التعليم والبحث العلمي في الأكاديميات الخليجية.. بين الطموح ومأزق الواقع

::cck::816::/cck::
::introtext::

لا يختلف اثنان على أن التعليم والبحث العلمي هما السبيل الضروري للارتقاء بالمجتمعات الإنسانية وتنميتها حضارياً، سواء على مستوى إنتاج الفكر بألوانه المختلفة أو على مستوى المعرفة التطبيقية وإنتاج تصميم مبتكر للتقنية بصيغ جديدة تعطي للمجتمع الذي تجري فيه عملية الابتكار خاصية التحول الحضاري المادي والارتقاء بواقع الثقافة الاجتماعية إلى حلقة أوسع من القدرة على التكيف الاجتماعي مع معطيات الحياة الجديدة المتغيرة.

::/introtext::
::fulltext::

لا يختلف اثنان على أن التعليم والبحث العلمي هما السبيل الضروري للارتقاء بالمجتمعات الإنسانية وتنميتها حضارياً، سواء على مستوى إنتاج الفكر بألوانه المختلفة أو على مستوى المعرفة التطبيقية وإنتاج تصميم مبتكر للتقنية بصيغ جديدة تعطي للمجتمع الذي تجري فيه عملية الابتكار خاصية التحول الحضاري المادي والارتقاء بواقع الثقافة الاجتماعية إلى حلقة أوسع من القدرة على التكيف الاجتماعي مع معطيات الحياة الجديدة المتغيرة.

لا شك في أن ذلك لا يتم خارج دائرة تطور التعليم وتقنيات البحث العلمي كمقدمة أساسية لعملية الإنتاج، وهكذا يمكن النظر إلى واقع التعليم والبحث العلمي في منطقة الخليج العربية بأنهما يقعان خارج هذا التصور لأن حالهما ما زال كنظيريهما في المجتمعات العربية الأخرى يعتمد على التقليد والنقل والانبهار بتجارب الغير من دون أن تكون هناك قدرة فاعلة على التفاعل معها وتحقيق إنتاج علمي مكمل لحركة التطور العلمي في العالم أو يعبر عن إسهام حقيقي في عملية تقدم الإنسان في كل مكان سواء في مجال العلوم الطبية والطبيعية أو في مجال العلوم الإنسانية المتنوعة، كما يحصل في الحقل العلمي المتفاعل والمتنامي في أوروبا اليوم الذي جعلها تنطلق إلى الفضاء العالمي. ووفقاً لهذه الحقيقة فإن المجتمعات العربية ومنها المجتمع الخليجي ستبقى تعيش حياتها المحلية والتقليدية لزمن طويل إذا لم ترتقِ بقدراتها العلمية وتخرج من قوقعتها التقليدية وتعمل على إحداث التغيرات الهيكلية بالمجالات الكبرى التنظيمية والسياسية والاقتصادية والفكرية ليتفاعل إنسانها بعقلية وروحية خارج نطاق التقوقع المحلي التقليدي ووفق تصورات جديدة لا تخرج عن سياق الموروث الثقافي بصورته الراقية غير المشوهة، عندئذ سوف يتفاعل الإنسان الخليجي مع معطيات جديدة تدفعه للابتكار وتحقيق الذات بخطى واثقة وإيمان منقطع النظير بقدرة الشباب والعقل العربي على الإسهام بالتطور الإنساني.

أولاً: واقع التعليم والبحث العلمي في المجتمع الخليجي

لا أحد ينكر أن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر كشفت أن المجتمعات الخليجية بذلت جهوداً حثيثة للارتقاء بواقع التعليم، فكانت هناك أعداد كبيرة من المبعوثين إلى جامعات متقدمة وفي مجالات علمية مختلفة، كما شيدت صروح جامعات ومراكز أبحاث عملاقة تتوفر فيها كل مستلزمات العلم وتطبيقاته المختلفة، كما لا تزال المؤتمرات والندوات والدراسات تبحث عن صيغ أكثر قدرة على تطور التعليم وأساليب البحث العلمي إلا أن المسألة تأخذ مساراً أو منحى آخر حينما يصطدم هذا النهوض ببنى تقليدية لم تستطع المجتمعات الخليجية الخروج منها وفق صيغ جديدة لإعادة غربلة ونقد الماضي الثقافي القريب وبناء مرتكزات النهضة الثقافية وفق معطيات جديدة بدأت تؤثر في حياة المجتمعات الخليجية ولا سيما لدى فئة الشباب الذين يعيشون واقعاً جديداً خارج دائرة تصورات الأجداد في ظل حياة بسيطة مرتبطة بشبكة العلاقات القرابية، إذ إن المناهج المتبعة في مجال التعليم الجامعي الخليجي وعلى الرغم من الجهود التي بذلت في تحديثها مازالت غير قادرة على حل إشكالية الصراع بين القديم والجديد وتقديم البديل الملائم، وأن هذه الإشكالية ستزداد تعقيداً إذا لم يؤخذ بيد الأجيال الحالية نحو التعليم والبحث العلمي وضرورة إيجاد صيغ جديدة لاستمالتهم إلى العلم والمتابعة بعد أن أضحت المناهج وطرائق التدريس وأسلوب البحث العلمي لا تجدي نفعاً بل أصبحت تمثل عامل تنافر بين ما يطلب منهم في الجامعة وبين انشغالهم بمناح جديدة نقلت إليهم عن طريق وسائل الاتصال المختلفة وما تنقله من أفكار متدفقة باستمرار، إذ لا ينفع معها لا جدار ولا رقابة ولا تنظيم أو إحاطة، مما يتطلب من المعنيين على مستوى صناع القرار والمخططين التربويين والمشرفين على قنوات الثقافة تصميم مناهج جديدة تتعامل مع هذه العقلية الجديدة التي لم تعد تقتنع بسهولة بما يدرس في جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا وما يقدم للطلبة من وعظ وإرشاد. ولا شك في أن عملية المجابهة بين ثقافة عريضة تقليدية وثقافة جديدة متأثرة بسيل الأفكار والأداء والمنجزات التي تصل إلى الشباب يومياً عززت هذا التناقض بين (الجامعة والطلبة) و(المدرسة والتلميذ) و(الباحث والبحث)، إذ أضحت كل هذه النواحي تجري وفق صيغ تقليدية غير قابلة للابتكار، حيث غالباً ما ينحصر الهدف من الدراسة في الجامعات بالحصول على الشهادة من دون أن يعطي ذلك دلالة حقيقية في المجال التطبيقي. فكثير من الخريجين باتوا يعملون في حقول غير حقول اختصاصاتهم، وأن البعض من شبابنا اليوم بات مقتنعاً بأن الشهادة لا تعطي لحاملها فرصة ترجمة ما درسه في المؤسسات المختلفة التي يعمل فيها إلا أن الإشكالية التي تحكم العلاقة بين الطالب والشهادة اليوم تتعدى فرص إثبات الذات من الناحيتين العلمية والعملية لتدخل في حق الاعتبار الاجتماعي فحسب، وهو خلاف ما يجري في المجتمعات الأوروبية، إذ لم يعد الشباب يسعون إلى نيل الشهادة الجامعية من أجل اعتبارات اجتماعية إنما من أجل تحقيق إنجازات تطبيقية، كما أن الكثير منهم أخذ يختصر الطريق بالانضمام إلى التعليم الفني وفقاً لمواهب مصنفة لهم بحسب قدراتهم في مراحل مبكرة من تعليمهم. وقد آن الأوان لكي تفهم جامعاتنا حقيقة أن ما يجري في أروقتها من إعداد مناهج وقبول طلبة وتوسع إنما يجب أن يتم لتلبية حاجة مجتمعية وإلا أصبح التطور الذي تحققه لا يصل إلى المستوى المطلوب الكافي من التطور الحضاري الذي ننتظره جميعاً.

إن الفارق الزمني في مجال التقدم العلمي بيننا وبين المجتمعات المتقدمة شاسع لا يمكن تقريبه إلا عن طريق نفض غبار الماضي القريب والاستعانة بالأصول والانطلاق بالعلوم التطبيقية وربطها بشكل حتمي بحاجات الإنسان المتغيرة، وإذا لم يحصل مثل هذا التطور فسنبقى ندور حول أنفسنا. ويخطئ الكثيرون حينما يلقون باللوم على العالم المتقدم الذي غزا بلداننا بمنجزاته وأفكاره وبرامجه عن طريق العولمة، فلم يراع ثقافتنا وقيمنا وتقاليدنا وخصوصياتنا، ففي هذا الطرح تبرير واضح للفشل والعجز اللذين نحن فيهما، وسنظل ندور في هذا الفلك إذا لم يوجد إصلاح ذاتي لمجتمعاتنا وجامعاتنا يستنهض المجتمع وينشر ثقافة حب العلم والتعلم لدى الأجيال الجديدة عن طريق فهم ثقافتهم المنصرفة إلى اهتمامات أخرى لاتزال بعيدة عن اهتمام ما يريده الآباء وتريده ثقافة المجتمع التقليدية، أو وقوع هذا الجيل بين ثقافة اجتماعية تؤكد على الوعظ والإرشاد وثقافة منقولة تحاكي عقول الشباب وتحويلها إلى وضع جديد من القدرة على تنمية قدراتها الفنية. ولذلك فإن النجاح الذي تبتغيه الجامعات الخليجية يتوقف في أحد بنوده على انتشال هذا الجيل من الازدواجية الاجتماعية (بين ما تطرحه الثقافة التقليدية ويتلقاه الشباب من أفكار تحديثية) وإيجاد بديل ملائم يمكن أن يتفاعل خلاله الشباب مع الواقع الاجتماعي بآليات مقبولة ومتفقة مع متطلبات الحياة العصرية، كذلك يتم عن طريق إرساء مناهج جديدة تلبي وتحاكي الواقع وتفهم حاجات الإنسان منذ المراحل الأولى للدراسة في التعليم الأساسي. إذ إن عملية التعليم عملية تراكمية تواصلية تبدأ وفق تدرج علمي ارتقائي يرسخ القيم العلمية ويزكي المجال التطبيقي، وتحتاج في الوقت نفسه إلى عملية تنشئة اجتماعية تتلاءم مع هذا التحول الثقافي لدى الأجيال الصاعدة.

ثانياً: ضرورة دراسة واقع الجامعات

تكمن المشكلة الأساسية في التعليم والبحث العلمي في منطقة الخليج العربية في حداثة تجاربها الوطنية المتفاعلة مع حاجات الإنسان المتغير خلال مراحل التعليم كافة، فلا تزال المناهج وطرائق التدريس لا تلبي حاجة المجتمع الفعلية، ولا تزال كثير من التقاليد الأكاديمية منقولة من تجارب العالم وبعيدة عن الواقع الاجتماعي بحيثياته المتفاعلة، فلا تزال العلاقة بين الجامعة والمجتمع تعيش أزمة حقيقية، فلم تعد الجامعة سوى واجهة ثقافية في المجتمع تنتج أعداداً كبيرة من الخريجين، كما أن العبرة ليست في زيادة أعداد الخريجين الجامعيين على الرغم من أهمية ذلك، إنما في مساهمة هؤلاء في المجالات التطبيقية المختلفة ومدى قدرتهم على تحديد المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وهي مسألة تحتاج إلى ربط هذه المؤسسات بثقافة هذا الجيل وجعل الجامعة نفسها مكاناً إيجابياً لتخريج أعداد من الخريجين المزودين بالثقافة العصرية فضلاً عن مخزونهم العلمي من أجل تلبية حاجة وطنية على مستوى التغير الاجتماعي وحاجة تطبيقية على مستوى تقليل الآثار السلبية للتكنولوجيا المنقولة والتخلص من المقولة المتداولة عند البعض جراء استعمال هذا النوع من التكنولوجيا (المهم أن نعيش لحظة الحاضر في أفضل استخدام تقني متطور منقول). ولا شك في أن التعليم والبحث العلمي في منطقة الخليج العربية في هذا المجال يقفان إزاء تحد حقيقي، ففي الوقت الذي يتراجع فيه التعليم والبحث العلمي ويكونان في أحيان كثيرة عاجزين عن إيجاد معالجة ناجعة لمعضلة في قطاع من القطاعات إلا بالاستعانة بالخبرات الأجنبية، فإن ذلك لا يمكن فصله عن معاناة حقيقية تعيشها الجامعة ومؤسسات المجتمع إزاء إشكالية بلورة ثقافة شبابية جديدة تتمسك بالجامعة وأنظمتها، بل إن الواقع يؤشر إلى أن هناك ثقافة تتسم باللامبالاة أضحت شائعة في أوساط الشباب في المرحلة الحالية هي بحد ذاتها متمردة على الجامعة وأنظمتها، إذ تكون الأخيرة غير قادرة على تقديم البديل لفهم ثقافة الأجيال الصاعدة بسبب غياب الرؤية الاجتماعية والثقافية وسط كم هائل من الأفكار والإنجازات التقنية التي تتفاعل في عقول هؤلاء الشباب وتجعلهم غير مقتنعين بدرجة أو أخرى بما قدم إليهم من وعظ وإرشاد من قبل الأسرة ومؤسسات المجتمع الأخرى مما يجعل هذا الواقع يتطلب إجراء دراسات إنثروبولوجية تتوغل في البيئة الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في ثقافة الشباب، إذ تتضمن فهماً معمقاً لما تطرحه المناهج وما تستجيب إليه عقول الطلبة.

إن الجامعات الخليجية تحتاج إلى إعادة تقييم المناهج وطرائق التدريس وفتح قنوات اتصال مع الحياة الاجتماعية في المجتمعين المحلي والخارجي على نطاق واسع وهي عملية تحتاج إلى جهود تنظيمية وضبطية كبيرة من قبل القائمين على شؤون الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية وصناع القرار في المجتمعات المحلية وعلى نطاق الدولة وعدم الاكتفاء بالدراسات الوصفية التقليدية التي تفتقر في بعض الأحيان إلى الدقة، حيث إن ذلك يتطلب إجراء دراسات مسحية عن واقع الجامعات وفهم ثقافة الشباب المتغيرة.

ثالثاً: إنقاذ التعليم والبحث العلمي مسؤولية مجتمعية

إزاء هذا الواقع الممزق والتصورات التي تطرحها المناهج الجامعية والأساليب التي يقوم عليها البحث العلمي، ينبغي على القائمين على التعليم والمختصين في شؤون العلوم التربوية والإنثروبولوجية والنفسية فهم حقيقة ما يجري وإجراء دراسات تضع في الاعتبار، أولاً: ربط التعليم والبحث العلمي بالواقع الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه الإنسان الخليجي اليوم، وثانياً: الوقوف على مشكلات الشباب وفهم طموحاتهم وتخليصهم من الازدواجية الاجتماعية التي يعيشون فيها. ولا شك في أن الطموح الوصول إلى جامعات علمية رصينة مسألة ملازمة للحياة المتجددة وسبيل نحو الارتقاء بالواقع الاجتماعي، وأن ذلك يتوقف على تطوير الموارد البشرية وتأهيلها بما يتوافق مع إيجاد إدارة حديثة تعطي فرصاً مميزة لتطوير هذه الموارد وتكوين هيكل إداري ملائم للظروف السائدة ومتفاعل مع الثقافات المتغيرة يأخذ على عاتقه تنظيم العملية التعليمية والارتقاء بواقع الجامعات. لذا فإن الطموح لا يقف عند الارتقاء العلمي للأقسام العلمية في الجامعات الخليجية فحسب إنما يتطلب إعطاء أهمية متزايدة للموارد البشرية من أجل توفير أنظمة معلوماتية متناسبة مع بناء إدارة إلكترونية تنظم وتحفظ قاعدة معلومات وبيانات أساسية عن كل ما يحتاجه البحث العلمي والجامعة من أجل توظيفها منهجياً لمعالجة مشكلات محلية تخص الجامعات وأخرى تخص مؤسسات المجتمع المختلفة عن طريق مد جسور التواصل مع الوزارات المعنية بالتخطيط والصناعة والزراعة وغيرها، إذ تبقى مسألة بناء الرأسمال البشري مسألة حيوية في عملية التطوير الجامعي وتعالج الاختلالات الناجمة عن سرعة التغير الذي يحصل في الأنظمة الإدارية.

إن توفير العنصر البشري المدرب من فنيين وإداريين مسألة في غاية الأهمية للتخلص من المحسوبية وتأثير العلاقات القرابية وهي مسألة أيضاً مرتبطة بجدية العناصر المدربة في سلم ثقافي يتم التأكيد عليه باستمرار، وأن ذلك يأتي عن طريق بناء معايير أداء عالية على مستوى الإدارة والأداء التعليمي وإتاحة فرص متساوية أمام الجميع في تطوير الجامعة. كما أن الطموح الجامعي في مجتمعات الخليج العربية يتعدى في بعض الأحيان الواقع المنظور بل يكون أطول منه تقديراً، لذا فإن عملية الاعتماد على الخبرات الخارجية ترتبط بجملة من الشروط التي يقع بعضها في شبكة التعقيدات التي لا يستطيع الواقع أن يعطيها تقييماً صحيحاً، لأنها لا تأخذ في الاعتبار القدرات الفردية للباحثين والمدرسين طالبي الانضمام إلى الجامعات أو مراكز الأبحاث بقدر ما يكون هذا المتقدم خريج جامعة غربية من دون النظر إلى عمق التجربة في المجال العلمي.

إن علاج مشكلات الجامعات يتوقف على مدى قدرة الدوائر التعليمية والعلمية والإدارية على وضع خطة استراتيجية تأخذ في الاعتبار كل إشكاليات الواقع وتبحث عن أفضل السبل للارتقاء بالتعليم العالي والبحث العلمي، كما أن ذلك يرتبط أساساً بفهم العلاقة التفاعلية بين النسق الثقافي والسلوك العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث، إذ تبقى مسألة تطوير الجانب الإداري تأخذ حيزاً واسعاً في هذا المجال وهي مسؤولية أخلاقية ومجتمعية ينبغي أن يؤمن بها المجتمع ويساندها المشرع وصانع القرار حتى يكون للطموح المشروع منفذه إلى تحقيق أهداف المجتمع بما يتوافق والتطور الذي يجري في العالم لا سيما أن الجامعات الخليجية لا تنقصها العدة الفنية بقدر ما تنقصها الإدارة العلمية والمجتمعية معاً.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::816::/cck::
::introtext::

لا يختلف اثنان على أن التعليم والبحث العلمي هما السبيل الضروري للارتقاء بالمجتمعات الإنسانية وتنميتها حضارياً، سواء على مستوى إنتاج الفكر بألوانه المختلفة أو على مستوى المعرفة التطبيقية وإنتاج تصميم مبتكر للتقنية بصيغ جديدة تعطي للمجتمع الذي تجري فيه عملية الابتكار خاصية التحول الحضاري المادي والارتقاء بواقع الثقافة الاجتماعية إلى حلقة أوسع من القدرة على التكيف الاجتماعي مع معطيات الحياة الجديدة المتغيرة.

::/introtext::
::fulltext::

لا يختلف اثنان على أن التعليم والبحث العلمي هما السبيل الضروري للارتقاء بالمجتمعات الإنسانية وتنميتها حضارياً، سواء على مستوى إنتاج الفكر بألوانه المختلفة أو على مستوى المعرفة التطبيقية وإنتاج تصميم مبتكر للتقنية بصيغ جديدة تعطي للمجتمع الذي تجري فيه عملية الابتكار خاصية التحول الحضاري المادي والارتقاء بواقع الثقافة الاجتماعية إلى حلقة أوسع من القدرة على التكيف الاجتماعي مع معطيات الحياة الجديدة المتغيرة.

لا شك في أن ذلك لا يتم خارج دائرة تطور التعليم وتقنيات البحث العلمي كمقدمة أساسية لعملية الإنتاج، وهكذا يمكن النظر إلى واقع التعليم والبحث العلمي في منطقة الخليج العربية بأنهما يقعان خارج هذا التصور لأن حالهما ما زال كنظيريهما في المجتمعات العربية الأخرى يعتمد على التقليد والنقل والانبهار بتجارب الغير من دون أن تكون هناك قدرة فاعلة على التفاعل معها وتحقيق إنتاج علمي مكمل لحركة التطور العلمي في العالم أو يعبر عن إسهام حقيقي في عملية تقدم الإنسان في كل مكان سواء في مجال العلوم الطبية والطبيعية أو في مجال العلوم الإنسانية المتنوعة، كما يحصل في الحقل العلمي المتفاعل والمتنامي في أوروبا اليوم الذي جعلها تنطلق إلى الفضاء العالمي. ووفقاً لهذه الحقيقة فإن المجتمعات العربية ومنها المجتمع الخليجي ستبقى تعيش حياتها المحلية والتقليدية لزمن طويل إذا لم ترتقِ بقدراتها العلمية وتخرج من قوقعتها التقليدية وتعمل على إحداث التغيرات الهيكلية بالمجالات الكبرى التنظيمية والسياسية والاقتصادية والفكرية ليتفاعل إنسانها بعقلية وروحية خارج نطاق التقوقع المحلي التقليدي ووفق تصورات جديدة لا تخرج عن سياق الموروث الثقافي بصورته الراقية غير المشوهة، عندئذ سوف يتفاعل الإنسان الخليجي مع معطيات جديدة تدفعه للابتكار وتحقيق الذات بخطى واثقة وإيمان منقطع النظير بقدرة الشباب والعقل العربي على الإسهام بالتطور الإنساني.

أولاً: واقع التعليم والبحث العلمي في المجتمع الخليجي

لا أحد ينكر أن حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية وحتى الوقت الحاضر كشفت أن المجتمعات الخليجية بذلت جهوداً حثيثة للارتقاء بواقع التعليم، فكانت هناك أعداد كبيرة من المبعوثين إلى جامعات متقدمة وفي مجالات علمية مختلفة، كما شيدت صروح جامعات ومراكز أبحاث عملاقة تتوفر فيها كل مستلزمات العلم وتطبيقاته المختلفة، كما لا تزال المؤتمرات والندوات والدراسات تبحث عن صيغ أكثر قدرة على تطور التعليم وأساليب البحث العلمي إلا أن المسألة تأخذ مساراً أو منحى آخر حينما يصطدم هذا النهوض ببنى تقليدية لم تستطع المجتمعات الخليجية الخروج منها وفق صيغ جديدة لإعادة غربلة ونقد الماضي الثقافي القريب وبناء مرتكزات النهضة الثقافية وفق معطيات جديدة بدأت تؤثر في حياة المجتمعات الخليجية ولا سيما لدى فئة الشباب الذين يعيشون واقعاً جديداً خارج دائرة تصورات الأجداد في ظل حياة بسيطة مرتبطة بشبكة العلاقات القرابية، إذ إن المناهج المتبعة في مجال التعليم الجامعي الخليجي وعلى الرغم من الجهود التي بذلت في تحديثها مازالت غير قادرة على حل إشكالية الصراع بين القديم والجديد وتقديم البديل الملائم، وأن هذه الإشكالية ستزداد تعقيداً إذا لم يؤخذ بيد الأجيال الحالية نحو التعليم والبحث العلمي وضرورة إيجاد صيغ جديدة لاستمالتهم إلى العلم والمتابعة بعد أن أضحت المناهج وطرائق التدريس وأسلوب البحث العلمي لا تجدي نفعاً بل أصبحت تمثل عامل تنافر بين ما يطلب منهم في الجامعة وبين انشغالهم بمناح جديدة نقلت إليهم عن طريق وسائل الاتصال المختلفة وما تنقله من أفكار متدفقة باستمرار، إذ لا ينفع معها لا جدار ولا رقابة ولا تنظيم أو إحاطة، مما يتطلب من المعنيين على مستوى صناع القرار والمخططين التربويين والمشرفين على قنوات الثقافة تصميم مناهج جديدة تتعامل مع هذه العقلية الجديدة التي لم تعد تقتنع بسهولة بما يدرس في جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا وما يقدم للطلبة من وعظ وإرشاد. ولا شك في أن عملية المجابهة بين ثقافة عريضة تقليدية وثقافة جديدة متأثرة بسيل الأفكار والأداء والمنجزات التي تصل إلى الشباب يومياً عززت هذا التناقض بين (الجامعة والطلبة) و(المدرسة والتلميذ) و(الباحث والبحث)، إذ أضحت كل هذه النواحي تجري وفق صيغ تقليدية غير قابلة للابتكار، حيث غالباً ما ينحصر الهدف من الدراسة في الجامعات بالحصول على الشهادة من دون أن يعطي ذلك دلالة حقيقية في المجال التطبيقي. فكثير من الخريجين باتوا يعملون في حقول غير حقول اختصاصاتهم، وأن البعض من شبابنا اليوم بات مقتنعاً بأن الشهادة لا تعطي لحاملها فرصة ترجمة ما درسه في المؤسسات المختلفة التي يعمل فيها إلا أن الإشكالية التي تحكم العلاقة بين الطالب والشهادة اليوم تتعدى فرص إثبات الذات من الناحيتين العلمية والعملية لتدخل في حق الاعتبار الاجتماعي فحسب، وهو خلاف ما يجري في المجتمعات الأوروبية، إذ لم يعد الشباب يسعون إلى نيل الشهادة الجامعية من أجل اعتبارات اجتماعية إنما من أجل تحقيق إنجازات تطبيقية، كما أن الكثير منهم أخذ يختصر الطريق بالانضمام إلى التعليم الفني وفقاً لمواهب مصنفة لهم بحسب قدراتهم في مراحل مبكرة من تعليمهم. وقد آن الأوان لكي تفهم جامعاتنا حقيقة أن ما يجري في أروقتها من إعداد مناهج وقبول طلبة وتوسع إنما يجب أن يتم لتلبية حاجة مجتمعية وإلا أصبح التطور الذي تحققه لا يصل إلى المستوى المطلوب الكافي من التطور الحضاري الذي ننتظره جميعاً.

إن الفارق الزمني في مجال التقدم العلمي بيننا وبين المجتمعات المتقدمة شاسع لا يمكن تقريبه إلا عن طريق نفض غبار الماضي القريب والاستعانة بالأصول والانطلاق بالعلوم التطبيقية وربطها بشكل حتمي بحاجات الإنسان المتغيرة، وإذا لم يحصل مثل هذا التطور فسنبقى ندور حول أنفسنا. ويخطئ الكثيرون حينما يلقون باللوم على العالم المتقدم الذي غزا بلداننا بمنجزاته وأفكاره وبرامجه عن طريق العولمة، فلم يراع ثقافتنا وقيمنا وتقاليدنا وخصوصياتنا، ففي هذا الطرح تبرير واضح للفشل والعجز اللذين نحن فيهما، وسنظل ندور في هذا الفلك إذا لم يوجد إصلاح ذاتي لمجتمعاتنا وجامعاتنا يستنهض المجتمع وينشر ثقافة حب العلم والتعلم لدى الأجيال الجديدة عن طريق فهم ثقافتهم المنصرفة إلى اهتمامات أخرى لاتزال بعيدة عن اهتمام ما يريده الآباء وتريده ثقافة المجتمع التقليدية، أو وقوع هذا الجيل بين ثقافة اجتماعية تؤكد على الوعظ والإرشاد وثقافة منقولة تحاكي عقول الشباب وتحويلها إلى وضع جديد من القدرة على تنمية قدراتها الفنية. ولذلك فإن النجاح الذي تبتغيه الجامعات الخليجية يتوقف في أحد بنوده على انتشال هذا الجيل من الازدواجية الاجتماعية (بين ما تطرحه الثقافة التقليدية ويتلقاه الشباب من أفكار تحديثية) وإيجاد بديل ملائم يمكن أن يتفاعل خلاله الشباب مع الواقع الاجتماعي بآليات مقبولة ومتفقة مع متطلبات الحياة العصرية، كذلك يتم عن طريق إرساء مناهج جديدة تلبي وتحاكي الواقع وتفهم حاجات الإنسان منذ المراحل الأولى للدراسة في التعليم الأساسي. إذ إن عملية التعليم عملية تراكمية تواصلية تبدأ وفق تدرج علمي ارتقائي يرسخ القيم العلمية ويزكي المجال التطبيقي، وتحتاج في الوقت نفسه إلى عملية تنشئة اجتماعية تتلاءم مع هذا التحول الثقافي لدى الأجيال الصاعدة.

ثانياً: ضرورة دراسة واقع الجامعات

تكمن المشكلة الأساسية في التعليم والبحث العلمي في منطقة الخليج العربية في حداثة تجاربها الوطنية المتفاعلة مع حاجات الإنسان المتغير خلال مراحل التعليم كافة، فلا تزال المناهج وطرائق التدريس لا تلبي حاجة المجتمع الفعلية، ولا تزال كثير من التقاليد الأكاديمية منقولة من تجارب العالم وبعيدة عن الواقع الاجتماعي بحيثياته المتفاعلة، فلا تزال العلاقة بين الجامعة والمجتمع تعيش أزمة حقيقية، فلم تعد الجامعة سوى واجهة ثقافية في المجتمع تنتج أعداداً كبيرة من الخريجين، كما أن العبرة ليست في زيادة أعداد الخريجين الجامعيين على الرغم من أهمية ذلك، إنما في مساهمة هؤلاء في المجالات التطبيقية المختلفة ومدى قدرتهم على تحديد المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، وهي مسألة تحتاج إلى ربط هذه المؤسسات بثقافة هذا الجيل وجعل الجامعة نفسها مكاناً إيجابياً لتخريج أعداد من الخريجين المزودين بالثقافة العصرية فضلاً عن مخزونهم العلمي من أجل تلبية حاجة وطنية على مستوى التغير الاجتماعي وحاجة تطبيقية على مستوى تقليل الآثار السلبية للتكنولوجيا المنقولة والتخلص من المقولة المتداولة عند البعض جراء استعمال هذا النوع من التكنولوجيا (المهم أن نعيش لحظة الحاضر في أفضل استخدام تقني متطور منقول). ولا شك في أن التعليم والبحث العلمي في منطقة الخليج العربية في هذا المجال يقفان إزاء تحد حقيقي، ففي الوقت الذي يتراجع فيه التعليم والبحث العلمي ويكونان في أحيان كثيرة عاجزين عن إيجاد معالجة ناجعة لمعضلة في قطاع من القطاعات إلا بالاستعانة بالخبرات الأجنبية، فإن ذلك لا يمكن فصله عن معاناة حقيقية تعيشها الجامعة ومؤسسات المجتمع إزاء إشكالية بلورة ثقافة شبابية جديدة تتمسك بالجامعة وأنظمتها، بل إن الواقع يؤشر إلى أن هناك ثقافة تتسم باللامبالاة أضحت شائعة في أوساط الشباب في المرحلة الحالية هي بحد ذاتها متمردة على الجامعة وأنظمتها، إذ تكون الأخيرة غير قادرة على تقديم البديل لفهم ثقافة الأجيال الصاعدة بسبب غياب الرؤية الاجتماعية والثقافية وسط كم هائل من الأفكار والإنجازات التقنية التي تتفاعل في عقول هؤلاء الشباب وتجعلهم غير مقتنعين بدرجة أو أخرى بما قدم إليهم من وعظ وإرشاد من قبل الأسرة ومؤسسات المجتمع الأخرى مما يجعل هذا الواقع يتطلب إجراء دراسات إنثروبولوجية تتوغل في البيئة الاجتماعية والثقافية التي تؤثر في ثقافة الشباب، إذ تتضمن فهماً معمقاً لما تطرحه المناهج وما تستجيب إليه عقول الطلبة.

إن الجامعات الخليجية تحتاج إلى إعادة تقييم المناهج وطرائق التدريس وفتح قنوات اتصال مع الحياة الاجتماعية في المجتمعين المحلي والخارجي على نطاق واسع وهي عملية تحتاج إلى جهود تنظيمية وضبطية كبيرة من قبل القائمين على شؤون الجامعات ومراكز الأبحاث العلمية وصناع القرار في المجتمعات المحلية وعلى نطاق الدولة وعدم الاكتفاء بالدراسات الوصفية التقليدية التي تفتقر في بعض الأحيان إلى الدقة، حيث إن ذلك يتطلب إجراء دراسات مسحية عن واقع الجامعات وفهم ثقافة الشباب المتغيرة.

ثالثاً: إنقاذ التعليم والبحث العلمي مسؤولية مجتمعية

إزاء هذا الواقع الممزق والتصورات التي تطرحها المناهج الجامعية والأساليب التي يقوم عليها البحث العلمي، ينبغي على القائمين على التعليم والمختصين في شؤون العلوم التربوية والإنثروبولوجية والنفسية فهم حقيقة ما يجري وإجراء دراسات تضع في الاعتبار، أولاً: ربط التعليم والبحث العلمي بالواقع الاجتماعي والثقافي الذي يعيشه الإنسان الخليجي اليوم، وثانياً: الوقوف على مشكلات الشباب وفهم طموحاتهم وتخليصهم من الازدواجية الاجتماعية التي يعيشون فيها. ولا شك في أن الطموح الوصول إلى جامعات علمية رصينة مسألة ملازمة للحياة المتجددة وسبيل نحو الارتقاء بالواقع الاجتماعي، وأن ذلك يتوقف على تطوير الموارد البشرية وتأهيلها بما يتوافق مع إيجاد إدارة حديثة تعطي فرصاً مميزة لتطوير هذه الموارد وتكوين هيكل إداري ملائم للظروف السائدة ومتفاعل مع الثقافات المتغيرة يأخذ على عاتقه تنظيم العملية التعليمية والارتقاء بواقع الجامعات. لذا فإن الطموح لا يقف عند الارتقاء العلمي للأقسام العلمية في الجامعات الخليجية فحسب إنما يتطلب إعطاء أهمية متزايدة للموارد البشرية من أجل توفير أنظمة معلوماتية متناسبة مع بناء إدارة إلكترونية تنظم وتحفظ قاعدة معلومات وبيانات أساسية عن كل ما يحتاجه البحث العلمي والجامعة من أجل توظيفها منهجياً لمعالجة مشكلات محلية تخص الجامعات وأخرى تخص مؤسسات المجتمع المختلفة عن طريق مد جسور التواصل مع الوزارات المعنية بالتخطيط والصناعة والزراعة وغيرها، إذ تبقى مسألة بناء الرأسمال البشري مسألة حيوية في عملية التطوير الجامعي وتعالج الاختلالات الناجمة عن سرعة التغير الذي يحصل في الأنظمة الإدارية.

إن توفير العنصر البشري المدرب من فنيين وإداريين مسألة في غاية الأهمية للتخلص من المحسوبية وتأثير العلاقات القرابية وهي مسألة أيضاً مرتبطة بجدية العناصر المدربة في سلم ثقافي يتم التأكيد عليه باستمرار، وأن ذلك يأتي عن طريق بناء معايير أداء عالية على مستوى الإدارة والأداء التعليمي وإتاحة فرص متساوية أمام الجميع في تطوير الجامعة. كما أن الطموح الجامعي في مجتمعات الخليج العربية يتعدى في بعض الأحيان الواقع المنظور بل يكون أطول منه تقديراً، لذا فإن عملية الاعتماد على الخبرات الخارجية ترتبط بجملة من الشروط التي يقع بعضها في شبكة التعقيدات التي لا يستطيع الواقع أن يعطيها تقييماً صحيحاً، لأنها لا تأخذ في الاعتبار القدرات الفردية للباحثين والمدرسين طالبي الانضمام إلى الجامعات أو مراكز الأبحاث بقدر ما يكون هذا المتقدم خريج جامعة غربية من دون النظر إلى عمق التجربة في المجال العلمي.

إن علاج مشكلات الجامعات يتوقف على مدى قدرة الدوائر التعليمية والعلمية والإدارية على وضع خطة استراتيجية تأخذ في الاعتبار كل إشكاليات الواقع وتبحث عن أفضل السبل للارتقاء بالتعليم العالي والبحث العلمي، كما أن ذلك يرتبط أساساً بفهم العلاقة التفاعلية بين النسق الثقافي والسلوك العلمي في الجامعات ومراكز الأبحاث، إذ تبقى مسألة تطوير الجانب الإداري تأخذ حيزاً واسعاً في هذا المجال وهي مسؤولية أخلاقية ومجتمعية ينبغي أن يؤمن بها المجتمع ويساندها المشرع وصانع القرار حتى يكون للطموح المشروع منفذه إلى تحقيق أهداف المجتمع بما يتوافق والتطور الذي يجري في العالم لا سيما أن الجامعات الخليجية لا تنقصها العدة الفنية بقدر ما تنقصها الإدارة العلمية والمجتمعية معاً.

::/fulltext::
::cck::816::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *