الدبلوماسية الثقافية وضرورة التوجه الخليجي نحو دول بحر البلطيق

::cck::5822::/cck::
::introtext::

لقد باتت السياسات الخارجية للعديد من دول الخليج العربي في إطار تطوير أدائها تقوم على “الدبلوماسية الثقافية” كنهج الجديد في العلاقات الدولية. فالدبلوماسية الثقافية تعتمد بالأساس على جاذبية الثقافة والفنون والآداب والمخزون التراثي والحضاري وعلى رموز اعتبارية في الرياضة والغناء والشعر والمسرح والسينما والرسم والرقص. هذا النوع من الدبلوماسية بات طريقة جديدة لمزيد من دعم فرص التعاون والاستثمار الاقتصادي والترويج للوجهات السياحية وتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين المجتمعات والدول.

::/introtext::
::fulltext::

لقد باتت السياسات الخارجية للعديد من دول الخليج العربي في إطار تطوير أدائها تقوم على “الدبلوماسية الثقافية” كنهج الجديد في العلاقات الدولية. فالدبلوماسية الثقافية تعتمد بالأساس على جاذبية الثقافة والفنون والآداب والمخزون التراثي والحضاري وعلى رموز اعتبارية في الرياضة والغناء والشعر والمسرح والسينما والرسم والرقص. هذا النوع من الدبلوماسية بات طريقة جديدة لمزيد من دعم فرص التعاون والاستثمار الاقتصادي والترويج للوجهات السياحية وتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين المجتمعات والدول.

وتعتبر منطقة الخليج العربي منطقة تثاقفية وتواصلية، وإذا قلبنا بعض صفحات من تاريخها السياسي وعلاقاتها الخارجية فإننا لا محالة سوف نقف على عراقة دبلوماسيتها، وحان الوقت ليستفيد الخليج من تاريخه الدبلوماسي ومن رصيده الحضاري والثقافي والتراثي حتى تتوخى وبشكل واضح نهج الدبلوماسية الثقافية من خلال استراتيجية جديدة وتوجهات نحو مناطق جغرافية جديدة تسعى دول وقوى إقليمية أخرى للسيطرة عليها ثقافيًا وتصدير صور ذهنية ثقافية مخالفة للثقافة العربية الصحيحة.

ليتوانيا، لاتفيا، إستونيا، من الدول العشر التي تطل على بحر البلطيق، ولكنها مثلث اشتهر دائمًا بمسمى “دول البلطيق”. وتتمتع تلك الدول الثلاثة بخصوصية ثقافية متميزة عن باقي دول الدول الأوروبية، فهي من ضمن دول انفصلت عن جمهوريات الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. وهي الدول التي حرصت حتى بعد الانضمام للاتحاد الأوروبي بالحفاظ على الموروث الثقافي لها والخصوصية المجتمعية والثقافية، ومن عدة تجارب لزيارة كل دولة من الدول الثلاثة ستدرك نسبية انغلاق تلك الدول مجتمعيًا وثقافيًا وكذلك شغف الأجيال الجديدة بها لمعرفة واستيعاب ثقافات جديدة ولا سيما بعد انضمام تلك الدول إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يدعو إلى ضرورة العمل على تكثيف الدبلوماسية الثقافية العربية الخليجية وتوجيهها إلى تلك الدول، لما تمثله من أرض خصبة للتواجد الثقافي العربي وما سيؤدي بلا شك إلى تحسين الصورة الذهنية الثقافية العربية المشوهة لدى شريحة كبيرة من شعوب تلك الدول والتي نُقلت من خلال وسائل الإعلام والتي تعمدت تشويه تلك الصورة أو من خلال تجارب مبنية على الاحتكاك مع فئات من الجاليات العربية المتواجدة هناك والتي قد عكست صورة سلبية نوعًا ما. وبالتالي بنيت على أساس تلك التجارب صورة ذهنية مشوهة للثقافة العربية تدعونا للتدخل السريع والفوري من خلال تكثيف التواجد الناعم في تلك الدول من خلال إقامة العديد من الفاعليات الثقافية بمختلف أنواعها، وكذا التعاون وبناء شراكات مع المؤسسات الثقافية والفنية المختلفة في تلك الدول في ظل تنامي دورها كقوى مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي.

وحيث أن الدبلوماسية الثقافية ودورها الناعم في دعم تلك العلاقات مع دول البلطيق هي ليست وظيفة لوزارات الخارجية أو الثقافة، بل أصبح للمؤسسات الثقافية والتعليمية داخل الدولة الواحدة أدوار غير محدودة النطاق في ظل العولمة، فتطورت أدوار المؤسسات الثقافية داخل الدولة وأصبحت غير تقليدية وذلك من خلال: الترويج للسياحة من خلال عمل مؤتمرات ومهرجانات تشارك فيها أجناس مختلفة. وكذلك التبادل الشبابي والذي تقوم به مؤسسات ثقافية والذي يسهم في خلق فرص معرفة جديدة وعلاقات دبلوماسية غير مباشرة بين الدول من خلال المؤسسات الثقافية. وأخيرًا تصحيح الصورة الذهنية للثقافة العربية لدى المجتمع الدولي ونقل صورة صحيحة من خلال الأداة الثقافية. فالمؤسسات الثقافية يجب أن توجه البرامج والمنتجات الثقافية العربية والتي ستعمل على صناعة الصورة الذهنية البديلة إلى القاعدة الشعبية العريضة في المجتمعات الغربية ولا تقتصر أو تركز على الساسة وصناع القرار.

ونذكر هنا بعض الأمثلة من ضمن العديد من الفاعليات والمشروعات التي نُظمت بالفعل وكان لها مردود إيجابي كبير نحو ما ننادي به من توجه ثقافي عربي في تلك الدول، احتفالية “أيام الثقافة العربية”، انطلاقًا التعريف بالثقافة العربية والتي تشارك بها عدة دول عربية وهو ما كان غائبًا عن الثقافة الجماهيرية الليتوانية عبر عدد من الندوات والمحاضرات في جامعة فيلنوس والبرلمان الليتواني وكذلك في العديد من المنظمات الثقافية، انطلاقًا مما يمكن تسميته “صناعة الصورة الذهنية الصحيحة”. وقد كان الحافز الأول هو باقتحام نطاق إقليمي وجغرافي جديد، والتخلي عن حجة أن تلك دول لا تهمنا أو خارج دائرة السياسة الخارجية …الخ، فتلك النظريات ضيقة الأفق والتي للأسف تتبعها عدة دول عربية سواء على المستوى الرسمي من التمثيل الدبلوماسي والثقافي أو على المستوى غير الرسمي من حيث عدم تشجيع خطط وبرامج المؤسسات الثقافية التي تهدف للانطلاق نحو أقاليم جغرافية جديدة تكون أرض خصبة لنقل صورة ثقافية عربية سليمة لشعوبها.

كما تم ترجمة دستور جمهورية “أوجوبيس” – بتعطيش الجيم-إلى اللغة العربية، وهو حي يقطنه العديد من الفنانين البوهيميين، وهو حي مسجل في منظمة اليونسكو باسم “جمهورية أوجوبيس” وهي جمهورية رمزية وليست جمهورية مستقلة، وستجد بها رئيسًا لتلك الجمهورية ووزيرًا للخارجية وجيش وشرطة، ولكنها كلها كيانات رمزية، كما أن لها دستورًا رمزيًا وهو أشبه لدساتير المدينة الفاضلة وهو مسجل بمنظمة اليونسكو أيضًا.  

كذلك مشروع “التعليم بلا حدود” عام 2017م، والذي تم تنفيذه في جمهورية إستونيا وهو المشروع الذي شارك فيه عدة دول عربية من الخليج العربي وشمال إفريقيا وأوروبية وهو مشروع كان الغرض الأساسي منه دعم وتطوير عملية التعليم غير الرسمي في أوروبا والوطن العربي من خلال المؤسسات الثقافية المختلفة ومنظمات المجتمع المدني بعيدًا عن عملية التعليم الرسمي بصورته المعتادة.

ومن ضمن الفاعليات الهامة والتي تمتزج فيها الثقافة بالإعلام والرياضة، هي البطولة الدولية لكرة القدم للصحفيين والإعلاميين والتي تقام في القارة الأوروبية منذ عام 2005م، بمشاركة العديد من الدول الأوروبية ومن ضمنها بالطبع دول بحر البلطيق. وكان اشتراك مصر والإمارات والسعودية بتلك البطولة منذ عام 2013 م، وحتى الآن مشاركة في غاية الأهمية لما تمثله تلك البطولة من تجمع كبير للصحفيين والإعلاميين من كافة أنحاء القارة الأوروبية ليكون المخرج النهائي لهذا التجمع هو بطولة دولية ودية في كرة القدم.

ومن هذا المنطلق، ظهرت الحاجة لوضع تصور للاستراتيجيات والآليات التي يجب إتباعها من خلال المؤسسات الثقافية العربية، بشكلٍ سليم لبناء صورة ذهنية إيجابية معبرة عن ثقافة أمتها؛ فعملية بناء صورة ذهنية إيجابية لدى الغير مهمة للغاية، فكلما كانت الصورة الذهنية سلبية مالت العلاقات نحو الصراع، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي. كما أن العلاقة الوثيقة التي تربط بين الاتصال الثقافي بمختلف قنواته وبين الصورة الذهنية، وأنها علاقة تبادلية على اعتبار أن الاتصال الثقافي بين الشعوب والمجتمعات هو العامل الأساس في بناء الصورة الذهنية. وتبدو العلاقة بين مفهوم الصورة الذهنية والاتصال الثقافي أكثر وضوحاً عند استعراض وسائل الاتصال الثقافي التي تعد في الوقت ذاته من أهم عوامل بناء الصورة الذهنية المتبادلة بين الشعوب والمجتمعات.
إن مهمة التصحيح أو التعامل مع الصورة الذهنية للثقافة العربية الخليجية لا يمكن أن تخضع للدولة أو مؤسساتها الرسمية، فتجارب العقود الماضية تشير إلى أن المصالح الوطنية قد تحدث الكثير من الارتباك في العمل الثقافي والإعلامي. وعليه فإن المؤسسات الثقافية غير الحكومية بكافة أشكالها هي الصيغة الأكثر فاعلية في تبني وتنفيذ البرامج والاستراتيجيات التي تستهدف تصحيح المفهوم الغربي للثقافة الخليجية مع التنسيق مع المنظمات الوطنية الأخرى التي لا يمكن تجاهل أنشطتها بلا شك.
إن تلك الاستراتيجيات المستقبلية لابد أن تراعي الأسس التالية:
أن تعتمد نظرة المؤسسات الثقافية العربية الاستراتيجية للتغيير على ما يمكن تسميته “صناعة الصورة البديلة” بدلاً من الانشغال بردود الأفعال ومحاولات الترقيع. فبدلاً من الإغراق في تفنيد المغالطات وملاحقة مروجيها في أي شكل أو صورة أو منتج ثقافي، فعلينا أن نقدم المعلومات الصحيحة وفق منظومة متكاملة ومستمرة غير منقطعة. وكذلك أن تسلك المؤسسات الثقافية سياسة النفس الطويل ولا ترتهن للعمل الوقتي أو البرامج الثقافية قصيرة الأجل الذي قد تنجح نجاحًا وقتيًا وليس نجاحًا مستديمًا.
أن تتوجه البرامج والمنتجات الثقافية العربية والتي ستعمل على صناعة الصورة الذهنية البديلة إلى القاعدة الشعبية العريضة في المجتمعات الغربية ولا تقتصر أو تركز على الساسة وصناع القرار. فإن الشعوب الغربية تُبدي – كما رأينا – استعداداً وقابلية للتغيير ومعرفة الجديد عن الثقافة العربية ومستجداتها وكذلك تاريخها السليم مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التنوع الجغرافي في ذلك وعدم إهمال نطاقات إقليمية وجغرافية بحجة أن تلك دول لا تهمنا أو دول صغيرة …الخ من النظريات ضيقة الأفق والتي للأسف تتبعها عدة دول عربية. وسنجد أن العديد من المؤسسات المدنية في المجتمعات الغربية توفر لنا ساحة ملائمة لإيصال رسالاتنا الثقافية إلى قطاعات متنوعة من الأفراد والجماعات وعلى المؤسسة الثقافية حسن اختيار تلك المؤسسات المدنية الغربية لكي تصل الرسالة بشكل فعال.  وعلى المؤسسات الثقافية العربية أن تصل إلى وسائل الإعلام المؤثرة في الغرب وتنشط علاقاتها مع المثقفين والإعلاميين المميزين وتوثيق الصلة بالمؤسسات الثقافية والإعلامية ذات النفوذ وذات التواجد المجتمعي الفعلي وليس الشكلي.

إن الدبلوماسية الثقافية تستند إلى تقديم ثقافة منطقة الخليج العربي إلى الخارج، ومن هنا فلا بد من أن تستند على أفكار ووسائل وأنماط جديدة، ما يسهم في نقل صورة ثقافية إيجابية وجذابة في أذهان شعوب النطاق الجغرافي المستهدف وهو بحر البلطيق لما عددناه من دوافع ومميزات تدعو لضرورة ذلك الاستهداف الثقافي، ولكي ننعش النشاط الثقافي يجب بناء جسور من التواصل مع تلك الثقافات الجديدة علينا كمجتمعات عربية، نقل الصورة الذهنية الصحيحة من خلال فاعليات ومهرجانات ثقافية، وفاعليات رياضية وفنية تعزز الحوار وتقرّب بين الشعوب العربية ومثيلتها في البلطيق.

كما أن الدبلوماسية الثقافية الخليجية يجب أن تستند على عملية ثقافية في غاية الأهمية، ألا وهي عملية صناعة الإبداع. وما يجب فعله، هو تعزيز القوة والإيجابيات التي يرجع لها الفضل في تجنّب الانهيار والفشل، وهي المنظومة الاجتماعية والثقافية، وفِي نفس الوقت قراءة التراث والتجربة التاريخية لاستدراك أخطاء الماضي واستدعاء ما يحصن المجتمع.

ويبدو بديهيًا القول إنَّ المناعة الفكريَّة تحمي الأفراد والمجتمعات من التطرُّف والتعصُّب والكراهية، ولكنَّ ذلك يقتضي بطبيعة الحال تشكّلات فكريَّة شاملة لا تقتصر على الحماية من التطرف، وإنَّما تعني أفراداً فاعلين ومستقلين يصعب خداعهم وقيادتهم دون إدراك.

وبطبيعة الحال فإنَّ تعزيز المناعة الفكريَّة يعني تزويد الأفراد والمجتمعات بالمهارات والمعارف التي تمكنهم من التفكير الصحيح وتجنُّب الخطأ والانحراف والتطرُّف ونقص المعرفة والمهارات. وفي موجة التطرُّف والكراهية والعنف التي تصعد في عالم العرب والمسلمين اليوم، وتنشئ حالة مرعبة من الصراعات العنيفة والمدمّرة لحياة فئة واسعة من الناس ومصالحهم، أدَّت إلى عدم الاستقرار والهجرة والفقر والهشاشة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، تتشكَّل ضرورات قصوى لبناء منظومات مواجهة من الاعتدال والتسامح وتنظيم العلاقات والمصالح على النحو الذي يمنح هذا الجزء من العالم الرضا والاستقرار والمشاركة في العالم، وأن يقبل العالم ويتقبله.

لم يعد ممكنًا في ظلّ هذه الحالة السائدة تقديم الاعتدال والتنوير وصفة جاهزة أو يمكن فرضها بمؤسسات السُلطة ومحاسبة الناس على أساسها، ليس سوى الثقة، الناس تتبع من تثق به، والفائز في الصراع القائم اليوم هو من يحوز الثقة، ولا نملك لأجل بناء الاعتدال والتسامح سوى أن ننشئ بيئة مناسبة من أجل الإبداع والتفكير الحر والناقد والسؤال والتوق الدائم إلى المعرفة، وإطلاق الخيال وكلّ أدوات المعرفة للاقتراب من الصواب.

الدبلوماسية الثقافية والإبداع الخليجي المشترك

فالإبداع المشترك هو مقاربة وطريقة للتطوُّر والعمل معاً، هناك تختفي المواقف الكلاسيكية مثل المراتب، والعمر، والتجربة. يتلاقى الأفراد كشركاء من أجل إطلاق الإمكانيات فيما بينهم عبر فتح الباب للتأثير على الأخر وعبر التعاون المشترك.

تسهّل عملية الإبداع المشترك للشركاء إيجاد مساحةً للتلاقي بانفتاح، وتركيز، وفُضُول. والقدرة على الانفتاح والتساؤل عن محدوديتنا، ومنظورنا وآرائنا هي جزء مهم من المشاركة في عملية الإبداع المشترك. ومساءلة المعتقدات والافتراضات والتصوّرات الثابتة هي أمرٌ شديد الأهمية. وتهدف العملية إلى تحقيق نتائج مبتكرة تخدم الكلّ.

في عملية الإبداع المشترك نُقِرّ بأنّنا على حَقّ جزئيً، بينما المعنى هو عملية منشأه اجتماعياً تستغرق وقتاً، واهتماماً وتواضعاً للإبداع معاً. وباستثمار ذلك الوقت والاهتمام، نستحدثُ مساحةً حيث يمكن للناس الشعور بالأمان والثقة والجرأة على إطلاق الإمكانيات.

النتيجة هي صورة مُبدَعة على نحو مشترك، ومتشاركة تستحدث كالغراء الذي يُبقي الناس معاً ويُلزِمهم اتّخاذ خطوات لتحويل المعنى الجديد إلى أفعال ونتائج.

فدول منطقة الخليج لديها القدرة على بناء سوق ثقافية وإبداعية (الكتابة والنشر والتأليف والقصة والرواية والشعر والموسيقى والخطابة والفنون التشكيلية والنحت والتصميم والمسرح والدراما والسينما والتصوير…)، بالقدر الذي يجعلها استثماراً ناجحًا لا يحتاج إلى دعم حكومي مباشر، فربما تلحق الحكومات بدعمها ضررًا فادحًا بالثقافة والفنون يفوق إهمالها ومحاربتها. ومن هنا يمنها الانطلاق للغزو الثقافي الناعم لمنطقة دول بحر البلطيق والتي تعتبر بيئة خصبة لنقل صورة ذهنية صحيحة للثقافة الخليجية.

ولكن الحكومات يمكن أن تفعل الكثير أيضاً في هذا المجال، بالمشاركة مع المجتمعات ومن خلال المؤسسات التعليمية والثقافية المركزية، بهدف بناء جمهور عريض وقواعد اجتماعية واسعة للثقافة والفنون والاستهلاك الثقافي والفني، مثل تشجيع وتطوير المواهب والمهارات والمساقات التعليمية في الفلسفة والإبداع والفنون والتي ستعتبر الفاعل الرئيسي في عملية الدبلوماسية الثقافية المشار إليها.

إن المناعة الاجتماعية والثقافية بما يمكن ملاحظته في تعزيز الإبداع في الدول الخليجية سيلاحظ في الأداء الثقافي والاجتماعي في السلوك الاجتماعي اليومي والعام، المشاركة في الحوار حول القضايا العامة، وتصميم البيوت وتخطيط المدن والأحياء والشوارع، وقيادة السيارات وثقافة المواصلات والنقل العام، والمشي واستخدام الدراجة الهوائية، وممارسة الرياضة، والألعاب الشعبية، ومستوى الصحافة ووسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية، والأثاث والطعام واللباس، وازدهار المكتبات العامة والحدائق العامة والأندية الرياضية الثقافية الاجتماعية، وتنشئ بوضوح قياسي ومعياري ذائقة فنية وثقافة موسيـــقية وبــــصرية عــــامة وشعـــبية في البناء والطـــعام واللــــباس وأسلوب الحياة كما تذوق الآداب والفـــنون، كما يجب أن يصاحب ذلك الفردية والتماسك الاجتماعي معًا، والحوار والاستماع وتقبّل الرأي الآخر والتنوّع والتعددية الثقافية والدينية، والفردية والتماسك الاجتماعي والاختلاط والثقة.

وأخيرًا، يمكن ملاحظة التقدّم والفشل في ذلك، في مستوى المشاركة العالمية الثقافية والاجتماعية في الاتجاهين (الاستيراد والتصدير)، وفي القدرة على تقبّل العالم وأن يتقبّلنا العالم أيضًا.

إن منطقة الخليج العربي لا يزال ينتظرها الجهد المكثف والاستراتيجي من أجل بناء نهجها الجديد في علاقاتها الدبلوماسية الثقافية خاصة مع منطقة البلطيق، ويبقى الرصيد الثقافي والحضاري هو كنز الخليج الأبدي وجسرها الذهبي نحو البلطيق، “فالثقافة تبقى عندما يفنى كل شيء”. فالدبلوماسية الثقافية، هي الأكثر تأثيراً في الرأي العام، إذا ما أحسنت صناعتها وتقديمها، تكون قادرة على تغيير قواعد التعامل المؤثر إيجابياً في المجتمعات الخارجية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس فريق عمل مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية ـ مدرس العلوم السياسية بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بالإسكندرية

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::5822::/cck::
::introtext::

لقد باتت السياسات الخارجية للعديد من دول الخليج العربي في إطار تطوير أدائها تقوم على “الدبلوماسية الثقافية” كنهج الجديد في العلاقات الدولية. فالدبلوماسية الثقافية تعتمد بالأساس على جاذبية الثقافة والفنون والآداب والمخزون التراثي والحضاري وعلى رموز اعتبارية في الرياضة والغناء والشعر والمسرح والسينما والرسم والرقص. هذا النوع من الدبلوماسية بات طريقة جديدة لمزيد من دعم فرص التعاون والاستثمار الاقتصادي والترويج للوجهات السياحية وتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين المجتمعات والدول.

::/introtext::
::fulltext::

لقد باتت السياسات الخارجية للعديد من دول الخليج العربي في إطار تطوير أدائها تقوم على “الدبلوماسية الثقافية” كنهج الجديد في العلاقات الدولية. فالدبلوماسية الثقافية تعتمد بالأساس على جاذبية الثقافة والفنون والآداب والمخزون التراثي والحضاري وعلى رموز اعتبارية في الرياضة والغناء والشعر والمسرح والسينما والرسم والرقص. هذا النوع من الدبلوماسية بات طريقة جديدة لمزيد من دعم فرص التعاون والاستثمار الاقتصادي والترويج للوجهات السياحية وتعزيز العلاقات الاستراتيجية بين المجتمعات والدول.

وتعتبر منطقة الخليج العربي منطقة تثاقفية وتواصلية، وإذا قلبنا بعض صفحات من تاريخها السياسي وعلاقاتها الخارجية فإننا لا محالة سوف نقف على عراقة دبلوماسيتها، وحان الوقت ليستفيد الخليج من تاريخه الدبلوماسي ومن رصيده الحضاري والثقافي والتراثي حتى تتوخى وبشكل واضح نهج الدبلوماسية الثقافية من خلال استراتيجية جديدة وتوجهات نحو مناطق جغرافية جديدة تسعى دول وقوى إقليمية أخرى للسيطرة عليها ثقافيًا وتصدير صور ذهنية ثقافية مخالفة للثقافة العربية الصحيحة.

ليتوانيا، لاتفيا، إستونيا، من الدول العشر التي تطل على بحر البلطيق، ولكنها مثلث اشتهر دائمًا بمسمى “دول البلطيق”. وتتمتع تلك الدول الثلاثة بخصوصية ثقافية متميزة عن باقي دول الدول الأوروبية، فهي من ضمن دول انفصلت عن جمهوريات الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات من القرن الماضي. وهي الدول التي حرصت حتى بعد الانضمام للاتحاد الأوروبي بالحفاظ على الموروث الثقافي لها والخصوصية المجتمعية والثقافية، ومن عدة تجارب لزيارة كل دولة من الدول الثلاثة ستدرك نسبية انغلاق تلك الدول مجتمعيًا وثقافيًا وكذلك شغف الأجيال الجديدة بها لمعرفة واستيعاب ثقافات جديدة ولا سيما بعد انضمام تلك الدول إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما يدعو إلى ضرورة العمل على تكثيف الدبلوماسية الثقافية العربية الخليجية وتوجيهها إلى تلك الدول، لما تمثله من أرض خصبة للتواجد الثقافي العربي وما سيؤدي بلا شك إلى تحسين الصورة الذهنية الثقافية العربية المشوهة لدى شريحة كبيرة من شعوب تلك الدول والتي نُقلت من خلال وسائل الإعلام والتي تعمدت تشويه تلك الصورة أو من خلال تجارب مبنية على الاحتكاك مع فئات من الجاليات العربية المتواجدة هناك والتي قد عكست صورة سلبية نوعًا ما. وبالتالي بنيت على أساس تلك التجارب صورة ذهنية مشوهة للثقافة العربية تدعونا للتدخل السريع والفوري من خلال تكثيف التواجد الناعم في تلك الدول من خلال إقامة العديد من الفاعليات الثقافية بمختلف أنواعها، وكذا التعاون وبناء شراكات مع المؤسسات الثقافية والفنية المختلفة في تلك الدول في ظل تنامي دورها كقوى مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي.

وحيث أن الدبلوماسية الثقافية ودورها الناعم في دعم تلك العلاقات مع دول البلطيق هي ليست وظيفة لوزارات الخارجية أو الثقافة، بل أصبح للمؤسسات الثقافية والتعليمية داخل الدولة الواحدة أدوار غير محدودة النطاق في ظل العولمة، فتطورت أدوار المؤسسات الثقافية داخل الدولة وأصبحت غير تقليدية وذلك من خلال: الترويج للسياحة من خلال عمل مؤتمرات ومهرجانات تشارك فيها أجناس مختلفة. وكذلك التبادل الشبابي والذي تقوم به مؤسسات ثقافية والذي يسهم في خلق فرص معرفة جديدة وعلاقات دبلوماسية غير مباشرة بين الدول من خلال المؤسسات الثقافية. وأخيرًا تصحيح الصورة الذهنية للثقافة العربية لدى المجتمع الدولي ونقل صورة صحيحة من خلال الأداة الثقافية. فالمؤسسات الثقافية يجب أن توجه البرامج والمنتجات الثقافية العربية والتي ستعمل على صناعة الصورة الذهنية البديلة إلى القاعدة الشعبية العريضة في المجتمعات الغربية ولا تقتصر أو تركز على الساسة وصناع القرار.

ونذكر هنا بعض الأمثلة من ضمن العديد من الفاعليات والمشروعات التي نُظمت بالفعل وكان لها مردود إيجابي كبير نحو ما ننادي به من توجه ثقافي عربي في تلك الدول، احتفالية “أيام الثقافة العربية”، انطلاقًا التعريف بالثقافة العربية والتي تشارك بها عدة دول عربية وهو ما كان غائبًا عن الثقافة الجماهيرية الليتوانية عبر عدد من الندوات والمحاضرات في جامعة فيلنوس والبرلمان الليتواني وكذلك في العديد من المنظمات الثقافية، انطلاقًا مما يمكن تسميته “صناعة الصورة الذهنية الصحيحة”. وقد كان الحافز الأول هو باقتحام نطاق إقليمي وجغرافي جديد، والتخلي عن حجة أن تلك دول لا تهمنا أو خارج دائرة السياسة الخارجية …الخ، فتلك النظريات ضيقة الأفق والتي للأسف تتبعها عدة دول عربية سواء على المستوى الرسمي من التمثيل الدبلوماسي والثقافي أو على المستوى غير الرسمي من حيث عدم تشجيع خطط وبرامج المؤسسات الثقافية التي تهدف للانطلاق نحو أقاليم جغرافية جديدة تكون أرض خصبة لنقل صورة ثقافية عربية سليمة لشعوبها.

كما تم ترجمة دستور جمهورية “أوجوبيس” – بتعطيش الجيم-إلى اللغة العربية، وهو حي يقطنه العديد من الفنانين البوهيميين، وهو حي مسجل في منظمة اليونسكو باسم “جمهورية أوجوبيس” وهي جمهورية رمزية وليست جمهورية مستقلة، وستجد بها رئيسًا لتلك الجمهورية ووزيرًا للخارجية وجيش وشرطة، ولكنها كلها كيانات رمزية، كما أن لها دستورًا رمزيًا وهو أشبه لدساتير المدينة الفاضلة وهو مسجل بمنظمة اليونسكو أيضًا.  

كذلك مشروع “التعليم بلا حدود” عام 2017م، والذي تم تنفيذه في جمهورية إستونيا وهو المشروع الذي شارك فيه عدة دول عربية من الخليج العربي وشمال إفريقيا وأوروبية وهو مشروع كان الغرض الأساسي منه دعم وتطوير عملية التعليم غير الرسمي في أوروبا والوطن العربي من خلال المؤسسات الثقافية المختلفة ومنظمات المجتمع المدني بعيدًا عن عملية التعليم الرسمي بصورته المعتادة.

ومن ضمن الفاعليات الهامة والتي تمتزج فيها الثقافة بالإعلام والرياضة، هي البطولة الدولية لكرة القدم للصحفيين والإعلاميين والتي تقام في القارة الأوروبية منذ عام 2005م، بمشاركة العديد من الدول الأوروبية ومن ضمنها بالطبع دول بحر البلطيق. وكان اشتراك مصر والإمارات والسعودية بتلك البطولة منذ عام 2013 م، وحتى الآن مشاركة في غاية الأهمية لما تمثله تلك البطولة من تجمع كبير للصحفيين والإعلاميين من كافة أنحاء القارة الأوروبية ليكون المخرج النهائي لهذا التجمع هو بطولة دولية ودية في كرة القدم.

ومن هذا المنطلق، ظهرت الحاجة لوضع تصور للاستراتيجيات والآليات التي يجب إتباعها من خلال المؤسسات الثقافية العربية، بشكلٍ سليم لبناء صورة ذهنية إيجابية معبرة عن ثقافة أمتها؛ فعملية بناء صورة ذهنية إيجابية لدى الغير مهمة للغاية، فكلما كانت الصورة الذهنية سلبية مالت العلاقات نحو الصراع، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الثقافي. كما أن العلاقة الوثيقة التي تربط بين الاتصال الثقافي بمختلف قنواته وبين الصورة الذهنية، وأنها علاقة تبادلية على اعتبار أن الاتصال الثقافي بين الشعوب والمجتمعات هو العامل الأساس في بناء الصورة الذهنية. وتبدو العلاقة بين مفهوم الصورة الذهنية والاتصال الثقافي أكثر وضوحاً عند استعراض وسائل الاتصال الثقافي التي تعد في الوقت ذاته من أهم عوامل بناء الصورة الذهنية المتبادلة بين الشعوب والمجتمعات.
إن مهمة التصحيح أو التعامل مع الصورة الذهنية للثقافة العربية الخليجية لا يمكن أن تخضع للدولة أو مؤسساتها الرسمية، فتجارب العقود الماضية تشير إلى أن المصالح الوطنية قد تحدث الكثير من الارتباك في العمل الثقافي والإعلامي. وعليه فإن المؤسسات الثقافية غير الحكومية بكافة أشكالها هي الصيغة الأكثر فاعلية في تبني وتنفيذ البرامج والاستراتيجيات التي تستهدف تصحيح المفهوم الغربي للثقافة الخليجية مع التنسيق مع المنظمات الوطنية الأخرى التي لا يمكن تجاهل أنشطتها بلا شك.
إن تلك الاستراتيجيات المستقبلية لابد أن تراعي الأسس التالية:
أن تعتمد نظرة المؤسسات الثقافية العربية الاستراتيجية للتغيير على ما يمكن تسميته “صناعة الصورة البديلة” بدلاً من الانشغال بردود الأفعال ومحاولات الترقيع. فبدلاً من الإغراق في تفنيد المغالطات وملاحقة مروجيها في أي شكل أو صورة أو منتج ثقافي، فعلينا أن نقدم المعلومات الصحيحة وفق منظومة متكاملة ومستمرة غير منقطعة. وكذلك أن تسلك المؤسسات الثقافية سياسة النفس الطويل ولا ترتهن للعمل الوقتي أو البرامج الثقافية قصيرة الأجل الذي قد تنجح نجاحًا وقتيًا وليس نجاحًا مستديمًا.
أن تتوجه البرامج والمنتجات الثقافية العربية والتي ستعمل على صناعة الصورة الذهنية البديلة إلى القاعدة الشعبية العريضة في المجتمعات الغربية ولا تقتصر أو تركز على الساسة وصناع القرار. فإن الشعوب الغربية تُبدي – كما رأينا – استعداداً وقابلية للتغيير ومعرفة الجديد عن الثقافة العربية ومستجداتها وكذلك تاريخها السليم مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التنوع الجغرافي في ذلك وعدم إهمال نطاقات إقليمية وجغرافية بحجة أن تلك دول لا تهمنا أو دول صغيرة …الخ من النظريات ضيقة الأفق والتي للأسف تتبعها عدة دول عربية. وسنجد أن العديد من المؤسسات المدنية في المجتمعات الغربية توفر لنا ساحة ملائمة لإيصال رسالاتنا الثقافية إلى قطاعات متنوعة من الأفراد والجماعات وعلى المؤسسة الثقافية حسن اختيار تلك المؤسسات المدنية الغربية لكي تصل الرسالة بشكل فعال.  وعلى المؤسسات الثقافية العربية أن تصل إلى وسائل الإعلام المؤثرة في الغرب وتنشط علاقاتها مع المثقفين والإعلاميين المميزين وتوثيق الصلة بالمؤسسات الثقافية والإعلامية ذات النفوذ وذات التواجد المجتمعي الفعلي وليس الشكلي.

إن الدبلوماسية الثقافية تستند إلى تقديم ثقافة منطقة الخليج العربي إلى الخارج، ومن هنا فلا بد من أن تستند على أفكار ووسائل وأنماط جديدة، ما يسهم في نقل صورة ثقافية إيجابية وجذابة في أذهان شعوب النطاق الجغرافي المستهدف وهو بحر البلطيق لما عددناه من دوافع ومميزات تدعو لضرورة ذلك الاستهداف الثقافي، ولكي ننعش النشاط الثقافي يجب بناء جسور من التواصل مع تلك الثقافات الجديدة علينا كمجتمعات عربية، نقل الصورة الذهنية الصحيحة من خلال فاعليات ومهرجانات ثقافية، وفاعليات رياضية وفنية تعزز الحوار وتقرّب بين الشعوب العربية ومثيلتها في البلطيق.

كما أن الدبلوماسية الثقافية الخليجية يجب أن تستند على عملية ثقافية في غاية الأهمية، ألا وهي عملية صناعة الإبداع. وما يجب فعله، هو تعزيز القوة والإيجابيات التي يرجع لها الفضل في تجنّب الانهيار والفشل، وهي المنظومة الاجتماعية والثقافية، وفِي نفس الوقت قراءة التراث والتجربة التاريخية لاستدراك أخطاء الماضي واستدعاء ما يحصن المجتمع.

ويبدو بديهيًا القول إنَّ المناعة الفكريَّة تحمي الأفراد والمجتمعات من التطرُّف والتعصُّب والكراهية، ولكنَّ ذلك يقتضي بطبيعة الحال تشكّلات فكريَّة شاملة لا تقتصر على الحماية من التطرف، وإنَّما تعني أفراداً فاعلين ومستقلين يصعب خداعهم وقيادتهم دون إدراك.

وبطبيعة الحال فإنَّ تعزيز المناعة الفكريَّة يعني تزويد الأفراد والمجتمعات بالمهارات والمعارف التي تمكنهم من التفكير الصحيح وتجنُّب الخطأ والانحراف والتطرُّف ونقص المعرفة والمهارات. وفي موجة التطرُّف والكراهية والعنف التي تصعد في عالم العرب والمسلمين اليوم، وتنشئ حالة مرعبة من الصراعات العنيفة والمدمّرة لحياة فئة واسعة من الناس ومصالحهم، أدَّت إلى عدم الاستقرار والهجرة والفقر والهشاشة الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة، تتشكَّل ضرورات قصوى لبناء منظومات مواجهة من الاعتدال والتسامح وتنظيم العلاقات والمصالح على النحو الذي يمنح هذا الجزء من العالم الرضا والاستقرار والمشاركة في العالم، وأن يقبل العالم ويتقبله.

لم يعد ممكنًا في ظلّ هذه الحالة السائدة تقديم الاعتدال والتنوير وصفة جاهزة أو يمكن فرضها بمؤسسات السُلطة ومحاسبة الناس على أساسها، ليس سوى الثقة، الناس تتبع من تثق به، والفائز في الصراع القائم اليوم هو من يحوز الثقة، ولا نملك لأجل بناء الاعتدال والتسامح سوى أن ننشئ بيئة مناسبة من أجل الإبداع والتفكير الحر والناقد والسؤال والتوق الدائم إلى المعرفة، وإطلاق الخيال وكلّ أدوات المعرفة للاقتراب من الصواب.

الدبلوماسية الثقافية والإبداع الخليجي المشترك

فالإبداع المشترك هو مقاربة وطريقة للتطوُّر والعمل معاً، هناك تختفي المواقف الكلاسيكية مثل المراتب، والعمر، والتجربة. يتلاقى الأفراد كشركاء من أجل إطلاق الإمكانيات فيما بينهم عبر فتح الباب للتأثير على الأخر وعبر التعاون المشترك.

تسهّل عملية الإبداع المشترك للشركاء إيجاد مساحةً للتلاقي بانفتاح، وتركيز، وفُضُول. والقدرة على الانفتاح والتساؤل عن محدوديتنا، ومنظورنا وآرائنا هي جزء مهم من المشاركة في عملية الإبداع المشترك. ومساءلة المعتقدات والافتراضات والتصوّرات الثابتة هي أمرٌ شديد الأهمية. وتهدف العملية إلى تحقيق نتائج مبتكرة تخدم الكلّ.

في عملية الإبداع المشترك نُقِرّ بأنّنا على حَقّ جزئيً، بينما المعنى هو عملية منشأه اجتماعياً تستغرق وقتاً، واهتماماً وتواضعاً للإبداع معاً. وباستثمار ذلك الوقت والاهتمام، نستحدثُ مساحةً حيث يمكن للناس الشعور بالأمان والثقة والجرأة على إطلاق الإمكانيات.

النتيجة هي صورة مُبدَعة على نحو مشترك، ومتشاركة تستحدث كالغراء الذي يُبقي الناس معاً ويُلزِمهم اتّخاذ خطوات لتحويل المعنى الجديد إلى أفعال ونتائج.

فدول منطقة الخليج لديها القدرة على بناء سوق ثقافية وإبداعية (الكتابة والنشر والتأليف والقصة والرواية والشعر والموسيقى والخطابة والفنون التشكيلية والنحت والتصميم والمسرح والدراما والسينما والتصوير…)، بالقدر الذي يجعلها استثماراً ناجحًا لا يحتاج إلى دعم حكومي مباشر، فربما تلحق الحكومات بدعمها ضررًا فادحًا بالثقافة والفنون يفوق إهمالها ومحاربتها. ومن هنا يمنها الانطلاق للغزو الثقافي الناعم لمنطقة دول بحر البلطيق والتي تعتبر بيئة خصبة لنقل صورة ذهنية صحيحة للثقافة الخليجية.

ولكن الحكومات يمكن أن تفعل الكثير أيضاً في هذا المجال، بالمشاركة مع المجتمعات ومن خلال المؤسسات التعليمية والثقافية المركزية، بهدف بناء جمهور عريض وقواعد اجتماعية واسعة للثقافة والفنون والاستهلاك الثقافي والفني، مثل تشجيع وتطوير المواهب والمهارات والمساقات التعليمية في الفلسفة والإبداع والفنون والتي ستعتبر الفاعل الرئيسي في عملية الدبلوماسية الثقافية المشار إليها.

إن المناعة الاجتماعية والثقافية بما يمكن ملاحظته في تعزيز الإبداع في الدول الخليجية سيلاحظ في الأداء الثقافي والاجتماعي في السلوك الاجتماعي اليومي والعام، المشاركة في الحوار حول القضايا العامة، وتصميم البيوت وتخطيط المدن والأحياء والشوارع، وقيادة السيارات وثقافة المواصلات والنقل العام، والمشي واستخدام الدراجة الهوائية، وممارسة الرياضة، والألعاب الشعبية، ومستوى الصحافة ووسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية، والأثاث والطعام واللباس، وازدهار المكتبات العامة والحدائق العامة والأندية الرياضية الثقافية الاجتماعية، وتنشئ بوضوح قياسي ومعياري ذائقة فنية وثقافة موسيـــقية وبــــصرية عــــامة وشعـــبية في البناء والطـــعام واللــــباس وأسلوب الحياة كما تذوق الآداب والفـــنون، كما يجب أن يصاحب ذلك الفردية والتماسك الاجتماعي معًا، والحوار والاستماع وتقبّل الرأي الآخر والتنوّع والتعددية الثقافية والدينية، والفردية والتماسك الاجتماعي والاختلاط والثقة.

وأخيرًا، يمكن ملاحظة التقدّم والفشل في ذلك، في مستوى المشاركة العالمية الثقافية والاجتماعية في الاتجاهين (الاستيراد والتصدير)، وفي القدرة على تقبّل العالم وأن يتقبّلنا العالم أيضًا.

إن منطقة الخليج العربي لا يزال ينتظرها الجهد المكثف والاستراتيجي من أجل بناء نهجها الجديد في علاقاتها الدبلوماسية الثقافية خاصة مع منطقة البلطيق، ويبقى الرصيد الثقافي والحضاري هو كنز الخليج الأبدي وجسرها الذهبي نحو البلطيق، “فالثقافة تبقى عندما يفنى كل شيء”. فالدبلوماسية الثقافية، هي الأكثر تأثيراً في الرأي العام، إذا ما أحسنت صناعتها وتقديمها، تكون قادرة على تغيير قواعد التعامل المؤثر إيجابياً في المجتمعات الخارجية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*رئيس فريق عمل مركز الدراسات الاستراتيجية بمكتبة الإسكندرية ـ مدرس العلوم السياسية بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري بالإسكندرية

::/fulltext::
::cck::5822::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *