التكامل الاقتصادي الخليجي استراتيجية إنمائية للارتقاء فوق تحديات أسواق دول المنطقة

::cck::6210::/cck::
::introtext::

جاء مشروع التكامل الاقتصادي والاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون في طليعة المشروعات الطموحة التي وقعها قادة دول المجلس في أول اجتماع للمجلس بالرياض عام 1981م، وجاءت الاتفاقية معبرة عن إطار شامل ضمن برنامج زمني للتكامل الاقتصادي.

::/introtext::
::fulltext::

جاء مشروع التكامل الاقتصادي والاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون في طليعة المشروعات الطموحة التي وقعها قادة دول المجلس في أول اجتماع للمجلس بالرياض عام 1981م، وجاءت الاتفاقية معبرة عن إطار شامل ضمن برنامج زمني للتكامل الاقتصادي.

واليوم يواجه النظام الاقتصادي العالمي أكبر اختبار يتعرض له منذ الحرب العالمية الثانية، وتكشـف التحديـات الاقتصادية اليـوم، بـدءًا مـن الجائحـة وتداعيـات الحرب الروسية/ الأوكرانية وحتـى تغيـر المنـاخ والتحـول الرقمـي، عـن وجـود تصدعـات اقتصاديـة وجغرافية – سياسـية في النظـام الاقتصـادي والمالي العالمي.

وفي خضم التعافي الوليد من الجائحة، واجه العالم صدمة ثانية غير مسبوقة تتمثل في الغزو الروسي لأوكرانيا، ولا تزال العواقب تهز أركان الاقتصاد العالمي، حيث زادت حدة المخاطر التي تهدد بتفتت العالم إلى تكتلات جغرافية-سياسية واقتصادية قد تتسبب في فقدان ما تحقق من مكاسب على مدار عقود فيما يتعلق بالعولمة والتعاون الدولي.

وفي هذا الإطار تناقش المقالة أهم التطورات التي لحقت بقضايا تحرير التجارة العالمية، والتكتلات الإقليمية، وسلاسل التوريدات والقيمة العالمية، وكيف تعرضت هذه القضايا لمراجعات، في ضوء سلسلة الأزمات التي ضربت العالم منذ أواخر العام 2019م، وحتى اليوم، ثم نبين انعكاسات هذه التطورات على قضية التكامل الاقتصادي الإقليمي لمجلس التعاون الخليجي.

صور التكتلات الاقتصادية المعاصرة

لا يوجد تعريف واضح للتكامل الإقليمي، ولا توافق في الآراء بشأن مضمونه وشكله، ناهيك عن الاتفاق على النماذج التي ينبغي أن نسترشد بها، وربما يكون الافتقار إلى الوضوح وتوافق الآراء بشأن النموذج التوجيهي للتكامل الإقليمي وكيفية تحقيقه، أحد العوامل التفسيرية الرئيسية للتقدم المحدود المحرز في بعض ترتيبات التكامل الإقليمي في بعض المناطق بالعالم.

ويمكن القول إن التكامل الإقليمي، أو بشكل أكثر وضوحًا “الإقليمية” هي أي سياسة مصممة للحد من الحواجز التجارية بين مجموعة فرعية من البلدان، بغض النظر عما إذا كانت تلك البلدان متجاورة بالفعل أو حتى قريبة من بعضها البعض، ومع ذلك فمن السمات الأكثر لفتًا للنظر في الاقتصاد الدولي والتكامل الاقتصادي هو أن الغالبية العظمى من ترتيبات التكامل، تشمل البلدان المجاورة، ومن هنا جاء مصطلح “إقليمي”.

برز مصطلح التكتلات الاقتصادية الإقليمية بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة لرغبة العديد من الدول في الانضمام إلى تجمعات إقليمية متكاملة بمفهومها التقليدي لتحقيق مزيد من التعاون والتبادل التجاري بين الدول الشركاء، وفي هذا السياق شهدت أوروبا ولادة أكبر تجمع إقليمي في العالم، وهو الاتحاد الأوروبي الذي تأسس عام 1992م، ومنذ ذلك الحين توالى ظهور عدد من التكتلات الاقتصادية الإقليمية في آسيا والأميركيتين وإفريقيا.

وتاريخيًا شهدت التكتلات الاقتصادية نمطين رئيسين، الأول، يعرف بالتكامل الاقتصادي الإقليمي في شكله التقليدي بدءًا من منطقة التجارة الحرة وانتهاءً بالوحدة الاقتصادية، والثاني، يأخذ شكل التجمعات الاقتصادية بين الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، تحكمها اعتبارات اقتصادية ومصالح مشتركة، تعرف بسلاسل التوريد والقيمة.

النمط الأول: التكتلات الاقتصادية الإقليمية

تلعب الحكومات الدور الرئيس في إقامة وتنفيذ هذا النمط من صور التكامل الاقتصادي الإقليمي، ويقوم على مبادئ محددة تقوم فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية بدور هام، تتوافق عليها الدول الأعضاء في هذه التكتلات، ومن أبرزها مؤخرًا مجموعة بريكس BRICS الاقتصادية، وهي أحدث الكتل الاقتصادية، وتضم الدول الخمس صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم (البرازيل- الهند- روسيا- الصين- جنوب إفريقيا) وتأسست عام 2010م، إضافة إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، تأسست عام 1960م، والجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (اتفاقية أبدجان)، تأسست عام 1940م، واتفاقية الكوميسا (السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا)، تأسست عام 1994م، ورابطة جنوب شرقي أسيا للتعاون الإقليمي (الآسيان)، تأسست عام 1967م، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول شرق آسيا والمحيط الهادئ آسيا باسيفيك (إبيك)، تأسست عام 1989م،  ومجلس التعاون الخليجي، ويضم 6 دول خليجية – وتأسس عام 1981م، ومنطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية (مارس 2018): وقعت عليها 44 دولة، واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية النافتا 1992م .

تعرض التكتلات التقليدية لمصاعب عملية ومحاولات الإصلاح

في عالم متغير يشهد تطورات تقنية متسارعة ومليئة بالمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية والاجتماعية والبيئية، تعرضت معظم التكتلات الاقتصادية الإقليمية إلى إعادة صياغة لمواكبة التطورات الحديثة وإعادة النظر في هياكلها وقواعدها، كي تستطيع الاستدامة، ولعل من أبرز التكتلات الاقتصادية التي قامت بإصلاحات، هي الاتحاد الأوروبي الذي يضم حاليًا 27 دولة أوروبية بناء على اتفاقية ماستريخت 1992م، -بعد خروج بريطانيا نهاية عام 2020م، واتفاقية النافتا لدول أمريكا الشمالية 2020م، أيضًا.

وقد بذلت بريطانيا جهدًا للخروج من الاتحاد على مدار أكثر من ثلاث سنوات بعد استفتاء أعرب فيه غالبية الشعب البريطاني (نحو 52%) عن رغبتها في الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبالفعل خرجت بريطانيا رسميًا في نهاية ديسمبر 2020م، بعد توقيعها على اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي، سيتلوه عقد بريطانيا اتفاقيات تجارية مع العديد من الدول الأخرى، والتي لها اتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي، ولعل ذلك خير دليل على أن التكتلات الاقتصادية إذا لم تحقق منافع للدول الأعضاء والشركات العملاقة فلن تكتب لها الاستدامة.  

كذلك شهدت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية مراجعة أساسية في إطار إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إعادة النظر في التكتلات الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها التجاريين، وقد نجحت جهود الإدارة الأمريكية في إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، وأصبحت معروفة باتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا  (USMCA، والتي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يوليو 2020م، لتحل محل اتفاقية النافتا، والتي وصفتها الإدارة الأمريكية بأنها أسوأ اتفاقية تجارية أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية على الإطلاق، ولتدخل بذلك العلاقات التجارية بين هذه الدول مرحلة جديدة للتجارة والهجرة، وتشمل الاتفاقية الجديدة تحديث أجزاء رئيسة من اتفاقية النافتا لتناسب العصر الرقمي، مع فرض ظروف عمل محسنة، فضلاً عن إصلاح قطاعات مثل: صناعة السيارات، ومنتجات الألبان.

النمط الثاني: مراكز سلاسل الإمداد والقيمة                     

يتمثل النمط الثاني في التجمعات الاقتصادية بين الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، ويمكن تحقيق هذا النمط من التكتلات الاقتصادية الحديثة بإقامة تجمعات أو مراكز لسلاسل الإمداد والقيمة.

وتعرف مراكز سلاسل الإمداد والقيمة على أنها عملية تدفق السلع والبيانات والأموال المتعلقة بإنتاج سلعة أو خدمات معينة، بدءًا من شراء المواد الخام وحتى تسليم المنتج إلى وجهته النهائية، وتتضمن أنظمة إدارة سلاسل الإمداد والقيمة الرقمية حزم البرامج المعلوماتية المتعلقة بجميع أطراف السلسلة التي تعمل معًا لإنتاج السلعة أو الخدمة النهائية، وتنفيذ الطلبات، وتتبع المعلومات، بما في ذلك الموردين، والشركات المصنعة، وتجار الجملة، وشركات النقل، ومقدمو الخدمات اللوجستية، وبائعو التجزئة 

وقد ظهرت الحاجة إلى مثل هذه الصورة بسبب تعقد المفاوضات التجارية متعددة الأطراف والتي تتم عادة في إطار منظمة التجارة العالمية، وتستهدف تحقيق مزيد من حرية التجارة العالمية، لكنها قد تستغرق سنوات حتى تكتمل، كما أن منظمة التجارة العالمية تعمل على مبدأ التعهد الفردي، حيث لا يتم الاتفاق على أي شيء حتى يتم الاتفاق على كل شيء، مما يجعل التوصل إلى اتفاقيات بهذه الطريقة.

كما تأكدت أهمية سلاسل الإمداد والقيمة، كرد فعل لتداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008/2007، حيث بحثت الشركات متعددة الجنسيات عن الموردين والمنتجين في المحيط الإقليمي لها، وأصبح إنتاج السلع والخدمات بالنسبة لأوروبا الغربية يتم في إطار إنشاء سلاسل الإمداد والقيمة مع دول أوروبا الشرقية، وكذا مع بعض دول شمال إفريقيا (المغرب وتونس والجزائر)، كما قامت الصين بجذب الشركات متعددة الجنسيات التي قامت بدورها بتكوين مراكز لتلك السلاسل مع الدول الآسيوية المجاورة.

وقد أسهمت عدة عوامل في هذا التطور، فأولا، أتاحت الطفرات التكنولوجية للشركات أن تتواصل بيسر تام مع شركات أخرى على الجانب الآخر من العالم، مما خفض تكاليف النقل، وثانيًا، أدت الاتفاقيات الدولية إلى جعل التنبؤ بالتجارة أكثر سهولة، عن طريق ما حققته من تيسير إنفاذ العقود، كما أدت إلى خفض تكلفتها من خلال تقليل الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وثالثًا، سمحت الإصلاحات الهيكلية للمؤسسات التجارية بالاستثمار في المصانع الأجنبية.

وأفسح هذا التقدم في التكنولوجيا والمؤسسات والسياسات المجال أمام المؤسسات التجارية لتجزئة عملياتها الإنتاجية، مما أدى إلى ازدهار حركة التجارة الدولية في مدخلات الإنتاج (أو ما يسمى بالسلع الوسيطة). وقد أثرت تلك التغيرات العميقة على كل بلد تقريبًا، فأصبحت كل من الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة أكثر اندماجًا في سلاسل الإمداد العالمية. وكان التغيير جذريًا في تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، إلى أن استقر هذا الاندماج إلى حد ما في العقد الثاني من الألفية الجديدة

تجزؤ الاقتصاد العالمي والدعوة لإعادة توطين الإنتاج

 

أدت انقطاعات التوريد والإمدادات الناتجة عن جائحة كورونا إلى انطلاق دعوات لإنتاج المزيد من السلع محليًا (إعادة توطين الإنتاج)، وزاد من دعوات التجزؤ، أن هذه التداعيات التي عمقت من الأزمة العالمية وقعت جزئيا من خلال الترابطات العالمية العميقة للاقتصادات والأسواق العالمية، والتي تظللها منظمة التجارة العالمية والتكتلات الاقتصادية الإقليمية، وسلاسل القيمة والتوريدات العالمية، وظهرت دعوات لتوطين الصناعات والتجزؤ، متجاهلة منافع التكامل الاقتصادي سواء العالمي أو الإقليمي.

 وفي مواجهة ذلك يشير تقرير آفاق الاقتصاد العالمي [2021] إلى أن تفكيك سلاسل القيمة العالمية ليس الحل – حيث تتحسن مستويات الصلابة كلما ازداد التنويع، وليس العكس، بل علينا أن نبقي هذه المخاطر تحت السيطرة حتى نتمكن من الحفاظ على المكاسب المتحققة من التكامل الاقتصادي العالمي والإقليمي، وتعزيزها، وجني ثمار التكامل، بدلاً من أن نشهد تبديلها من جانب من يفضلون التقوقع.

فبلدان آسيا التي تضررت في وقت مبكر من جائحة كوفيد-19 نجحت في احتوائها لاحقًا (في الوقت الذي فرضت فيه بلدان أوروبية عديدة قيودًا مشددة على الحركة)، وارتفع نصيبها السوقي من منتجات سلاسل القيمة العالمية، في منتصف عام 2020م، بمقدار 4,6 نقطة مئوية في أوروبا، و2,3 نقطة مئوية في أمريكا الشمالية. وكانت هذه المكاسب كبيرة وسريعة قياسًا بالمعايير التاريخية، ولكنها تراجعت جزئيًا مع نجاح البلدان في التكيف مع الجائحة، مما يشير إلى أن هذه التغيرات كانت مؤقتة على الأرجح.

 

وفي ظل تزايد المخاوف بشأن تجزؤ الاقتصاد العالمي وتشجيع التوريد من البلدان الصديقة في أعقاب الحرب في أوكرانيا، فإنه يمكن زيادة الصلابة من خلال تعزيز قابلية إحلال المدخلات وزيادة تنويعها، كما يمثل تطوير البنية التحتية أحد المجالات المهمة في هذا الصدد بالطبع، فقد اتضح من الجائحة مدى أهمية استثمارات البنية التحتية في التخفيف من انقطاعات الإمداد المرتبطة بالخدمات اللوجستية في القطاع التجاري. فعلى سبيل المثال، يساعد تطوير وتحديث البنية التحتية للموانئ الواقعة على مسارات السفن العالمية الرئيسية في الحد من نقاط الاختناق البحرية حول العالم، كذلك يمكن تطوير البنية التحتية الرقمية لتسهيل العمل من بعد، مما يساعد أيضًا في الحد من انتقال التداعيات إلى البلدان الأخرى.

 

وأخيرًا، يساعد خفض تكلفة التجارة في تنويع المدخلات، وهناك فرصة للحد من الحواجز غير الجمركية، مما سيساهم في إعطاء دفعة قوية للاقتصاد على المدى المتوسط، ومما سيساعد أيضًا في زيادة التنويع الحد من عدم اليقين بشأن السياسات التجارية وإرساء نظام سياسات تجارية منفتح ومستقر وقائم على القواعد.

ورغم أن القيود التجارية قد تكون استجابة مغرية لنقاط الضعف في جانب العرض التي كشفت عنها الصدمات في العامين الماضيين ، إلا أن تقليص سلاسل التوريد العالمية لن يؤدي إلا إلى تعميق الضغوط التضخمية ، مما يسفر عن تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض مستويات المعيشة بمرور الوقت، وبالتالي فإن ما نحتاج إليه هو قاعدة أعمق وأكثر تنوعًا وأقل تركيزًا لإنتاج السلع والخدمات حول العالم، ومن شأن ذلك أن يسهم في مرونة العرض واستقرار الأسعار على المدى الطويل من خلال التخفيف من التعرض للظواهر الجوية المتطرفة وغيرها من الاضطرابات المحلية.

اتجاهات تطوير التكامل الاقتصادي الإقليمي وسلاسل القيمة

يؤكد انتشار التكامل الإقليمي على كافة مستوى القارات والمناطق، أنه أداة يمكن استخدامها للتنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في العالم، ومن هنا تنخرط الدول في جميع أنحاء العالم في ترتيبات التكامل الإقليمي نظرًا لفوائدها الهائلة في حفز التنمية كما يتضح من الزيادات في التجارة البينية وما نتج عنها من زيادات في النمو الاقتصادي والتنمية.

ورغم أن الطبيعة المترابطة للتجارة الدولية، والتي يمكن أن تزيد من تعرض الاقتصادات العالمية للمخاطر وتسهم في انتقال موجات الصدمة من منطقة لأخرى، إلا أن حرية التجارة العالمية، يمكنها أن تعزز المرونة الاقتصادية، وخاصة عندما تكون مدعومة بسياسات محلية وتعاون عالمي فعال، كما يمكن للتجارة الدولية، بوصفها محركًا للنمو الاقتصادي، أن تولد الموارد والمعارف اللازمة لمواجهة الأزمات، ويمكنها أيضًا أن تساعد البلدان على التعافي من خلال تيسير توفير السلع والخدمات اللازمة لمواجهة الأزمات.

ويظهر تقرير التجارة العالمية 2021م، أن هناك حاجة إلى بيئة تجارية أكثر انفتاحًا وشمولية بحيث يمكن التنبؤ بها لتعزيز التنويع والمساهمة في تحقيق المرونة الاقتصادية، من خلال الدور الذي تقوم به منظمة التجارة العالمية في جعل الاقتصادات أكثر مرونة من خلال تخفيض الحواجز التجارية وزيادة الشفافية في السياسات التجارية، ويمكن لمزيد من التعاون الدولي في منظمة التجارة العالمية أن يعزز الدعم المتبادل للانفتاح التجاري والمرونة الاقتصادية في وجه الصدمات العالمية المستقبلية.

من ناحية أخرى مثلت صدمة وباء فيروس كورونا اختبارًا عمليًا لقوة سلاسل الإمداد والقيمة، هذه السلاسل المعقدة بتوزيعها الحالي وتركزها في مناطق قريبة من بعضها البعض، مما يعرضها للخطر عندما يتعطل جزء منها في العالم، كما حدث في مدينة «ووهان» الصينية في بداية تفشي جائحة فيروس كورونا، إذ توقفت سلاسل الإمداد والقيمة عن إنتاج السلع والخدمات، ومن ثم واجه الاقتصاد العالمي ندرة في المعروض منها، لذا ظهر توجه عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة إعادة توزيع مراكز سلاسل الإمداد والقيمة بما يقلل من مخاطر تركزها عالميًا في مناطق معينة. 

مستقبل التكامل الاقتصادي الخليجي

أدرك قادة دول مجلس التعاون أهمية التعاون والتكامل الاقتصادي الإقليمي كوسيلة لتدعيم والتعجيل بوتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدانهم، ويمثل مجلس التعاون الخليجي في جانبه الاقتصادي أهم صور تلك القناعات. ورغم أن الدافع الأساسي لإقامة مجلس التعاون الخليجي في البداية كان لأسباب سياسية، إلا أنه بعد ذلك أصبح التكامل الاقتصادي استراتيجية إنمائية للارتقاء فوق تحديات الأسواق الصغيرة لدول المنطقة وحداثة الاهتمام ببرامج التنمية بها وانخفاض الطاقة الاستيعابية لكل دولة على حدا، وتحقيق منافع اقتصاديات الحجم الكبير في المشروعات الإنتاجية والتجارة الخارجية.

وقد تبنى مجلس التعاون الخليجي، مبدأ التكامل الاقتصادي عنوانًا للعقد الخامس من مسيرته في آخر اجتماع للقمة الخليجية رقم 42 (بالرياض أيضًا) عام 2022م، ليتمحور اهتمام قادة المجلس حول دعم مسيرة التكامل خاصة الاقتصادية والتنموية، والتركيز على المشاريع ذات البعد الاستراتيجي التكاملي وأبرزها الانتهاء من متطلبات الاتحاد الجمركي، وتحقيق السوق الخليجية المشتركة، ومشروع السكة الحديدية، في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.

 

ويرتكز مقترح تطوير التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون على مسار حديث لذلك التكتل الاقتصادي، تزامنا مع الثورة الصناعية الرابعة والتطورات غير المسبوقة في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، اعتمادًا على فكرة تجمعات سلاسل الإمداد والقيمة، بحيث يأخذ شكل تجمعات تكنولوجية منتشرة بين دول مجلس التعاون، سواء لإنتاج منتج نهائي بالتكامل بين دول المجلس، أو خلق مركز عالمي ضمن سلاسل التوريد والقيمة العالمية.

 

يقوم المقترح أساسًا على تقسيم إنتاج السلع والخدمات على دول مجلس التعاون وفق مبدأ الميزة النسبية أو الميزة التنافسية، مما يعني إنشاء سلاسل للقيمة المضافة، بحسب مكونات الإنتاج ومراحله، تخفض التكاليف الكلية، وعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون لسيارة من طراز فولكسفاجن محرك مصنوع في السعودية وقطر وضفيرة كهرباء في عمان والإمارت؛ ونظام مرشح عادم في البحرين والكويت.

ويساعد تراجع تكاليف التجارة والنقل للشركات التي سيتم التعاون معها أو إقامتها في دول المنطقة، توزيع خطوط إنتاجها بين دول المجلس، ولا يقتصر الأمر على أن كل مرحلة من مراحل الإنتاج تحدث في مصنع مختلف ، بل إن كل مصنع غالبًا ما يكون في بلد مختلف، وهذا النوع من الإنتاج، الذي يسفر عن زيادة حركة السلع والخدمات من بلد إلى بلد من خلال سلسلة العرض، يستهدف توسع التجارة الخارجية للدول الأعضاء، ويعمل في الوقت نفسه على تنويع هياكل الإنتاج، ومصادر الدخل، ويخلق نوعًا من التكامل فى إنتاج وتصدير السلع والخدمات بديلاً للتنافس.

ومن المنظور التاريخي، كانت سلاسل الإمداد بسيطة تعمل ضمن نطاقات جغرافية محدودة، فكان المنتجون المحليون يصنعون منتجات بسيطة مثل النبيذ أو الأقمشة أو حتى الخبز، وغالبًا ما كان يسهل الحصول على جميع المكونات المستخدمة في صناعتها من موقع قريب من مكان استهلاك المنتج النهائي، غير أن سلاسل الإمداد في اقتصادنا الحديث باتت أكثر اتساعًا ويشترك فيها عدد كبير من المنتجين في دول مختلفة.

 وتشير تجارب سلاسل العرض والقيمة على المستوى العالمي إلى قدرتها على توسيع نطاق التجارة الخارجية للدول، فمنذ عام 1950م، زاد حجم التجارة العالمية في السلع والخدمات 27 ضعفًا، ليصل إلى نحو 20 تريليون دولار أمريكي. ويعزى جزء كبير من ذلك النمو إلى المنتجات والخدمات الوسيطة التي تنتقل من بلد إلى آخر في سلسلة العرض الدولية للشركات (صندوق النقد الدولي).

ويرتكز هذا المقترح على توزيع مراحل إنتاج القيمة المضافة للمنتج النهائي في كل بلدان المجلس التي ستتكامل في المنتج الواحد، والتي تشكل جزءًا من السلسلة في عملية تسمى التجارة الرأسية أو التخصص الرأسي، وتنفيذ أنشطة ومهام معينة في بلدان المجلس حسب مزاياها التنافسية، بحيث يمكن خفض تكاليف الإنتاج الكلية، ورفع قدراتها التنافسية، حتى تتمكن دول المنطقة من أن تشارك بصورة نشيطة في التجارة القائمة على سلسلة العرض، ليس في المنتجات التقليدية فحسب، وإنما في منتجات حديثة مثل أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة والآلات الطبية.

وتتيح سلسلة العرض في دول مجلس التعاون المشاركة في الصناعات التحويلية للسوق العالمية، لأن الشركات تستطيع توزيع المهام والمراحل الإنتاجية فيما بين اقتصادات المنطقة مثل تجميع أجهزة الكمبيوتر المحمولة أو اللابتوب والهواتف المحمولة. ورغم أن حصة القيمة التي تضاف إلى المنتج من خلال أنشطة التجهيز في كل بلد على حدا قد تكون ضئيلة بوجه عام، إلا أن فرص العمل والدخل التي تتولد عن ذلك يمكن أن تحقق منافع كبيرة، وبمرور الوقت، ومع تزايد مشاركة البلدان في تلك التجارة، يمكن أن تتوفر لها القدرة على زيادة حصة القيمة الكلية التي يتم توليدها محليًا.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::6210::/cck::
::introtext::

جاء مشروع التكامل الاقتصادي والاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون في طليعة المشروعات الطموحة التي وقعها قادة دول المجلس في أول اجتماع للمجلس بالرياض عام 1981م، وجاءت الاتفاقية معبرة عن إطار شامل ضمن برنامج زمني للتكامل الاقتصادي.

::/introtext::
::fulltext::

جاء مشروع التكامل الاقتصادي والاتفاقية الاقتصادية الموحدة لدول مجلس التعاون في طليعة المشروعات الطموحة التي وقعها قادة دول المجلس في أول اجتماع للمجلس بالرياض عام 1981م، وجاءت الاتفاقية معبرة عن إطار شامل ضمن برنامج زمني للتكامل الاقتصادي.

واليوم يواجه النظام الاقتصادي العالمي أكبر اختبار يتعرض له منذ الحرب العالمية الثانية، وتكشـف التحديـات الاقتصادية اليـوم، بـدءًا مـن الجائحـة وتداعيـات الحرب الروسية/ الأوكرانية وحتـى تغيـر المنـاخ والتحـول الرقمـي، عـن وجـود تصدعـات اقتصاديـة وجغرافية – سياسـية في النظـام الاقتصـادي والمالي العالمي.

وفي خضم التعافي الوليد من الجائحة، واجه العالم صدمة ثانية غير مسبوقة تتمثل في الغزو الروسي لأوكرانيا، ولا تزال العواقب تهز أركان الاقتصاد العالمي، حيث زادت حدة المخاطر التي تهدد بتفتت العالم إلى تكتلات جغرافية-سياسية واقتصادية قد تتسبب في فقدان ما تحقق من مكاسب على مدار عقود فيما يتعلق بالعولمة والتعاون الدولي.

وفي هذا الإطار تناقش المقالة أهم التطورات التي لحقت بقضايا تحرير التجارة العالمية، والتكتلات الإقليمية، وسلاسل التوريدات والقيمة العالمية، وكيف تعرضت هذه القضايا لمراجعات، في ضوء سلسلة الأزمات التي ضربت العالم منذ أواخر العام 2019م، وحتى اليوم، ثم نبين انعكاسات هذه التطورات على قضية التكامل الاقتصادي الإقليمي لمجلس التعاون الخليجي.

صور التكتلات الاقتصادية المعاصرة

لا يوجد تعريف واضح للتكامل الإقليمي، ولا توافق في الآراء بشأن مضمونه وشكله، ناهيك عن الاتفاق على النماذج التي ينبغي أن نسترشد بها، وربما يكون الافتقار إلى الوضوح وتوافق الآراء بشأن النموذج التوجيهي للتكامل الإقليمي وكيفية تحقيقه، أحد العوامل التفسيرية الرئيسية للتقدم المحدود المحرز في بعض ترتيبات التكامل الإقليمي في بعض المناطق بالعالم.

ويمكن القول إن التكامل الإقليمي، أو بشكل أكثر وضوحًا “الإقليمية” هي أي سياسة مصممة للحد من الحواجز التجارية بين مجموعة فرعية من البلدان، بغض النظر عما إذا كانت تلك البلدان متجاورة بالفعل أو حتى قريبة من بعضها البعض، ومع ذلك فمن السمات الأكثر لفتًا للنظر في الاقتصاد الدولي والتكامل الاقتصادي هو أن الغالبية العظمى من ترتيبات التكامل، تشمل البلدان المجاورة، ومن هنا جاء مصطلح “إقليمي”.

برز مصطلح التكتلات الاقتصادية الإقليمية بعد الحرب العالمية الثانية، نتيجة لرغبة العديد من الدول في الانضمام إلى تجمعات إقليمية متكاملة بمفهومها التقليدي لتحقيق مزيد من التعاون والتبادل التجاري بين الدول الشركاء، وفي هذا السياق شهدت أوروبا ولادة أكبر تجمع إقليمي في العالم، وهو الاتحاد الأوروبي الذي تأسس عام 1992م، ومنذ ذلك الحين توالى ظهور عدد من التكتلات الاقتصادية الإقليمية في آسيا والأميركيتين وإفريقيا.

وتاريخيًا شهدت التكتلات الاقتصادية نمطين رئيسين، الأول، يعرف بالتكامل الاقتصادي الإقليمي في شكله التقليدي بدءًا من منطقة التجارة الحرة وانتهاءً بالوحدة الاقتصادية، والثاني، يأخذ شكل التجمعات الاقتصادية بين الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، تحكمها اعتبارات اقتصادية ومصالح مشتركة، تعرف بسلاسل التوريد والقيمة.

النمط الأول: التكتلات الاقتصادية الإقليمية

تلعب الحكومات الدور الرئيس في إقامة وتنفيذ هذا النمط من صور التكامل الاقتصادي الإقليمي، ويقوم على مبادئ محددة تقوم فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية بدور هام، تتوافق عليها الدول الأعضاء في هذه التكتلات، ومن أبرزها مؤخرًا مجموعة بريكس BRICS الاقتصادية، وهي أحدث الكتل الاقتصادية، وتضم الدول الخمس صاحبة أسرع نمو اقتصادي في العالم (البرازيل- الهند- روسيا- الصين- جنوب إفريقيا) وتأسست عام 2010م، إضافة إلى منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD، تأسست عام 1960م، والجماعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (اتفاقية أبدجان)، تأسست عام 1940م، واتفاقية الكوميسا (السوق المشتركة لدول شرق وجنوب إفريقيا)، تأسست عام 1994م، ورابطة جنوب شرقي أسيا للتعاون الإقليمي (الآسيان)، تأسست عام 1967م، ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول شرق آسيا والمحيط الهادئ آسيا باسيفيك (إبيك)، تأسست عام 1989م،  ومجلس التعاون الخليجي، ويضم 6 دول خليجية – وتأسس عام 1981م، ومنطقة التجارة الحرة الإفريقية القارية (مارس 2018): وقعت عليها 44 دولة، واتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية النافتا 1992م .

تعرض التكتلات التقليدية لمصاعب عملية ومحاولات الإصلاح

في عالم متغير يشهد تطورات تقنية متسارعة ومليئة بالمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية والاجتماعية والبيئية، تعرضت معظم التكتلات الاقتصادية الإقليمية إلى إعادة صياغة لمواكبة التطورات الحديثة وإعادة النظر في هياكلها وقواعدها، كي تستطيع الاستدامة، ولعل من أبرز التكتلات الاقتصادية التي قامت بإصلاحات، هي الاتحاد الأوروبي الذي يضم حاليًا 27 دولة أوروبية بناء على اتفاقية ماستريخت 1992م، -بعد خروج بريطانيا نهاية عام 2020م، واتفاقية النافتا لدول أمريكا الشمالية 2020م، أيضًا.

وقد بذلت بريطانيا جهدًا للخروج من الاتحاد على مدار أكثر من ثلاث سنوات بعد استفتاء أعرب فيه غالبية الشعب البريطاني (نحو 52%) عن رغبتها في الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبالفعل خرجت بريطانيا رسميًا في نهاية ديسمبر 2020م، بعد توقيعها على اتفاق تجاري مع الاتحاد الأوروبي، سيتلوه عقد بريطانيا اتفاقيات تجارية مع العديد من الدول الأخرى، والتي لها اتفاقيات شراكة مع الاتحاد الأوروبي، ولعل ذلك خير دليل على أن التكتلات الاقتصادية إذا لم تحقق منافع للدول الأعضاء والشركات العملاقة فلن تكتب لها الاستدامة.  

كذلك شهدت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية مراجعة أساسية في إطار إصرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على إعادة النظر في التكتلات الاقتصادية بين الولايات المتحدة الأمريكية وشركائها التجاريين، وقد نجحت جهود الإدارة الأمريكية في إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)، وأصبحت معروفة باتفاقية الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك وكندا  (USMCA، والتي دخلت حيز التنفيذ في الأول من يوليو 2020م، لتحل محل اتفاقية النافتا، والتي وصفتها الإدارة الأمريكية بأنها أسوأ اتفاقية تجارية أبرمتها الولايات المتحدة الأمريكية على الإطلاق، ولتدخل بذلك العلاقات التجارية بين هذه الدول مرحلة جديدة للتجارة والهجرة، وتشمل الاتفاقية الجديدة تحديث أجزاء رئيسة من اتفاقية النافتا لتناسب العصر الرقمي، مع فرض ظروف عمل محسنة، فضلاً عن إصلاح قطاعات مثل: صناعة السيارات، ومنتجات الألبان.

النمط الثاني: مراكز سلاسل الإمداد والقيمة                     

يتمثل النمط الثاني في التجمعات الاقتصادية بين الشركات العملاقة متعددة الجنسيات، ويمكن تحقيق هذا النمط من التكتلات الاقتصادية الحديثة بإقامة تجمعات أو مراكز لسلاسل الإمداد والقيمة.

وتعرف مراكز سلاسل الإمداد والقيمة على أنها عملية تدفق السلع والبيانات والأموال المتعلقة بإنتاج سلعة أو خدمات معينة، بدءًا من شراء المواد الخام وحتى تسليم المنتج إلى وجهته النهائية، وتتضمن أنظمة إدارة سلاسل الإمداد والقيمة الرقمية حزم البرامج المعلوماتية المتعلقة بجميع أطراف السلسلة التي تعمل معًا لإنتاج السلعة أو الخدمة النهائية، وتنفيذ الطلبات، وتتبع المعلومات، بما في ذلك الموردين، والشركات المصنعة، وتجار الجملة، وشركات النقل، ومقدمو الخدمات اللوجستية، وبائعو التجزئة 

وقد ظهرت الحاجة إلى مثل هذه الصورة بسبب تعقد المفاوضات التجارية متعددة الأطراف والتي تتم عادة في إطار منظمة التجارة العالمية، وتستهدف تحقيق مزيد من حرية التجارة العالمية، لكنها قد تستغرق سنوات حتى تكتمل، كما أن منظمة التجارة العالمية تعمل على مبدأ التعهد الفردي، حيث لا يتم الاتفاق على أي شيء حتى يتم الاتفاق على كل شيء، مما يجعل التوصل إلى اتفاقيات بهذه الطريقة.

كما تأكدت أهمية سلاسل الإمداد والقيمة، كرد فعل لتداعيات الأزمة المالية العالمية عام 2008/2007، حيث بحثت الشركات متعددة الجنسيات عن الموردين والمنتجين في المحيط الإقليمي لها، وأصبح إنتاج السلع والخدمات بالنسبة لأوروبا الغربية يتم في إطار إنشاء سلاسل الإمداد والقيمة مع دول أوروبا الشرقية، وكذا مع بعض دول شمال إفريقيا (المغرب وتونس والجزائر)، كما قامت الصين بجذب الشركات متعددة الجنسيات التي قامت بدورها بتكوين مراكز لتلك السلاسل مع الدول الآسيوية المجاورة.

وقد أسهمت عدة عوامل في هذا التطور، فأولا، أتاحت الطفرات التكنولوجية للشركات أن تتواصل بيسر تام مع شركات أخرى على الجانب الآخر من العالم، مما خفض تكاليف النقل، وثانيًا، أدت الاتفاقيات الدولية إلى جعل التنبؤ بالتجارة أكثر سهولة، عن طريق ما حققته من تيسير إنفاذ العقود، كما أدت إلى خفض تكلفتها من خلال تقليل الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وثالثًا، سمحت الإصلاحات الهيكلية للمؤسسات التجارية بالاستثمار في المصانع الأجنبية.

وأفسح هذا التقدم في التكنولوجيا والمؤسسات والسياسات المجال أمام المؤسسات التجارية لتجزئة عملياتها الإنتاجية، مما أدى إلى ازدهار حركة التجارة الدولية في مدخلات الإنتاج (أو ما يسمى بالسلع الوسيطة). وقد أثرت تلك التغيرات العميقة على كل بلد تقريبًا، فأصبحت كل من الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة أكثر اندماجًا في سلاسل الإمداد العالمية. وكان التغيير جذريًا في تسعينات القرن الماضي والعقد الأول من الألفية الجديدة، إلى أن استقر هذا الاندماج إلى حد ما في العقد الثاني من الألفية الجديدة

تجزؤ الاقتصاد العالمي والدعوة لإعادة توطين الإنتاج

 

أدت انقطاعات التوريد والإمدادات الناتجة عن جائحة كورونا إلى انطلاق دعوات لإنتاج المزيد من السلع محليًا (إعادة توطين الإنتاج)، وزاد من دعوات التجزؤ، أن هذه التداعيات التي عمقت من الأزمة العالمية وقعت جزئيا من خلال الترابطات العالمية العميقة للاقتصادات والأسواق العالمية، والتي تظللها منظمة التجارة العالمية والتكتلات الاقتصادية الإقليمية، وسلاسل القيمة والتوريدات العالمية، وظهرت دعوات لتوطين الصناعات والتجزؤ، متجاهلة منافع التكامل الاقتصادي سواء العالمي أو الإقليمي.

 وفي مواجهة ذلك يشير تقرير آفاق الاقتصاد العالمي [2021] إلى أن تفكيك سلاسل القيمة العالمية ليس الحل – حيث تتحسن مستويات الصلابة كلما ازداد التنويع، وليس العكس، بل علينا أن نبقي هذه المخاطر تحت السيطرة حتى نتمكن من الحفاظ على المكاسب المتحققة من التكامل الاقتصادي العالمي والإقليمي، وتعزيزها، وجني ثمار التكامل، بدلاً من أن نشهد تبديلها من جانب من يفضلون التقوقع.

فبلدان آسيا التي تضررت في وقت مبكر من جائحة كوفيد-19 نجحت في احتوائها لاحقًا (في الوقت الذي فرضت فيه بلدان أوروبية عديدة قيودًا مشددة على الحركة)، وارتفع نصيبها السوقي من منتجات سلاسل القيمة العالمية، في منتصف عام 2020م، بمقدار 4,6 نقطة مئوية في أوروبا، و2,3 نقطة مئوية في أمريكا الشمالية. وكانت هذه المكاسب كبيرة وسريعة قياسًا بالمعايير التاريخية، ولكنها تراجعت جزئيًا مع نجاح البلدان في التكيف مع الجائحة، مما يشير إلى أن هذه التغيرات كانت مؤقتة على الأرجح.

 

وفي ظل تزايد المخاوف بشأن تجزؤ الاقتصاد العالمي وتشجيع التوريد من البلدان الصديقة في أعقاب الحرب في أوكرانيا، فإنه يمكن زيادة الصلابة من خلال تعزيز قابلية إحلال المدخلات وزيادة تنويعها، كما يمثل تطوير البنية التحتية أحد المجالات المهمة في هذا الصدد بالطبع، فقد اتضح من الجائحة مدى أهمية استثمارات البنية التحتية في التخفيف من انقطاعات الإمداد المرتبطة بالخدمات اللوجستية في القطاع التجاري. فعلى سبيل المثال، يساعد تطوير وتحديث البنية التحتية للموانئ الواقعة على مسارات السفن العالمية الرئيسية في الحد من نقاط الاختناق البحرية حول العالم، كذلك يمكن تطوير البنية التحتية الرقمية لتسهيل العمل من بعد، مما يساعد أيضًا في الحد من انتقال التداعيات إلى البلدان الأخرى.

 

وأخيرًا، يساعد خفض تكلفة التجارة في تنويع المدخلات، وهناك فرصة للحد من الحواجز غير الجمركية، مما سيساهم في إعطاء دفعة قوية للاقتصاد على المدى المتوسط، ومما سيساعد أيضًا في زيادة التنويع الحد من عدم اليقين بشأن السياسات التجارية وإرساء نظام سياسات تجارية منفتح ومستقر وقائم على القواعد.

ورغم أن القيود التجارية قد تكون استجابة مغرية لنقاط الضعف في جانب العرض التي كشفت عنها الصدمات في العامين الماضيين ، إلا أن تقليص سلاسل التوريد العالمية لن يؤدي إلا إلى تعميق الضغوط التضخمية ، مما يسفر عن تباطؤ النمو الاقتصادي وانخفاض مستويات المعيشة بمرور الوقت، وبالتالي فإن ما نحتاج إليه هو قاعدة أعمق وأكثر تنوعًا وأقل تركيزًا لإنتاج السلع والخدمات حول العالم، ومن شأن ذلك أن يسهم في مرونة العرض واستقرار الأسعار على المدى الطويل من خلال التخفيف من التعرض للظواهر الجوية المتطرفة وغيرها من الاضطرابات المحلية.

اتجاهات تطوير التكامل الاقتصادي الإقليمي وسلاسل القيمة

يؤكد انتشار التكامل الإقليمي على كافة مستوى القارات والمناطق، أنه أداة يمكن استخدامها للتنمية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في العالم، ومن هنا تنخرط الدول في جميع أنحاء العالم في ترتيبات التكامل الإقليمي نظرًا لفوائدها الهائلة في حفز التنمية كما يتضح من الزيادات في التجارة البينية وما نتج عنها من زيادات في النمو الاقتصادي والتنمية.

ورغم أن الطبيعة المترابطة للتجارة الدولية، والتي يمكن أن تزيد من تعرض الاقتصادات العالمية للمخاطر وتسهم في انتقال موجات الصدمة من منطقة لأخرى، إلا أن حرية التجارة العالمية، يمكنها أن تعزز المرونة الاقتصادية، وخاصة عندما تكون مدعومة بسياسات محلية وتعاون عالمي فعال، كما يمكن للتجارة الدولية، بوصفها محركًا للنمو الاقتصادي، أن تولد الموارد والمعارف اللازمة لمواجهة الأزمات، ويمكنها أيضًا أن تساعد البلدان على التعافي من خلال تيسير توفير السلع والخدمات اللازمة لمواجهة الأزمات.

ويظهر تقرير التجارة العالمية 2021م، أن هناك حاجة إلى بيئة تجارية أكثر انفتاحًا وشمولية بحيث يمكن التنبؤ بها لتعزيز التنويع والمساهمة في تحقيق المرونة الاقتصادية، من خلال الدور الذي تقوم به منظمة التجارة العالمية في جعل الاقتصادات أكثر مرونة من خلال تخفيض الحواجز التجارية وزيادة الشفافية في السياسات التجارية، ويمكن لمزيد من التعاون الدولي في منظمة التجارة العالمية أن يعزز الدعم المتبادل للانفتاح التجاري والمرونة الاقتصادية في وجه الصدمات العالمية المستقبلية.

من ناحية أخرى مثلت صدمة وباء فيروس كورونا اختبارًا عمليًا لقوة سلاسل الإمداد والقيمة، هذه السلاسل المعقدة بتوزيعها الحالي وتركزها في مناطق قريبة من بعضها البعض، مما يعرضها للخطر عندما يتعطل جزء منها في العالم، كما حدث في مدينة «ووهان» الصينية في بداية تفشي جائحة فيروس كورونا، إذ توقفت سلاسل الإمداد والقيمة عن إنتاج السلع والخدمات، ومن ثم واجه الاقتصاد العالمي ندرة في المعروض منها، لذا ظهر توجه عالمي جديد تقوده الولايات المتحدة الأمريكية بضرورة إعادة توزيع مراكز سلاسل الإمداد والقيمة بما يقلل من مخاطر تركزها عالميًا في مناطق معينة. 

مستقبل التكامل الاقتصادي الخليجي

أدرك قادة دول مجلس التعاون أهمية التعاون والتكامل الاقتصادي الإقليمي كوسيلة لتدعيم والتعجيل بوتيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في بلدانهم، ويمثل مجلس التعاون الخليجي في جانبه الاقتصادي أهم صور تلك القناعات. ورغم أن الدافع الأساسي لإقامة مجلس التعاون الخليجي في البداية كان لأسباب سياسية، إلا أنه بعد ذلك أصبح التكامل الاقتصادي استراتيجية إنمائية للارتقاء فوق تحديات الأسواق الصغيرة لدول المنطقة وحداثة الاهتمام ببرامج التنمية بها وانخفاض الطاقة الاستيعابية لكل دولة على حدا، وتحقيق منافع اقتصاديات الحجم الكبير في المشروعات الإنتاجية والتجارة الخارجية.

وقد تبنى مجلس التعاون الخليجي، مبدأ التكامل الاقتصادي عنوانًا للعقد الخامس من مسيرته في آخر اجتماع للقمة الخليجية رقم 42 (بالرياض أيضًا) عام 2022م، ليتمحور اهتمام قادة المجلس حول دعم مسيرة التكامل خاصة الاقتصادية والتنموية، والتركيز على المشاريع ذات البعد الاستراتيجي التكاملي وأبرزها الانتهاء من متطلبات الاتحاد الجمركي، وتحقيق السوق الخليجية المشتركة، ومشروع السكة الحديدية، في مواجهة التحديات الإقليمية والعالمية.

 

ويرتكز مقترح تطوير التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون على مسار حديث لذلك التكتل الاقتصادي، تزامنا مع الثورة الصناعية الرابعة والتطورات غير المسبوقة في وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، اعتمادًا على فكرة تجمعات سلاسل الإمداد والقيمة، بحيث يأخذ شكل تجمعات تكنولوجية منتشرة بين دول مجلس التعاون، سواء لإنتاج منتج نهائي بالتكامل بين دول المجلس، أو خلق مركز عالمي ضمن سلاسل التوريد والقيمة العالمية.

 

يقوم المقترح أساسًا على تقسيم إنتاج السلع والخدمات على دول مجلس التعاون وفق مبدأ الميزة النسبية أو الميزة التنافسية، مما يعني إنشاء سلاسل للقيمة المضافة، بحسب مكونات الإنتاج ومراحله، تخفض التكاليف الكلية، وعلى سبيل المثال، يمكن أن يكون لسيارة من طراز فولكسفاجن محرك مصنوع في السعودية وقطر وضفيرة كهرباء في عمان والإمارت؛ ونظام مرشح عادم في البحرين والكويت.

ويساعد تراجع تكاليف التجارة والنقل للشركات التي سيتم التعاون معها أو إقامتها في دول المنطقة، توزيع خطوط إنتاجها بين دول المجلس، ولا يقتصر الأمر على أن كل مرحلة من مراحل الإنتاج تحدث في مصنع مختلف ، بل إن كل مصنع غالبًا ما يكون في بلد مختلف، وهذا النوع من الإنتاج، الذي يسفر عن زيادة حركة السلع والخدمات من بلد إلى بلد من خلال سلسلة العرض، يستهدف توسع التجارة الخارجية للدول الأعضاء، ويعمل في الوقت نفسه على تنويع هياكل الإنتاج، ومصادر الدخل، ويخلق نوعًا من التكامل فى إنتاج وتصدير السلع والخدمات بديلاً للتنافس.

ومن المنظور التاريخي، كانت سلاسل الإمداد بسيطة تعمل ضمن نطاقات جغرافية محدودة، فكان المنتجون المحليون يصنعون منتجات بسيطة مثل النبيذ أو الأقمشة أو حتى الخبز، وغالبًا ما كان يسهل الحصول على جميع المكونات المستخدمة في صناعتها من موقع قريب من مكان استهلاك المنتج النهائي، غير أن سلاسل الإمداد في اقتصادنا الحديث باتت أكثر اتساعًا ويشترك فيها عدد كبير من المنتجين في دول مختلفة.

 وتشير تجارب سلاسل العرض والقيمة على المستوى العالمي إلى قدرتها على توسيع نطاق التجارة الخارجية للدول، فمنذ عام 1950م، زاد حجم التجارة العالمية في السلع والخدمات 27 ضعفًا، ليصل إلى نحو 20 تريليون دولار أمريكي. ويعزى جزء كبير من ذلك النمو إلى المنتجات والخدمات الوسيطة التي تنتقل من بلد إلى آخر في سلسلة العرض الدولية للشركات (صندوق النقد الدولي).

ويرتكز هذا المقترح على توزيع مراحل إنتاج القيمة المضافة للمنتج النهائي في كل بلدان المجلس التي ستتكامل في المنتج الواحد، والتي تشكل جزءًا من السلسلة في عملية تسمى التجارة الرأسية أو التخصص الرأسي، وتنفيذ أنشطة ومهام معينة في بلدان المجلس حسب مزاياها التنافسية، بحيث يمكن خفض تكاليف الإنتاج الكلية، ورفع قدراتها التنافسية، حتى تتمكن دول المنطقة من أن تشارك بصورة نشيطة في التجارة القائمة على سلسلة العرض، ليس في المنتجات التقليدية فحسب، وإنما في منتجات حديثة مثل أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة والآلات الطبية.

وتتيح سلسلة العرض في دول مجلس التعاون المشاركة في الصناعات التحويلية للسوق العالمية، لأن الشركات تستطيع توزيع المهام والمراحل الإنتاجية فيما بين اقتصادات المنطقة مثل تجميع أجهزة الكمبيوتر المحمولة أو اللابتوب والهواتف المحمولة. ورغم أن حصة القيمة التي تضاف إلى المنتج من خلال أنشطة التجهيز في كل بلد على حدا قد تكون ضئيلة بوجه عام، إلا أن فرص العمل والدخل التي تتولد عن ذلك يمكن أن تحقق منافع كبيرة، وبمرور الوقت، ومع تزايد مشاركة البلدان في تلك التجارة، يمكن أن تتوفر لها القدرة على زيادة حصة القيمة الكلية التي يتم توليدها محليًا.

::/fulltext::
::cck::6210::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *