الحراك الجنوبي في اليمن (المكونات، عوامل الضعف، ومبادرات الحل)
::cck::843::/cck::
::introtext::
(الوحدة أو الموت) هو الشعار الذي كُتب إلى جوار صورة الرئيس علي عبدالله صالح في إحدى اللافتات الإعلانية الواقعة على شارع السبعين بالعاصمة صنعاء. وبهذا الشعار، لم تترك الدولة لأحد اي مجال للشك بأن الدفاع عن الوحدة اليمنية يأتي في مقدمة الأولويات. وفي الوقت نفسه، تصدر تقارير منتظمة تتحدث عن حصول اشتباكات بين مواطنين يمنيين في الجنوب والقوات التابعة للدولة، في كل من محافظات لحج وشبوة والضالع وأبين، وهو ما يعطي انطباعاً بأن ثمة مشكلة أمنية متزايدة ناتجة عن الحراك الجنوبي، مع إمكانية تحدي السلطة وشرعية الحكومة في صنعاء فضلاً عن شرعية وحدة اليمن برمتها، لكن ما مدى قوة الحراك الجنوبي في اليمن؟ وما هي أهدافه؟ وماهي المبادرات التي طُرِحت ويمكن لها أن تحل هذه المشكلة؟ إن الاحتجاجات التي تقوم بها الجماعات اليمنية الجنوبية المعارضة ضد الحكومة المركزية ليست ظاهرة جديدة في اليمن؛ إذ بدأت الاحتجاجات والمظاهرات المنظمة بعد انتهاء حرب 1994 الأهلية، وما زالت مستمرة حتى اليوم. ففي عام 1997 تشكلت لجان شعبية انتقدت تصرفات الحكومة المركزية ونظام الإدارة المتبع في جنوب البلاد. وفي ديسمبر 2003 بدأ (ملتقى أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية) المطالبة بالمساواة بين المواطنين اليمنيين في كل من الشمال والجنوب، ومنح السلطات المحلية في الجنوب المزيد من الصلاحيات، والكف عن تهميش الجنوبيين في العملية السياسية. وفي يناير 2006 بدأت مجموعة من ضباط الجيش الجنوبيين المتقاعدين التجمع للاحتجاج، الأمر الذي كان يمثابة حجر الأساس (لجمعية العسكريين المتقاعدين) التي أسست في عام 2007.
::/introtext::
::fulltext::
(الوحدة أو الموت) هو الشعار الذي كُتب إلى جوار صورة الرئيس علي عبدالله صالح في إحدى اللافتات الإعلانية الواقعة على شارع السبعين بالعاصمة صنعاء. وبهذا الشعار، لم تترك الدولة لأحد اي مجال للشك بأن الدفاع عن الوحدة اليمنية يأتي في مقدمة الأولويات. وفي الوقت نفسه، تصدر تقارير منتظمة تتحدث عن حصول اشتباكات بين مواطنين يمنيين في الجنوب والقوات التابعة للدولة، في كل من محافظات لحج وشبوة والضالع وأبين، وهو ما يعطي انطباعاً بأن ثمة مشكلة أمنية متزايدة ناتجة عن الحراك الجنوبي، مع إمكانية تحدي السلطة وشرعية الحكومة في صنعاء فضلاً عن شرعية وحدة اليمن برمتها، لكن ما مدى قوة الحراك الجنوبي في اليمن؟ وما هي أهدافه؟ وماهي المبادرات التي طُرِحت ويمكن لها أن تحل هذه المشكلة؟ إن الاحتجاجات التي تقوم بها الجماعات اليمنية الجنوبية المعارضة ضد الحكومة المركزية ليست ظاهرة جديدة في اليمن؛ إذ بدأت الاحتجاجات والمظاهرات المنظمة بعد انتهاء حرب 1994 الأهلية، وما زالت مستمرة حتى اليوم. ففي عام 1997 تشكلت لجان شعبية انتقدت تصرفات الحكومة المركزية ونظام الإدارة المتبع في جنوب البلاد. وفي ديسمبر 2003 بدأ (ملتقى أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية) المطالبة بالمساواة بين المواطنين اليمنيين في كل من الشمال والجنوب، ومنح السلطات المحلية في الجنوب المزيد من الصلاحيات، والكف عن تهميش الجنوبيين في العملية السياسية. وفي يناير 2006 بدأت مجموعة من ضباط الجيش الجنوبيين المتقاعدين التجمع للاحتجاج، الأمر الذي كان يمثابة حجر الأساس (لجمعية العسكريين المتقاعدين) التي أسست في عام 2007.
وفي بحثنا تمكنا من التعرف على المكونات والمجموعات الرئيسية المنضوية في الحراك الجنوبي، ويمكن القول إن هناك ما لا يقل عن سبع من هذه المجموعات تعمل في جنوب اليمن، وهي:
* الهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب: ويقودها العميد المتقاعد ناصر علي النوبة، وهو الرئيس السابق لجمعية المتقاعدين العسكريين. وتنشط هذه المجموعة في محافظتي شبوة، والضالع، ولها نشاط أقل في محافظتي أبين وحضرموت.
* المجلس الوطني الأعلى لتحرير الجنوب: وهو تحت قيادة حسن أحمد باعوم (الذي يتلقى علاج حالياً خارج اليمن، وينوب عنه في أداء مهامه: محمد صالح طماح). وتنشط هذه المجموعة في محافظتي الضالع، ولحج، كما أن لها حضور في كل من حضرموت، وأبين. وتربط المجلس علاقات بجماعة التجمع الديمقراطي الجنوبي (تاج) التي تتخذ من لندن مقراً لها.
* حركة نضال السملي الجنوبي (نجاح): ويقودها كل من صلاح الشنفرة وناصر الخبجي، وهما عضوان في مجلس النواب اليمني وفي الحزب الاشتراكي اليمني. وتعتبر هذه المجموعة من أكثر المجموعات الجنوبية تنظيماً، وتعول في نشاطها بشكل كبير على قواعد الحزب الاشتراكي وكوادره الجنوبية. ويتركز نشاط حركة نجاح بشكل أساسي في الضالع ولحج وأبين.
* اتحاد شباب الجنوب: وهو بقيادة فادي حسن باعوم، الذي حكمت عليه إحدى المحاكم اليمنية في 21 مارس 2010 بالسجن لمدة خمس سنوات. وقد أنشئ اتحاد شباب الجنوب في البداية كأحد مكونات المجلس الوطني الأعلى لتحرير الجنوب الذي يقوده حسن باعوم، والد فادي (كان الأخير برأس الدائرة الشبابية في المجلس المذكور)، ولكن نشاط الاتحاد أخد يتسع مع مرور الوقت، وبدأ يأخذ طابعاً أكثر استقلالية من الناحية التنظيمية. وينشط اتحاد شباب الجنوب حالياً في عدد من المحافظات، ومنها شبوة وأبين ولحج والضالع وحضرموت؛ وتربطه علاقات بحركة “تاج” في لندن.
* الهيئة الوطنية للنضال السلمي الجنوبي: ويرأسها الدكتور صالح المجموعة بشكل أساسي في مدينة عدن (لا سيما بين النخب والأكاديميين وبعض الناشطين السياسين)، ولها وجود في أبين، ولحج وشبوة. كما أن لها روابط بمجموعة (تاج) في لندن.
* مجلس قيادة الثورة السلمية: وهو تحت قيادة الشيخ طارق الفضلي. كان المجلس حتى وقت قريب ينشط بشكل أساسي في محافظة أبين وعاصمتها زنجبار، وكان له وجود ما في محافظة شبوة. لكن هذا الفصيل، الذي أراده الفضلي تنظيماً جامعاً لقوى الحراك الجنوبي، سرعان ما اندمج بدوره مطلع عام 2010 في مكونات مجلس الحراك السملي لتحرير الجنوب.
* مجلس الحراك السلمي لتحرير الجنوب: أسس هذا الكيان في شهر يناير 2010 كمظلة جامعة لمعظم مكونات وهيئات الحراك الجنوبي، التي أعلنت اندماجها مكونة هذا المجلس، وتضم قيادة مجلس الحراك السلمي لتحرير الجنوب – بحسب بيان التأسيس – معظم قادة الحراك، والتي اتفقت فيما بينها على أن يكون حسن باعوم رئيساً للمجلس، وأن يكون الشيخ طارق الفضلي نائباً له.

ويبدو أن للمجلس قنوات اتصال مباشرة مع القيادات الجنوبية التاريخية الموجودة في الخارج، وفي مقدمتها علي سالم البيض، الذي اعتبره بيان التأسيس، (الرئيس الشرعي لدولة الجنوب). لكن باستثناء التصريحات والبيانات، ما زال المجلس خاملاً، وتأثير قيادته في فصائل الحراك المختلفة محدوداً. وتبقى فرص صموده لفترة طويلة – في ضوء التجارب السابقة – محل شك.
العوامل المساهمة في إضعاف الحراك الجنوبي
افتقار الحراك للقيادة الموحدة والتنظيم المركزي
على الرغم من توحد قوى الحراك الجنوبي في معارضتها للحكومة المركزية، والمطالبة بمنح فرص متساوية لأبناء لجنوب. لكن، فيما عدا ذلك، فإن الخلاف والتفكك بين مجموعات الحراك يبدو واضحاً في استراتيجياتها وتكتيكاتها. فالحراك عبارة عن تطور لعدد من المجموعات المستقلة، والتي ليس لها حالياً – ورغم محاولات الدمج المختلفة – مجلس مركزي يعمل على تطوير أجندتها المشتركة وتنسيق أنشطتها. كما أن معظم تلك الهيئات والمجموعات التي تقوم بأعمال انفصالية تعمل في الغالب بصورة مستقلة، بل وتتنافس مع بعضها البعض. وبهذا، نجد أن الحراك يتصف بالانقسامات الشديدة، إذ إن قيادة كل مجموعة تحاول فرض أجندتها الخاصة بها.
علاوة على ذلك، لا يبدو أن الجماعات الانفصالية تختلف في أجندتها السياسية فحسب، بل أيضاً في معتقداتها وأيديولوجياتها السياسية. فبينما القادة في عدن ولحج والضالع هم في الأساس عناصر اشتراكية وضباط عسكريين متقاعدين، نجد أن المجموعات الموجودة في أبين شبوة خصوصاً تتأثر بعوامل قبلية ودينية.
بذلت في الماضي القريب العديد من المحاولات لتوحيد مكونات الحراك الجنوبي، لكن معظم هذه المحاولات باءت بالفشل. وقد حاولت بعض الجماعات – مثل (مجلس قيادة الثورة السلمية) بقيادة الجهادي السابق والزعيم القبلي طارق الفضلي – أن تنصب نفسها ممثلاً رئيسياً لكل الجنوب. إضافة إلى ذلك، أظهر الاجتماع الذي عقد في يناير 2010 بين الرئيسين السابقين لليمن الجنوبي علي سالم البيض وعلي ناصر محمد في بيروت، مدى الصعوبات التي تقف حائلاً أمام إمكانية توحيد عناصر المعارضة الجنوبية.
وبالنظر في الاتجاهات الحالية، يبدو أن فصائل الحراك الجنوبي آخذة في التكاثر والنمو من حيث عدد أعضائها وأنصارها والمتعاطفين معها، هذا عدا عن توسع شبكاتها وأنشطتها في المدن الجنوبية الرئيسية. وبينما كانت أنشطة معظم تلك المجموعات تقتصر في مطلع سنة 2008 على مناطق معينة أو محافظة واحدة، لكن هذا تغير خلال العام المنصرم وبدأ نطاق الأنشطة الانفصالية يتسع عبر المحافظات الجنوبية، حيث أصبحت معظم الهيئات نشطة الآن في ما لا يقل عن ثلاث محافظات من المحافظات الجنوبية (الضالع ولحج وأبين).
مع ذلك، تختلف السبع الفصائل الرئيسية كثيراً من حيث القوة والتأثير الفعلي. ويبدو أن كلاً من (حركة نجاح) بقيادة صلاح الشنفرة وناصر الخبجي، و(مجلس قيادة الثورة السلمية) بزعامة الفضلي، هما الأقوى من حيث عدد أنصارهما الذين يعدون بالآلاف في أبين والضالع ولحج، وبالمئات في محافظة شبوة، وقد أظهرت الحركتان قدرة متنامية على تجنيد الناشطين وتحريك المؤيدين والأنصار. لكن مسألة شرعيتهما ما تزال غير محسومة. فالكثير من أبناء الجنوب، مثلاً، ينظرون إلى قيادة الفضلي بعين من الشك. وباعتبار الفضلي عضواً سابقاً في الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام) ومجلس الشورى، فإنه ينظر له بشكل واسع على أنه مجرد انتهازي يسعى محاولاً تعزيز مصلحته الشخصية. ولا يستبعد معظم الناس في الجنوب أن الفضلي سيوقف أنشطته المناهضة للدولة إذا ما حصل على عرضٍ مغر من قبل الحكومة، يمنحه المزيد من التأثير السياسي ويرضي أطماعه لتملك الأراضي التي هي محل نزاع.
وبالنسبة لكل من (المجلس الوطني الأعلى لتحرير الجنوب)، الذي يتزعمه حسن باعوم، و(اتحاد شباب الجنوب) بقيادة ابنه فادي حسن باعوم، فانهما يمتلكان القدرة على أن يكونا أكثر قوة مستقبلاً، وبصفة خاصة (اتحاد شباب الجنوب) الذي يعتبر الفصيل الوحيد الذي يمتلك برنامجاً سياسياً للشباب، ومن المتوقع أن يجذب المزيد من الأعضاء في المستقبل.
أما (الهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب) بقيادة العميد ناصر النوبة، فيبدو أن تأثيرها محدود جداً. رغم أن النوبة كان واحداً من أوائل الذين قادوا الاحتجاجات التي قام بها ضباط الجيش الجنوبيين عام 2007، والتي كانت في بداية الأمر تنظيم من قبل (جمعية المتقاعدين العسكريين الجنوبيين). وقد أعترض بعض الضباط المتقاعدين على تولي النوبة القيادة، إذ شككوا في شرعيته كمتحدث رسمي لجمعية المتقاعدين العسكريين، وانتقده البعض الآخر لمغادرته اليمن خلال الحرب الأهلية عام 1994. ونتيجة لذلك، انقسمت جمعية الضباط المتقاعدين ومضي العميد النوبة في تأسيس (الهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب) وعندما بادرت الدولة بإعادة بعض ضباط الجيش السابقين إلى صفوف القوات المسلحة، ورفع معاشات التقاعد للبعض الآخر، فقدت هذه الهيئة بعضاً من تأثيرها.
افتقار الحراك الجنوبي لدعم خارجي حاسم
في بادئ الأمر، قالت بعض فصائل الحراك الجنوبي أنها تتلقى دعماً مادياً من بعض الجاليات التجارية الجنوبية المقيمة في أماكن مختلفة من العالم. والحقيقة أن مجموعة جنوبية معارضة كانت قد تمكنت من إطلاق وتشغيل قناة تلفزيونية فضائية مقرها في المملكة المتحدة، سميت (قناة عدن الحرة)، وخلال فترات بثها كانت تحرض على فكرة الانفصال. وبثت القناة أيضاً بيانات رئيس اليمن الجنوبي السابق، علي سالم البيض.
وعلى أية حال، فإن الصورة تغيرت الآن. إذ أن الفصائل الجنوبية المختلفة تفتقر حالياً إلى أي دعم خارجي أساسي. فأياً من الحكومات العربية أو الخليجية لم تبد أن لها مصلحة أو رغبة في دعم تقسيم اليمن، لعدة اعتبارات:
* فاليمن المقسم لن يتفكك بالضرورة إلى يمنين فقط – شمال وجنوب – ولكن من المرجح أن يكون هناك عدد من الكيانات. وإذا ماتم ذلك، فإنه سيشجع على انتشار المزيد من العنف، ليس فقط بين الشماليين والجنوبيين وإنما بين الجنوبيين أنفسهم، الأمر الذي سيؤدي إلى عدم الاستقرار وربما يتسبب في اندلاع حرب أهلية، وسيفتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي الذي سيؤدي بدوره إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج بأسرها.
* إن بعض دول المنطقة تشك في أن الحراك الانفصالي في اليمن مدفوعٌ أساساً بهدف السيطرة على الموارد الاقتصادية للبلاد، خاصة الموارد النفطية منها. ونجاح الحراك سيشجع على ظهور جماعات قبلية وطائفية أخرى في منطقة الخليج تستهدف سيادة أراضي بعض دول الخليج، وهو ما لا يرغب أي نظام حكم في الخليج أن يراه يتحقق.
* كما أن عدم وجود دعم من قبل القوى الدولية للحراك الجنوبي يؤثر أيضاً في مواقف دول الجوار الإقليمي.
وفي الحقيقة أن دول الخليج أعطت إشارات واضحة تنم عن دعمها للحكومة المركزية في اليمن، ووحدة الأراضي اليمنية وسلامتها. فخلال انعقاد قمة دول مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر 2009 في الكويت، أكدت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون للقيادة اليمنية دعمها الكامل لوحدة اليمن واستقرارها. وشددت بعض الدول، مثل السعودية، على أن الحفاظ على الوحدة اليمنية يعد من أهم الأولويات.
وقد قابل هذه الالتزامات العلنية، فعل حاسم في دعم الحكومة اليمنية. ففي إبريل 2009 قيل أن القيادة اليمنية طلبت من المملكة العربية السعودية أن تمنع قياديين يمنيين جنوبيين سابقين يقيمان في المملكة من ممارسة أي نشاطات سياسية مساندة للجماعات الجنوبية من قبل سعوديين من أصل يمني ومواطنين يمنيين يعيشون في المملكة. ويعتقد أن السلطات السعودية قد تجاوبت بشكل إيجابي مع مطالب الحكومة اليمنية، وعملت بسرعة على منع النشاطات السياسية المزعومة، كما تعاملت بحزم مع قضية التمويل غير المشروع (للانفصاليين الجنوبيين).
علاوة على ذلك، ذكرت تقارير أن العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز أرسل خطاباً إلى عدد من رجال الأعمال السعوديين الكبار (ومعظمهم من أصول يمنية جنوبية)، يطالبهم فيه بالامتناع عن دعم أي جماعات في جنوب اليمن.
ولسلطنة عمان وجهة نظر مماثلة، إذ تفضل وجود اليمن موحد وتدعم ذلك. ففي مايو 2009 سحبت السلطات العمانية جواز السفر (الجنسية) من علي سالم البيض وألغت حق إقامته في عمان، وهو الامتياز الذي ظل يتمتع به منذ عام 1994. وقد كان الموقف العماني واضحاً جداً؛ إذ صرحت السلطات هناك بأن البيض خالف شروط اللجوء السياسي الذي منح له بشرط ألا يورط نفسه في أي نشاطات سياسية أو أي (عمل عدائي) ضد بلده. وفي مايو 2009 أرسل السلطان قابوس رسالة إلى الرئيس صالح يعرب فيها عن دعم عمان القوي والتزامها بوحدة اليمن. وكجزء من الجهود المبذولة لإثبات تضامن الدول العربية ودعمها لوحدة اليمن، حتى الزعيم الليبي معمر القذافي رفض منح البيض تأشيرة دخول لزيارة ليبيا.
والحال أن غياب الدعم الخارجي جعل من الصعب جداً على مجموعات الحراك الجنوبي تحقيق معارضة منظمة وفعالة. وحد تالياً من قوتها وتأثيرها بشكل واضح:
* فالافتقار إلى دعم من هذا النوع يؤثر في إمكانية قيام هذه الجماعات بحشد التأييد، وتنفيذ حملات دعائية ضخمة.
* كما أنه يحد من قدرة المجموعات المعارضة على فتح مكاتب لها داخل المنطقة وخارجها للتأثير في الرأي العام وكسب التعاطف.
وفي الواقع أن المناصرة التي حظيت بها قضية الوحدة اليمنية داخل المنطقة وخارجها قد أثرت بشكل مضاد وعكسي على مصادر التمويل الخاصة بالجماعات الانفصالية. ومما لا شك فيه أن غياب المساهمات المالية من خارج البلاد قد حد من تأثير هذه الجماعات، وحرمها من تطوير مجموعات ضغط لكسب التأييد أو إنشاء صحف أو قنوات فضائية لدعم قضيتها. ورغم إنشاء قناة عدن الحرة غلا أن تأثيرها ظل محدوداً مجالاً إقليمياً للبث.
* إضافة إلى ذلك، فإن غياب الدعم المالي يحد كثيراً من قدرة هذه الفصائل على شراء أسلحة أو تشكيل مليشيات تتحدى بها قوات الأمن الحكومية. ويمكننا القول إن غياب الدعم المالي قد ثبط من جهود توحيد الحراك الجنوبي؛ فلو تمكنت إحدى المجموعات الانفصالية هذه من الحصول على موارد مالية آمنة ودائمة، فإنها ستتمكن من تعزيز وتقوية موقعها، وربما سيسهل لها تأسيس قيادة مركزية موحدة كانت ستشكل تحدياً خطيراً لحكومة صنعاء المركزية.
مبادرات لحل الصراع في الجنوب
الوساطة الإقليمية
بذلت العديد من الخطوات الحذرة في المنطقة العربية من أجل التوسط في الصراع القائم بين الحكومة المركزية والجماعات السياسية الجنوبية المعارضة في داخل اليمن وخارجها. ففي زيارته إلى اليمن مطلع أكتوبر 2009، أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى عن التزامه بدعم وحدة اليمن وأمنها واستقرارها، وطالب بإجراء حوار وطني شامل لحل المشكلة في جنوب اليمن. ومنذ ذلك الحين، أبدت كل من السعودية ومصر رغبتهما في التوسط وحل مشكلة الجنوب. وفي نوفمبر 2009 توجه كل من وزير الخارجية المصري ومدير المخابرات العامة المصرية إلى السعودية، ومن ثم إلى صنعاء في زيارة رسمية، ليعربا عن دعم بلدهما الكامل للوحدة اليمنية، وعرضا التوسط لحل المشكلة؛ والتقيا في القاهرة أيضاً بعدد من زعماء المعارضة اليمنية.
أبعد من ذلك، فقد ذكرت تقارير أن (نائب الرئيس اليمني الأسبق) البيض تواصل مع الأمين العام عمرو موسى، وطلب من الجامعة العربية التدخل لإنهاء المشكلة. لكن طلب البيض المتكرر للدعم العربي قوبل بالرفض الصريح من كل الدول العربية، لأنه يطالب علانية بانفصال الجنوب. ومن المحتمل أن تعمل مصر، وربما دول عربية أخرى، على منع البيض من المشاركة في أي مفاوضات مستقبلية (بشأن الوضع في جنوب اليمن). وفي فترة من الفترات، طلب البيض من إيران المساعدة والدعم، وهو الأمر الذي سبب استياء شديداً في اوساط الحكومات العربية.
وحتى سورية التي ربطتها علاقات تقليدية جيدة بقادة الحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي سابقاً – والتي منحت اللجوء لعلي ناصر محمد وبعض رفاقه – بذلت بعض الجهود للوساطة بين الطرفين. ففي فبراير 2010 قام الأمين العام لحزب البعث الحاكم في سورية، عبدالله الأحمر، بزيارة للعاصمة صنعاء على أمل المساهمة في إيجاد حل سياسي للمشكلة (في جنوب اليمن)
استراتيجيات الحكومة اليمنية
أطلقت الحكومة اليمنية بعض المبادرات لحل الصراع في جنوب اليمن. فبعد الموجة الأولى من الاحتجاجات عام 2007، التي قادها عسكريون سابقون في الجيش الجنوبي المنحل، والذين طالبوا باستيعابهم وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وزيادة رواتبهم، حاولت الحكومة التعامل سريعاً مع هذه القضية، وأعادت خلال أشهر قليلة 2106 ضابطاً سابقاً إلى صفوف الجيش، بل ورقي البعض منهم إلى رتب عسكرية أعلى، بينما أعطي الآخرون زيادات في المعاشات التقاعدية.
فضلاً عن ذلك، حاولت الحكومة اليمنية فتح حوار مع الحراك الجنوبي من خلال تشكيل (لجنة معالجة قضايا الجنوب) كجزء من التحضير لبدء (الحوار الوطني الشامل). وقيل أن بعض فصائل الحراك الجنوبي ردت بشكل إيجابي على هذه الخطوة الحكومية.
من ناحية أخرى، أعلنت الحكومة عن تشكيل لجان شعبية لدعم سياساتها تحت مسمى (اللجان الوطنية للدفاع عن الوحدة) في كل المحافظات الجنوبية. وكان الهدف من ذلك، حشد أبناء الجنوب لمواجهة تأثير المعارضة وإشراك مؤيدي المعارضة بغرض الترويج لسياسة الحكومة.
حاولت الحكومة كذلك إظهار قلقها وإبداء اهتمامها بشأن الوضع في الجنوب مستخدمة طرقاً أخرى. فقد طلبت من محافظي المحافظات الجنوبية والمجالس المحلية تزويدها بقائمة مطالبهم التي يمكن مناقشتها. وبالفعل، بدا أن معظم مطالب الناس في الجنوب متركزة حول المطالبة بـ (المساواة) في توزيع المناصب الحكومية، والحصول على حصة عادلة من مشاريع التنمية الوطنية. والحقيقة أن جزءاً كبيراً من هذه المطالب، ذو طبيعة اقتصادية ومالية، من قبيل:
* توجيه نسبة أعلى من دخل الإنتاج النفطي في المناطق الجنوبية، لتنمية هذه المناطق.
* تخصيص وظائف في شركات النفظ لأبناء المحافظات الجنوبية.
* التوزيع العادل للأراضي، وإعادة الأراضي المصادرة في الجنوب بعد حرب عام 1994.
* المطالبة بسن قوانين تمنع رجال الأعمال الشماليين من احتكار استثمار القطاع الخاص في الجنوب.
* توفير فرص وظيفية للمتعلمين والمؤهلين الجنوبيين في القطاع الحكومي.
* تحسين البنية التحتية الأساسية في المحافظات الجنوبية، لا سيما في قطاعات المياه والكهرباء والصحة والتعليم (بما في ذلك بناء المدارس ومعاهد التدريب والجامعات والمستشفيات).
ومؤخراً، تحديداً في مطلع 2010، أعلنت الحكومة اليمنية عن عدد من المشاريع في البنية التحتية التي من شأنها توليد فرص عمل جديدة. وفي إبريل 2010 سافر الرئيس صالح إلى حضرموت، حيث أعلن عن إقامة 163 مشروعاً بتكلفة تقدر بحوالي 32 مليار ريال يمني. زيادة على ذلك، أعلن الرئيس صالح في 22 مايو 2010 عفواً عاماً عن معتقلي الحراك الجنوبي في إطار احتفالات البلاد بالذكرى العشرين لتحقيق الوحدة.
على أن معظم اليمنيين يجدون صعوبة بالغة في تصديق أن المحاولات الحكومية ستحل المشكلة (في الجنوب)، ويبدون شكوكهم في أنه سيتم تنفيذ المطالب التي قدمتها المجالس المحلية أو المشاريع التي أعلنت عنها الحكومة، أن شيئاً سيتغير على أرض الواقع. وفي المقابل، غالباً ما تتخذ قوات الأمن مواقف وردود قاسية ضد الحراك الحنوبي. والحقيقة أن الحكومة تتهم بأنها تقوم مراراً وتكراراً بقطع خدمات الهاتف ومنتديات الإنترنت، لتصعب الأمر على المعارضين في التواصل وتنظيم مظاهرات الاحتجاج، وأن قوات الأمن تقوم باعتقال الصحفيين وأساتذة الجامعات والقادة الانفصاليين الجنوبيين مثل حسن باعوم، وابنه فادي باعوم، وناصر النوبة، وآخرين غيرهم.
كما حاولت الحكومة استقطاب بعض عناصر الحراك الجنوبي، بهدف شق صفوفه أو على الأقل تحييد بعض المجموعات المنضوية فيه. وقد بذلت جهود للضغط على قادة الحراك عبر محافظي المحافظات ووكلاء الحكومة المحليين أو من خلال بعض رجال الأعمال والزعماء القبليين الموالين للحكومة. فعلى سبيل المثال، مورست ضغوط على بعض قيادات الحراك الجنوبي، مثل (لجنة حل مشكلة العسكريين الجنوبيين السابقين) و(لجنة حل قضية ملكية الأراضي).
استراتيجية طويلة المدى لحل مشاكل الجنوب
لا شك في أن للصراع في جنوب اليمن جذوراً سياسية واجتماعية واقتصادية. وفي الواقع أن هناك الكثير من اليمنيين الجنوبيين لا يرغبون بالضرورة في الانفصال، وإنما يطالبون بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والمالية، والإصلاح السياسي والمزيد من الشفافية، ووضع حد للفساد. ومع ذلك، تفتقر الحكومة لاستراتيجية بعيدة المدى للتعامل بفعالية مع هذه المشكلة. وهناك اتفاق عام على أنه لا يمكن للدولة وحدها حل التحديات التي تواجه اليمن، خاصة المعضلات الاقتصادية، فالأمر يتطلب مساهمة إقليمية لتحسين ظروف البلد وأوضاعه الداخلية.
يعد اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي شركاء استراتيجيين في الخليج، بحكم أنهم دول متجاورة، ولدول الخليج مصالح مباشرة في استتباب الأمن والاستقرار في اليمن. إن التعاون بين اليمن ودول مجلس التعاون يجب أن يتركز على مستويين: المستوى الأول يجب أن يتضمن إقامة مشاريع استثمارية داخل اليمن توفر فرص عمل كثيرة على المستوى المحلي، بينما ينبغي أن ينصب المستوى الثاني من التعاون على تأهيل العمالة اليمنية وتدريبها، إذ أن ارتفاع نسبة البطالة تعد من أهم المشكلات التي تواجه اليمن.
لذا يجب أن تركز البرامج التنموية والاستثمارية على المشاريع التي يتم تنفيذها بصورة مباشرة على المستوى المحلي. فعلى سبيل المثال، قدمت حكومة الإمارات العربية المتحدة للحكومة اليمنية منحة بمبلغ 2.385 مليار درهم (650 مليون دولار)، وذلك من أجل تمويل مشاريع تنموية اجتماعية واقتصادية مستدامة تصل إلى اربعة عشر مشروعاً في مختلف المناطق اليمنية، وتشمل البنية التحتية الأساسية كالموصلات، والطاقة، والمياه والصرف الصحي، والصحة العامة، والتعليم، والثقافة والتنمية الاجتماعية. وسيقوم صندوق أبوظبي بالإشراف المباشر على اثنا عشر مشروعاً من هذه المشاريع بالتعاون مع المحافظات والسلطات المحلية، التي ستقوم بتحويل المبالغ المالية إلى المكاتب المحلية وليس عبر حكومة اليمن المركزية. كما سيقوم المجلس الإشرافي الإماراتي بمتابعة عملية سير المشاريع منذ الإعلان عن المناقصات وصولاً إلى مرحلة التنفيذ النهائي، وستكون الأيدي العاملة من اليمنيين فقط لخلق مزيد من الوظائف.
والحال أن دول مجلس التعاون الخليجي واليمن بحاجة إلى إنشاء نظام تدريبي من أجل تعزيز وشحذ مهارات الأيدي العاملة اليمنية، لتصبح قادرة على الإنتاج والحصول على فرص عمل في السوق الخليجية. وفي الواقع، أن هناك مداولات ونقاشات تجري حالياً بين اليمن وبعض دول ملجس التعاون الخليجي تتعلق بمشروع يهدف إلى تدريب وتوظيف الأيدي العاملة اليمنية في كل من السعودية وقطر. وهذه خطوة مهمة، كما أنها ستواجه الشكوى التقليدية التي تحتج بها دول الخليج من أن اليمنيين ليسوا مؤهلين بما فيه الكفاية لتلبية متطلبات سوق العمل الخليجية. وإذا ما تم تدريب وتأهيل اليمنيين هؤلاء، فإنهم سيتمكنون من الحصول على فرص عمل ليس في السعودية وقطر فحسب بل بإمكانهم أن يتحملوا مسؤولياتهم في إدارة المشاريع التدريبية في دول الخليج الأخرى كالإمارات العربية المتحدة.
ومع ذلك، هناك حدود واضحة تعيق ما تستطيع أو ترغب دول الخليج في تحقيقه، خاصة فيما يتعلق بالمطالب المتكررة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والشفافية في اليمن. وبينما يمكن للدول الخليجية والعربية أن توفر منبراً للحوار والتركيز على التعاون الاقتصادي وتقديم المساعدة المالية، إلا أن المجتمع الدولي فقط، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بصفة خاصة، هي الأطراف التي لديها القدرة على إقناع الحكومة الحالية على البدء في الإصلاحات السياسية.
لكن الاتحاد الأوروبي وأميركا يبدوان مترددين تجاه الوضع في جنوب اليمن. فقد أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه حيال أحداث العنف السياسي في جنوب اليمن، وطالب جميع الأطراف بنبذ العنف. ومع أن الاتحاد الأوروبي قد دعا الأطراف كافة إلى الدخول في حوار لتحديد القضايا ومناقشتها واتخاذ الإجراءات العاجلة وحل الشكاوي المشروعة، إلا أنه لا يمتلك الاستراتيجية التي يمكن من خلالها ترجمة تلك الدعوة على أرض الواقع.
وفي منتصف 2009 حاولت الولايات المتحدة توضيح موقفها حيال المشاكل القائمة في الجنوب، فأصدرت سفارتها بصنعاء بياناً، قالت الولايات المتحدة فيه: (إن العنف السياسي ينبغي ألا يكون هو السبيل لحل المشكلة)، مؤكدةً على أنه يجب أن تكون (المساواة والمشاركة في الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك طبقاً للقانون، ولجميع المواطنين، هي الضمان الحقيقي للحفاظ على وحدة اليمن)، وأنه (لابد من معالجة المظالم الشرعية). ودعا البيان لحوار وطني بين كل الأطراف المعنية بحل المشكلة. وقد تفادى البيان الأميركي توجيه الانتقاد لأي من الأطراف، وحاول إظهار حياد الولايات المتحدة إزاء الصراع بين الحكومة والمعارضة، داعياً للقيام بالإصلاحات المطلوبة والتوصل إلى تسوية بالتفاوض.
لرسم خارطة للحراك الجنوبي في اليمن منذ سنة 2007 وحتى اللحظة، نستطيع التعرف على ثلاث (مجموعات أساسية ذات مصالح خاصة) منخرطة في معارضة الحكومة المركزية في صنعاء.
تتمثل المجموعة الأولى في العناصر التي تتبع المنهج الاشتراكي القديم، وتضم أعضاء وناشطين حاليين وسابقين في الحزب الاشتراكي اليمني وبعضهم أعضاء في البرلمان اليمني. وتصب عناصر هذه الفئة تركيزها على استعادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1967-1990) المنحلة، ويجادلون بأن خطوة الوحدة كانت خطاً كبيراً باعتبار أن طموحهم بدولة قائمة على المساواة والشراكة في السلطة بين الشمال والجنوب لم تحقق أبداً.
أما المجموعة الثانية، فهي مدفوعة أساساً بشعور أنهم ضحايا (سياسة التمييز) التي تتبعها الحكومة ضد أبناء الجنوب، والتي تجعلهم (مواطنين من الدرجة الثانية). وتركز معظم مطالبهم على تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية في الجزء الجنوبي من الوطن.
وفي بدائ الأمر لم يكن لمطالبهم هذه بعداً سياسياً. وينتمي إلى هذه الفئة، الضباط والعسكريون الجنوبيون والمتقاعدون الذين طالبوا علناً عام 2007 بزيادة رواتبهم وإعادتهم إلى الخدمة في صفوف الجيش اليمني. كما تضم هذه المجموعة أيضاً بعض الشباب الجنوبيين الذين انخرطوا في (اتحاد شباب الجنوب). الذي ركز في البداية على حق الشباب في مناطق الجنوب في الحصول على فرص عمل أفضل، وتعليمهم وتأهيلهم لينافسوا في سوق العمل. ولكن مع مر السنين تبثت هذه المجموعة أجندة سياسية، وأصبحت جزءاَ فاعلاً في الحراك الجنوبي.
في حين تضم المجموعة الثالثة اليمنيين الجنوبيين المدفوعين أساساً لمطالب تتعلق بحقوق أسرية وقبلية، تشمل حق السيطرة على الأراضي وتملكها، وحق الأسرة أو القبيلة في الحصول على نفوذ سياسي ضمن بنية الدولة. وخير مثال على عناصر هذه الجماعة الشيخ طارق الفضلي وهيئته المسماة (مجلس قيادة الثورة السلمية).
وقد تأسست هذه الهيئة – على الأقل في بادئ الأمر – لحماية المصالح الشخصية لزعيمها وأسرته وقبيلته، من خلال الضغط على الدولة لمنحه ما يعتبره حقه الشرعي في السيطرة على الأرض، وسرعان ما اتخذ الأمر طابعاً سياسياً تمثل في المطالبة بانفصال الجنوب.
وفي هذه المرحلة، يواجه الحراك الجنوبي ضعفاً على مستويين: يبدو أولهما ماثلاً في الصراع الداخلي بين عناصر كل مجموعة على مسائل القيادة والأهداف السياسية والقواعد التي تضبط تصرفات عناصر المجموعة المعنية. أما المستوى الثاني فيظهر من خلال الصراع الحاصل بين المجموعات التي تشكل الحراك الجنوبي؛ فهي وإن كانت متحدة في عدائها للحكومة المركزية، لكنها تختلف كثيراً بشأن العديد من القضايا مثل الأيديولوجية، والأجندة السياسية، والعلاقات المستقبلية مع الحكومة المركزية وكذلك الموقف الفعلي إزاء الهدف من الانفصال.
كما أن هناك عوامل ضعف أخرى تحد من تأثير الحراك الجنوبي وتقلل من نفوذه، مثل حقيقة أن الحراك يفتقر حالياً للمساعدة الخارجية المهمة، والدعم المالي والسياسي. ولا شك في أن كل هذه العوامل تسهم في الحد من قدرة الحراك الجنوبي، وتصعب الأمر عليه في أن يشكل تحدياً خطيراً للحكومة في المرحلة الراهنة.
لكن ليس هناك أدنى شك حيال إمكانية تطور الحراك الجنوبي إلى أن يصبح تحدياً كبيراً يهدد شرعية الحكومة اليمنية واستقرار البلاد، بل ومستقبل وحدة الدولة وسلامتها في نهاية المطاف. وإذا ما أثبتت الحكومة أنها عاجزة أو غير راغبة في اتخاذ إجراءات جادة بشأن الإصلاحات السياسية والاقتصادية للتعامل مع المشكلات التي تواجه البلاد عموماً والجنوب بشكل خاص، وفشلت في معالجة الشكاوي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو في إدراك الحاجة إلى إعادة هيكلة النظام السياسي في اليمن، فإن الوضع الأمني والسياسي قد يتدهور إلى درجة الخروج عن نطاق السيطرة، مع ما سيترتب عليه ذلك من تداعيات خطيرة تهدد الأمن الأقليمي لدول الخليج قاطبة ً في الصميم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::843::/cck::
::introtext::
(الوحدة أو الموت) هو الشعار الذي كُتب إلى جوار صورة الرئيس علي عبدالله صالح في إحدى اللافتات الإعلانية الواقعة على شارع السبعين بالعاصمة صنعاء. وبهذا الشعار، لم تترك الدولة لأحد اي مجال للشك بأن الدفاع عن الوحدة اليمنية يأتي في مقدمة الأولويات. وفي الوقت نفسه، تصدر تقارير منتظمة تتحدث عن حصول اشتباكات بين مواطنين يمنيين في الجنوب والقوات التابعة للدولة، في كل من محافظات لحج وشبوة والضالع وأبين، وهو ما يعطي انطباعاً بأن ثمة مشكلة أمنية متزايدة ناتجة عن الحراك الجنوبي، مع إمكانية تحدي السلطة وشرعية الحكومة في صنعاء فضلاً عن شرعية وحدة اليمن برمتها، لكن ما مدى قوة الحراك الجنوبي في اليمن؟ وما هي أهدافه؟ وماهي المبادرات التي طُرِحت ويمكن لها أن تحل هذه المشكلة؟ إن الاحتجاجات التي تقوم بها الجماعات اليمنية الجنوبية المعارضة ضد الحكومة المركزية ليست ظاهرة جديدة في اليمن؛ إذ بدأت الاحتجاجات والمظاهرات المنظمة بعد انتهاء حرب 1994 الأهلية، وما زالت مستمرة حتى اليوم. ففي عام 1997 تشكلت لجان شعبية انتقدت تصرفات الحكومة المركزية ونظام الإدارة المتبع في جنوب البلاد. وفي ديسمبر 2003 بدأ (ملتقى أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية) المطالبة بالمساواة بين المواطنين اليمنيين في كل من الشمال والجنوب، ومنح السلطات المحلية في الجنوب المزيد من الصلاحيات، والكف عن تهميش الجنوبيين في العملية السياسية. وفي يناير 2006 بدأت مجموعة من ضباط الجيش الجنوبيين المتقاعدين التجمع للاحتجاج، الأمر الذي كان يمثابة حجر الأساس (لجمعية العسكريين المتقاعدين) التي أسست في عام 2007.
::/introtext::
::fulltext::
(الوحدة أو الموت) هو الشعار الذي كُتب إلى جوار صورة الرئيس علي عبدالله صالح في إحدى اللافتات الإعلانية الواقعة على شارع السبعين بالعاصمة صنعاء. وبهذا الشعار، لم تترك الدولة لأحد اي مجال للشك بأن الدفاع عن الوحدة اليمنية يأتي في مقدمة الأولويات. وفي الوقت نفسه، تصدر تقارير منتظمة تتحدث عن حصول اشتباكات بين مواطنين يمنيين في الجنوب والقوات التابعة للدولة، في كل من محافظات لحج وشبوة والضالع وأبين، وهو ما يعطي انطباعاً بأن ثمة مشكلة أمنية متزايدة ناتجة عن الحراك الجنوبي، مع إمكانية تحدي السلطة وشرعية الحكومة في صنعاء فضلاً عن شرعية وحدة اليمن برمتها، لكن ما مدى قوة الحراك الجنوبي في اليمن؟ وما هي أهدافه؟ وماهي المبادرات التي طُرِحت ويمكن لها أن تحل هذه المشكلة؟ إن الاحتجاجات التي تقوم بها الجماعات اليمنية الجنوبية المعارضة ضد الحكومة المركزية ليست ظاهرة جديدة في اليمن؛ إذ بدأت الاحتجاجات والمظاهرات المنظمة بعد انتهاء حرب 1994 الأهلية، وما زالت مستمرة حتى اليوم. ففي عام 1997 تشكلت لجان شعبية انتقدت تصرفات الحكومة المركزية ونظام الإدارة المتبع في جنوب البلاد. وفي ديسمبر 2003 بدأ (ملتقى أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية) المطالبة بالمساواة بين المواطنين اليمنيين في كل من الشمال والجنوب، ومنح السلطات المحلية في الجنوب المزيد من الصلاحيات، والكف عن تهميش الجنوبيين في العملية السياسية. وفي يناير 2006 بدأت مجموعة من ضباط الجيش الجنوبيين المتقاعدين التجمع للاحتجاج، الأمر الذي كان يمثابة حجر الأساس (لجمعية العسكريين المتقاعدين) التي أسست في عام 2007.
وفي بحثنا تمكنا من التعرف على المكونات والمجموعات الرئيسية المنضوية في الحراك الجنوبي، ويمكن القول إن هناك ما لا يقل عن سبع من هذه المجموعات تعمل في جنوب اليمن، وهي:
* الهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب: ويقودها العميد المتقاعد ناصر علي النوبة، وهو الرئيس السابق لجمعية المتقاعدين العسكريين. وتنشط هذه المجموعة في محافظتي شبوة، والضالع، ولها نشاط أقل في محافظتي أبين وحضرموت.
* المجلس الوطني الأعلى لتحرير الجنوب: وهو تحت قيادة حسن أحمد باعوم (الذي يتلقى علاج حالياً خارج اليمن، وينوب عنه في أداء مهامه: محمد صالح طماح). وتنشط هذه المجموعة في محافظتي الضالع، ولحج، كما أن لها حضور في كل من حضرموت، وأبين. وتربط المجلس علاقات بجماعة التجمع الديمقراطي الجنوبي (تاج) التي تتخذ من لندن مقراً لها.
* حركة نضال السملي الجنوبي (نجاح): ويقودها كل من صلاح الشنفرة وناصر الخبجي، وهما عضوان في مجلس النواب اليمني وفي الحزب الاشتراكي اليمني. وتعتبر هذه المجموعة من أكثر المجموعات الجنوبية تنظيماً، وتعول في نشاطها بشكل كبير على قواعد الحزب الاشتراكي وكوادره الجنوبية. ويتركز نشاط حركة نجاح بشكل أساسي في الضالع ولحج وأبين.
* اتحاد شباب الجنوب: وهو بقيادة فادي حسن باعوم، الذي حكمت عليه إحدى المحاكم اليمنية في 21 مارس 2010 بالسجن لمدة خمس سنوات. وقد أنشئ اتحاد شباب الجنوب في البداية كأحد مكونات المجلس الوطني الأعلى لتحرير الجنوب الذي يقوده حسن باعوم، والد فادي (كان الأخير برأس الدائرة الشبابية في المجلس المذكور)، ولكن نشاط الاتحاد أخد يتسع مع مرور الوقت، وبدأ يأخذ طابعاً أكثر استقلالية من الناحية التنظيمية. وينشط اتحاد شباب الجنوب حالياً في عدد من المحافظات، ومنها شبوة وأبين ولحج والضالع وحضرموت؛ وتربطه علاقات بحركة “تاج” في لندن.
* الهيئة الوطنية للنضال السلمي الجنوبي: ويرأسها الدكتور صالح المجموعة بشكل أساسي في مدينة عدن (لا سيما بين النخب والأكاديميين وبعض الناشطين السياسين)، ولها وجود في أبين، ولحج وشبوة. كما أن لها روابط بمجموعة (تاج) في لندن.
* مجلس قيادة الثورة السلمية: وهو تحت قيادة الشيخ طارق الفضلي. كان المجلس حتى وقت قريب ينشط بشكل أساسي في محافظة أبين وعاصمتها زنجبار، وكان له وجود ما في محافظة شبوة. لكن هذا الفصيل، الذي أراده الفضلي تنظيماً جامعاً لقوى الحراك الجنوبي، سرعان ما اندمج بدوره مطلع عام 2010 في مكونات مجلس الحراك السملي لتحرير الجنوب.
* مجلس الحراك السلمي لتحرير الجنوب: أسس هذا الكيان في شهر يناير 2010 كمظلة جامعة لمعظم مكونات وهيئات الحراك الجنوبي، التي أعلنت اندماجها مكونة هذا المجلس، وتضم قيادة مجلس الحراك السلمي لتحرير الجنوب – بحسب بيان التأسيس – معظم قادة الحراك، والتي اتفقت فيما بينها على أن يكون حسن باعوم رئيساً للمجلس، وأن يكون الشيخ طارق الفضلي نائباً له.

ويبدو أن للمجلس قنوات اتصال مباشرة مع القيادات الجنوبية التاريخية الموجودة في الخارج، وفي مقدمتها علي سالم البيض، الذي اعتبره بيان التأسيس، (الرئيس الشرعي لدولة الجنوب). لكن باستثناء التصريحات والبيانات، ما زال المجلس خاملاً، وتأثير قيادته في فصائل الحراك المختلفة محدوداً. وتبقى فرص صموده لفترة طويلة – في ضوء التجارب السابقة – محل شك.
العوامل المساهمة في إضعاف الحراك الجنوبي
افتقار الحراك للقيادة الموحدة والتنظيم المركزي
على الرغم من توحد قوى الحراك الجنوبي في معارضتها للحكومة المركزية، والمطالبة بمنح فرص متساوية لأبناء لجنوب. لكن، فيما عدا ذلك، فإن الخلاف والتفكك بين مجموعات الحراك يبدو واضحاً في استراتيجياتها وتكتيكاتها. فالحراك عبارة عن تطور لعدد من المجموعات المستقلة، والتي ليس لها حالياً – ورغم محاولات الدمج المختلفة – مجلس مركزي يعمل على تطوير أجندتها المشتركة وتنسيق أنشطتها. كما أن معظم تلك الهيئات والمجموعات التي تقوم بأعمال انفصالية تعمل في الغالب بصورة مستقلة، بل وتتنافس مع بعضها البعض. وبهذا، نجد أن الحراك يتصف بالانقسامات الشديدة، إذ إن قيادة كل مجموعة تحاول فرض أجندتها الخاصة بها.
علاوة على ذلك، لا يبدو أن الجماعات الانفصالية تختلف في أجندتها السياسية فحسب، بل أيضاً في معتقداتها وأيديولوجياتها السياسية. فبينما القادة في عدن ولحج والضالع هم في الأساس عناصر اشتراكية وضباط عسكريين متقاعدين، نجد أن المجموعات الموجودة في أبين شبوة خصوصاً تتأثر بعوامل قبلية ودينية.
بذلت في الماضي القريب العديد من المحاولات لتوحيد مكونات الحراك الجنوبي، لكن معظم هذه المحاولات باءت بالفشل. وقد حاولت بعض الجماعات – مثل (مجلس قيادة الثورة السلمية) بقيادة الجهادي السابق والزعيم القبلي طارق الفضلي – أن تنصب نفسها ممثلاً رئيسياً لكل الجنوب. إضافة إلى ذلك، أظهر الاجتماع الذي عقد في يناير 2010 بين الرئيسين السابقين لليمن الجنوبي علي سالم البيض وعلي ناصر محمد في بيروت، مدى الصعوبات التي تقف حائلاً أمام إمكانية توحيد عناصر المعارضة الجنوبية.
وبالنظر في الاتجاهات الحالية، يبدو أن فصائل الحراك الجنوبي آخذة في التكاثر والنمو من حيث عدد أعضائها وأنصارها والمتعاطفين معها، هذا عدا عن توسع شبكاتها وأنشطتها في المدن الجنوبية الرئيسية. وبينما كانت أنشطة معظم تلك المجموعات تقتصر في مطلع سنة 2008 على مناطق معينة أو محافظة واحدة، لكن هذا تغير خلال العام المنصرم وبدأ نطاق الأنشطة الانفصالية يتسع عبر المحافظات الجنوبية، حيث أصبحت معظم الهيئات نشطة الآن في ما لا يقل عن ثلاث محافظات من المحافظات الجنوبية (الضالع ولحج وأبين).
مع ذلك، تختلف السبع الفصائل الرئيسية كثيراً من حيث القوة والتأثير الفعلي. ويبدو أن كلاً من (حركة نجاح) بقيادة صلاح الشنفرة وناصر الخبجي، و(مجلس قيادة الثورة السلمية) بزعامة الفضلي، هما الأقوى من حيث عدد أنصارهما الذين يعدون بالآلاف في أبين والضالع ولحج، وبالمئات في محافظة شبوة، وقد أظهرت الحركتان قدرة متنامية على تجنيد الناشطين وتحريك المؤيدين والأنصار. لكن مسألة شرعيتهما ما تزال غير محسومة. فالكثير من أبناء الجنوب، مثلاً، ينظرون إلى قيادة الفضلي بعين من الشك. وباعتبار الفضلي عضواً سابقاً في الحزب الحاكم (المؤتمر الشعبي العام) ومجلس الشورى، فإنه ينظر له بشكل واسع على أنه مجرد انتهازي يسعى محاولاً تعزيز مصلحته الشخصية. ولا يستبعد معظم الناس في الجنوب أن الفضلي سيوقف أنشطته المناهضة للدولة إذا ما حصل على عرضٍ مغر من قبل الحكومة، يمنحه المزيد من التأثير السياسي ويرضي أطماعه لتملك الأراضي التي هي محل نزاع.
وبالنسبة لكل من (المجلس الوطني الأعلى لتحرير الجنوب)، الذي يتزعمه حسن باعوم، و(اتحاد شباب الجنوب) بقيادة ابنه فادي حسن باعوم، فانهما يمتلكان القدرة على أن يكونا أكثر قوة مستقبلاً، وبصفة خاصة (اتحاد شباب الجنوب) الذي يعتبر الفصيل الوحيد الذي يمتلك برنامجاً سياسياً للشباب، ومن المتوقع أن يجذب المزيد من الأعضاء في المستقبل.
أما (الهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب) بقيادة العميد ناصر النوبة، فيبدو أن تأثيرها محدود جداً. رغم أن النوبة كان واحداً من أوائل الذين قادوا الاحتجاجات التي قام بها ضباط الجيش الجنوبيين عام 2007، والتي كانت في بداية الأمر تنظيم من قبل (جمعية المتقاعدين العسكريين الجنوبيين). وقد أعترض بعض الضباط المتقاعدين على تولي النوبة القيادة، إذ شككوا في شرعيته كمتحدث رسمي لجمعية المتقاعدين العسكريين، وانتقده البعض الآخر لمغادرته اليمن خلال الحرب الأهلية عام 1994. ونتيجة لذلك، انقسمت جمعية الضباط المتقاعدين ومضي العميد النوبة في تأسيس (الهيئة الوطنية العليا لاستقلال الجنوب) وعندما بادرت الدولة بإعادة بعض ضباط الجيش السابقين إلى صفوف القوات المسلحة، ورفع معاشات التقاعد للبعض الآخر، فقدت هذه الهيئة بعضاً من تأثيرها.
افتقار الحراك الجنوبي لدعم خارجي حاسم
في بادئ الأمر، قالت بعض فصائل الحراك الجنوبي أنها تتلقى دعماً مادياً من بعض الجاليات التجارية الجنوبية المقيمة في أماكن مختلفة من العالم. والحقيقة أن مجموعة جنوبية معارضة كانت قد تمكنت من إطلاق وتشغيل قناة تلفزيونية فضائية مقرها في المملكة المتحدة، سميت (قناة عدن الحرة)، وخلال فترات بثها كانت تحرض على فكرة الانفصال. وبثت القناة أيضاً بيانات رئيس اليمن الجنوبي السابق، علي سالم البيض.
وعلى أية حال، فإن الصورة تغيرت الآن. إذ أن الفصائل الجنوبية المختلفة تفتقر حالياً إلى أي دعم خارجي أساسي. فأياً من الحكومات العربية أو الخليجية لم تبد أن لها مصلحة أو رغبة في دعم تقسيم اليمن، لعدة اعتبارات:
* فاليمن المقسم لن يتفكك بالضرورة إلى يمنين فقط – شمال وجنوب – ولكن من المرجح أن يكون هناك عدد من الكيانات. وإذا ماتم ذلك، فإنه سيشجع على انتشار المزيد من العنف، ليس فقط بين الشماليين والجنوبيين وإنما بين الجنوبيين أنفسهم، الأمر الذي سيؤدي إلى عدم الاستقرار وربما يتسبب في اندلاع حرب أهلية، وسيفتح الباب على مصراعيه للتدخل الخارجي الذي سيؤدي بدوره إلى زعزعة الاستقرار في منطقة الخليج بأسرها.
* إن بعض دول المنطقة تشك في أن الحراك الانفصالي في اليمن مدفوعٌ أساساً بهدف السيطرة على الموارد الاقتصادية للبلاد، خاصة الموارد النفطية منها. ونجاح الحراك سيشجع على ظهور جماعات قبلية وطائفية أخرى في منطقة الخليج تستهدف سيادة أراضي بعض دول الخليج، وهو ما لا يرغب أي نظام حكم في الخليج أن يراه يتحقق.
* كما أن عدم وجود دعم من قبل القوى الدولية للحراك الجنوبي يؤثر أيضاً في مواقف دول الجوار الإقليمي.
وفي الحقيقة أن دول الخليج أعطت إشارات واضحة تنم عن دعمها للحكومة المركزية في اليمن، ووحدة الأراضي اليمنية وسلامتها. فخلال انعقاد قمة دول مجلس التعاون الخليجي في ديسمبر 2009 في الكويت، أكدت الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون للقيادة اليمنية دعمها الكامل لوحدة اليمن واستقرارها. وشددت بعض الدول، مثل السعودية، على أن الحفاظ على الوحدة اليمنية يعد من أهم الأولويات.
وقد قابل هذه الالتزامات العلنية، فعل حاسم في دعم الحكومة اليمنية. ففي إبريل 2009 قيل أن القيادة اليمنية طلبت من المملكة العربية السعودية أن تمنع قياديين يمنيين جنوبيين سابقين يقيمان في المملكة من ممارسة أي نشاطات سياسية مساندة للجماعات الجنوبية من قبل سعوديين من أصل يمني ومواطنين يمنيين يعيشون في المملكة. ويعتقد أن السلطات السعودية قد تجاوبت بشكل إيجابي مع مطالب الحكومة اليمنية، وعملت بسرعة على منع النشاطات السياسية المزعومة، كما تعاملت بحزم مع قضية التمويل غير المشروع (للانفصاليين الجنوبيين).
علاوة على ذلك، ذكرت تقارير أن العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز أرسل خطاباً إلى عدد من رجال الأعمال السعوديين الكبار (ومعظمهم من أصول يمنية جنوبية)، يطالبهم فيه بالامتناع عن دعم أي جماعات في جنوب اليمن.
ولسلطنة عمان وجهة نظر مماثلة، إذ تفضل وجود اليمن موحد وتدعم ذلك. ففي مايو 2009 سحبت السلطات العمانية جواز السفر (الجنسية) من علي سالم البيض وألغت حق إقامته في عمان، وهو الامتياز الذي ظل يتمتع به منذ عام 1994. وقد كان الموقف العماني واضحاً جداً؛ إذ صرحت السلطات هناك بأن البيض خالف شروط اللجوء السياسي الذي منح له بشرط ألا يورط نفسه في أي نشاطات سياسية أو أي (عمل عدائي) ضد بلده. وفي مايو 2009 أرسل السلطان قابوس رسالة إلى الرئيس صالح يعرب فيها عن دعم عمان القوي والتزامها بوحدة اليمن. وكجزء من الجهود المبذولة لإثبات تضامن الدول العربية ودعمها لوحدة اليمن، حتى الزعيم الليبي معمر القذافي رفض منح البيض تأشيرة دخول لزيارة ليبيا.
والحال أن غياب الدعم الخارجي جعل من الصعب جداً على مجموعات الحراك الجنوبي تحقيق معارضة منظمة وفعالة. وحد تالياً من قوتها وتأثيرها بشكل واضح:
* فالافتقار إلى دعم من هذا النوع يؤثر في إمكانية قيام هذه الجماعات بحشد التأييد، وتنفيذ حملات دعائية ضخمة.
* كما أنه يحد من قدرة المجموعات المعارضة على فتح مكاتب لها داخل المنطقة وخارجها للتأثير في الرأي العام وكسب التعاطف.
وفي الواقع أن المناصرة التي حظيت بها قضية الوحدة اليمنية داخل المنطقة وخارجها قد أثرت بشكل مضاد وعكسي على مصادر التمويل الخاصة بالجماعات الانفصالية. ومما لا شك فيه أن غياب المساهمات المالية من خارج البلاد قد حد من تأثير هذه الجماعات، وحرمها من تطوير مجموعات ضغط لكسب التأييد أو إنشاء صحف أو قنوات فضائية لدعم قضيتها. ورغم إنشاء قناة عدن الحرة غلا أن تأثيرها ظل محدوداً مجالاً إقليمياً للبث.
* إضافة إلى ذلك، فإن غياب الدعم المالي يحد كثيراً من قدرة هذه الفصائل على شراء أسلحة أو تشكيل مليشيات تتحدى بها قوات الأمن الحكومية. ويمكننا القول إن غياب الدعم المالي قد ثبط من جهود توحيد الحراك الجنوبي؛ فلو تمكنت إحدى المجموعات الانفصالية هذه من الحصول على موارد مالية آمنة ودائمة، فإنها ستتمكن من تعزيز وتقوية موقعها، وربما سيسهل لها تأسيس قيادة مركزية موحدة كانت ستشكل تحدياً خطيراً لحكومة صنعاء المركزية.
مبادرات لحل الصراع في الجنوب
الوساطة الإقليمية
بذلت العديد من الخطوات الحذرة في المنطقة العربية من أجل التوسط في الصراع القائم بين الحكومة المركزية والجماعات السياسية الجنوبية المعارضة في داخل اليمن وخارجها. ففي زيارته إلى اليمن مطلع أكتوبر 2009، أعرب الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى عن التزامه بدعم وحدة اليمن وأمنها واستقرارها، وطالب بإجراء حوار وطني شامل لحل المشكلة في جنوب اليمن. ومنذ ذلك الحين، أبدت كل من السعودية ومصر رغبتهما في التوسط وحل مشكلة الجنوب. وفي نوفمبر 2009 توجه كل من وزير الخارجية المصري ومدير المخابرات العامة المصرية إلى السعودية، ومن ثم إلى صنعاء في زيارة رسمية، ليعربا عن دعم بلدهما الكامل للوحدة اليمنية، وعرضا التوسط لحل المشكلة؛ والتقيا في القاهرة أيضاً بعدد من زعماء المعارضة اليمنية.
أبعد من ذلك، فقد ذكرت تقارير أن (نائب الرئيس اليمني الأسبق) البيض تواصل مع الأمين العام عمرو موسى، وطلب من الجامعة العربية التدخل لإنهاء المشكلة. لكن طلب البيض المتكرر للدعم العربي قوبل بالرفض الصريح من كل الدول العربية، لأنه يطالب علانية بانفصال الجنوب. ومن المحتمل أن تعمل مصر، وربما دول عربية أخرى، على منع البيض من المشاركة في أي مفاوضات مستقبلية (بشأن الوضع في جنوب اليمن). وفي فترة من الفترات، طلب البيض من إيران المساعدة والدعم، وهو الأمر الذي سبب استياء شديداً في اوساط الحكومات العربية.
وحتى سورية التي ربطتها علاقات تقليدية جيدة بقادة الحزب الاشتراكي في اليمن الجنوبي سابقاً – والتي منحت اللجوء لعلي ناصر محمد وبعض رفاقه – بذلت بعض الجهود للوساطة بين الطرفين. ففي فبراير 2010 قام الأمين العام لحزب البعث الحاكم في سورية، عبدالله الأحمر، بزيارة للعاصمة صنعاء على أمل المساهمة في إيجاد حل سياسي للمشكلة (في جنوب اليمن)
استراتيجيات الحكومة اليمنية
أطلقت الحكومة اليمنية بعض المبادرات لحل الصراع في جنوب اليمن. فبعد الموجة الأولى من الاحتجاجات عام 2007، التي قادها عسكريون سابقون في الجيش الجنوبي المنحل، والذين طالبوا باستيعابهم وإعادة دمجهم ضمن مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية، وزيادة رواتبهم، حاولت الحكومة التعامل سريعاً مع هذه القضية، وأعادت خلال أشهر قليلة 2106 ضابطاً سابقاً إلى صفوف الجيش، بل ورقي البعض منهم إلى رتب عسكرية أعلى، بينما أعطي الآخرون زيادات في المعاشات التقاعدية.
فضلاً عن ذلك، حاولت الحكومة اليمنية فتح حوار مع الحراك الجنوبي من خلال تشكيل (لجنة معالجة قضايا الجنوب) كجزء من التحضير لبدء (الحوار الوطني الشامل). وقيل أن بعض فصائل الحراك الجنوبي ردت بشكل إيجابي على هذه الخطوة الحكومية.
من ناحية أخرى، أعلنت الحكومة عن تشكيل لجان شعبية لدعم سياساتها تحت مسمى (اللجان الوطنية للدفاع عن الوحدة) في كل المحافظات الجنوبية. وكان الهدف من ذلك، حشد أبناء الجنوب لمواجهة تأثير المعارضة وإشراك مؤيدي المعارضة بغرض الترويج لسياسة الحكومة.
حاولت الحكومة كذلك إظهار قلقها وإبداء اهتمامها بشأن الوضع في الجنوب مستخدمة طرقاً أخرى. فقد طلبت من محافظي المحافظات الجنوبية والمجالس المحلية تزويدها بقائمة مطالبهم التي يمكن مناقشتها. وبالفعل، بدا أن معظم مطالب الناس في الجنوب متركزة حول المطالبة بـ (المساواة) في توزيع المناصب الحكومية، والحصول على حصة عادلة من مشاريع التنمية الوطنية. والحقيقة أن جزءاً كبيراً من هذه المطالب، ذو طبيعة اقتصادية ومالية، من قبيل:
* توجيه نسبة أعلى من دخل الإنتاج النفطي في المناطق الجنوبية، لتنمية هذه المناطق.
* تخصيص وظائف في شركات النفظ لأبناء المحافظات الجنوبية.
* التوزيع العادل للأراضي، وإعادة الأراضي المصادرة في الجنوب بعد حرب عام 1994.
* المطالبة بسن قوانين تمنع رجال الأعمال الشماليين من احتكار استثمار القطاع الخاص في الجنوب.
* توفير فرص وظيفية للمتعلمين والمؤهلين الجنوبيين في القطاع الحكومي.
* تحسين البنية التحتية الأساسية في المحافظات الجنوبية، لا سيما في قطاعات المياه والكهرباء والصحة والتعليم (بما في ذلك بناء المدارس ومعاهد التدريب والجامعات والمستشفيات).
ومؤخراً، تحديداً في مطلع 2010، أعلنت الحكومة اليمنية عن عدد من المشاريع في البنية التحتية التي من شأنها توليد فرص عمل جديدة. وفي إبريل 2010 سافر الرئيس صالح إلى حضرموت، حيث أعلن عن إقامة 163 مشروعاً بتكلفة تقدر بحوالي 32 مليار ريال يمني. زيادة على ذلك، أعلن الرئيس صالح في 22 مايو 2010 عفواً عاماً عن معتقلي الحراك الجنوبي في إطار احتفالات البلاد بالذكرى العشرين لتحقيق الوحدة.
على أن معظم اليمنيين يجدون صعوبة بالغة في تصديق أن المحاولات الحكومية ستحل المشكلة (في الجنوب)، ويبدون شكوكهم في أنه سيتم تنفيذ المطالب التي قدمتها المجالس المحلية أو المشاريع التي أعلنت عنها الحكومة، أن شيئاً سيتغير على أرض الواقع. وفي المقابل، غالباً ما تتخذ قوات الأمن مواقف وردود قاسية ضد الحراك الحنوبي. والحقيقة أن الحكومة تتهم بأنها تقوم مراراً وتكراراً بقطع خدمات الهاتف ومنتديات الإنترنت، لتصعب الأمر على المعارضين في التواصل وتنظيم مظاهرات الاحتجاج، وأن قوات الأمن تقوم باعتقال الصحفيين وأساتذة الجامعات والقادة الانفصاليين الجنوبيين مثل حسن باعوم، وابنه فادي باعوم، وناصر النوبة، وآخرين غيرهم.
كما حاولت الحكومة استقطاب بعض عناصر الحراك الجنوبي، بهدف شق صفوفه أو على الأقل تحييد بعض المجموعات المنضوية فيه. وقد بذلت جهود للضغط على قادة الحراك عبر محافظي المحافظات ووكلاء الحكومة المحليين أو من خلال بعض رجال الأعمال والزعماء القبليين الموالين للحكومة. فعلى سبيل المثال، مورست ضغوط على بعض قيادات الحراك الجنوبي، مثل (لجنة حل مشكلة العسكريين الجنوبيين السابقين) و(لجنة حل قضية ملكية الأراضي).
استراتيجية طويلة المدى لحل مشاكل الجنوب
لا شك في أن للصراع في جنوب اليمن جذوراً سياسية واجتماعية واقتصادية. وفي الواقع أن هناك الكثير من اليمنيين الجنوبيين لا يرغبون بالضرورة في الانفصال، وإنما يطالبون بتحسين أوضاعهم الاقتصادية والمالية، والإصلاح السياسي والمزيد من الشفافية، ووضع حد للفساد. ومع ذلك، تفتقر الحكومة لاستراتيجية بعيدة المدى للتعامل بفعالية مع هذه المشكلة. وهناك اتفاق عام على أنه لا يمكن للدولة وحدها حل التحديات التي تواجه اليمن، خاصة المعضلات الاقتصادية، فالأمر يتطلب مساهمة إقليمية لتحسين ظروف البلد وأوضاعه الداخلية.
يعد اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي شركاء استراتيجيين في الخليج، بحكم أنهم دول متجاورة، ولدول الخليج مصالح مباشرة في استتباب الأمن والاستقرار في اليمن. إن التعاون بين اليمن ودول مجلس التعاون يجب أن يتركز على مستويين: المستوى الأول يجب أن يتضمن إقامة مشاريع استثمارية داخل اليمن توفر فرص عمل كثيرة على المستوى المحلي، بينما ينبغي أن ينصب المستوى الثاني من التعاون على تأهيل العمالة اليمنية وتدريبها، إذ أن ارتفاع نسبة البطالة تعد من أهم المشكلات التي تواجه اليمن.
لذا يجب أن تركز البرامج التنموية والاستثمارية على المشاريع التي يتم تنفيذها بصورة مباشرة على المستوى المحلي. فعلى سبيل المثال، قدمت حكومة الإمارات العربية المتحدة للحكومة اليمنية منحة بمبلغ 2.385 مليار درهم (650 مليون دولار)، وذلك من أجل تمويل مشاريع تنموية اجتماعية واقتصادية مستدامة تصل إلى اربعة عشر مشروعاً في مختلف المناطق اليمنية، وتشمل البنية التحتية الأساسية كالموصلات، والطاقة، والمياه والصرف الصحي، والصحة العامة، والتعليم، والثقافة والتنمية الاجتماعية. وسيقوم صندوق أبوظبي بالإشراف المباشر على اثنا عشر مشروعاً من هذه المشاريع بالتعاون مع المحافظات والسلطات المحلية، التي ستقوم بتحويل المبالغ المالية إلى المكاتب المحلية وليس عبر حكومة اليمن المركزية. كما سيقوم المجلس الإشرافي الإماراتي بمتابعة عملية سير المشاريع منذ الإعلان عن المناقصات وصولاً إلى مرحلة التنفيذ النهائي، وستكون الأيدي العاملة من اليمنيين فقط لخلق مزيد من الوظائف.
والحال أن دول مجلس التعاون الخليجي واليمن بحاجة إلى إنشاء نظام تدريبي من أجل تعزيز وشحذ مهارات الأيدي العاملة اليمنية، لتصبح قادرة على الإنتاج والحصول على فرص عمل في السوق الخليجية. وفي الواقع، أن هناك مداولات ونقاشات تجري حالياً بين اليمن وبعض دول ملجس التعاون الخليجي تتعلق بمشروع يهدف إلى تدريب وتوظيف الأيدي العاملة اليمنية في كل من السعودية وقطر. وهذه خطوة مهمة، كما أنها ستواجه الشكوى التقليدية التي تحتج بها دول الخليج من أن اليمنيين ليسوا مؤهلين بما فيه الكفاية لتلبية متطلبات سوق العمل الخليجية. وإذا ما تم تدريب وتأهيل اليمنيين هؤلاء، فإنهم سيتمكنون من الحصول على فرص عمل ليس في السعودية وقطر فحسب بل بإمكانهم أن يتحملوا مسؤولياتهم في إدارة المشاريع التدريبية في دول الخليج الأخرى كالإمارات العربية المتحدة.
ومع ذلك، هناك حدود واضحة تعيق ما تستطيع أو ترغب دول الخليج في تحقيقه، خاصة فيما يتعلق بالمطالب المتكررة بالإصلاح السياسي والاقتصادي والشفافية في اليمن. وبينما يمكن للدول الخليجية والعربية أن توفر منبراً للحوار والتركيز على التعاون الاقتصادي وتقديم المساعدة المالية، إلا أن المجتمع الدولي فقط، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بصفة خاصة، هي الأطراف التي لديها القدرة على إقناع الحكومة الحالية على البدء في الإصلاحات السياسية.
لكن الاتحاد الأوروبي وأميركا يبدوان مترددين تجاه الوضع في جنوب اليمن. فقد أعرب الاتحاد الأوروبي عن قلقه حيال أحداث العنف السياسي في جنوب اليمن، وطالب جميع الأطراف بنبذ العنف. ومع أن الاتحاد الأوروبي قد دعا الأطراف كافة إلى الدخول في حوار لتحديد القضايا ومناقشتها واتخاذ الإجراءات العاجلة وحل الشكاوي المشروعة، إلا أنه لا يمتلك الاستراتيجية التي يمكن من خلالها ترجمة تلك الدعوة على أرض الواقع.
وفي منتصف 2009 حاولت الولايات المتحدة توضيح موقفها حيال المشاكل القائمة في الجنوب، فأصدرت سفارتها بصنعاء بياناً، قالت الولايات المتحدة فيه: (إن العنف السياسي ينبغي ألا يكون هو السبيل لحل المشكلة)، مؤكدةً على أنه يجب أن تكون (المساواة والمشاركة في الأنشطة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وذلك طبقاً للقانون، ولجميع المواطنين، هي الضمان الحقيقي للحفاظ على وحدة اليمن)، وأنه (لابد من معالجة المظالم الشرعية). ودعا البيان لحوار وطني بين كل الأطراف المعنية بحل المشكلة. وقد تفادى البيان الأميركي توجيه الانتقاد لأي من الأطراف، وحاول إظهار حياد الولايات المتحدة إزاء الصراع بين الحكومة والمعارضة، داعياً للقيام بالإصلاحات المطلوبة والتوصل إلى تسوية بالتفاوض.
لرسم خارطة للحراك الجنوبي في اليمن منذ سنة 2007 وحتى اللحظة، نستطيع التعرف على ثلاث (مجموعات أساسية ذات مصالح خاصة) منخرطة في معارضة الحكومة المركزية في صنعاء.
تتمثل المجموعة الأولى في العناصر التي تتبع المنهج الاشتراكي القديم، وتضم أعضاء وناشطين حاليين وسابقين في الحزب الاشتراكي اليمني وبعضهم أعضاء في البرلمان اليمني. وتصب عناصر هذه الفئة تركيزها على استعادة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1967-1990) المنحلة، ويجادلون بأن خطوة الوحدة كانت خطاً كبيراً باعتبار أن طموحهم بدولة قائمة على المساواة والشراكة في السلطة بين الشمال والجنوب لم تحقق أبداً.
أما المجموعة الثانية، فهي مدفوعة أساساً بشعور أنهم ضحايا (سياسة التمييز) التي تتبعها الحكومة ضد أبناء الجنوب، والتي تجعلهم (مواطنين من الدرجة الثانية). وتركز معظم مطالبهم على تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية في الجزء الجنوبي من الوطن.
وفي بدائ الأمر لم يكن لمطالبهم هذه بعداً سياسياً. وينتمي إلى هذه الفئة، الضباط والعسكريون الجنوبيون والمتقاعدون الذين طالبوا علناً عام 2007 بزيادة رواتبهم وإعادتهم إلى الخدمة في صفوف الجيش اليمني. كما تضم هذه المجموعة أيضاً بعض الشباب الجنوبيين الذين انخرطوا في (اتحاد شباب الجنوب). الذي ركز في البداية على حق الشباب في مناطق الجنوب في الحصول على فرص عمل أفضل، وتعليمهم وتأهيلهم لينافسوا في سوق العمل. ولكن مع مر السنين تبثت هذه المجموعة أجندة سياسية، وأصبحت جزءاَ فاعلاً في الحراك الجنوبي.
في حين تضم المجموعة الثالثة اليمنيين الجنوبيين المدفوعين أساساً لمطالب تتعلق بحقوق أسرية وقبلية، تشمل حق السيطرة على الأراضي وتملكها، وحق الأسرة أو القبيلة في الحصول على نفوذ سياسي ضمن بنية الدولة. وخير مثال على عناصر هذه الجماعة الشيخ طارق الفضلي وهيئته المسماة (مجلس قيادة الثورة السلمية).
وقد تأسست هذه الهيئة – على الأقل في بادئ الأمر – لحماية المصالح الشخصية لزعيمها وأسرته وقبيلته، من خلال الضغط على الدولة لمنحه ما يعتبره حقه الشرعي في السيطرة على الأرض، وسرعان ما اتخذ الأمر طابعاً سياسياً تمثل في المطالبة بانفصال الجنوب.
وفي هذه المرحلة، يواجه الحراك الجنوبي ضعفاً على مستويين: يبدو أولهما ماثلاً في الصراع الداخلي بين عناصر كل مجموعة على مسائل القيادة والأهداف السياسية والقواعد التي تضبط تصرفات عناصر المجموعة المعنية. أما المستوى الثاني فيظهر من خلال الصراع الحاصل بين المجموعات التي تشكل الحراك الجنوبي؛ فهي وإن كانت متحدة في عدائها للحكومة المركزية، لكنها تختلف كثيراً بشأن العديد من القضايا مثل الأيديولوجية، والأجندة السياسية، والعلاقات المستقبلية مع الحكومة المركزية وكذلك الموقف الفعلي إزاء الهدف من الانفصال.
كما أن هناك عوامل ضعف أخرى تحد من تأثير الحراك الجنوبي وتقلل من نفوذه، مثل حقيقة أن الحراك يفتقر حالياً للمساعدة الخارجية المهمة، والدعم المالي والسياسي. ولا شك في أن كل هذه العوامل تسهم في الحد من قدرة الحراك الجنوبي، وتصعب الأمر عليه في أن يشكل تحدياً خطيراً للحكومة في المرحلة الراهنة.
لكن ليس هناك أدنى شك حيال إمكانية تطور الحراك الجنوبي إلى أن يصبح تحدياً كبيراً يهدد شرعية الحكومة اليمنية واستقرار البلاد، بل ومستقبل وحدة الدولة وسلامتها في نهاية المطاف. وإذا ما أثبتت الحكومة أنها عاجزة أو غير راغبة في اتخاذ إجراءات جادة بشأن الإصلاحات السياسية والاقتصادية للتعامل مع المشكلات التي تواجه البلاد عموماً والجنوب بشكل خاص، وفشلت في معالجة الشكاوي الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أو في إدراك الحاجة إلى إعادة هيكلة النظام السياسي في اليمن، فإن الوضع الأمني والسياسي قد يتدهور إلى درجة الخروج عن نطاق السيطرة، مع ما سيترتب عليه ذلك من تداعيات خطيرة تهدد الأمن الأقليمي لدول الخليج قاطبة ً في الصميم.
::/fulltext::
::cck::843::/cck::
