التعليم يتقدم بالمجمل لا التفتيت

::cck::845::/cck::
::introtext::

التعليم هو المجال الأكثر استهلاكاً للأموال في كل خطط ميزانياتنا السنوية، ومع ذلك لم يتقدم هذا القطاع بالشكل المطلوب عندنا، وما زلنا نجرب خطة تتبع خطة، وخلال الخمس أو الست سنوات الماضية شَهدْتُ حوالي ثلاث خطط تعليم أساسي في بلادي، هل أفرح أم أتحسر؟ وتأتي وزارة التربية لتحاول التنسيق بين التعليم العالي والتعليم الأساسي، فيقول مجلس الوزراء، لقد دخلتم على خط وزارة أخرى هي وزارة التعليم العالي.

::/introtext::
::fulltext::

التعليم هو المجال الأكثر استهلاكاً للأموال في كل خطط ميزانياتنا السنوية، ومع ذلك لم يتقدم هذا القطاع بالشكل المطلوب عندنا، وما زلنا نجرب خطة تتبع خطة، وخلال الخمس أو الست سنوات الماضية شَهدْتُ حوالي ثلاث خطط تعليم أساسي في بلادي، هل أفرح أم أتحسر؟ وتأتي وزارة التربية لتحاول التنسيق بين التعليم العالي والتعليم الأساسي، فيقول مجلس الوزراء، لقد دخلتم على خط وزارة أخرى هي وزارة التعليم العالي.

التعليم إذن جزر متباعدة، لا علاقة له بخطة استراتيجية، أو سياسة وطنية، مقننة بقانون تعليم، أو ما جاء في الدستور، والخطط السياسية والمجتمعية الشاملة. كل يعمل في واد آخر. ولذلك كيف يكون من الممكن أن يتطور هذا القطاع الأكثر حيوية وأهمية لارتقاء أية أمة؟ أستغربّ.

وزارة التربية تتحدث عن منهج ثنائي اللغة إلى حد ما، ووزارة التعليم العالي تتحدث عن منهج أحادي اللغة (الإنجليزية)، كأن العالم فقط إنجليزي وأمريكي وأسترالي، وهم من يستخدمون هذه اللغة.

وحتى ثنائية اللغة، المطروحة في خطة وزارة التربية الجديدة، زال منها الكثير من التراث الفكري والحضاري للأمة، وملامح الهوية الوطنية والقومية والإسلامية.

وحين أتطلع بمجرد النظر إلى خطط التعليم في مجتمعات متقدمة، غير الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما المجتمعان اللذان نحن في تبعية كاملة لهما، تطوعياً، كاليابان والصين وألمانيا وفرنسا وغيرها، أجد التركيز على أوعية الثقافة الخاصة بهذه البلدان، كاللغة والتاريخ والجغرافيا الخاصة بها، وعلوم المجتمع وغيرها الكثير مما يعرف بالبيئة والثقافة المحلية لهذه المجتمعات، محفوظة إلى أقصى حد.

نظرة بسيطة أوجهها إلى وزراء التعليم العالي والتربية والتعليم في بلادنا، على مناهج الدراسة اليابانية، والنظام التعليمي الياباني تعطينا صورة كاملة وواضحة للخلل في التفكير الاستراتيجي والحضاري والثقافي والعلمي، وحتى الاجتماعي الذي نعاني منه.

أولى هذه الملاحظات، هي أنه في بلد يعيش فيه أكثر من مائة وعشرين مليوناً، هناك وزارة واحدة تسمى (وزارة التربية والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا). أما عندنا نحن فإن لدينا ثلاث وزارات لنفس المهمة التي تقوم بها الوزارة اليابانية، وزارة للتربية، ووزارة للتعليم العالي، ووزارة الثقافة والشباب وخدمة المجتمع، ووزارة رابعة للشؤون الاجتماعية، يا للهول. وأين العلوم والتكنولوجيا؟ نحن لا نعرف عن هذه الجوانب شيئاً فلنتركها لمن هم في مجال التعليم العالي. والتعليم العالي يترك الأمر للخبراء الأجانب الذين أحضرهم من الغرب لتلقى عليهم مسؤولية أن يبنوا لنا نطاقاً من العلم والتقنية ننطلق منها. وأسست وزارة التعليم العالي كليات تقنية، ومؤخراً كليات وجامعات علمية متخصصة، فماذا كانت النتيجة؟

سنوات من التعليم التقني والعلمي لم تسفر عن إيجاد أية مؤسسة علمية واحدة على الصعيد الوطني في أي من بلادنا الخليجية، ذات مستوى وطني كامل، فما بالك بالمستويين الخليجي والعربي. وليسأل أي إنسان يريد الاستزادة في ذلك الدكتور عبدالله النجار، مدير المنظمة العربية للعلوم، ومقرها الشارقة في هذا الأمر.

وإذا كان لأي مجتمع أن يشق له طريقاً في مجال العلم، فإنه لا يوجد لذلك الهدف مجرد منظمات غير ممولة بشكل صحيح، ولا صلاحية لها، ليقول إنني أتطور في العلوم. بل عليه أن يعد استراتيجيات وطنية متكاملة وشاملة، تدخل فيها كل القطاعات الخاصة والعامة، والتعليم الأساسي والتعليم العالي، العام والتخصصي (كما حدث في التقرير الوطني الياباني حول تطور التعليم في اليابان لعام 2008).

يقول التقرير الوطني الياباني حول تطور التعليم: (إن مبادئ التعليم الأساسية في اليابان يوفرها الدستور الياباني الذي صدر عام 1946، والقانون الخاص بالتعليم الذي تم تعديله عام 2006).

وجاء في القانون الخاص بالتعليم أن هدف التعليم في اليابان هو تحقيق التطور الكامل للشخصية ورعاية الأفراد ليصبحوا ذوي عقول وأجساد سليمة، مزودين بالقدرات الضرورية ليصبحوا بناة مجتمع ودولة ديمقراطيين ومسالمين.

ويبين الرسم البياني نظام المدارس في اليابان، ويظهر فيه جلياً كيف يتداخل نظام الدراسة الأساسي في التعليم بالنظام الجامعي، من خلال نظام كليات مساقات التدريب المتخصصة، والكليات التدريبية المتخصصة، والمدارس المتنوعة في الثانوية العليا. وأيضاً من خلال الكليات المتخصصة الدنيا فيما بعد المرحلة الثانوية. 

والأهم من هذا، مناهج التعليم الأساسي المنشورة في التقارير اليابانية، وعدد الساعات المخصصة فيها لدراسة اللغة والثقافة المحلية اليابانية، والتاريخ والجغرافيا المحلية والدولية. بل أنواع حتى الفنون اليابانية بكل أشكالها الجميلة والبيانية والحرف والخط في مواد متخصصة لها ساعات كثيرة. والأهم في دراسة اللغة اليابانية ليس المعاصرة فقط، بل الكلاسيكية القديمة في كل المراحل التعليمية.

أضف إلى ذلك أن كل المواد تدرس باللغة اليابانية؛ أما اللغة الأجنبية، التي هنا هي الإنجليزية، فهي فقط مادة من ضمن المواد، وإن كانت الخطط لعام 2012م ستزيد من ساعات تدريسها، فهي فقط لمعرفة التحادث والتواصل مع الآخر عبر اللغة الأكثر استخداماً من مختلف القارات، لكنها يجب ألا تكون المهيمنة واللاغية لكل الثقافة الخاصة، كما يرى اليابانيون.

ويمكن ملاحظة أن مواد الرياضيات والعلوم والمجتمع المعاصر والأخلاق والسياسة والاقتصاد مختلفة تماماً في حجمها عن مناهجنا.

الأخلاق ترتبط عندنا إلى حد بعيد بالدين، والدين في مناهجنا بدأت تتقلص ساعات تدريسه، استجابة تطوعية لضغوط غربية. وسنجد أنفسنا عما قليل في أزمة أخلاق حقيقية على غرار ما حدث في أوروبا إبان انتصار الرأسمالية وانحسار دور الدين، ليبقى فقط في الكنائس ودور العبادة، وليس كمرجع أخلاقي وتاريخي وأصولي في العلوم الحياتية التي يتطرق إليها، ويوجه المنهج حتى العلمي لها في إطار التفكير الإنساني التاريخي الذي يتأرجح بين المثالية في فكرة الخلق الربانية للوجود في مقابل الفكر المادي الذي يرجع الأمور للصدفة الطبيعية والاصطفاء الطبيعي.

إننا إذن أمام أزمة تحديد مسار، أيضاً، قبل أن تكون أزمة وضع مناهج وخطط دراسة.

لنحدد من نحن؟ وماذا نريد؟ وعلى ماذا نعتمد في أساس توجهاتنا؟ وما هي المبادئ الكبرى التي يجب أن تحكم إطار تفكيرنا ومرجعيتنا الفكرية والضمير الجمعي لنا، ومن ثم نبني عليها مثلنا ومادياتنا وطريقة تناولنا للتاريخ والجغرافيا والعلوم، وعلوم المجتمع، وبالطبع الكيفية التي نتناول بها المادة الأكثر أهمية وحياداً من بين كل مواد الدراسة في أية مناهج توضع، وهي مادة الرياضيات، التي وضعنا نحن بالاشتراك مع شعوب الشرق الهندية والصينية الأساس الذي انطلقت منه أوروبا والعالم المتحضر في تدريسها على ما هي عليه الآن؟

وهناك نقطة مهمة يجب النظر إليها بدقة وعناية شديدتين في جداول المناهج اليابانية، وحتى أي مناهج متقدمة في أية دولة كانت. وهذه النقطة تختص بمواد التربية الفنية. إن مثل هذه المادة ليست ترفاً فضفاضاً لا طائل من ورائه إلا تنمية الحس الفني، وإن هي إلا مجرد رسم، كلا. بل ألف كلا.

إن مادة التربية الفنية هي الإطار الذي ينمي روح الإبداع، ويكمل للجانب العلمي روح التخيل والابتكار ووضع اللمسات الأكثر شفافية التي لا يراها العالم المادي الطبيعي. فهي مادة سبر الروح البشرية، وروح العالم اللامادي لتنشط لك روح البحث، وسبر الأغوار لما هو يحيط بنا من دون القدرة على رؤيته مباشرة.

وأفضل المنتجات تتم لكون شكلها يكمل مضمونها، وهذا لا يتأتى إلا بالعناية الفائقة بالاثنين معاً. وأفضل من يضع التصاميم هم المبدعون من الفنانين المتميزون بقدرة الرؤية الجمالية للمضمون. وهذا ما يجب التعامل معه بجدية تامة في مناهجنا، لا استهجان النظر فيها كمادة تعليم. والرؤية الدينية لم تخالف يوماً الرؤية الفنية، طالما كانت ضمن إطار الأخلاق، وفي إطار طريق الرب. فقد جاء القرآن مستهجنا طريق الشعراء الغاوين، لكنه يشيد بالذين آمنوا منهم، وظلموا، ويعدهم بالنصر، ليس المادي فقط بل الروحي، لأن فنهم في خدمة رقي الإنسان إلى طريق الرب. وكذا في بقية الفنون.

وفي هذه العجالة السريعة من هذا المقال، الذي يحصرنا في عدد الكلمات المعتاد، هذا ما أستطيع أن أدلي به من رأي، علّ من يقرأ ويقلب الرأي فيه يستأنس بجزء، ولو يسيراً جداً منه. فيكون ضميري قد ارتاح.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::845::/cck::
::introtext::

التعليم هو المجال الأكثر استهلاكاً للأموال في كل خطط ميزانياتنا السنوية، ومع ذلك لم يتقدم هذا القطاع بالشكل المطلوب عندنا، وما زلنا نجرب خطة تتبع خطة، وخلال الخمس أو الست سنوات الماضية شَهدْتُ حوالي ثلاث خطط تعليم أساسي في بلادي، هل أفرح أم أتحسر؟ وتأتي وزارة التربية لتحاول التنسيق بين التعليم العالي والتعليم الأساسي، فيقول مجلس الوزراء، لقد دخلتم على خط وزارة أخرى هي وزارة التعليم العالي.

::/introtext::
::fulltext::

التعليم هو المجال الأكثر استهلاكاً للأموال في كل خطط ميزانياتنا السنوية، ومع ذلك لم يتقدم هذا القطاع بالشكل المطلوب عندنا، وما زلنا نجرب خطة تتبع خطة، وخلال الخمس أو الست سنوات الماضية شَهدْتُ حوالي ثلاث خطط تعليم أساسي في بلادي، هل أفرح أم أتحسر؟ وتأتي وزارة التربية لتحاول التنسيق بين التعليم العالي والتعليم الأساسي، فيقول مجلس الوزراء، لقد دخلتم على خط وزارة أخرى هي وزارة التعليم العالي.

التعليم إذن جزر متباعدة، لا علاقة له بخطة استراتيجية، أو سياسة وطنية، مقننة بقانون تعليم، أو ما جاء في الدستور، والخطط السياسية والمجتمعية الشاملة. كل يعمل في واد آخر. ولذلك كيف يكون من الممكن أن يتطور هذا القطاع الأكثر حيوية وأهمية لارتقاء أية أمة؟ أستغربّ.

وزارة التربية تتحدث عن منهج ثنائي اللغة إلى حد ما، ووزارة التعليم العالي تتحدث عن منهج أحادي اللغة (الإنجليزية)، كأن العالم فقط إنجليزي وأمريكي وأسترالي، وهم من يستخدمون هذه اللغة.

وحتى ثنائية اللغة، المطروحة في خطة وزارة التربية الجديدة، زال منها الكثير من التراث الفكري والحضاري للأمة، وملامح الهوية الوطنية والقومية والإسلامية.

وحين أتطلع بمجرد النظر إلى خطط التعليم في مجتمعات متقدمة، غير الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما المجتمعان اللذان نحن في تبعية كاملة لهما، تطوعياً، كاليابان والصين وألمانيا وفرنسا وغيرها، أجد التركيز على أوعية الثقافة الخاصة بهذه البلدان، كاللغة والتاريخ والجغرافيا الخاصة بها، وعلوم المجتمع وغيرها الكثير مما يعرف بالبيئة والثقافة المحلية لهذه المجتمعات، محفوظة إلى أقصى حد.

نظرة بسيطة أوجهها إلى وزراء التعليم العالي والتربية والتعليم في بلادنا، على مناهج الدراسة اليابانية، والنظام التعليمي الياباني تعطينا صورة كاملة وواضحة للخلل في التفكير الاستراتيجي والحضاري والثقافي والعلمي، وحتى الاجتماعي الذي نعاني منه.

أولى هذه الملاحظات، هي أنه في بلد يعيش فيه أكثر من مائة وعشرين مليوناً، هناك وزارة واحدة تسمى (وزارة التربية والثقافة والرياضة والعلوم والتكنولوجيا). أما عندنا نحن فإن لدينا ثلاث وزارات لنفس المهمة التي تقوم بها الوزارة اليابانية، وزارة للتربية، ووزارة للتعليم العالي، ووزارة الثقافة والشباب وخدمة المجتمع، ووزارة رابعة للشؤون الاجتماعية، يا للهول. وأين العلوم والتكنولوجيا؟ نحن لا نعرف عن هذه الجوانب شيئاً فلنتركها لمن هم في مجال التعليم العالي. والتعليم العالي يترك الأمر للخبراء الأجانب الذين أحضرهم من الغرب لتلقى عليهم مسؤولية أن يبنوا لنا نطاقاً من العلم والتقنية ننطلق منها. وأسست وزارة التعليم العالي كليات تقنية، ومؤخراً كليات وجامعات علمية متخصصة، فماذا كانت النتيجة؟

سنوات من التعليم التقني والعلمي لم تسفر عن إيجاد أية مؤسسة علمية واحدة على الصعيد الوطني في أي من بلادنا الخليجية، ذات مستوى وطني كامل، فما بالك بالمستويين الخليجي والعربي. وليسأل أي إنسان يريد الاستزادة في ذلك الدكتور عبدالله النجار، مدير المنظمة العربية للعلوم، ومقرها الشارقة في هذا الأمر.

وإذا كان لأي مجتمع أن يشق له طريقاً في مجال العلم، فإنه لا يوجد لذلك الهدف مجرد منظمات غير ممولة بشكل صحيح، ولا صلاحية لها، ليقول إنني أتطور في العلوم. بل عليه أن يعد استراتيجيات وطنية متكاملة وشاملة، تدخل فيها كل القطاعات الخاصة والعامة، والتعليم الأساسي والتعليم العالي، العام والتخصصي (كما حدث في التقرير الوطني الياباني حول تطور التعليم في اليابان لعام 2008).

يقول التقرير الوطني الياباني حول تطور التعليم: (إن مبادئ التعليم الأساسية في اليابان يوفرها الدستور الياباني الذي صدر عام 1946، والقانون الخاص بالتعليم الذي تم تعديله عام 2006).

وجاء في القانون الخاص بالتعليم أن هدف التعليم في اليابان هو تحقيق التطور الكامل للشخصية ورعاية الأفراد ليصبحوا ذوي عقول وأجساد سليمة، مزودين بالقدرات الضرورية ليصبحوا بناة مجتمع ودولة ديمقراطيين ومسالمين.

ويبين الرسم البياني نظام المدارس في اليابان، ويظهر فيه جلياً كيف يتداخل نظام الدراسة الأساسي في التعليم بالنظام الجامعي، من خلال نظام كليات مساقات التدريب المتخصصة، والكليات التدريبية المتخصصة، والمدارس المتنوعة في الثانوية العليا. وأيضاً من خلال الكليات المتخصصة الدنيا فيما بعد المرحلة الثانوية. 

والأهم من هذا، مناهج التعليم الأساسي المنشورة في التقارير اليابانية، وعدد الساعات المخصصة فيها لدراسة اللغة والثقافة المحلية اليابانية، والتاريخ والجغرافيا المحلية والدولية. بل أنواع حتى الفنون اليابانية بكل أشكالها الجميلة والبيانية والحرف والخط في مواد متخصصة لها ساعات كثيرة. والأهم في دراسة اللغة اليابانية ليس المعاصرة فقط، بل الكلاسيكية القديمة في كل المراحل التعليمية.

أضف إلى ذلك أن كل المواد تدرس باللغة اليابانية؛ أما اللغة الأجنبية، التي هنا هي الإنجليزية، فهي فقط مادة من ضمن المواد، وإن كانت الخطط لعام 2012م ستزيد من ساعات تدريسها، فهي فقط لمعرفة التحادث والتواصل مع الآخر عبر اللغة الأكثر استخداماً من مختلف القارات، لكنها يجب ألا تكون المهيمنة واللاغية لكل الثقافة الخاصة، كما يرى اليابانيون.

ويمكن ملاحظة أن مواد الرياضيات والعلوم والمجتمع المعاصر والأخلاق والسياسة والاقتصاد مختلفة تماماً في حجمها عن مناهجنا.

الأخلاق ترتبط عندنا إلى حد بعيد بالدين، والدين في مناهجنا بدأت تتقلص ساعات تدريسه، استجابة تطوعية لضغوط غربية. وسنجد أنفسنا عما قليل في أزمة أخلاق حقيقية على غرار ما حدث في أوروبا إبان انتصار الرأسمالية وانحسار دور الدين، ليبقى فقط في الكنائس ودور العبادة، وليس كمرجع أخلاقي وتاريخي وأصولي في العلوم الحياتية التي يتطرق إليها، ويوجه المنهج حتى العلمي لها في إطار التفكير الإنساني التاريخي الذي يتأرجح بين المثالية في فكرة الخلق الربانية للوجود في مقابل الفكر المادي الذي يرجع الأمور للصدفة الطبيعية والاصطفاء الطبيعي.

إننا إذن أمام أزمة تحديد مسار، أيضاً، قبل أن تكون أزمة وضع مناهج وخطط دراسة.

لنحدد من نحن؟ وماذا نريد؟ وعلى ماذا نعتمد في أساس توجهاتنا؟ وما هي المبادئ الكبرى التي يجب أن تحكم إطار تفكيرنا ومرجعيتنا الفكرية والضمير الجمعي لنا، ومن ثم نبني عليها مثلنا ومادياتنا وطريقة تناولنا للتاريخ والجغرافيا والعلوم، وعلوم المجتمع، وبالطبع الكيفية التي نتناول بها المادة الأكثر أهمية وحياداً من بين كل مواد الدراسة في أية مناهج توضع، وهي مادة الرياضيات، التي وضعنا نحن بالاشتراك مع شعوب الشرق الهندية والصينية الأساس الذي انطلقت منه أوروبا والعالم المتحضر في تدريسها على ما هي عليه الآن؟

وهناك نقطة مهمة يجب النظر إليها بدقة وعناية شديدتين في جداول المناهج اليابانية، وحتى أي مناهج متقدمة في أية دولة كانت. وهذه النقطة تختص بمواد التربية الفنية. إن مثل هذه المادة ليست ترفاً فضفاضاً لا طائل من ورائه إلا تنمية الحس الفني، وإن هي إلا مجرد رسم، كلا. بل ألف كلا.

إن مادة التربية الفنية هي الإطار الذي ينمي روح الإبداع، ويكمل للجانب العلمي روح التخيل والابتكار ووضع اللمسات الأكثر شفافية التي لا يراها العالم المادي الطبيعي. فهي مادة سبر الروح البشرية، وروح العالم اللامادي لتنشط لك روح البحث، وسبر الأغوار لما هو يحيط بنا من دون القدرة على رؤيته مباشرة.

وأفضل المنتجات تتم لكون شكلها يكمل مضمونها، وهذا لا يتأتى إلا بالعناية الفائقة بالاثنين معاً. وأفضل من يضع التصاميم هم المبدعون من الفنانين المتميزون بقدرة الرؤية الجمالية للمضمون. وهذا ما يجب التعامل معه بجدية تامة في مناهجنا، لا استهجان النظر فيها كمادة تعليم. والرؤية الدينية لم تخالف يوماً الرؤية الفنية، طالما كانت ضمن إطار الأخلاق، وفي إطار طريق الرب. فقد جاء القرآن مستهجنا طريق الشعراء الغاوين، لكنه يشيد بالذين آمنوا منهم، وظلموا، ويعدهم بالنصر، ليس المادي فقط بل الروحي، لأن فنهم في خدمة رقي الإنسان إلى طريق الرب. وكذا في بقية الفنون.

وفي هذه العجالة السريعة من هذا المقال، الذي يحصرنا في عدد الكلمات المعتاد، هذا ما أستطيع أن أدلي به من رأي، علّ من يقرأ ويقلب الرأي فيه يستأنس بجزء، ولو يسيراً جداً منه. فيكون ضميري قد ارتاح.

::/fulltext::
::cck::845::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *