسعى إلى ابتلاع الأشياء والبشر في سبيل تمثلهم وهضمهم وإخراجهم سلعاً). وهذا يعني أن هذا النظام يعمل باتجاه تفكيك الهويات والمؤسسات بهدف التمكين لهوية واحدة هي هوية (السلعة (…) كي تتسنى له الهيمنة غير المشروطة على العالم من خلال هوية سوقية سلعية كونية عالمية). ففي دائرة العلاقة بين الغرب والعرب يجب التمييز بين الغرب المتقدم العملاق وبين الواقع العربي المتخلف والتابع. ويتبين أن العلاقة بين العالمين هي علاقة غير متكافئة تسمح باختراق العالم الأول للعالم الثاني اختراقاً يتسع باستمرار مع تعاظم قوة الغرب وتضاؤل قوة العرب. وفي إطار هذه العلاقة يتحول الطرف العربي إلى واقع مستباح بحيث يقوم الطرف الأول الذي هو الغرب بتفكيك معالم الطرف الثاني العربي وإعادة بنائها وفقا لمقتضيات السوق.
فالحضارة الغربية بامتدادها العولمي الجديد تهتدي بروح القوة، وهي الروح الفاوستية التي ترى أن الوطن، هو أي مكان في الأرض، يمكن السيطرة عليه بمنطق القوة والحرب. فالحياة وفقاً لهذا العرف تجري وفقاً لمبدأ الصراع والنزال من أجل السيطرة والسيادة. وهذا يعني أن الروح الغربية الفاوستية تتجسد في معاني الغلبة والصراع والتحدي والانتصار والقوة. وتلك هي الروح التي حدَت بفلاسفة الغرب الفاوستيين أمثال هيغل ونيتشه واشبلنجر وفيخته إلى تمجيد القوة وروح الحرب والانتصار، وهي التي دفعت اشبلنجر إلى الاعتقاد بأن الحرب هي الخالقة لكل ما هو عظيم، وأن كل ما له معنى في الحياة قد ولد ونشأ عن النصر والهزيمة. وغني عن البيان أن مثل هذه الحضارة الفاوستية تسعى إلى هدم الحضارات القائمة وتذويب الخصوصيات الثقافية في سبيل بناء ثقافة غربية واحدة تكون لها السيادة والسطوة والهيمنة.
لقد أسهمت عوامل متعددة في الوصولإلىكونية الثقافة، أبرزها السيطرة الاستعمارية القومية، والثورة الصناعية وما رافقها من انفجار معرفي في كافة المجالات، في مجال إنتاج وتصدير الكمبيوتر، في ثورة الإعلام والاتصالات اللاسلكية، في غزو الفضاء. فالعولمة في هذا المنظور تطرح نفسها ثقافة عابرة للقوميات والجنسيات تسعىإلىتدمير التقاليد والعادات الموروثة في المجتمعات التقليدية. وعلى هذا الأساس يمكن أن نقول مع القائلين (لقد غزت ثقافة العولمة كافة المجتمعات البشرية وبدرجات متفاوتة حتى النخاع الشوكي.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: ما الهوية التي تعد بها العولمة، وما وجه الاختلاف بين الهويات القومية والهوية تلك المفروضة؟ إنها بالتأكيد هوية استهلاكية مسطحة لا عمق فيها ولا معنى تفرضها ثقافة السلعة والتسويق والربح. إنها هذا الصنف من الثقافة الذي يوحد شباب العالم في نمط استهلاك مجنون مبتذل، إنها ثقافة استهلاك تتمثل في (الهامبورغر) والأزياء، والمأكولات، و(البيتزا)، والمياه الغازية، والأفلام السينمائية، وأغاني (مادونا)، و(مايكل جاكسون)، وملابس الجينز، وماركات (كلفن كلاين)، و(بينيتون)، و(التيتانك)، وحرب النجوم.
ويميز كثير من الباحثين في ثقافة العولمة بين جانبين أساسيين في بنيتها، فهناك الثقافة الرفيعة التي تتصل بالآداب والفنون والعلوم، وهناك الجوانب الاستهلاكية التي تتصل بإشباع الحاجات الأولية البدائية. ومن هذه الزاوية ترتفع أصوات المفكرين في التمييز بين نسقين في بنية الثقافة القادمة. حيث إن الخطر الذي يواجه الثقافة الوطنية ويهدد وجودها، يتمثل في العناصر الثقافية التي تمسخ عقول الشباب فتدفعهم إلى تمثل عادات ممسوخة وقيم سلبية مستلبة. تلك هي الثقافة العولمية المشبوهة اللاإنسانية التي تختزل الكون في ثقافة الفوضى والجنس والتسلط والاستهلاك، تلك هي الثقافة العولمية التي تحاول أن تغزونا بإمكانات تقنية ضخمة لا قبل لنا بمواجهتها أو مقاومتها من تلفاز وسينما ومؤسسات إعلام عالمية وأقمار صناعية.
إن الخطر الأكبر في عملية العولمة أنها تفرض من الخارج، فهي ليست نتاجاً لتفاعلات بين الحضارات والمذاهب المتباينة على مستوى العالم ككل، وذلكم هو الأمر الذي يكشف بشكل أو آخر، أن العولمة مرحلة معاصرة من مراحل الرأسمالية، أو كما يصفها منظرو ما بعد الحداثة بأنها مرحلة متأخرة من مراحل الحداثة في ظل ليبرالية جديدة أشار إليها البعض بأنها تمثل نهاية التاريخ. أو كما أشار إليها آخرون بأنها هجمة معاصرة للرأسمالية تستهدف تنميط العالم بالشكل الذي يخدم مصالح القوى الرأسمالية العالمية المسيطرة، وبالذات الشركات متعددة الجنسيات. ومنهذا المنطلق تشتد نزعة المعارضة والمقاومة لثقافة العولمة التي تحاول أن تعمم نموذجها الحضاري، وتفرضه على العالم بكل الوسائل الممكنة.
الثقافة والعولمة في الخليج العربي
في عالم يفيض بالتحول، ويتدفق بالتغير، في عالم أثقله التقدم، وأثخنته جراح الحضارة المادية، يكتسب سؤال الهوية الثقافية مشروعيته الحضارية. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: كيف يمكن للهوية الثقافية في الخليج العربي أن تواجه التغيرات الكبيرة التي تفرضها عولمة محمَّلة بعوامل الجدة والابتكار؟ هل تستطيع الهويات الوطنية والثقافية المحلية في هذه المنطقة أن تصمد في وجه التحديات الصارخة للعولمة؟ وبعبارة أخرى هل تتجه الهويات الثقافية في دول الخليج إلى التراجع والانحسار إزاء الحضور المكثف والمدمر لثقافة العولمة؟ وهل يمكن للهويات الثقافية في هذه البلدان أن تحافظ على وجودها وكيانها وتستمر في الوجود جنباً إلى جنب مع ثقافة العولمة؟
يمكن القول إن بلدان الخليج تقدم مثالاً واضحاً لتأثير العولمة في مختلف التكوينات الثقافية والاجتماعية، فالعواصم الخليجية تمثل نموذجاً فريداً لهيمنة العولمة بمختلف مظاهرها وتجلياتها الثقافية والعمرانية، حيث لا يمكن التمييز بين مظاهر الحياة في العواصم العربية في دول الخليج وبين العواصم الغربية من حيث الحضور الكاسح لمختلف مظاهر العولمة في مختلف مناحي الحياة والوجود. وهذا يعني أن بلدان الخليج تتعرض لمدّ العولمة وإشعاعاتها الثقافية مما يشكل تهديداً حقيقياً للهويات الثقافية الوطنية. فالعولمة تفرض حضورها حتى في أدق الخصوصيات الثقافية التي تحاول فيها هذه البلدان تعزيز هويتها وحضورها. وليس أدل على ذلك من حضور العولمة المكثف في العمليات التي تستهدف تأصيل وتعزيز مواقع الثقافة الوطنية وتمكين الهوية الثقافية الوطنية.
ومن يتأمل في المحاولات الثقافية لعمليات إحياء التراث والثقافة الوطنية وتأكيد الخصوصية الثقافية في دول الخليج سيجد أن الاختراق الثقافي للعولمة قد بلغ مداه، وذلك لأن العمليات الإحيائية للثقافة الوطنية تتم بروح عولميّة، بمعنى أنها تعزز ثقافة العولمة وتستند إليها في الوقت الذي أريد لها أن ترسخ الخصوصية الثقافية الوطنية وتؤكد الهوية الذاتية لهذه المجتمعات. ويمكن أن نقدم نموذجاً عصرياً لمثل هذا الاختراق الثقافي الذي تمارسه ثقافة العولمة في التراث، ويتمثل نموذجنا هذا في المهرجانات الوطنية لسباق الخيول العربية، فالغاية من هذه المهرجانات هي تأكيد خصوصية الثقافة العربية الأصيلة بقيمها التراثية التي تتمثل في سباق الخيول وهو تقليد عربي قديم أصيل في التجربة والوعي والوجدان، بل هو في أصله نمط يومي من أنماط الحياة العربية في القرون التي خلت. ولكن عندما نلقي نظرة إلى مختلف مظاهر هذا المهرجان نجد أن هذه المهرجانات تأتي تأكيداً على مظاهر العولمة وتعزيزاً لخطاها، حيث تتم فعالياتها وفقاً لثقافة العولمة وتعزز مسارها في الوقت نفسه: فالمشرفون على هذه المهرجانات والحكام والمنظمون والفنيون والأطباء والمعلقون جميعهم من الأجانب وليسوا من المواطنين أو حتى العرب، والأدهى من ذلك كله أن المتسابقين أغلبهم من الأوروبيين والآسيويين، ولا يفوتنا أبداً أن مدربي الخيول في هذه المهرجانات والقائمين عليها حتى منظفي الاصطبلات هم من الأجانب. فما هي القيم الثقافية والتراثية التي تعنيها هذه المهرجانات بهجنها وخيولها؟ هل تعزز هذه المهرجانات قيماً تراثية مؤكدة للخصوصية أم هذه التي تؤكد القيم العالمية؟ وهل يمكن لمثل هذه الطقوس أن تعزز وعياً بالتراث والهوية؟ أم أنها تؤكد وعياً بالعالمية وتأصيلاً لقيم الثقافة العولمية الزاحفة؟ أليس من المدهش أنه وفي الوقت الذي نريد فيه أن نعزز تراثنا وهويتنا وخصوصيتنا تأتي جهودنا لتعزز مظاهر العولمة والاختراق الثقافي؟
لقد أفرزت العولمة نسقاً من التحديات الكبرى التي تحاصر الهوية الثقافية الوطنية وتستهدفها، وأبرزها تحديات التعصب والفئوية وانبعاث الهويات الصغرى وانحسار اللغة العربية وتراجع التراث وانهيار القيم الثقافية. ويعد التعصب من أكثر التحديات التي تفرضها العولمة خطورة في حياتنا الثقافية، لأن التعصب حالة من الاستكبار والانغلاق والجمود تدعو إلى نبذ الآخر وإقصائه وتصفيته انطلاقاً من مطلقاته المقدسة التي لا تقبل النقد أو الجدل. لقد أوضحنا أن العولمة في استهدافها للثقافات الوطنية تعمل على تفكيكها وتدمير مقومات وجودها، ومن هذا المنطلق تعمل على توظيف التعصب أداةً فعّالة وفاعلة في عملية التدمير الثقافي للهويات الوطنية. وفي هذا المسار استطاعت العولمة، في العقدين الأخيرين من الزمن، إيقاظ مختلف النزعات العصبية الدينية والعرقية والمذهبية في المنطقة العربية والخليجية تحديداً. وتحت تأثير هذه التغذية الثقافية المضادة للهويات الوطنية بدأت ظاهرة التعصب تأخذ مكانها في الحيّز الثقافي في دول الخليج العربية. وبدأت هذه الظاهرة تتصف بالعمق والشمول والقوة والتنوع، حيث تشكل حياتنا الاجتماعية متحفاً فريداً من نوعه يتضمن كل أشكال التعصب وفنونه ودينامياته. ونحن تحت تأثير ثقافة العولمة أصبحنا أغنى شعوب الأرض وأثرى الأمم في مجال التعصب المذهبي والفكري والديني. فلدينا التعصب الطائفي والقبلي والإثني والعرقي والديني والعائلي والمذهبي والتعصب ضد المرأة والطفل والوافدين والآخر والأنا، إنه تعصب الكل ضد الكل في دينامية لا تكل ولا تمل في حركتها وفعلها الدائمين.
ولأن الإعلام العربي في المنطقة يرتسم على صورة العولمة ذاتها فإنه ومع الأسف الشديد يقوم بتعزيز النزعات الطائفية والقبلية والعرقية والإثنية. وقد تحول الإنترنت اليوم كوسيلة إعلامية إلى أداة مخيفة لنشر التعصب الطائفي والقبلي في المنطقة. ومن يطالع ما ينشر ويبث عبر الإنترنت سيجد ما يشيب له شعر الرأس من نشر للقيم الطائفية والعشائرية والتعصب والمذهبية. ومن الغرابة بمكان أن توظف وسائل الإعلام هذه كوسيلة جديدة وجدية في نشر قيم التطرف والتعصب والتمذهب.
وفي نسق التحديات الثقافية للعولمة في الخليج تواجه اللغة العربية انحساراً لا مثيل له في تاريخ العروبة والإسلام، واللغة العربية لا تعاني فقط من الإهمال وإنما من عدوان منظم داخلي وخارجي، فهناك من يريد في مستوى الداخل والخارج إضعاف هذه اللغة وإخراجها من دائرة التدوال الثقافي. وقد عملت ثقافة العولمة على توليد اتجاهات سيكولوجية واجتماعية مناهضة للغة العربية حتى عند الطلاب. ففي دراسة استطلاعية أجريناها بين طلاب الجامعة حول اتجاهاتهم نحو اللغة العربية أعلن 89 في المائة من الطلاب المستفتين أنهم لا يرغبون في اللغة العربية الفصحى لغة للتدريس، وهذا الاتجاه يدل دلالة فاضحة على التحدي الكبير الذي تواجهه اللغة العربية في ظل العولمة ومعها، حيث تشكل اللغة العربية أحد أهم مقومات الهوية في الخليج العربي.
وتأخذ التحديات التربوية مكانها في نسق التحديات التي تفرضها العولمة في المنطقة. فالمؤسسات التربوية تواجه خطر العولمة بوضوح، فهذه المؤسسات في الخليج تقوم اليوم في ظل العولمة بإنتاج وإعادة إنتاج قيم العولمة وتكريس مفهوم الهويات الصغرى وذلك بحكم التواصل العولمي بين هذه المؤسسات والمجتمع. فأحياناً كثيرة تنجرف هذه المؤسسات إلى الممارسات الطائفية والعشائرية في عملية التفاعل التربوي القائم في عمق هذه المؤسسات التربوية. وبعض الدراسات تؤكد انتشار التعصب بأشكاله المختلفة بين صفوف الطلاب والمربين، وهذا يعني أن التركيز في مبدأ التربية على الموطنة أصبح ضرورة حيوية في بنية الأنظمة المدرسية القائمة في دول الخليج العربية.
ولا يفوتنا أبداً الخلل الكبير الذي أحدثته العولمة في منظومة القيم الثقافية التقليدية التي تحض على التماسك وترسيخ الفضيلة وتقديم رؤية متوازنة للكون تقوم على أساس أخلاقي. فالعولمة تبث اليوم قيم الربح والقوة والعنف والتعصب والأنانية والفردانية وهي في مجملها قيم مضادة للجوانب الإنسانية في الثقافة التقليدية التي عرفتها الأمة عبر تاريخها الطويل.
الخليج في مواجهة العولمة
ليس غريباً على أحد ما أفرزته العولمة من ردود فعل ثقافية وسياسية في الخليج العربي، حيث نجد أنفسنا إزاء هذه المعضلة أمام تيارين أحلاهما مرّ، فقد أفرز حضور العولمة الكاسح موقفين رئيسيين: أحدهما يدعو إلى الذوبان في العولمة وتبني مقولاتها والانقطاع عن التراث والهوية الوطنية، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه نزع الهروب إلى الأمام. أما الموقف الآخر فيتمثل في موقف آخر نكوصي يدعو إلى رفض العولمة ثقافياً والانكفاء على الذات والنكوص إلى التراث والتمترس في حصون الأصول ومكامن السلف والآباء والأجداد، وهي حالة من الهروب إلى الخلف.
ومن الواضح تماماً أن الاتجاهين يفتقران إلى المشروعية التاريخية، وأن كلاً منهما يزيد في تضاعيف الإشكالية ويكثف دلالة الأزمة الوجودية في التعامل مع العولمة والهوية أيضاً. فالهروب إلى الأمام، أي العمل على تبني ثقافة العولمة والانقطاع عن التراث والماضي، يؤدي إلى الذوبان والتلاشي في زبد العولمة والضياع في متاهاتها، كما أن الهروب إلى الخلف، أي رفض العولمة كلياً والانقطاع عن التراث والنكوص إلى الماضي التليد والسلف الصالح، يؤدي إلى التجمد والتبلور على الذات حتى الانفجار والضياع الأبدي.
وبرأينا أن العولمة نار تستعر إن اقتربت منها أكثر من اللازم ذبْتَ فيها وتلاشيت، وإن ابتعدت عنها أكثر مما يجب تجمدت في الظلام ، وهذا يعني أنه على العرب عموماً وأبناء الخليج خصوصاً الكشف عن طريقة تمكّنهم من تحديد المسافة الفاصلة بين الحداثة والأصالة واستكشاف المنطقة التي تمكنهم من الحصول على دفء العولمة من دون الذوبان فيها أو التجمد من غيرها. وهذا يعني أنه علينا أن نتخذ المدار الحقيقي الذي يكفل لنا إشعاع العولمة ودفئها من دون أن نذوب فيها، وهي المنطقة التي ننعم فيها بطاقة التراث وحيوية الماضي من دون أن ننجرف في تياراته البعيدة المتجمدة، وهذا يكون بابتداع أساليب حضارية جديدة تحقق لنا التوازن بين نبضة العولمة بحداثتها الجديدة وإيقاعات التراث التليد بمضامينه الإنسانية والأخلاقية. ومن أجل هذه الغاية الحضارية يمكن الاستفادة من التجارب الحضارية للدول التي حققت تقدماً حضارياً هائلاً كالصين واليابان ودول جنوب شرق آسيا التي حافظت على هويتها من دون الذوبان في العولمة ومن دون الوصول إلى حالة الجمود في ظلام التاريخ المتجمد.
في خلاصة هذه الدراسة نقول إن مصير الهويات الثقافية في دول الخليج العربية مرهون بالقدرة على بناء هويات ثقافية وطنية أصيلة قادرة على استنهاض القيم الديمقراطية التي تشكل الطاقة الحقيقية لاستنفار كل القوى الاجتماعية في عملية التنمية الاجتماعية الشاملة. والمهمة الأساسية هي إيجاد نسق من الحلول التاريخية لنسق من التحديات يتصدرها تحدي التعصب الطائفي والقبلي وبزوغ الهويات الصغرى، وهنا لا بد للمجتمعات الخليجية من العمل على تفريغ الهويات الصغرى من شحنة التعصب وتحقيق مبدأ الانفتاح والمرونة بين هذه الهويات المتنافرة وتحقيق المصالحة الوطنية بينها ومن ثم الإعلاء من شأن الهوية الوطنية أي الهوية التي تقوم على مبدأ المشترك في الأرض والإنسان والإرادة والحق والقانون.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::802::/cck::
::introtext::
توجد بين مفهومي الهوية والعولمة وشائج علاقات جدلية فريدة من نوعها في طبيعة العلاقة بين المفاهيم والأشياء، إنهما مفهومان متجاذبان متقاطبان متكاملان في آن واحد. وفي دائرة هذا التجاذب والتقاطب، يأخذ مفهوم الهوية على الغالب دور الطريدة بينما يأخذ مفهوم العولمة دور الصياد. فالعولمة تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتجهز عليها ثم تتغذى بها، وفي دائرة هذه المطاردة تعاند الهوية أسباب الذوبان والفناء وتشدّ في طلب الأمن والأمان فتتشبث بالأصول حفاظاً على الكينونة والبقاء والاستمرار.
::/introtext::
::fulltext::
توجد بين مفهومي الهوية والعولمة وشائج علاقات جدلية فريدة من نوعها في طبيعة العلاقة بين المفاهيم والأشياء، إنهما مفهومان متجاذبان متقاطبان متكاملان في آن واحد. وفي دائرة هذا التجاذب والتقاطب، يأخذ مفهوم الهوية على الغالب دور الطريدة بينما يأخذ مفهوم العولمة دور الصياد. فالعولمة تطارد الهوية وتلاحقها وتحاصرها وتجهز عليها ثم تتغذى بها، وفي دائرة هذه المطاردة تعاند الهوية أسباب الذوبان والفناء وتشدّ في طلب الأمن والأمان فتتشبث بالأصول حفاظاً على الكينونة والبقاء والاستمرار.
العولمة تعني ذوبان الخصوصية والانتقال من الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن المحدود إلى الشامل، ومن المتعّين إلى اللامتعين. وعلى خلاف ذلك، يأخذ مفهوم الهوية اتجاهاً متقاطباً كلياً مع مفهوم الشمولية والعمومية، فالهوية انتقال من العام إلى الخاص، ومن الشامل إلى المحدود، ومن اللامتعّين إلى المتعين. فمفهوم الهوية يبحث عن التمايز والتباين والمجسد والمشخص والمتفرّد والمعيّن، أما العولمة فهي بحث لا ينقطع عن العام والشامل والمجرد والمتجانس واللامحدود.
وتسجل مسألة العلاقة بين مفهوم الهوية والعولمة نفسها في عمق الجدل الدائر حول العولمة ذاتها في العقود الأخيرة من الزمن. والسؤال المركزي الذي يطرح نفسه في سياق هذه العلاقة هو: هل تؤدي العولمة إلى ذوبان الهوية القومية وتهميش الثقافات الوطنية؟ وهل تؤدي أيضاً إلى تفتيت وتدمير الثقافات الوطنية تحت تأثير هويات جديدة متنافرة غالباً ما تكون هويات عرقية وطائفية ودينية؟ وهل تعمل العولمة على توحيد العالم أم على تجزئته وتدميره ثقافياً؟ وهل تعمل على تفتيت العالم والتهامه مجدداً؟ وهل تسعى العولمة إلى بناء ثقافة إنسانية واحدة أم أنها تدعو إلى تعدد ثقافي وتنوع قومي؟ وإذا كان هذا صحيحاً فهل تعمل حقاً على تحقيق مبدأ التكافؤ بين الهويات الثقافية والقومية المختلفة؟ هل تعني العولمة حالة تجانس ثقافي يجسد مقولة نهاية التاريخ كما يقول فوكوياما؟ أم أنها حالة من الصراع بين حضارات متباينة كما يذهب صموئيل هنتنغتون؟
يذهب أغلب المفكرين والباحثين إلى الاعتقاد بأن العولمة فعل يقلص امتداد الكون في هوية واحدة متجانسة ثقافياً واقتصادياً واجتماعياً. فالعولمة وفقاً لهذا المنظور تعمل على بناء ثقافة واحدة وتسعى إلى تذويب الحدود والحواجز الثقافية والفكرية والاقتصادية بين الأمم، إنها سعي لبناء المجتمع الإنساني على مقياس الثقافة الواحدة والحياة الاقتصادية الواحدة، وبالتالي فإن ثقافة العولمة هي ثقافة الشركات العابرة للجنسية والقوميات والثقافات.
ويمثل هذا الاتجاه بجدارة الطيب تيزيني الذي يعرف العولمة (بأنها نظام اقتصادي سياسي اجتماعي وثقافي يسعى إلى ابتلاع الأشياء والبشر في سبيل تمثلهم وهضمهم وإخراجهم سلعاً). وهذا يعني أن هذا النظام يعمل باتجاه تفكيك الهويات والمؤسسات بهدف التمكين لهوية واحدة هي هوية (السلعة (…) كي تتسنى له الهيمنة غير المشروطة على العالم من خلال هوية سوقية سلعية كونية عالمية). ففي دائرة العلاقة بين الغرب والعرب يجب التمييز بين الغرب المتقدم العملاق وبين الواقع العربي المتخلف والتابع. ويتبين أن العلاقة بين العالمين هي علاقة غير متكافئة تسمح باختراق العالم الأول للعالم الثاني اختراقاً يتسع باستمرار مع تعاظم قوة الغرب وتضاؤل قوة العرب. وفي إطار هذه العلاقة يتحول الطرف العربي إلى واقع مستباح بحيث يقوم الطرف الأول الذي هو الغرب بتفكيك معالم الطرف الثاني العربي وإعادة بنائها وفقا لمقتضيات السوق.
فالحضارة الغربية بامتدادها العولمي الجديد تهتدي بروح القوة، وهي الروح الفاوستية التي ترى أن الوطن، هو أي مكان في الأرض، يمكن السيطرة عليه بمنطق القوة والحرب. فالحياة وفقاً لهذا العرف تجري وفقاً لمبدأ الصراع والنزال من أجل السيطرة والسيادة. وهذا يعني أن الروح الغربية الفاوستية تتجسد في معاني الغلبة والصراع والتحدي والانتصار والقوة. وتلك هي الروح التي حدَت بفلاسفة الغرب الفاوستيين أمثال هيغل ونيتشه واشبلنجر وفيخته إلى تمجيد القوة وروح الحرب والانتصار، وهي التي دفعت اشبلنجر إلى الاعتقاد بأن الحرب هي الخالقة لكل ما هو عظيم، وأن كل ما له معنى في الحياة قد ولد ونشأ عن النصر والهزيمة. وغني عن البيان أن مثل هذه الحضارة الفاوستية تسعى إلى هدم الحضارات القائمة وتذويب الخصوصيات الثقافية في سبيل بناء ثقافة غربية واحدة تكون لها السيادة والسطوة والهيمنة.
لقد أسهمت عوامل متعددة في الوصولإلىكونية الثقافة، أبرزها السيطرة الاستعمارية القومية، والثورة الصناعية وما رافقها من انفجار معرفي في كافة المجالات، في مجال إنتاج وتصدير الكمبيوتر، في ثورة الإعلام والاتصالات اللاسلكية، في غزو الفضاء. فالعولمة في هذا المنظور تطرح نفسها ثقافة عابرة للقوميات والجنسيات تسعىإلىتدمير التقاليد والعادات الموروثة في المجتمعات التقليدية. وعلى هذا الأساس يمكن أن نقول مع القائلين (لقد غزت ثقافة العولمة كافة المجتمعات البشرية وبدرجات متفاوتة حتى النخاع الشوكي.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: ما الهوية التي تعد بها العولمة، وما وجه الاختلاف بين الهويات القومية والهوية تلك المفروضة؟ إنها بالتأكيد هوية استهلاكية مسطحة لا عمق فيها ولا معنى تفرضها ثقافة السلعة والتسويق والربح. إنها هذا الصنف من الثقافة الذي يوحد شباب العالم في نمط استهلاك مجنون مبتذل، إنها ثقافة استهلاك تتمثل في (الهامبورغر) والأزياء، والمأكولات، و(البيتزا)، والمياه الغازية، والأفلام السينمائية، وأغاني (مادونا)، و(مايكل جاكسون)، وملابس الجينز، وماركات (كلفن كلاين)، و(بينيتون)، و(التيتانك)، وحرب النجوم.
ويميز كثير من الباحثين في ثقافة العولمة بين جانبين أساسيين في بنيتها، فهناك الثقافة الرفيعة التي تتصل بالآداب والفنون والعلوم، وهناك الجوانب الاستهلاكية التي تتصل بإشباع الحاجات الأولية البدائية. ومن هذه الزاوية ترتفع أصوات المفكرين في التمييز بين نسقين في بنية الثقافة القادمة. حيث إن الخطر الذي يواجه الثقافة الوطنية ويهدد وجودها، يتمثل في العناصر الثقافية التي تمسخ عقول الشباب فتدفعهم إلى تمثل عادات ممسوخة وقيم سلبية مستلبة. تلك هي الثقافة العولمية المشبوهة اللاإنسانية التي تختزل الكون في ثقافة الفوضى والجنس والتسلط والاستهلاك، تلك هي الثقافة العولمية التي تحاول أن تغزونا بإمكانات تقنية ضخمة لا قبل لنا بمواجهتها أو مقاومتها من تلفاز وسينما ومؤسسات إعلام عالمية وأقمار صناعية.
إن الخطر الأكبر في عملية العولمة أنها تفرض من الخارج، فهي ليست نتاجاً لتفاعلات بين الحضارات والمذاهب المتباينة على مستوى العالم ككل، وذلكم هو الأمر الذي يكشف بشكل أو آخر، أن العولمة مرحلة معاصرة من مراحل الرأسمالية، أو كما يصفها منظرو ما بعد الحداثة بأنها مرحلة متأخرة من مراحل الحداثة في ظل ليبرالية جديدة أشار إليها البعض بأنها تمثل نهاية التاريخ. أو كما أشار إليها آخرون بأنها هجمة معاصرة للرأسمالية تستهدف تنميط العالم بالشكل الذي يخدم مصالح القوى الرأسمالية العالمية المسيطرة، وبالذات الشركات متعددة الجنسيات. ومنهذا المنطلق تشتد نزعة المعارضة والمقاومة لثقافة العولمة التي تحاول أن تعمم نموذجها الحضاري، وتفرضه على العالم بكل الوسائل الممكنة.
الثقافة والعولمة في الخليج العربي
في عالم يفيض بالتحول، ويتدفق بالتغير، في عالم أثقله التقدم، وأثخنته جراح الحضارة المادية، يكتسب سؤال الهوية الثقافية مشروعيته الحضارية. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق: كيف يمكن للهوية الثقافية في الخليج العربي أن تواجه التغيرات الكبيرة التي تفرضها عولمة محمَّلة بعوامل الجدة والابتكار؟ هل تستطيع الهويات الوطنية والثقافية المحلية في هذه المنطقة أن تصمد في وجه التحديات الصارخة للعولمة؟ وبعبارة أخرى هل تتجه الهويات الثقافية في دول الخليج إلى التراجع والانحسار إزاء الحضور المكثف والمدمر لثقافة العولمة؟ وهل يمكن للهويات الثقافية في هذه البلدان أن تحافظ على وجودها وكيانها وتستمر في الوجود جنباً إلى جنب مع ثقافة العولمة؟
يمكن القول إن بلدان الخليج تقدم مثالاً واضحاً لتأثير العولمة في مختلف التكوينات الثقافية والاجتماعية، فالعواصم الخليجية تمثل نموذجاً فريداً لهيمنة العولمة بمختلف مظاهرها وتجلياتها الثقافية والعمرانية، حيث لا يمكن التمييز بين مظاهر الحياة في العواصم العربية في دول الخليج وبين العواصم الغربية من حيث الحضور الكاسح لمختلف مظاهر العولمة في مختلف مناحي الحياة والوجود. وهذا يعني أن بلدان الخليج تتعرض لمدّ العولمة وإشعاعاتها الثقافية مما يشكل تهديداً حقيقياً للهويات الثقافية الوطنية. فالعولمة تفرض حضورها حتى في أدق الخصوصيات الثقافية التي تحاول فيها هذه البلدان تعزيز هويتها وحضورها. وليس أدل على ذلك من حضور العولمة المكثف في العمليات التي تستهدف تأصيل وتعزيز مواقع الثقافة الوطنية وتمكين الهوية الثقافية الوطنية.
ومن يتأمل في المحاولات الثقافية لعمليات إحياء التراث والثقافة الوطنية وتأكيد الخصوصية الثقافية في دول الخليج سيجد أن الاختراق الثقافي للعولمة قد بلغ مداه، وذلك لأن العمليات الإحيائية للثقافة الوطنية تتم بروح عولميّة، بمعنى أنها تعزز ثقافة العولمة وتستند إليها في الوقت الذي أريد لها أن ترسخ الخصوصية الثقافية الوطنية وتؤكد الهوية الذاتية لهذه المجتمعات. ويمكن أن نقدم نموذجاً عصرياً لمثل هذا الاختراق الثقافي الذي تمارسه ثقافة العولمة في التراث، ويتمثل نموذجنا هذا في المهرجانات الوطنية لسباق الخيول العربية، فالغاية من هذه المهرجانات هي تأكيد خصوصية الثقافة العربية الأصيلة بقيمها التراثية التي تتمثل في سباق الخيول وهو تقليد عربي قديم أصيل في التجربة والوعي والوجدان، بل هو في أصله نمط يومي من أنماط الحياة العربية في القرون التي خلت. ولكن عندما نلقي نظرة إلى مختلف مظاهر هذا المهرجان نجد أن هذه المهرجانات تأتي تأكيداً على مظاهر العولمة وتعزيزاً لخطاها، حيث تتم فعالياتها وفقاً لثقافة العولمة وتعزز مسارها في الوقت نفسه: فالمشرفون على هذه المهرجانات والحكام والمنظمون والفنيون والأطباء والمعلقون جميعهم من الأجانب وليسوا من المواطنين أو حتى العرب، والأدهى من ذلك كله أن المتسابقين أغلبهم من الأوروبيين والآسيويين، ولا يفوتنا أبداً أن مدربي الخيول في هذه المهرجانات والقائمين عليها حتى منظفي الاصطبلات هم من الأجانب. فما هي القيم الثقافية والتراثية التي تعنيها هذه المهرجانات بهجنها وخيولها؟ هل تعزز هذه المهرجانات قيماً تراثية مؤكدة للخصوصية أم هذه التي تؤكد القيم العالمية؟ وهل يمكن لمثل هذه الطقوس أن تعزز وعياً بالتراث والهوية؟ أم أنها تؤكد وعياً بالعالمية وتأصيلاً لقيم الثقافة العولمية الزاحفة؟ أليس من المدهش أنه وفي الوقت الذي نريد فيه أن نعزز تراثنا وهويتنا وخصوصيتنا تأتي جهودنا لتعزز مظاهر العولمة والاختراق الثقافي؟
لقد أفرزت العولمة نسقاً من التحديات الكبرى التي تحاصر الهوية الثقافية الوطنية وتستهدفها، وأبرزها تحديات التعصب والفئوية وانبعاث الهويات الصغرى وانحسار اللغة العربية وتراجع التراث وانهيار القيم الثقافية. ويعد التعصب من أكثر التحديات التي تفرضها العولمة خطورة في حياتنا الثقافية، لأن التعصب حالة من الاستكبار والانغلاق والجمود تدعو إلى نبذ الآخر وإقصائه وتصفيته انطلاقاً من مطلقاته المقدسة التي لا تقبل النقد أو الجدل. لقد أوضحنا أن العولمة في استهدافها للثقافات الوطنية تعمل على تفكيكها وتدمير مقومات وجودها، ومن هذا المنطلق تعمل على توظيف التعصب أداةً فعّالة وفاعلة في عملية التدمير الثقافي للهويات الوطنية. وفي هذا المسار استطاعت العولمة، في العقدين الأخيرين من الزمن، إيقاظ مختلف النزعات العصبية الدينية والعرقية والمذهبية في المنطقة العربية والخليجية تحديداً. وتحت تأثير هذه التغذية الثقافية المضادة للهويات الوطنية بدأت ظاهرة التعصب تأخذ مكانها في الحيّز الثقافي في دول الخليج العربية. وبدأت هذه الظاهرة تتصف بالعمق والشمول والقوة والتنوع، حيث تشكل حياتنا الاجتماعية متحفاً فريداً من نوعه يتضمن كل أشكال التعصب وفنونه ودينامياته. ونحن تحت تأثير ثقافة العولمة أصبحنا أغنى شعوب الأرض وأثرى الأمم في مجال التعصب المذهبي والفكري والديني. فلدينا التعصب الطائفي والقبلي والإثني والعرقي والديني والعائلي والمذهبي والتعصب ضد المرأة والطفل والوافدين والآخر والأنا، إنه تعصب الكل ضد الكل في دينامية لا تكل ولا تمل في حركتها وفعلها الدائمين.
ولأن الإعلام العربي في المنطقة يرتسم على صورة العولمة ذاتها فإنه ومع الأسف الشديد يقوم بتعزيز النزعات الطائفية والقبلية والعرقية والإثنية. وقد تحول الإنترنت اليوم كوسيلة إعلامية إلى أداة مخيفة لنشر التعصب الطائفي والقبلي في المنطقة. ومن يطالع ما ينشر ويبث عبر الإنترنت سيجد ما يشيب له شعر الرأس من نشر للقيم الطائفية والعشائرية والتعصب والمذهبية. ومن الغرابة بمكان أن توظف وسائل الإعلام هذه كوسيلة جديدة وجدية في نشر قيم التطرف والتعصب والتمذهب.
وفي نسق التحديات الثقافية للعولمة في الخليج تواجه اللغة العربية انحساراً لا مثيل له في تاريخ العروبة والإسلام، واللغة العربية لا تعاني فقط من الإهمال وإنما من عدوان منظم داخلي وخارجي، فهناك من يريد في مستوى الداخل والخارج إضعاف هذه اللغة وإخراجها من دائرة التدوال الثقافي. وقد عملت ثقافة العولمة على توليد اتجاهات سيكولوجية واجتماعية مناهضة للغة العربية حتى عند الطلاب. ففي دراسة استطلاعية أجريناها بين طلاب الجامعة حول اتجاهاتهم نحو اللغة العربية أعلن 89 في المائة من الطلاب المستفتين أنهم لا يرغبون في اللغة العربية الفصحى لغة للتدريس، وهذا الاتجاه يدل دلالة فاضحة على التحدي الكبير الذي تواجهه اللغة العربية في ظل العولمة ومعها، حيث تشكل اللغة العربية أحد أهم مقومات الهوية في الخليج العربي.
وتأخذ التحديات التربوية مكانها في نسق التحديات التي تفرضها العولمة في المنطقة. فالمؤسسات التربوية تواجه خطر العولمة بوضوح، فهذه المؤسسات في الخليج تقوم اليوم في ظل العولمة بإنتاج وإعادة إنتاج قيم العولمة وتكريس مفهوم الهويات الصغرى وذلك بحكم التواصل العولمي بين هذه المؤسسات والمجتمع. فأحياناً كثيرة تنجرف هذه المؤسسات إلى الممارسات الطائفية والعشائرية في عملية التفاعل التربوي القائم في عمق هذه المؤسسات التربوية. وبعض الدراسات تؤكد انتشار التعصب بأشكاله المختلفة بين صفوف الطلاب والمربين، وهذا يعني أن التركيز في مبدأ التربية على الموطنة أصبح ضرورة حيوية في بنية الأنظمة المدرسية القائمة في دول الخليج العربية.
ولا يفوتنا أبداً الخلل الكبير الذي أحدثته العولمة في منظومة القيم الثقافية التقليدية التي تحض على التماسك وترسيخ الفضيلة وتقديم رؤية متوازنة للكون تقوم على أساس أخلاقي. فالعولمة تبث اليوم قيم الربح والقوة والعنف والتعصب والأنانية والفردانية وهي في مجملها قيم مضادة للجوانب الإنسانية في الثقافة التقليدية التي عرفتها الأمة عبر تاريخها الطويل.
الخليج في مواجهة العولمة
ليس غريباً على أحد ما أفرزته العولمة من ردود فعل ثقافية وسياسية في الخليج العربي، حيث نجد أنفسنا إزاء هذه المعضلة أمام تيارين أحلاهما مرّ، فقد أفرز حضور العولمة الكاسح موقفين رئيسيين: أحدهما يدعو إلى الذوبان في العولمة وتبني مقولاتها والانقطاع عن التراث والهوية الوطنية، وهذا ما يمكن أن نطلق عليه نزع الهروب إلى الأمام. أما الموقف الآخر فيتمثل في موقف آخر نكوصي يدعو إلى رفض العولمة ثقافياً والانكفاء على الذات والنكوص إلى التراث والتمترس في حصون الأصول ومكامن السلف والآباء والأجداد، وهي حالة من الهروب إلى الخلف.
ومن الواضح تماماً أن الاتجاهين يفتقران إلى المشروعية التاريخية، وأن كلاً منهما يزيد في تضاعيف الإشكالية ويكثف دلالة الأزمة الوجودية في التعامل مع العولمة والهوية أيضاً. فالهروب إلى الأمام، أي العمل على تبني ثقافة العولمة والانقطاع عن التراث والماضي، يؤدي إلى الذوبان والتلاشي في زبد العولمة والضياع في متاهاتها، كما أن الهروب إلى الخلف، أي رفض العولمة كلياً والانقطاع عن التراث والنكوص إلى الماضي التليد والسلف الصالح، يؤدي إلى التجمد والتبلور على الذات حتى الانفجار والضياع الأبدي.
وبرأينا أن العولمة نار تستعر إن اقتربت منها أكثر من اللازم ذبْتَ فيها وتلاشيت، وإن ابتعدت عنها أكثر مما يجب تجمدت في الظلام ، وهذا يعني أنه على العرب عموماً وأبناء الخليج خصوصاً الكشف عن طريقة تمكّنهم من تحديد المسافة الفاصلة بين الحداثة والأصالة واستكشاف المنطقة التي تمكنهم من الحصول على دفء العولمة من دون الذوبان فيها أو التجمد من غيرها. وهذا يعني أنه علينا أن نتخذ المدار الحقيقي الذي يكفل لنا إشعاع العولمة ودفئها من دون أن نذوب فيها، وهي المنطقة التي ننعم فيها بطاقة التراث وحيوية الماضي من دون أن ننجرف في تياراته البعيدة المتجمدة، وهذا يكون بابتداع أساليب حضارية جديدة تحقق لنا التوازن بين نبضة العولمة بحداثتها الجديدة وإيقاعات التراث التليد بمضامينه الإنسانية والأخلاقية. ومن أجل هذه الغاية الحضارية يمكن الاستفادة من التجارب الحضارية للدول التي حققت تقدماً حضارياً هائلاً كالصين واليابان ودول جنوب شرق آسيا التي حافظت على هويتها من دون الذوبان في العولمة ومن دون الوصول إلى حالة الجمود في ظلام التاريخ المتجمد.
في خلاصة هذه الدراسة نقول إن مصير الهويات الثقافية في دول الخليج العربية مرهون بالقدرة على بناء هويات ثقافية وطنية أصيلة قادرة على استنهاض القيم الديمقراطية التي تشكل الطاقة الحقيقية لاستنفار كل القوى الاجتماعية في عملية التنمية الاجتماعية الشاملة. والمهمة الأساسية هي إيجاد نسق من الحلول التاريخية لنسق من التحديات يتصدرها تحدي التعصب الطائفي والقبلي وبزوغ الهويات الصغرى، وهنا لا بد للمجتمعات الخليجية من العمل على تفريغ الهويات الصغرى من شحنة التعصب وتحقيق مبدأ الانفتاح والمرونة بين هذه الهويات المتنافرة وتحقيق المصالحة الوطنية بينها ومن ثم الإعلاء من شأن الهوية الوطنية أي الهوية التي تقوم على مبدأ المشترك في الأرض والإنسان والإرادة والحق والقانون.
::/fulltext::
::cck::802::/cck::
