الدور الحضاري للتربية في دول الخليج العربية: من أزمة الفكر إلى مأزق الإصلاح

::cck::844::/cck::
::introtext::

عندما شرفتني مجلة (آراء حول الخليج) بنداء المشاركة في هذا المحور تأملت كثيراً في الأمر وترويت فيه وقررت أن أبتعد ما أمكنني ذلك عن إعادة إنتاج الصورة النمطية للنقد التربوي الذي ألفناه في الكتابات العربية السائدة، وآثرت أن أخرج من هذه الحلقة المفرغة، وأن أقدم رؤية نقدية جديدة خارجة على المألوف في إشكالية الدور الحضاري للتربية في بلدان الخليج العربية. 

::/introtext::
::fulltext::

عندما شرفتني مجلة (آراء حول الخليج) بنداء المشاركة في هذا المحور تأملت كثيراً في الأمر وترويت فيه وقررت أن أبتعد ما أمكنني ذلك عن إعادة إنتاج الصورة النمطية للنقد التربوي الذي ألفناه في الكتابات العربية السائدة، وآثرت أن أخرج من هذه الحلقة المفرغة، وأن أقدم رؤية نقدية جديدة خارجة على المألوف في إشكالية الدور الحضاري للتربية في بلدان الخليج العربية.

لكي تتضح هذه الرؤية الجديدة لأوضاع التعليم في الخليج وإشكالية الدور التربوي لا بد لنا من استعراض طبيعة الخطاب التربوي السائد في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة في تاريخ التطور الحضاري للمنطقة، حيث يمكننا التمييز بين نوعين من الخطاب التربوي الذي يهيمن في الساحة الفكرية التربوية.

 ويتمثل النوع الأول في الخطاب التمجيدي السائد الذي يعلي من شأن الأوضاع التربوية القائمة ويمثله هؤلاء المفكرون الذين كرسوا أنفسهم لتمجيد النظام التربوي العربي والثناء على كل ما فيه من مزايا وعطايا وسمات، وغالباً ما ينتسب هؤلاء المفكرون إلى الأيديولوجيا السائدة والأنظمة السياسية القائمة. وهذا الخطاب هو خطاب مؤسساتي تنتجه المؤسسات التربوية للدولة يقوم على تمجيد الدور الذي تؤديه التربية في خدمة المجتمع والأنظمة السياسية القائمة. ويتجلى هذا الخطاب بقوة في الكتابات العربية التربوية، حيث يقوم كثير من التربويين العرب بتقديم أنظمتهم التربوية على أنها الأفضل عالمياً والأجود عربياً. ومع الأسف الشديد فإن الاتجاه (الأنوي) التمجيدي هو الاتجاه السائد في النظام الفكري والتربوي العربي، ويأتي ذلك بتأثير عدد من المتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية. ويشكل هذا الاتجاه أحد أخطر عوامل الأزمة الحضارية والتربوية في العالم العربي وأشدها فتكاً وتدميراً، حيث يشكل جبهة لرفض التوجهات النقدية والعقلانية للتربية العربية.

ويأخذ النوع الثاني للخطاب التربوي طابعاً نقدياً، ويمثل هذا الاتجاه طليعة من المفكرين الذين تناولوا التربية العربية من منظور نقدي، ورغم أهمية هذا الاتجاه النقدي إلا أنه استنفد طاقته بالتكرار في خطاب واحد لم تتغير وتائره منذ نصف قرن ونيف. وليس غريباً أن تتواتر الكتابات النقدية على نغم واحد وتتحرك على إيقاع واحد قلما تغير. فالخطاب النقدي ما زال يعيد إنتاج نفسه بطريقة ساذجة لحقائق نجترها دائماً قوامها أن التربية في البلدان العربية تعيش مأزقاً وجودياً واختناقات حضارية تضع هذه البلدان بأنظمتها التربوية والاجتماعية خارج سياق التاريخ والحضارة الإنسانية. فالمفكرون العرب النقديون يعلنون عن وجود الأزمة التربوية ويصفونها بشكل جيد، لكنهم قلما يبحثون عن الحلول الممكنة، فأينما يممت وجهك ستراهم يعلنون عن أزمة التلقين والتعليم البنكي وأزمة انقطاع المناهج عن الواقع، وأن المعلم يعيش دوامة أزمة وجودية، وأن التربية تعاني من التسلط والقهر، وتقوم على أسس تقليدية، وأن الأنظمة التربوية العربية تعيش صراعات أيديولوجية مرعبة.

أزمة الفكر التربوي

تتمثل أزمة الفكر التربوي، كما أشرنا، في غياب كبير للفكر التربوي النقدي وحضور مكثف للفكر التربوي التقليدي الذي يقوم على تمجيد الذات ورفض التغيير والتجديد والعقلانية. وتتمثل أزمة الفكر النقدي التربوي في نمط من الشعارات التي لم تتغير والمقولات التي لم تتبدل على مرّ الزمن. وهذه الأزمة تشكل المهاد الحقيقي لأزمة ثقافية تربوية تتمثل في عقلية تقليدية مضادة للتجديد والتطوير والخروج من القوقعة الذاتية المحكومة بتصورات تقليدية أسطورية، كما تتمثل في تغييب كبير لكل مقومات الفكر النقدي والفلسفي والانكفاء على منظومة من الرؤى والمقولات المتعفنة تاريخياً، إذ تحولت الثقافة التربوية العربية تحت تأثير هذه التصورات إلى مستنقع كبير لفطريات ثقافية وأيديولوجية تفتك بكل بارقة تفكير أو نقد أو رؤى فلسفية، إنها ثقافة الركود والكساد على نسق من التصورات الأيديولوجية العدمية التي تمجد معطيات الماضي الغابر بمقولاته وأيديولوجياته وخرافاته بما ينطوي عليه من عفن فكري وتبلد ذهني وقبول صاغر لكل المقولات الاستلابية التي تُؤصل في العقول والأذهان منذ الطفولة والمدرسة الابتدائية حتى الكهولة ومراحل التخرج في الجامعة. فالإنسان لدينا يعيش حالة اغترابية بفعل ثقافة تربوية استلابية اغترابية قتلت كل إمكانات النقد والنظر والتأمل والاستيعاب العقلاني للوجود.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذا الجمود في الثقافة والفكر التربوي العربي المعاصر؟ سؤال صعب، ولكن الإجابة عنه ممكنة وليست مستحيلة. ويمكن أن نبدأ بنظرة خاطفة للتأمل في طبيعة المفكرين التربويين العرب وفي أصولهم الفكرية والأكاديمية، وتكفي نظرة سريعة لتضعنا أمام اكتشاف خطير لم يخطر في بال أحد من قبل، وهو أن المفكرين التربويين النقديين العرب لا ينتسبون إلى أرومات تربوية أكاديمية بأكثريتهم الساحقة، إذ تبين لي أن أغلب المفكرين الذين بحثوا في القضايا التربوية الكبرى بحثاً نقدياً لم يكونوا في الغالب تربويين أو من أصول تربوية أكاديمية، ومن كان تربوياً منهم ليس من أصول تربوية محضة، بل غالباً ما يكون هؤلاء المفكرون النقديون من خريجي كليات الفلسفة وعلم الاجتماع وكليات الفقه والدين، وهذا هو حال خلدون حسن النقيب في الكويت ومحمد جواد رضا في العراق وساطع الحصري وسامي الدروبي في سوريا، ومصطفى صفوان في مصر، ومحمد جابر الأنصاري في البحرين، ومحمد الرميحي وعبدالله النفيسي في الكويت، ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون ومحمد بو بكريفي المغرب ومحمد الترتوري في الأردن، وهناك عدد كبير من الكتّاب والمفكرين الذين تناولوا التربية تناولاً فلسفياً نقدياً. ويندر أن نجد مفكراً نقدياً خرج من الأوساط التربوية المحضة، أي من كليات التربية في العالم العربي.

لقد اطلعت على ملفين من ملفات (آراء حول الخليج) التي صدرت حول التربية، وكنت مندهشاً جداً لأن أغلب المفكرين الذين كتبوا في المحاور السابقة لم يكونوا تربويين بل من قطاعات أكاديمية أخرى. وقد يكون هذا الملف ربما دليلاً آخر على هذه الفكرة. وللتذكير فقط فإن أغلب من كتب في المحاور الفكرية التربوية كانوا غالباً مفكرين أكاديميين من قطاعات علم الاجتماع السياسة، الدين، الأدب، الصحافة، ويندر أن نجد مفكرين تربويين بالمعنى الأكاديمي للكلمة.

وعندما ننظر إلى كليات التربية في العالم العربي التي تمتد طولاً وعرضاً نجد اليوم غياباً للفكر التربوي النقدي أو غيره حتى إن بعض البلدان العربية تخلو اليوم من وجود مفكر تربوي واحد يسجل حضوره المميز في عالم الثقافة والفكر التربوي.

هذا الغياب للفكر التربوي في حاضناته التربوية أمر يثير الدهشة والاستغراب. إذ كيف ينتج الفكر التربوي بعيداً عن كليات التربية وفي مجالات فكرية أخرى؟ وكيف يموت هذا الفكر النقدي على أعتاب كليات التربية وينتهك على مذابحها؟

وهنا يمكننا أن نجزم بأن هذا الغياب الفكري ناجم عن وضعية مأزقية للتربية نفسها، بل يمكننا أن نجزم أيضاً بأن هذا الغياب يشكل أحد وجوه الأزمة التربوية الشاملة والعميقة في عالمنا العربي. فلماذا يغيب التفكير النقدي في التربية؟ ولماذا لا تستطيع الأنظمة التربوية الجامعية والأكاديمية أن تنتج وعياً تربوياً يتميز بشموله وعمقه وطابعه النقدي؟

الإجابة كما رصدناها تكمن في عملية تغييب الفكر النقدي في النظام التربوي برمته. إذ كيف يمكن لنظام تربوي يعتمد التلقين بأبشع صوره والتسلط في أفظع تجلياته، ونظام تربوي اخترقته الأيديولوجيا من السطح والقاع ومن اليمين واليسار، ونظام تربوي فقد صلته مع العقل وحارب الفلسفة والفكر النقدي، فكيف يمكن لمثل هذا النظام أن ينتج فكراً ونقداً وفلسفة ورؤى شمولية؟

والأخطر من ذلك كله أن الفكر التربوي النقدي يتراجع ويتقهقر تدريجياً، ففي كثير من الأحيان وفي بعض المؤتمرات التربوية يحاول فيها المنظمون دعوة خبراء وأساتذة جامعيين على مبدأ التنوع، أي أن يكون هناك محاضرون من سوريا ومصر والعراق…إلخ. وغالباً ما نجد أنه من الاستحالة بمكان العثور على مفكرين تربويين في هذا البلد أو ذاك، فسوريا كانت سابقاً رائدة في ميدان الفكر التربوي وعرفت مفكرين أفذاذ مثل ساطع الحصري وسامي الدروبي وفاخر عاقل وزكي الأرسوزي وغيرهم كثير، أما الآن فإنه من الصعب تماماً أن نجد في عشرات كليات التربية الممتدة على مساحة البلد بكامله مفكراً تربوياً واحداً يمتلك القدرة على بناء تصورات فكرية نقدية لأوضاع التربية وهمومها وشجونها. وهذا الحال نجده في أغلب الأقطار العربية المترامية بين الخليج والمحيط. وهذا التراجع ناجم بالضرورة عن تغييب الفكر النقدي وتنميط العقل بطريقة يتم فيها اعتقال التفكير واستلاب الوعي وتحنيط العقل ووضعه في دائرة الاعتقال والحكم عليه بالجمود والانكسار مرة واحدة ودفعة واحدة عبر مختلف مراحل الدراسة من الرياض إلى الجامعة.

تلك هي الحقيقة المرة، فالنظام التربوي لدينا يعمل وبصورة مستمرة على محاربة الفكر ونقض العقل وتهميش العقلانية، وهو وفقاً لهذه الصورة يغتذي بالشعارات والتمجيد والأيديولوجيات وعبادة الماضي، ويحارب كل صورة للتفكير المبدع الخلاق، فكيف له أن يؤسس لولادة مفكرين ومنظرين وفلاسفة حقيقيين يقومون على تطوير والنهوض بالمجتمع؟

ولو عدنا إلى كليات التربية والتعليم الجامعي لوجدنا أموراً غريبة تحدث وهي في مجملها تريد تدمير كل بارقة أمل في إنتاج فكر تربوي أو أجيال من المفكرين القادرين على مواجهة التحديات الكبرى للمجتمع والحضارة. لقد اجتهدت كليات التربية في العالم بمحاربة الفكر النقدي والفلسفي على مدى عقود من الزمن. وها هي بعض كليات التربية في العالم العربي تقوم حديثاً بإلغاء مقرر فلسفة التربية الذي يشكل عماد الفكر النقدي وأصل كل تفكير في مجال التربية.

ومن المؤسف أن هذه الكليات لم تقف عند هذا الحد، بل عملت على استبعاد العلوم الإنسانية الضرورية جداً لتشكيل وعي تربوي عقلاني، حيث لا نجد أثراً لمقررات أنثروبولوجيا التربية أو علم الاجتماع التربوي أو للتربية المقارنة أو اقتصاديات التربية أو فلسفة التربية أو مستقبليات التربية، أو منهج البحث العلمي في التربية، وهي المقررات التي تشكل عماد الفكر التربوي بالمطلق، حيث تحولت أقسام أصول التربية إلى أقسام تدرس مبادئ التربية وتاريخ التربية وأصول التربية وهي مقررات شكلية بالقياس إلى العلوم الحقيقية للتربية. وهذا كله جعل من الاستحالة بمكان توليد فكر تربوي نقدي حقيقي يمكنه إيجاد نخب من المفكرين النقديين الحقيقيين في مجال التربية والفكر التربوي. وباختصار هذه الكليات تعلن الحرب على العقل والعقلانية والعلم والمعرفة العلمية، وتبث أفكاراً وشعارات وأيديولوجيات قادرة على أن تفتك بالعقل والقدرات العقلية للطلاب في حاضرهم ومستقبلهم.

ومن ينظر عملياً إلى إمكانات الخريجين في هذه الكليات سيجد العجب، فالطلاب في نهاية المراحل الجامعية لا يستطيعون تحرير نص واضح بلغتهم العربية، وكثير منهم يعتمد في الدراسات العليا على تجار الشهادات العلمية الذين يكتبون ويحررون لهؤلاء طروحاتهم. وعندما يعودون فإنهم يعودون بألقاب علمية فضفاضة خاوية فارغة من المعنى. لكن ألقابهم تتيح لهم الوصول إلى أعلى المناصب ليشكلوا منطلقاً جديداً للفساد العلمي والتربوي في بلدانهم. 

موضة الإصلاح التربوي

أصبح الإصلاح التربوي موضة فصلية أو سنوية في دول الخليج العربية ورواد الإصلاح يركبون كل موجة حضارية عابرة لبناء الاستراتيجيات والخطط والإصلاحات التي تغص بها الأدراج الحكومية بصورة موسمية متواترة. وعلى الرغم من تعدد هذه الإصلاحات فإنه لا يوجد إصلاح في جوهر الأمر أو حقيقته. والغريب في الأمر أنه في الدولة الواحدة قد تكون هناك أكثر من استراتيجية للإصلاح التربوي وفقاً لتعدد الهيئات التربوية المعنية بالأمر. ففي البلدان المتقدمة التي عرفت إصلاحات تربوية حقيقية نجد أن المسافة الفاصلة ما بين إصلاح وآخر قد تأخذ مدة عقد أو عقدين من الزمن، لكن الإصلاحات في بلداننا تحدث في المواسم والمناسبات، وفي كل لحظة يتلقف فيها المعنيون بالأمر إشارة سياسية يشدون إليها الهمم لامتصاص الرغبة السياسية في إصلاحات شكلية لا قيمة لها من حيث التطبيقات ومن حيث الممارسة الواقعية.

والخطورة أكبر عندما ندرك التجليات الساذجة لمفهوم الإصلاح التربوي، كما يتجلى في عقول المعنيين بالأمر، حيث لا يتعدى هذا الإصلاح في تصورهم حدود ندوة أو مؤتمر تناقش فيه عدة أوراق ثم تكلف لجنة بإعداد استراتيجيات تربوية في غضون أيام أو أسابيع. وما يحدث أن اللجنة تكلف من أحد أعضائها ممن يسمى خبيراً لكتابة نص الاستراتيجية الجديدة التي تكون غالباً منظومة من الشعارات والخطابات التي لا يمكن ترجمتها واقعياً.

ومن المعروف علمياً أن عملية بناء خطة للإصلاح التربوي تحتاج إلى عدد كبير من المفكرين والباحثين والمتخصصين والذين يخضعون النظام التربوي برمته للدراسات الميدانية، ويستكشفون نواحي ضعفه وقصوره، ويحددون مكامن أزماته واختناقاته، ثم يجتمع فريق وطني من السياسيين والتربويين ورجال الأعمال والمعلمين والأدباء والمؤرخين وممثلين عن كل فئات المجتمع لوضع استراتيجية إصلاحية تنهض بالمجتمع والتعليم إلى المستويات المطلوبة. وهذه العملية تستغرق مالاً وزمناً وجهداً كبيراً في مختلف المستويات.

وما يجري في بلداننا أن تكلفة هذه الاستراتيجية لا تتجاوز خمسة آلاف دولار تمنح كمكافأة متأخرة لمن قام بصوغ الاستراتيجية ووضع لمساتها في حين أن عملية إصلاح من هذا النوع تكلف في البلدان المتقدمة ملايين الدولارات التي تنفق على البحوث والدراسات والتقصيات الجادة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأنثروبولوجية التي تتناول مختلف جوانب الأنظمة التعليمية.

كنت أعمل مستشاراً في جهة تربوية حكومية وفي أحد الأيام دعاني المسؤول عن هذه الجهة وطلب مني أن أضع له استراتيجية تربوية للنهوض بالعملية التربوية وتطويرها في البلاد، وطلب مني أن أنجز هذا العمل خلال أيام معدودة. وقد ذهلت لهذا الأمر وقلت له إن إعداد استراتيجية يحتاج إلى فريق من الباحثين والمتخصصين، فنظر إلي بدهشة واستغراب قائلاً لي هذه الاستراتيجية يستطيع أي موظف عادي في وزارة التربية أن يقوم بإعدادها في ظرف يومين أو ثلاثة فكيف لا تستطيع أنت أن تفعل ذلك وأنت الخبير في قضايا التربية وشؤونها؟ فأدركت مدى الشكلية التي تصاغ فيها الاستراتيجيات والخطط التربوية في بلداننا.

وما يلفت الانتباه أن مفهوم الإصلاح قد غيّب تماماً اليوم وبدأت الوزارات تستخدم مفهوم التطوير، وهذا يعني أن حالة التعليم بألف خير، وما يتوجب على الوزارات صنعه هو عملية تحسين النظام والانتقال به من حالة جيدة إلى حالة أجود ومن وضع ممتاز إلى وضع أكثر تميزاً. وهذه الصورة عن التطوير خطرة جداً، حيث يتم ترسيخ الأوضاع المأزومة للتعليم وتأصيل مرتكزات الضعف والانهيار في هذا التعليم.

اقتناص المبادرات السياسية

في بلدان الخليج، وهذا ينسحب على البلدان العربية، غالباً ما يكون الحس السياسي أعمق بكثير من التفكير الأكاديمي والحكومي وأكثر استشرافاً للواقع وإحساساً بضرورة التطوير. وهذا ما حدث في الكويت حيث كان أمراء البلاد يوعزون دائماً بأهمية التطوير والإصلاح والتغيير والتحديث والشواهد على ذلك لا تحصى ولا تعد، نذكر منها أن المكاسب التي حققتها المرأة الكويتية والتي كانت بعزم وتصميم الإرادة السياسية العليا للبلاد.

لكن أحياناً كثيرة لا تجد هذه الطموحات المناخ الأكاديمي والحكومي الأمثل كي تتحقق بل تعمل الإدارات الحكومية وبالطبع من دون أن تقصد ذلك على امتصاص هذه الطاقة وتفريغها من مضامينها الأساسية.

ففي إحدى الخطب السامية تضمن خطاب أمير البلاد رغبة أميرية في تطوير البحث العلمي، وسرعان ما تلقفت الإدارات الحكومية هذه الرغبة الأميرية في موجة من التسابق على إجراء البحث العلمي بكيفيات أدت إلى إلحاق أشد الضرر بالبحث العلمي في البلاد، حيث أوعز كل مسؤول ووزير إلى أعوانه بالاهتمام بهذا الموضوع وإيجاد سبل لتشجيع البحث العلمي، وكانت النتيجة أن كل مؤسسة أو وزارة قامت بتكليف عدد كبير من موظفيها بإجراء أبحاث ودراسات علمية، واستطاع هؤلاء الموظفون غمر البلاد باستباناتهم ودراساتهم السطحية الجوفاء والتي لا تحمل أي دلالة علمية أو قيمة منهجية، وانتهت هذه الموجة بإضعاف مفهوم البحث العلمي ودلالته وجردته من قيمته وأصالته، حيث أصبح البحث العلمي عمل الموظفين والإداريين الذين لا يعرفون أبجديات البحث أو معناه أو دلالته أو قيمته. وفي حينها توقف الباحثون الحقيقيون عن متابعة أبحاثهم بانتظار توقف هذا (التسونامي) العلمي الذي اكتسح كل قيمة علمية في طريقه ودمرها.

وهذا هو الحال عندما لمح أمير البلاد إلى أهمية التنمية، حيث تسارعت المؤسسات والوزارات للاهتمام بهذا الموضوع فجأة ودون سابق إنذار، لكن بطريقة الفوران الذي يخمد مع دورة الأيام. وهذا هو حال الإصلاح، فما إن يجد المعنيون بالأمر إشارة سياسية حتى يتسارعوا فيعقدون الندوات والمؤتمرات ويشكلون اللجان حتى تخمد الدلالة الحقيقية لهذه الإشارة مع تقادم الزمن وينتظر المنتظرون إشارات جديدة.

وما أعنيه هنا أن العلم والإصلاح لا يكونان بركوب الموجات، بل يجب أن تكون هذه الأمور مبرمجة في دائرة الزمن على مدى السنين بحيث لا يكون التجاوب مع الإشارات السياسية تجاوباً مناوراً يشتد عندما تشتد الإشارة ويضعف مع دورة الزمن وحركة الأيام.

وباختصار لا توجد هناك مرتكزات حقيقية للإصلاح والتطوير، ومؤسساتنا لا تخرج عن كونها مؤسسات للمناورة، وهذا يعني أنها تفتقر إلى الرؤى الاستراتيجية البعيدة المدى والتي تستنفر الواقع وتترقب الأحداث والنتائج وتبحث عن سبل الإصلاح بطريقة مستمرة ودائمة ومتواصلة وحثيثة لا تتغير فاعليتها على إيقاعات الاهتمام السياسي أو الطفرات الفكرية والاجتماعية.

ويمكنني أن أسرد كثيراً من القضايا التي فجرتها الأحداث مثل تغيير المناهج على موجة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث لم يفكر أحد قبلاً بهذا الموضوع، ثم موجة الإرهاب، ثم موجة الإصلاح، ثم موجة العولمة، والآن موجة التنمية. وكل هذه الأمور قلما يفكر فيها أحد إن لم تأت بإشارة سياسية أو تلميح إداري يفجر اهتمامنا ويدفعنا إلى ما لم نكن قد فكرنا فيه يوماً ما.

التغيير الجذري

يقول أفلاطون في جمهوريته (لا يمكن إصلاح مدينة بصغار أفسدهم كبارهم)، وكيف لنا أن نصلح نظاماً تربوياً بعقلية ماضوية تمجيدية غير قادرة على استكشاف الحاضر أو استشراف المستقبل. وإنني على يقين بأننا لا نمتلك الخبرات الوطنية التي يمكنها أن تغير وتصلح وتطور. إذ كيف يمكن لنظام تربوي يعادي العقل ويرفض العلم ويناكف الفلسفة أن ينتج مفكرين ومصلحين نقديين قادرين على تطوير النظام التربوي وتحريره من الجمود القاتل المميت؟

لكم سررت يوماً أن أحد مراكز البحوث العلمية والتربوية قد أرسل كتاباً إلى الجامعة يناشد فيها الباحثين وأساتذة الجامعة العمل على ترجمة الكتب الأجنبية المهمة إلى العربية، وأن المركز سيقدم مكافأة للباحثين والمترجمين وسيطبع لهم الكتاب على نفقته. وقد سررت بالخبر فرفعت قائمة ببعض الكتب التي وجدتها مهمة جداً وضرورية جداً، منها كتاب حول المنهجية العلمية للتخطيط التربوي في البلدان الصغيرة. وتقدمت باقتراحي هذا عبر القسم ووافق القسم عليه بعد طول حوار وجدل ونقاش، وبعد أشهر جاءني كتاب بالموافقة فكدت أقفز من الفرح لأنني سأقوم بترجمة هذا الكتاب المهم، لكنني ما إن استرسلت في قراءة الموافقة حتى أصبت بخيبة أمل كبيرة حيث تضمنت الموافقة شرطاً أن أحصل على موافقة الجهة التي أصدرت الكتاب. واتصلت على مضض بالجهة المعنية فوجدت أن الجهة صاحبة الحق في الكتاب طلبت مني تعويضاً قدره سبعة آلاف دولار، وللعلم فإن مكافأة الكتاب ستكون بعد الترجمة حوالي ثلاثة آلاف دولار. وهذا يعني أنه يجب علي أن أخسر مبلغ أربعة آلاف دولار كي أترجم الكتاب، واكتشفت لاحقاً أن المركز يعتمد هذه المنهجية بالنسبة لجميع الباحثين. وهنا عرفت أن التشجيع على البحث العلمي هو ترف إداري وليس حقيقة علمية أو واقعية وهذا الأمر لا يحدث في أي مكان في العالم لأن الحصول على الموافقة هو عصب القضية وليس طباعة الكتاب التي لا تكلف إلا القليل.

فكيف يمكن أن نصلح ونطور ونتقدم؟ إذ يندر تماماً أن نجد ترجمة لأي كتاب جديد في عالم الفكر التربوي، وهناك مئات الكتب بل آلاف منها يجب أن تترجم فوراً إذا شئنا أن نتقدم على دروب المعرفة العلمية في المجال التربوي وغيره.

فالكويت تطرح نفسها اليوم أن تكون مركزاً مالياً عالمياً وهذا أمر في غاية الأهمية، لكننا نجزم بأن تحويل الكويت إلى مركز مالي يحتاج إلى نظام تربوي مختلف بكل المقاييس والمعايير. فالنظام التربوي الذي يعاني مختلف صيغ الاختناقات والأزمات في المستويين الأيديولوجي والعقلاني، في مستوى المعلم والمناهج، وسوق العامل سيكون عقبة أمام التغيير المتوقع. وإذا شئنا حقاً الانتقال بالكويت أو أي بلد خليجي إلى مستوى العالمية فإن هذا لا يكون إلا بـ (تثوير) وتغيير جذري للنظام التربوي القائم في مختلف مستوياته وتشكيلاته وصيغه وطموحاته وتمنياته. وبالتالي فإن التغيير الجذري المنتظر يجب أن يقوم على ركائز عقلانية جداً ومدروسة جداً على خلاف ما نراه من إصلاحات تربوية تراجيدية تعمق الاختناقات وتكثف الأزمات بدلاً من إيجاد الحلول لها.

يقول حسن حسين البيلاوي في مقال له حول الإصلاح التربوي في العالم الثالث: (إن الإصلاح التربوي، الفعال القادر على تجاوز ما يسمى أزمة التعليم في المجتمعات النامية، هو ذلك الإصلاح الراديكالي الذي يقوم على تضافر كل الجهود الوطنية في استغلال كل المصادر التربوية المتاحة في المجتمع وكل الأنماط والوسائل التعليمية الممكن استغلالها استغلالاً فعالاً لتحقيق التنمية القومية الشاملة، والإصلاح التربوي بهذا المعنى هو بالأحرى مسألة نضال سياسي واجتماعي تقوم به الجماهير الواعية في إطار حركة تغير شامل).

أخيراً إن المأساة كبيرة جداً، ونحن لا نحتاج إلى تطوير أو إصلاح أو ترقيع، بل نحتاج إلى تغيير جذري، إلى (تثوير) تربوي حقيقي، إلى هدم لأركان النظام التربوي القائم وإعادة بنائه على أسس حضارية إنسانية جديدة تتجاوب مع تطلعات المجتمع وطموحاته الكبرى في عالم لا يعرف غير التقدم والتطور والحداثة والثورة. إننا في عالم يطفح بالثورات ثورة الميديا والجينات وثورة المعرفة والثورة الرقمية والثورة في مختلف الميادين وهذه الثورات المعرفية تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى ثورة في مجال التربية والمعرفة، ثورة إبيستمولوجية تحطم كل عوامل الجمود والانغلاق والعبثية والصراعات الأيديولوجية من أجل بناء مجتمع حضاري متقدم ينطلق على مسارات تربوية بعيدة المدى. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::844::/cck::
::introtext::

عندما شرفتني مجلة (آراء حول الخليج) بنداء المشاركة في هذا المحور تأملت كثيراً في الأمر وترويت فيه وقررت أن أبتعد ما أمكنني ذلك عن إعادة إنتاج الصورة النمطية للنقد التربوي الذي ألفناه في الكتابات العربية السائدة، وآثرت أن أخرج من هذه الحلقة المفرغة، وأن أقدم رؤية نقدية جديدة خارجة على المألوف في إشكالية الدور الحضاري للتربية في بلدان الخليج العربية. 

::/introtext::
::fulltext::

عندما شرفتني مجلة (آراء حول الخليج) بنداء المشاركة في هذا المحور تأملت كثيراً في الأمر وترويت فيه وقررت أن أبتعد ما أمكنني ذلك عن إعادة إنتاج الصورة النمطية للنقد التربوي الذي ألفناه في الكتابات العربية السائدة، وآثرت أن أخرج من هذه الحلقة المفرغة، وأن أقدم رؤية نقدية جديدة خارجة على المألوف في إشكالية الدور الحضاري للتربية في بلدان الخليج العربية.

لكي تتضح هذه الرؤية الجديدة لأوضاع التعليم في الخليج وإشكالية الدور التربوي لا بد لنا من استعراض طبيعة الخطاب التربوي السائد في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة في تاريخ التطور الحضاري للمنطقة، حيث يمكننا التمييز بين نوعين من الخطاب التربوي الذي يهيمن في الساحة الفكرية التربوية.

 ويتمثل النوع الأول في الخطاب التمجيدي السائد الذي يعلي من شأن الأوضاع التربوية القائمة ويمثله هؤلاء المفكرون الذين كرسوا أنفسهم لتمجيد النظام التربوي العربي والثناء على كل ما فيه من مزايا وعطايا وسمات، وغالباً ما ينتسب هؤلاء المفكرون إلى الأيديولوجيا السائدة والأنظمة السياسية القائمة. وهذا الخطاب هو خطاب مؤسساتي تنتجه المؤسسات التربوية للدولة يقوم على تمجيد الدور الذي تؤديه التربية في خدمة المجتمع والأنظمة السياسية القائمة. ويتجلى هذا الخطاب بقوة في الكتابات العربية التربوية، حيث يقوم كثير من التربويين العرب بتقديم أنظمتهم التربوية على أنها الأفضل عالمياً والأجود عربياً. ومع الأسف الشديد فإن الاتجاه (الأنوي) التمجيدي هو الاتجاه السائد في النظام الفكري والتربوي العربي، ويأتي ذلك بتأثير عدد من المتغيرات الاجتماعية والفكرية والسياسية. ويشكل هذا الاتجاه أحد أخطر عوامل الأزمة الحضارية والتربوية في العالم العربي وأشدها فتكاً وتدميراً، حيث يشكل جبهة لرفض التوجهات النقدية والعقلانية للتربية العربية.

ويأخذ النوع الثاني للخطاب التربوي طابعاً نقدياً، ويمثل هذا الاتجاه طليعة من المفكرين الذين تناولوا التربية العربية من منظور نقدي، ورغم أهمية هذا الاتجاه النقدي إلا أنه استنفد طاقته بالتكرار في خطاب واحد لم تتغير وتائره منذ نصف قرن ونيف. وليس غريباً أن تتواتر الكتابات النقدية على نغم واحد وتتحرك على إيقاع واحد قلما تغير. فالخطاب النقدي ما زال يعيد إنتاج نفسه بطريقة ساذجة لحقائق نجترها دائماً قوامها أن التربية في البلدان العربية تعيش مأزقاً وجودياً واختناقات حضارية تضع هذه البلدان بأنظمتها التربوية والاجتماعية خارج سياق التاريخ والحضارة الإنسانية. فالمفكرون العرب النقديون يعلنون عن وجود الأزمة التربوية ويصفونها بشكل جيد، لكنهم قلما يبحثون عن الحلول الممكنة، فأينما يممت وجهك ستراهم يعلنون عن أزمة التلقين والتعليم البنكي وأزمة انقطاع المناهج عن الواقع، وأن المعلم يعيش دوامة أزمة وجودية، وأن التربية تعاني من التسلط والقهر، وتقوم على أسس تقليدية، وأن الأنظمة التربوية العربية تعيش صراعات أيديولوجية مرعبة.

أزمة الفكر التربوي

تتمثل أزمة الفكر التربوي، كما أشرنا، في غياب كبير للفكر التربوي النقدي وحضور مكثف للفكر التربوي التقليدي الذي يقوم على تمجيد الذات ورفض التغيير والتجديد والعقلانية. وتتمثل أزمة الفكر النقدي التربوي في نمط من الشعارات التي لم تتغير والمقولات التي لم تتبدل على مرّ الزمن. وهذه الأزمة تشكل المهاد الحقيقي لأزمة ثقافية تربوية تتمثل في عقلية تقليدية مضادة للتجديد والتطوير والخروج من القوقعة الذاتية المحكومة بتصورات تقليدية أسطورية، كما تتمثل في تغييب كبير لكل مقومات الفكر النقدي والفلسفي والانكفاء على منظومة من الرؤى والمقولات المتعفنة تاريخياً، إذ تحولت الثقافة التربوية العربية تحت تأثير هذه التصورات إلى مستنقع كبير لفطريات ثقافية وأيديولوجية تفتك بكل بارقة تفكير أو نقد أو رؤى فلسفية، إنها ثقافة الركود والكساد على نسق من التصورات الأيديولوجية العدمية التي تمجد معطيات الماضي الغابر بمقولاته وأيديولوجياته وخرافاته بما ينطوي عليه من عفن فكري وتبلد ذهني وقبول صاغر لكل المقولات الاستلابية التي تُؤصل في العقول والأذهان منذ الطفولة والمدرسة الابتدائية حتى الكهولة ومراحل التخرج في الجامعة. فالإنسان لدينا يعيش حالة اغترابية بفعل ثقافة تربوية استلابية اغترابية قتلت كل إمكانات النقد والنظر والتأمل والاستيعاب العقلاني للوجود.

والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا كل هذا الجمود في الثقافة والفكر التربوي العربي المعاصر؟ سؤال صعب، ولكن الإجابة عنه ممكنة وليست مستحيلة. ويمكن أن نبدأ بنظرة خاطفة للتأمل في طبيعة المفكرين التربويين العرب وفي أصولهم الفكرية والأكاديمية، وتكفي نظرة سريعة لتضعنا أمام اكتشاف خطير لم يخطر في بال أحد من قبل، وهو أن المفكرين التربويين النقديين العرب لا ينتسبون إلى أرومات تربوية أكاديمية بأكثريتهم الساحقة، إذ تبين لي أن أغلب المفكرين الذين بحثوا في القضايا التربوية الكبرى بحثاً نقدياً لم يكونوا في الغالب تربويين أو من أصول تربوية أكاديمية، ومن كان تربوياً منهم ليس من أصول تربوية محضة، بل غالباً ما يكون هؤلاء المفكرون النقديون من خريجي كليات الفلسفة وعلم الاجتماع وكليات الفقه والدين، وهذا هو حال خلدون حسن النقيب في الكويت ومحمد جواد رضا في العراق وساطع الحصري وسامي الدروبي في سوريا، ومصطفى صفوان في مصر، ومحمد جابر الأنصاري في البحرين، ومحمد الرميحي وعبدالله النفيسي في الكويت، ومحمد عابد الجابري ومحمد أركون ومحمد بو بكريفي المغرب ومحمد الترتوري في الأردن، وهناك عدد كبير من الكتّاب والمفكرين الذين تناولوا التربية تناولاً فلسفياً نقدياً. ويندر أن نجد مفكراً نقدياً خرج من الأوساط التربوية المحضة، أي من كليات التربية في العالم العربي.

لقد اطلعت على ملفين من ملفات (آراء حول الخليج) التي صدرت حول التربية، وكنت مندهشاً جداً لأن أغلب المفكرين الذين كتبوا في المحاور السابقة لم يكونوا تربويين بل من قطاعات أكاديمية أخرى. وقد يكون هذا الملف ربما دليلاً آخر على هذه الفكرة. وللتذكير فقط فإن أغلب من كتب في المحاور الفكرية التربوية كانوا غالباً مفكرين أكاديميين من قطاعات علم الاجتماع السياسة، الدين، الأدب، الصحافة، ويندر أن نجد مفكرين تربويين بالمعنى الأكاديمي للكلمة.

وعندما ننظر إلى كليات التربية في العالم العربي التي تمتد طولاً وعرضاً نجد اليوم غياباً للفكر التربوي النقدي أو غيره حتى إن بعض البلدان العربية تخلو اليوم من وجود مفكر تربوي واحد يسجل حضوره المميز في عالم الثقافة والفكر التربوي.

هذا الغياب للفكر التربوي في حاضناته التربوية أمر يثير الدهشة والاستغراب. إذ كيف ينتج الفكر التربوي بعيداً عن كليات التربية وفي مجالات فكرية أخرى؟ وكيف يموت هذا الفكر النقدي على أعتاب كليات التربية وينتهك على مذابحها؟

وهنا يمكننا أن نجزم بأن هذا الغياب الفكري ناجم عن وضعية مأزقية للتربية نفسها، بل يمكننا أن نجزم أيضاً بأن هذا الغياب يشكل أحد وجوه الأزمة التربوية الشاملة والعميقة في عالمنا العربي. فلماذا يغيب التفكير النقدي في التربية؟ ولماذا لا تستطيع الأنظمة التربوية الجامعية والأكاديمية أن تنتج وعياً تربوياً يتميز بشموله وعمقه وطابعه النقدي؟

الإجابة كما رصدناها تكمن في عملية تغييب الفكر النقدي في النظام التربوي برمته. إذ كيف يمكن لنظام تربوي يعتمد التلقين بأبشع صوره والتسلط في أفظع تجلياته، ونظام تربوي اخترقته الأيديولوجيا من السطح والقاع ومن اليمين واليسار، ونظام تربوي فقد صلته مع العقل وحارب الفلسفة والفكر النقدي، فكيف يمكن لمثل هذا النظام أن ينتج فكراً ونقداً وفلسفة ورؤى شمولية؟

والأخطر من ذلك كله أن الفكر التربوي النقدي يتراجع ويتقهقر تدريجياً، ففي كثير من الأحيان وفي بعض المؤتمرات التربوية يحاول فيها المنظمون دعوة خبراء وأساتذة جامعيين على مبدأ التنوع، أي أن يكون هناك محاضرون من سوريا ومصر والعراق…إلخ. وغالباً ما نجد أنه من الاستحالة بمكان العثور على مفكرين تربويين في هذا البلد أو ذاك، فسوريا كانت سابقاً رائدة في ميدان الفكر التربوي وعرفت مفكرين أفذاذ مثل ساطع الحصري وسامي الدروبي وفاخر عاقل وزكي الأرسوزي وغيرهم كثير، أما الآن فإنه من الصعب تماماً أن نجد في عشرات كليات التربية الممتدة على مساحة البلد بكامله مفكراً تربوياً واحداً يمتلك القدرة على بناء تصورات فكرية نقدية لأوضاع التربية وهمومها وشجونها. وهذا الحال نجده في أغلب الأقطار العربية المترامية بين الخليج والمحيط. وهذا التراجع ناجم بالضرورة عن تغييب الفكر النقدي وتنميط العقل بطريقة يتم فيها اعتقال التفكير واستلاب الوعي وتحنيط العقل ووضعه في دائرة الاعتقال والحكم عليه بالجمود والانكسار مرة واحدة ودفعة واحدة عبر مختلف مراحل الدراسة من الرياض إلى الجامعة.

تلك هي الحقيقة المرة، فالنظام التربوي لدينا يعمل وبصورة مستمرة على محاربة الفكر ونقض العقل وتهميش العقلانية، وهو وفقاً لهذه الصورة يغتذي بالشعارات والتمجيد والأيديولوجيات وعبادة الماضي، ويحارب كل صورة للتفكير المبدع الخلاق، فكيف له أن يؤسس لولادة مفكرين ومنظرين وفلاسفة حقيقيين يقومون على تطوير والنهوض بالمجتمع؟

ولو عدنا إلى كليات التربية والتعليم الجامعي لوجدنا أموراً غريبة تحدث وهي في مجملها تريد تدمير كل بارقة أمل في إنتاج فكر تربوي أو أجيال من المفكرين القادرين على مواجهة التحديات الكبرى للمجتمع والحضارة. لقد اجتهدت كليات التربية في العالم بمحاربة الفكر النقدي والفلسفي على مدى عقود من الزمن. وها هي بعض كليات التربية في العالم العربي تقوم حديثاً بإلغاء مقرر فلسفة التربية الذي يشكل عماد الفكر النقدي وأصل كل تفكير في مجال التربية.

ومن المؤسف أن هذه الكليات لم تقف عند هذا الحد، بل عملت على استبعاد العلوم الإنسانية الضرورية جداً لتشكيل وعي تربوي عقلاني، حيث لا نجد أثراً لمقررات أنثروبولوجيا التربية أو علم الاجتماع التربوي أو للتربية المقارنة أو اقتصاديات التربية أو فلسفة التربية أو مستقبليات التربية، أو منهج البحث العلمي في التربية، وهي المقررات التي تشكل عماد الفكر التربوي بالمطلق، حيث تحولت أقسام أصول التربية إلى أقسام تدرس مبادئ التربية وتاريخ التربية وأصول التربية وهي مقررات شكلية بالقياس إلى العلوم الحقيقية للتربية. وهذا كله جعل من الاستحالة بمكان توليد فكر تربوي نقدي حقيقي يمكنه إيجاد نخب من المفكرين النقديين الحقيقيين في مجال التربية والفكر التربوي. وباختصار هذه الكليات تعلن الحرب على العقل والعقلانية والعلم والمعرفة العلمية، وتبث أفكاراً وشعارات وأيديولوجيات قادرة على أن تفتك بالعقل والقدرات العقلية للطلاب في حاضرهم ومستقبلهم.

ومن ينظر عملياً إلى إمكانات الخريجين في هذه الكليات سيجد العجب، فالطلاب في نهاية المراحل الجامعية لا يستطيعون تحرير نص واضح بلغتهم العربية، وكثير منهم يعتمد في الدراسات العليا على تجار الشهادات العلمية الذين يكتبون ويحررون لهؤلاء طروحاتهم. وعندما يعودون فإنهم يعودون بألقاب علمية فضفاضة خاوية فارغة من المعنى. لكن ألقابهم تتيح لهم الوصول إلى أعلى المناصب ليشكلوا منطلقاً جديداً للفساد العلمي والتربوي في بلدانهم. 

موضة الإصلاح التربوي

أصبح الإصلاح التربوي موضة فصلية أو سنوية في دول الخليج العربية ورواد الإصلاح يركبون كل موجة حضارية عابرة لبناء الاستراتيجيات والخطط والإصلاحات التي تغص بها الأدراج الحكومية بصورة موسمية متواترة. وعلى الرغم من تعدد هذه الإصلاحات فإنه لا يوجد إصلاح في جوهر الأمر أو حقيقته. والغريب في الأمر أنه في الدولة الواحدة قد تكون هناك أكثر من استراتيجية للإصلاح التربوي وفقاً لتعدد الهيئات التربوية المعنية بالأمر. ففي البلدان المتقدمة التي عرفت إصلاحات تربوية حقيقية نجد أن المسافة الفاصلة ما بين إصلاح وآخر قد تأخذ مدة عقد أو عقدين من الزمن، لكن الإصلاحات في بلداننا تحدث في المواسم والمناسبات، وفي كل لحظة يتلقف فيها المعنيون بالأمر إشارة سياسية يشدون إليها الهمم لامتصاص الرغبة السياسية في إصلاحات شكلية لا قيمة لها من حيث التطبيقات ومن حيث الممارسة الواقعية.

والخطورة أكبر عندما ندرك التجليات الساذجة لمفهوم الإصلاح التربوي، كما يتجلى في عقول المعنيين بالأمر، حيث لا يتعدى هذا الإصلاح في تصورهم حدود ندوة أو مؤتمر تناقش فيه عدة أوراق ثم تكلف لجنة بإعداد استراتيجيات تربوية في غضون أيام أو أسابيع. وما يحدث أن اللجنة تكلف من أحد أعضائها ممن يسمى خبيراً لكتابة نص الاستراتيجية الجديدة التي تكون غالباً منظومة من الشعارات والخطابات التي لا يمكن ترجمتها واقعياً.

ومن المعروف علمياً أن عملية بناء خطة للإصلاح التربوي تحتاج إلى عدد كبير من المفكرين والباحثين والمتخصصين والذين يخضعون النظام التربوي برمته للدراسات الميدانية، ويستكشفون نواحي ضعفه وقصوره، ويحددون مكامن أزماته واختناقاته، ثم يجتمع فريق وطني من السياسيين والتربويين ورجال الأعمال والمعلمين والأدباء والمؤرخين وممثلين عن كل فئات المجتمع لوضع استراتيجية إصلاحية تنهض بالمجتمع والتعليم إلى المستويات المطلوبة. وهذه العملية تستغرق مالاً وزمناً وجهداً كبيراً في مختلف المستويات.

وما يجري في بلداننا أن تكلفة هذه الاستراتيجية لا تتجاوز خمسة آلاف دولار تمنح كمكافأة متأخرة لمن قام بصوغ الاستراتيجية ووضع لمساتها في حين أن عملية إصلاح من هذا النوع تكلف في البلدان المتقدمة ملايين الدولارات التي تنفق على البحوث والدراسات والتقصيات الجادة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والأنثروبولوجية التي تتناول مختلف جوانب الأنظمة التعليمية.

كنت أعمل مستشاراً في جهة تربوية حكومية وفي أحد الأيام دعاني المسؤول عن هذه الجهة وطلب مني أن أضع له استراتيجية تربوية للنهوض بالعملية التربوية وتطويرها في البلاد، وطلب مني أن أنجز هذا العمل خلال أيام معدودة. وقد ذهلت لهذا الأمر وقلت له إن إعداد استراتيجية يحتاج إلى فريق من الباحثين والمتخصصين، فنظر إلي بدهشة واستغراب قائلاً لي هذه الاستراتيجية يستطيع أي موظف عادي في وزارة التربية أن يقوم بإعدادها في ظرف يومين أو ثلاثة فكيف لا تستطيع أنت أن تفعل ذلك وأنت الخبير في قضايا التربية وشؤونها؟ فأدركت مدى الشكلية التي تصاغ فيها الاستراتيجيات والخطط التربوية في بلداننا.

وما يلفت الانتباه أن مفهوم الإصلاح قد غيّب تماماً اليوم وبدأت الوزارات تستخدم مفهوم التطوير، وهذا يعني أن حالة التعليم بألف خير، وما يتوجب على الوزارات صنعه هو عملية تحسين النظام والانتقال به من حالة جيدة إلى حالة أجود ومن وضع ممتاز إلى وضع أكثر تميزاً. وهذه الصورة عن التطوير خطرة جداً، حيث يتم ترسيخ الأوضاع المأزومة للتعليم وتأصيل مرتكزات الضعف والانهيار في هذا التعليم.

اقتناص المبادرات السياسية

في بلدان الخليج، وهذا ينسحب على البلدان العربية، غالباً ما يكون الحس السياسي أعمق بكثير من التفكير الأكاديمي والحكومي وأكثر استشرافاً للواقع وإحساساً بضرورة التطوير. وهذا ما حدث في الكويت حيث كان أمراء البلاد يوعزون دائماً بأهمية التطوير والإصلاح والتغيير والتحديث والشواهد على ذلك لا تحصى ولا تعد، نذكر منها أن المكاسب التي حققتها المرأة الكويتية والتي كانت بعزم وتصميم الإرادة السياسية العليا للبلاد.

لكن أحياناً كثيرة لا تجد هذه الطموحات المناخ الأكاديمي والحكومي الأمثل كي تتحقق بل تعمل الإدارات الحكومية وبالطبع من دون أن تقصد ذلك على امتصاص هذه الطاقة وتفريغها من مضامينها الأساسية.

ففي إحدى الخطب السامية تضمن خطاب أمير البلاد رغبة أميرية في تطوير البحث العلمي، وسرعان ما تلقفت الإدارات الحكومية هذه الرغبة الأميرية في موجة من التسابق على إجراء البحث العلمي بكيفيات أدت إلى إلحاق أشد الضرر بالبحث العلمي في البلاد، حيث أوعز كل مسؤول ووزير إلى أعوانه بالاهتمام بهذا الموضوع وإيجاد سبل لتشجيع البحث العلمي، وكانت النتيجة أن كل مؤسسة أو وزارة قامت بتكليف عدد كبير من موظفيها بإجراء أبحاث ودراسات علمية، واستطاع هؤلاء الموظفون غمر البلاد باستباناتهم ودراساتهم السطحية الجوفاء والتي لا تحمل أي دلالة علمية أو قيمة منهجية، وانتهت هذه الموجة بإضعاف مفهوم البحث العلمي ودلالته وجردته من قيمته وأصالته، حيث أصبح البحث العلمي عمل الموظفين والإداريين الذين لا يعرفون أبجديات البحث أو معناه أو دلالته أو قيمته. وفي حينها توقف الباحثون الحقيقيون عن متابعة أبحاثهم بانتظار توقف هذا (التسونامي) العلمي الذي اكتسح كل قيمة علمية في طريقه ودمرها.

وهذا هو الحال عندما لمح أمير البلاد إلى أهمية التنمية، حيث تسارعت المؤسسات والوزارات للاهتمام بهذا الموضوع فجأة ودون سابق إنذار، لكن بطريقة الفوران الذي يخمد مع دورة الأيام. وهذا هو حال الإصلاح، فما إن يجد المعنيون بالأمر إشارة سياسية حتى يتسارعوا فيعقدون الندوات والمؤتمرات ويشكلون اللجان حتى تخمد الدلالة الحقيقية لهذه الإشارة مع تقادم الزمن وينتظر المنتظرون إشارات جديدة.

وما أعنيه هنا أن العلم والإصلاح لا يكونان بركوب الموجات، بل يجب أن تكون هذه الأمور مبرمجة في دائرة الزمن على مدى السنين بحيث لا يكون التجاوب مع الإشارات السياسية تجاوباً مناوراً يشتد عندما تشتد الإشارة ويضعف مع دورة الزمن وحركة الأيام.

وباختصار لا توجد هناك مرتكزات حقيقية للإصلاح والتطوير، ومؤسساتنا لا تخرج عن كونها مؤسسات للمناورة، وهذا يعني أنها تفتقر إلى الرؤى الاستراتيجية البعيدة المدى والتي تستنفر الواقع وتترقب الأحداث والنتائج وتبحث عن سبل الإصلاح بطريقة مستمرة ودائمة ومتواصلة وحثيثة لا تتغير فاعليتها على إيقاعات الاهتمام السياسي أو الطفرات الفكرية والاجتماعية.

ويمكنني أن أسرد كثيراً من القضايا التي فجرتها الأحداث مثل تغيير المناهج على موجة أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث لم يفكر أحد قبلاً بهذا الموضوع، ثم موجة الإرهاب، ثم موجة الإصلاح، ثم موجة العولمة، والآن موجة التنمية. وكل هذه الأمور قلما يفكر فيها أحد إن لم تأت بإشارة سياسية أو تلميح إداري يفجر اهتمامنا ويدفعنا إلى ما لم نكن قد فكرنا فيه يوماً ما.

التغيير الجذري

يقول أفلاطون في جمهوريته (لا يمكن إصلاح مدينة بصغار أفسدهم كبارهم)، وكيف لنا أن نصلح نظاماً تربوياً بعقلية ماضوية تمجيدية غير قادرة على استكشاف الحاضر أو استشراف المستقبل. وإنني على يقين بأننا لا نمتلك الخبرات الوطنية التي يمكنها أن تغير وتصلح وتطور. إذ كيف يمكن لنظام تربوي يعادي العقل ويرفض العلم ويناكف الفلسفة أن ينتج مفكرين ومصلحين نقديين قادرين على تطوير النظام التربوي وتحريره من الجمود القاتل المميت؟

لكم سررت يوماً أن أحد مراكز البحوث العلمية والتربوية قد أرسل كتاباً إلى الجامعة يناشد فيها الباحثين وأساتذة الجامعة العمل على ترجمة الكتب الأجنبية المهمة إلى العربية، وأن المركز سيقدم مكافأة للباحثين والمترجمين وسيطبع لهم الكتاب على نفقته. وقد سررت بالخبر فرفعت قائمة ببعض الكتب التي وجدتها مهمة جداً وضرورية جداً، منها كتاب حول المنهجية العلمية للتخطيط التربوي في البلدان الصغيرة. وتقدمت باقتراحي هذا عبر القسم ووافق القسم عليه بعد طول حوار وجدل ونقاش، وبعد أشهر جاءني كتاب بالموافقة فكدت أقفز من الفرح لأنني سأقوم بترجمة هذا الكتاب المهم، لكنني ما إن استرسلت في قراءة الموافقة حتى أصبت بخيبة أمل كبيرة حيث تضمنت الموافقة شرطاً أن أحصل على موافقة الجهة التي أصدرت الكتاب. واتصلت على مضض بالجهة المعنية فوجدت أن الجهة صاحبة الحق في الكتاب طلبت مني تعويضاً قدره سبعة آلاف دولار، وللعلم فإن مكافأة الكتاب ستكون بعد الترجمة حوالي ثلاثة آلاف دولار. وهذا يعني أنه يجب علي أن أخسر مبلغ أربعة آلاف دولار كي أترجم الكتاب، واكتشفت لاحقاً أن المركز يعتمد هذه المنهجية بالنسبة لجميع الباحثين. وهنا عرفت أن التشجيع على البحث العلمي هو ترف إداري وليس حقيقة علمية أو واقعية وهذا الأمر لا يحدث في أي مكان في العالم لأن الحصول على الموافقة هو عصب القضية وليس طباعة الكتاب التي لا تكلف إلا القليل.

فكيف يمكن أن نصلح ونطور ونتقدم؟ إذ يندر تماماً أن نجد ترجمة لأي كتاب جديد في عالم الفكر التربوي، وهناك مئات الكتب بل آلاف منها يجب أن تترجم فوراً إذا شئنا أن نتقدم على دروب المعرفة العلمية في المجال التربوي وغيره.

فالكويت تطرح نفسها اليوم أن تكون مركزاً مالياً عالمياً وهذا أمر في غاية الأهمية، لكننا نجزم بأن تحويل الكويت إلى مركز مالي يحتاج إلى نظام تربوي مختلف بكل المقاييس والمعايير. فالنظام التربوي الذي يعاني مختلف صيغ الاختناقات والأزمات في المستويين الأيديولوجي والعقلاني، في مستوى المعلم والمناهج، وسوق العامل سيكون عقبة أمام التغيير المتوقع. وإذا شئنا حقاً الانتقال بالكويت أو أي بلد خليجي إلى مستوى العالمية فإن هذا لا يكون إلا بـ (تثوير) وتغيير جذري للنظام التربوي القائم في مختلف مستوياته وتشكيلاته وصيغه وطموحاته وتمنياته. وبالتالي فإن التغيير الجذري المنتظر يجب أن يقوم على ركائز عقلانية جداً ومدروسة جداً على خلاف ما نراه من إصلاحات تربوية تراجيدية تعمق الاختناقات وتكثف الأزمات بدلاً من إيجاد الحلول لها.

يقول حسن حسين البيلاوي في مقال له حول الإصلاح التربوي في العالم الثالث: (إن الإصلاح التربوي، الفعال القادر على تجاوز ما يسمى أزمة التعليم في المجتمعات النامية، هو ذلك الإصلاح الراديكالي الذي يقوم على تضافر كل الجهود الوطنية في استغلال كل المصادر التربوية المتاحة في المجتمع وكل الأنماط والوسائل التعليمية الممكن استغلالها استغلالاً فعالاً لتحقيق التنمية القومية الشاملة، والإصلاح التربوي بهذا المعنى هو بالأحرى مسألة نضال سياسي واجتماعي تقوم به الجماهير الواعية في إطار حركة تغير شامل).

أخيراً إن المأساة كبيرة جداً، ونحن لا نحتاج إلى تطوير أو إصلاح أو ترقيع، بل نحتاج إلى تغيير جذري، إلى (تثوير) تربوي حقيقي، إلى هدم لأركان النظام التربوي القائم وإعادة بنائه على أسس حضارية إنسانية جديدة تتجاوب مع تطلعات المجتمع وطموحاته الكبرى في عالم لا يعرف غير التقدم والتطور والحداثة والثورة. إننا في عالم يطفح بالثورات ثورة الميديا والجينات وثورة المعرفة والثورة الرقمية والثورة في مختلف الميادين وهذه الثورات المعرفية تتطلب اليوم أكثر من أي وقت مضى ثورة في مجال التربية والمعرفة، ثورة إبيستمولوجية تحطم كل عوامل الجمود والانغلاق والعبثية والصراعات الأيديولوجية من أجل بناء مجتمع حضاري متقدم ينطلق على مسارات تربوية بعيدة المدى. 

::/fulltext::
::cck::844::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *