المبادئ الأساسية للثقافة العربية منبتها الخليج حيث مهبط الوحي في مكة المكرمة
::cck::5824::/cck::
::introtext::
تحتل الثقافة أهمية بارزة في العلاقات بين الدول، واهتمت الدول الكبرى وأغدقت الإنفاق لنشر ثقافتها في الخارج، فامتداد ثقافة الدولة يعتبر امتدادًا لنفوذها، فقد كان التبشير في إفريقيا مقدمة للاستعمار والسيطرة على الأراضي الإفريقية، وقال عالم السياسة الأمريكي هانس مورجنثاو: إن الاستعمار الثقافي أرخص أنواع الاستعمار ولكنه أخطرها وأكثرها تأثيراً، فاللغة والآداب والفنون بأشكالها المختلفة ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية تكون وسيلة لتعزيز مكانة الدولة، فبريطانيا من خلال الإذاعة البريطانية التي تبث بعدة لغات تنشر كانت ولا زالت وسيلة بريطانية ناعمة لتبث عبر الأثير ما تريد بذكاء ، والغناء والموسيقى من الثقافة التي هي ضمن القوة الناعمة لأنها تقوم على الإقناع والإغراء والإغواء فالتحكم بالقوة العسكرية لم يعد يكفي أو ذا فعالية في الوقت الحاضر، وكما قالت هلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2010م، إنه في لحظات معينة تكون فيها ” الموسيقى أقدر على نقل القيم الأمريكية من الخطاب، مهما كان هذا الخطاب قوياً ، عسكرياً وسياسياً “.
::/introtext::
::fulltext::
تحتل الثقافة أهمية بارزة في العلاقات بين الدول، واهتمت الدول الكبرى وأغدقت الإنفاق لنشر ثقافتها في الخارج، فامتداد ثقافة الدولة يعتبر امتدادًا لنفوذها، فقد كان التبشير في إفريقيا مقدمة للاستعمار والسيطرة على الأراضي الإفريقية، وقال عالم السياسة الأمريكي هانس مورجنثاو: إن الاستعمار الثقافي أرخص أنواع الاستعمار ولكنه أخطرها وأكثرها تأثيراً، فاللغة والآداب والفنون بأشكالها المختلفة ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية تكون وسيلة لتعزيز مكانة الدولة، فبريطانيا من خلال الإذاعة البريطانية التي تبث بعدة لغات تنشر كانت ولا زالت وسيلة بريطانية ناعمة لتبث عبر الأثير ما تريد بذكاء ، والغناء والموسيقى من الثقافة التي هي ضمن القوة الناعمة لأنها تقوم على الإقناع والإغراء والإغواء فالتحكم بالقوة العسكرية لم يعد يكفي أو ذا فعالية في الوقت الحاضر، وكما قالت هلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2010م، إنه في لحظات معينة تكون فيها ” الموسيقى أقدر على نقل القيم الأمريكية من الخطاب، مهما كان هذا الخطاب قوياً ، عسكرياً وسياسياً “.
ويظهر الاهتمام الفرنسي بالجانب الثقافي للتعويض عن ضعفها الاقتصادي مقارنة بالدول الكبرى كألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة ولتعكس أنها قوة عظمى ركزت على الترويج لثقافتها في الفنون والآداب واللغة، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وهي رائدة في الإنفاق على لغتها ونشرها، فأنشئت التحالف الفرنسي 1883م، الذي تحول مع عام 2007م، إلى المنظمة الدولية للفرانكفونية التي تضم اليوم 88 دولة، وكما منظمة الفرانكوفونية التي تضم الدول التي استعملت اللغة الفرنسية كلغة رسمية أو تتحدث الفرنسية أو كلغة إضافية وهي وسيلة للنفوذ الفرنسي، وربطت الحكومة الفرنسية وزراة الثقافة ووزارة الشؤون الخارجية في تأسيس المعهد الفرنسي 2011 م، وأنشأت له فروعاً في عدة دول عربية، وذلك لتعزيز جاذبية الإبداع الفرنسي في الآداب والفنون، وحسب تقرير ليفي-جوبيه اتبعت فرنسا استراتيجية ثقافية حوَل رأس المال الرمزي وتعتمد القوة الناعمة مثل متحف اللوفر وجامعة السوربون وغيرها مما تعتبره إشعاعاً ثقافياً فرنسياً يدر عليها عوائد مادية ؟ وقد عبر الرئيس الفرنسي ماكرون أثناء زيارته لتونس في فبراير 2018م، ” إن “الفرانكوفونية ليست مشروعاً قديماً، بل هي مشروع مستقبلي، فتحدث اللغة الفرنسية يعد فرصة حقيقية على المستويات اللغوية والاقتصادية والثقافية”. وقال الدبلوماسي الفرنسي أورليان لوشوفالييه مدير المعهد الفرنسي في بيروت في ندوة عن “الثقافة في العلاقات الدولية” ” إننا نعوَل على مبدأ القوة الناعمة الثقافية لفرنسا، وذلك وفق ما ابتكره ونظر له العالم الأمريكي جوزيف ناي “.
وليست فرنسا الوحيدة التي تسخر ثقافتها لأهداف سياسية واقتصادية وحتى استراتيجية، فبريطانيا أسست المجلس الثقافي البريطاني 1934م، لنشر ثقافتها كما انتشرت المراكز الثقافية التي تؤسسها في الدول لتحقيق أهدافها؟ وتدرس فيها اللغة وعرض الأفلام السينمائية ومكتبة لجذب الشباب إلى ارتيادها للمطالعة وتعقد فيها الندوات وتقام فيها المعارض الفنية وغيرها وبريطانيا خلال استعمارها في أوج قوتها أثرت في شعوب مستعمراتها فهي التي نشرت الشاي والأرز في مستعمرات لم تكن تعرف هذه وحتى اللباس في جيوش مستعمراتها.
القوة الناعمة أكثر فعالية وتأثيراً من القوة الصلبة
ارتبط مفهوم القوة الناعمة بعالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي الذي نشر كتابه القوة الناعمة Soft Power يؤكد فيه على تحقيق المصالح الأمريكية من خلال نشر القيم والمبادئ الأمريكية الديمقراطية والحرية والتركيز على الجانب الثقافي نشر الثقافة الأمريكية، فصوت أمريكا الذي يبث بعدة لغات يتبع الخارجية الأمريكية، والقوة الصلبة واستعمال القوة العسكرية والاقتصادية مثل فرض الحصار والعقوبات ليست فعالة بقدر أن تنشر ثقافة جذابة فتمثال الحرية الأمريكي كان جذابًا لكثير من النخب والشعوب الأخرى ولكن سياسة استعمال القوة وازدواجية المعايير أدى الى تراجع الاهتمام بالقيم الأمريكية ؟ ومن ضمن الاستراتيجية الثقافية التي تسخرها الدول مثل الولايات المتحدة موسيقى الجاز Jazz وهو نوع من الموسيقى التي نشأت في المجتمعات الأمريكية الإفريقية وإقامة الحفلات الموسيقية وأفلام السينما والهدف منها جذب الشعوب الأخرى لثقافة الولايات المتحدة كما تنشر المجلات والكتب بلغات أخرى لتعريف الدول بفنونها وآدابها كوسيلة للتأثير؟ فخلال الحرب الباردة كانت الثقافة بارزة في التنافس بين العملاقين الأمريكي والسوفيتي وكانت الاستخبارات الأمريكية تلعب دوراً مهمًا في حربها الثقافية لتشويه الصورة السوفيتية وأن القيم الأمريكية تحقق الرفاهية والاستقرار أفضل من القيم السوفيتية الماركسية، وعملت المخابرات الأمريكية CIA على تكوين جبهة ثقافية لمحاربة الشيوعية واستخدمت المراكز الثقافية وأفلام السينما والمحاضرات والموسيقى والترويج للذوق الأمريكي في الطعام واللباس والغناء والفن، وفي عام 1950م، أنشئت منظمة كونغرس الحرية الثقافية التي تحولت في عام 1967م، إلى ” الاتحاد الدولي للحرية الثقافية” وأنشئت لها فروع في أكثر من 35 دولة وأًصدرت أكثر من 20 مجلة واستقطبت أشهر المفكرين للكتابة فيها من أرنولد تويني المؤرخ البريطاني والفيلسوف برتراند راسل وهربرت سبتسر وغيرهم، كما لعبت هوليوود وأفلامها السينمائية دورًا مهمًا في خدمة السياسية الأمريكية، وغالبًا لم يكن كثير من الكتاب والمفكرين يعلمون أنهم يشاركون في مشروعات وأعمال تمولها الاستخبارات الأمريكية، لأن التمويل في أغلبها يكون بشكل سري، وبعضهم اعتزل العمل والكتابة في هذه المجلات والمشاريع عندما اكتشف أنه يسخر من المخابرات الأمريكية. يقول راجان مينون “قليل من الأمريكيين يقدرون إلى أي حد ساهمت برامج التبادل الثقافي وشرائح المستمعين لصوت أمريكا في إعلان وفاة الشيوعية “، لأن الخصم السوفيتي نفذ صيته الأخلاقي من خلال سياسات وتدخلات مدانة كما خسر ريادته في قطاعات ثقافية وفنية ورياضة تقليدية. والواقع أن جميع الفنون في الولايات المتحدة تسيست وتم تعبئة العلماء والسينمائيين والمثقفين والصحف والإذاعات لرفع شعار الحرية والديمقراطية وتمجيد نمط الحياة الأمريكية.
|
|
كما واجه الاتحاد السوفيتي هذه الحرب الثقافية بعدة وسائل من نشر الكتب والمجلات واستخدم الثقافة وسيلة للإقناع السياسي، بل أنشئت في فبراير 1960م، جامعة باتريس لومومبا التي تحول اسمها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى جامعة الصداقة بين الشعوب والتي تخرج منها أكثر من 70 ألفًا من 150 دولة، وأصبح عدد كبير منهم رؤساء دول وحكومات ووزراء وفنانين في دولهم. وتحرص روسيا حاليًا على أهمية الثقافة ففي وثيقة السياسة الخارجية الروسية التي اعتمدها بوتين 2013م،” أن القوة الناعمة باتت جزءاً لا يتجزأ من السياسة الدولية المعاصرة، ولذلك أنشأت شبكة إعلام متواصل (روسيا اليوم) بالإنجليزية والعربية والإسبانية بالإضافة إلى منتدى فالداي السجالي ومؤسسة روسكي مير ( العالم الروسي) 2007م، التي أوكل إليها الحفاظ على اللغة الروسية ونشرها في العالم عبر المراكز الثقافية أو بواسطة الوكالة الاتحادية للتعاون الإنساني الدولي التي تأسست 2008م، كما تنظم روسيا النشاطات الرياضية الدولية لتأكيد دورها الثقافي المنافس .
وتسعى الدول الكبرى لاستقبال الطلاب الأجانب للدراسة فيها لتحقيق الأهداف المادية لفائدة الجامعات ولكن الأهم هو تأثير الثقافة الأمريكية أو الأوروبية في هؤلاء الطلاب العائدين إلى بلدانهم بل تقدم المنح الدراسية للطلبة الأجانب للاستفادة منهم في مجالات تخصصاتهم واستقطابهم للعمل فيها أو في حالة عودتهم يمكنهم نقل الثقافة إلى بلدانهم، وكان دور الطلاب الصينيين الذين درسوا في الولايات المتحدة فعالاً في المظاهرات التي حدثت في بكين في ساحة تيانانمين 1989م، والتي كشفت وثائق لوزارة الخارجية البريطانية أنه أسفر عن مقتل عشرة آلاف شخص عندما اقتحمت الدبابات الصينية الساحة التي تجمع فيها الطلاب.
الثقافة العربية كنز استراتيجي
إن القيم تخلق القوة، خاصة عندما تكون جذابة لغيرها، وعندها يكون الإقناع وتبنيها، والقيم هي المحور الرئيس في الثقافية، قيم العدل والمساواة بغض النظر عن اللون والجنس، ولذلك تغنت فرنسا بقيم الثورة الفرنسية الحرية والمساواة كما أن الولايات المتحدة أقامت تمثال الحرية في واشنطن باعتبارها عماد الثقافة الأمريكية، ولكن عندما ينظر لهذه الشعارات على أرض الواقع وتصبح إزدواجية المعايير هي التي تمارس عمليًا، تتراجع جاذبية الثقافة للشعوب الأخرى وبالتالي تؤثر على دورها الخارجي، ولهذا نشاهد الحوار في الولايات المتحدة بين النخب السياسية والمفكرين حول القيم الأمريكية التي تراجعت وبالتالي أثر على دور الولايات المتحدة عالمياً والانقسام الداخلي بين الشعب الأمريكي خاصة بعد تولي ترامب السلطة والشعارات التي مارسها والتي رفعها مؤيدوه حول تفوق الرجل الأبيض والشعارات التي رافقت أوباما باعتباره أول رئيس أسود .
وإذا نظرنا إلى الثقافة العربية فإنها عبر التاريخ ثقافة تتميز بقيم عالمية جذابة تقوم على العدل والمساواة ونبذ العنصرية والانفتاح على الآخر واحتواء الثقافات الأخرى لأن الثقافة أساسها مبادئ الإسلام، ولذلك كانت ولا زالت تجذب الأخر وانتشرت لأن أساسها القيم الإسلامية، وقوتها في تحدي حقبة التاريخ الاستعماري وتصدت له، ورغم استعمار فرنسا للجزائر لأكثر من قرن ونيف إلا أن الثقافة العربية الإسلامية أثبت رسوخها في الجزائر رغم محاربة اللغة العربية وحتى الاستعمار البريطاني رغم دهائه لم يستطيع النيل من أسس الثقافة العربية، وعبر التاريخ، كان الإبداع والاختراع والترجمة في الثقافة العربية حتى تأثرت أوروبا بها فكانت مقدمة ابن خلدون مثالاً فقد ترجمت للغات غربية.
أما في العصر الحديث فقد شهدت الثقافة العربية الإبداع في مجالات متعددة لها تأثيرها في الأدب والفنون بأشكالها والسينما والغناء والتمثيل، ومثال فالقاهرة عاصمة القوة الناعمة العربية في القرن العشرين، تشهد الفنون المتعددة ومشاهير الفنانين كأمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب كما شهدت بعض الدول العربية النشاط الفني في بيروت، وكما كان يقال مصر تكتب وبيروت تطبع والعراق يقرأ ، ولكن التراجع في المنطقة العربية سببه الأزمات السياسية، وعدم تطبيق أسس الثقافة العربية من العدل والمساوة والحرية والتكافل والتضامن.
وشهدت المنطقة العربية، مراكز الإشعاع الفكري في العالم العربي من مكة والمدينة التي جذبت لها المسلمين من بقاع الأرض إلى القاهرة حيث الأزهر الذي له تأثيره العلمي والزيتونة في تونس والقرويين في المغرب، كما تميز القرن الماضي بكتاب وأدباء لهم مكانتهم الفكرية والعلمية، وترجمت مؤلفات عربية للغات متعددة من قصص نجيب محفوظ الذي حصل على جائزة نوبل للآداب، وأفلام سينمائية عالمية كفيلم الرسالة الذي عرض للرسالة الإسلامية وكان مثالاً للإبداع الثقافي وكذلك فيلم أسد الصحراء (عمر المختار) والذي شارك فيهما الممثل الاًمريكي أنطوني كوين، وحتى على المستوى العالمي كثير من العلماء العرب أسهموا في الثقافة الغربية وكتبوا فيها ولهم مؤلفات بلغاتها .
ورغم التراجع السياسي للعالم العربي وانهيار النظام الإقليمي العربي، فإن المفكرين الغربيين ورجال السياسة يحذرون من قوة الثقافة العربية الإسلامية، وعندما أصدر صموئيل هنتنجنون كتابه عن صدام الحضارات، كان تركيزه على التحدي الخطير الذي يواجه الحضارة الغربية من الحضارة الإسلامية لأنها الثقافة التي استمرت منذ قرون وما زالت تحتوي عناصر قوتها، وعندما شعر فرانسيس فوكوياما بنشوة النصر بانهيار الماركسية واعتبره انتصارًا للديمقراطية الليبرالية الغربية وكتب عن نهاية التاريخ وأن المبادئ الليبرالية هي التي ستسود العالم إلا أنه تراجع فيما بعد عن هذه النشوة لأزمة الديمقراطية الأمريكية وانهيار المبادئ التي تقوم عليها ، وتشهد الولايات المتحدة عنصرية وانقسام الشعب الأمريكي، مما دفع كثيرًا من المفكرين للدعوة للعودة إلى القوة الناعمة الأمريكية ولإعادة الاعتبار لها، لأن الاحتلال الأمريكي لافغانستان والعراق أساء لهذه القيم. هذا الانهيار في القيم الليبرالية الغربية أدى لأزمة حضارية يشهدها الغرب الرأسمالي في ثقافته من فرنسا إلى الولايات المتحدة وروسيا التي تشهد هي نفسها أزمة في مصداقية الثقافة بجرائم روسيا في سوريا.
وإذا كانت الثقافات الغربية في أزمة فإن الثقافة العربية تشهد إقبالاً عليها من الغرب والشرق، من الصين شرقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية غربًا، الاهتمام بدراسة اللغة العربية والتراث العربي فالجامعات ورجال الصحافة وحتى الدبلوماسيين ورجال السياسية الذين يستقرون في المنطقة يهتمون باللغة والتراث وتمت ترجمة عدد من المؤلفات الأدبية للصينية فالضعف السياسي في المنطقة العربية يقابله اهتمام بالتراث واللغة لأنها قائمة على الأسس الإسلامية ، وفي ظل المخاض العسير للتنافس والصراع والأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية يهتم بها لغة وتراثاً ثقافيًا، وتتحدى الثقافة العربية الثقافة الغربية الرأسمالية كما تحدت من قبل الثقافة السوفيتية ومن بعدها الثقافة الروسية.
إن القيم الغربية في مأزق لأنها لم تعد توفر لها الإشباع الروحي وسيطرة المادة عليها ، وأصبح الإنسان في الثقافة الغربية كأنه سلعة، ورغم شعارات حقوق الإنسان والحرية الفردية فهي منتقاه تتجاهل الشعوب الأخرى، وهذا ما يحدث في فرنسا وموقفها من الثقافة العربية الإسلامية واحترام الزي واللباس وحرية العبادة، رغم شعارات الثورة الفرنسية والقيم الإنسانية التي تنادي بها، كما أن ظهور اليمين المتطرف يمثل أزمة إضافية تواجه المجتمعات الغربية. إن الثقافة العربية منفتحة على الثقافات الأخرى وتحترم الآخر ، كما تعيش الأقليات في الوطن العربي كما في الخليج وبقية الدول العربية وتمارس ثقافتها وحريتها الدينية، نجد اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة يرفض التعايش وله موقف سلبي من المهاجرين الذين يبحثون عن الأمن، وأخذ الرئيس ترامب أثناء فترته الرئاسية بعمل جدار حاجز بين الولايات المتحدة والمكسيك كما تفعل إسرائيل بالجدار الحاجز في فلسطين، إنها أزمة حقيقة تؤكدها صحوة الغرب في الجامعات والمؤسسات العلمية والإعلامية في زيف الدعاية الصهيونية واليمين المتطرف وهذا ما تؤكده حركة مقاطعة إسرائيل BDS أي مقاطعة للبضائع والشركات الإسرائيلية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، فالتسامح في الثقافة العربية واحترام الإنسان تتغلب على ثقافة العنصرية والاضطهاد وتزييف الحقائق، كما تحاول إسرائيل تبني بعض معالم التراث الثقافي في فلسطين وتنسبه لها ؟
الثقافة في الخليح الدور الإيجابي والإبداع
إن الثقافة في الخليج العربي جزء رئيس من الثقافة العربية فالمبادئ الأساسية للثقافة العربية منبتها الخليج حيث مهبط الوحي في مكة المكرمة، ولكن هناك ثقافة فرعية داخل الثقافة العربية الإسلامية، قد يكون هناك عادات وتقاليد تختلف أو لهجات ولكنها ثانوية، ولكن دول الخليج تسهم بشكل فعال في الثقافة العربية في الفكر والإبداع والإعلام التي أصبحت القنوات الإعلامية الخليجية رائدة في العالم العربي بما تتوفر لديها من إمكانيات تسهم في دور كبير في الثقافة العربية في مختلف المجالات وهذا يسهم في الوعي في المجتمعات العربية ويزيد من الترابط بين الشعوب العربية من خلال ما تبثه في الفضاء الإعلامي في جميع الجوانب الثقافية كما أنه موجه للشعوب الأخرى.
وقد أسهمت الكويت بشكل فعال من خلال منشوراتها في الثقافية العربية فمجلة ( العربي) التي صدرت 1958م، واستمرارها كانت إسهامًا يكتب على صفحاتها خيرة العلماء والكتاب من مختلف الدول العربية، كما أن كتاب عالم المعرفة الذي يصدر شهرياً بثمن رمزي يشكل أيضًا إسهامًا بالتعرف بالفكر العربي والأجنبي للقارئ العربي، كما انتشرت في الخليج العربي وبشكل مؤثر مراكز الدراسات الاستراتيجية والأبحاث وهي ظاهرة ثقافية تستحق الاهتمام لأن هذه الدراسات التي تصدرها تعزز الوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كما تهتم دول الخليج بشكل كبير بالتراث الشعبي الذي هو جزء مهم من الشخصية العربية وخاصة الخليجية، مثل مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة والذي بدأ 1405 هجرية (1985)، وتتعدد اقامة المهرجانات في دول الخليج وخاصة الإمارات العربية من مهرجانات دبي للخيول إلى دبي السينمائي الدولي ومنتدى الإعلام العربي ومهرجان الطهي، كما سلطنة عمان تهتم بالتراث مثل مهرجان الظفرة يجمع ملاك إبل الخليج العربي. ولكن التحول الثقافي في الخليج العربي يواجه عدة تحديات.
تحديات الثقافة في الخليج العربي
إن دول الخليج العربي لها ثقافة متجانسة بسبب التداخل القبلي والاجتماعي بشكل عام ، ولكن هذا التجانس والثقافة في هذه الدول يواجه عدة تحديات وهي العمالة الوافدة التي تحمل معها ثقافات مختلفة، فهذه العمالة لها ثقافتها وبالذات لها لغاتها والأخطر دور الخادمات المنزلية وتأثيرها على ثقافة الأطفال، إضافة إلى فروع الجامعات الأجنبية وما تحمله من ثقافات وتأثيرها في الجيل الجديد في دول الخليج، وتأثيرها على الترابط الاجتماعي والعادات والتقاليد وما تحمله من اتجاهات فكرية من الاتجاهات الليبرالية والحرية التي تتجاوز تقاليد الخليج .
إن التحول الثقافي يكون بالتدريج وما يتوافق مع تراث الدولة وقيمها، والانفتاح الثقافي بدون انضباط وقيود له آثاره السياسية لأنه قد يحدث شرخاً في المجتمع يهدد التلاحم الاجتماعي والاستقرار السياسي على المدى البعيد، فهناك قيم مستوردة قد تهدد القيم الوطنية ومنها تحدث خلافات تبقى كامنة قد تخرج في فترات تالية، ونجد أن الدول التي عانت من الانفصام الثقافي واجهت تحديات الصراع الاجتماعي كما في تيارات الفرانكوفونية في بعض الدول التي يعلن ولاءه للثقافة الفرنسية، أو انتشار الثقافة الليبرالية في بعض الدول وتحدي الثقافة الوطنية مما يحدث خلافات اجتماعية وسياسية .
إن دول الخليج العربي لديها الإمكانات المادية لنقل ثقافتها وقوتها الناعمة للخارج من خلال إقامة المراكز الثقافية على غرار المجالس الثقافية للدول الغربية، ومثال دارة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء مثالاً رائعًا بما يقدمه من خدمات في مجال الثقافة لما يحتويه من خدمات مكتبية يقدمها للباحثين وطلاب الجامعات وعامة الشعب وخاصة توفير الخدمات الألكترونية، كما يمكن أن تقدم دول الخليج برامج للعمالة الوافدة مجاناُ لتعليم للغة العربية وتاريخ البلاد وحضارتها، فعندما أرادت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تسوية أمور العمالة المهاجرة فرضت تعلم اللغة الإنجليزية ومعرفة عامة بالتاريخ الأمريكي وفتح أبواب بعض المؤسسات للتعليم المجاني . وحيث أن اللغة العربية الوعاء الثقافي للأمة في ظل هجوم اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات، تحتاج إلى اهتمام كبير بها لما له من تأثير على المحافظة على التراث الثقافي فلغة الأمة هي هويتها وشخصيتها القومية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أستاذ العلوم السياسية بجامعتي الملك عبد العزيز والحسين بن طلال سابقاً
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::5824::/cck::
::introtext::
تحتل الثقافة أهمية بارزة في العلاقات بين الدول، واهتمت الدول الكبرى وأغدقت الإنفاق لنشر ثقافتها في الخارج، فامتداد ثقافة الدولة يعتبر امتدادًا لنفوذها، فقد كان التبشير في إفريقيا مقدمة للاستعمار والسيطرة على الأراضي الإفريقية، وقال عالم السياسة الأمريكي هانس مورجنثاو: إن الاستعمار الثقافي أرخص أنواع الاستعمار ولكنه أخطرها وأكثرها تأثيراً، فاللغة والآداب والفنون بأشكالها المختلفة ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية تكون وسيلة لتعزيز مكانة الدولة، فبريطانيا من خلال الإذاعة البريطانية التي تبث بعدة لغات تنشر كانت ولا زالت وسيلة بريطانية ناعمة لتبث عبر الأثير ما تريد بذكاء ، والغناء والموسيقى من الثقافة التي هي ضمن القوة الناعمة لأنها تقوم على الإقناع والإغراء والإغواء فالتحكم بالقوة العسكرية لم يعد يكفي أو ذا فعالية في الوقت الحاضر، وكما قالت هلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2010م، إنه في لحظات معينة تكون فيها ” الموسيقى أقدر على نقل القيم الأمريكية من الخطاب، مهما كان هذا الخطاب قوياً ، عسكرياً وسياسياً “.
::/introtext::
::fulltext::
تحتل الثقافة أهمية بارزة في العلاقات بين الدول، واهتمت الدول الكبرى وأغدقت الإنفاق لنشر ثقافتها في الخارج، فامتداد ثقافة الدولة يعتبر امتدادًا لنفوذها، فقد كان التبشير في إفريقيا مقدمة للاستعمار والسيطرة على الأراضي الإفريقية، وقال عالم السياسة الأمريكي هانس مورجنثاو: إن الاستعمار الثقافي أرخص أنواع الاستعمار ولكنه أخطرها وأكثرها تأثيراً، فاللغة والآداب والفنون بأشكالها المختلفة ووسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية تكون وسيلة لتعزيز مكانة الدولة، فبريطانيا من خلال الإذاعة البريطانية التي تبث بعدة لغات تنشر كانت ولا زالت وسيلة بريطانية ناعمة لتبث عبر الأثير ما تريد بذكاء ، والغناء والموسيقى من الثقافة التي هي ضمن القوة الناعمة لأنها تقوم على الإقناع والإغراء والإغواء فالتحكم بالقوة العسكرية لم يعد يكفي أو ذا فعالية في الوقت الحاضر، وكما قالت هلاري كلنتون وزيرة الخارجية الأمريكية عام 2010م، إنه في لحظات معينة تكون فيها ” الموسيقى أقدر على نقل القيم الأمريكية من الخطاب، مهما كان هذا الخطاب قوياً ، عسكرياً وسياسياً “.
ويظهر الاهتمام الفرنسي بالجانب الثقافي للتعويض عن ضعفها الاقتصادي مقارنة بالدول الكبرى كألمانيا وبريطانيا والولايات المتحدة ولتعكس أنها قوة عظمى ركزت على الترويج لثقافتها في الفنون والآداب واللغة، ومنذ نهاية القرن التاسع عشر وهي رائدة في الإنفاق على لغتها ونشرها، فأنشئت التحالف الفرنسي 1883م، الذي تحول مع عام 2007م، إلى المنظمة الدولية للفرانكفونية التي تضم اليوم 88 دولة، وكما منظمة الفرانكوفونية التي تضم الدول التي استعملت اللغة الفرنسية كلغة رسمية أو تتحدث الفرنسية أو كلغة إضافية وهي وسيلة للنفوذ الفرنسي، وربطت الحكومة الفرنسية وزراة الثقافة ووزارة الشؤون الخارجية في تأسيس المعهد الفرنسي 2011 م، وأنشأت له فروعاً في عدة دول عربية، وذلك لتعزيز جاذبية الإبداع الفرنسي في الآداب والفنون، وحسب تقرير ليفي-جوبيه اتبعت فرنسا استراتيجية ثقافية حوَل رأس المال الرمزي وتعتمد القوة الناعمة مثل متحف اللوفر وجامعة السوربون وغيرها مما تعتبره إشعاعاً ثقافياً فرنسياً يدر عليها عوائد مادية ؟ وقد عبر الرئيس الفرنسي ماكرون أثناء زيارته لتونس في فبراير 2018م، ” إن “الفرانكوفونية ليست مشروعاً قديماً، بل هي مشروع مستقبلي، فتحدث اللغة الفرنسية يعد فرصة حقيقية على المستويات اللغوية والاقتصادية والثقافية”. وقال الدبلوماسي الفرنسي أورليان لوشوفالييه مدير المعهد الفرنسي في بيروت في ندوة عن “الثقافة في العلاقات الدولية” ” إننا نعوَل على مبدأ القوة الناعمة الثقافية لفرنسا، وذلك وفق ما ابتكره ونظر له العالم الأمريكي جوزيف ناي “.
وليست فرنسا الوحيدة التي تسخر ثقافتها لأهداف سياسية واقتصادية وحتى استراتيجية، فبريطانيا أسست المجلس الثقافي البريطاني 1934م، لنشر ثقافتها كما انتشرت المراكز الثقافية التي تؤسسها في الدول لتحقيق أهدافها؟ وتدرس فيها اللغة وعرض الأفلام السينمائية ومكتبة لجذب الشباب إلى ارتيادها للمطالعة وتعقد فيها الندوات وتقام فيها المعارض الفنية وغيرها وبريطانيا خلال استعمارها في أوج قوتها أثرت في شعوب مستعمراتها فهي التي نشرت الشاي والأرز في مستعمرات لم تكن تعرف هذه وحتى اللباس في جيوش مستعمراتها.
القوة الناعمة أكثر فعالية وتأثيراً من القوة الصلبة
ارتبط مفهوم القوة الناعمة بعالم السياسة الأمريكي جوزيف ناي الذي نشر كتابه القوة الناعمة Soft Power يؤكد فيه على تحقيق المصالح الأمريكية من خلال نشر القيم والمبادئ الأمريكية الديمقراطية والحرية والتركيز على الجانب الثقافي نشر الثقافة الأمريكية، فصوت أمريكا الذي يبث بعدة لغات يتبع الخارجية الأمريكية، والقوة الصلبة واستعمال القوة العسكرية والاقتصادية مثل فرض الحصار والعقوبات ليست فعالة بقدر أن تنشر ثقافة جذابة فتمثال الحرية الأمريكي كان جذابًا لكثير من النخب والشعوب الأخرى ولكن سياسة استعمال القوة وازدواجية المعايير أدى الى تراجع الاهتمام بالقيم الأمريكية ؟ ومن ضمن الاستراتيجية الثقافية التي تسخرها الدول مثل الولايات المتحدة موسيقى الجاز Jazz وهو نوع من الموسيقى التي نشأت في المجتمعات الأمريكية الإفريقية وإقامة الحفلات الموسيقية وأفلام السينما والهدف منها جذب الشعوب الأخرى لثقافة الولايات المتحدة كما تنشر المجلات والكتب بلغات أخرى لتعريف الدول بفنونها وآدابها كوسيلة للتأثير؟ فخلال الحرب الباردة كانت الثقافة بارزة في التنافس بين العملاقين الأمريكي والسوفيتي وكانت الاستخبارات الأمريكية تلعب دوراً مهمًا في حربها الثقافية لتشويه الصورة السوفيتية وأن القيم الأمريكية تحقق الرفاهية والاستقرار أفضل من القيم السوفيتية الماركسية، وعملت المخابرات الأمريكية CIA على تكوين جبهة ثقافية لمحاربة الشيوعية واستخدمت المراكز الثقافية وأفلام السينما والمحاضرات والموسيقى والترويج للذوق الأمريكي في الطعام واللباس والغناء والفن، وفي عام 1950م، أنشئت منظمة كونغرس الحرية الثقافية التي تحولت في عام 1967م، إلى ” الاتحاد الدولي للحرية الثقافية” وأنشئت لها فروع في أكثر من 35 دولة وأًصدرت أكثر من 20 مجلة واستقطبت أشهر المفكرين للكتابة فيها من أرنولد تويني المؤرخ البريطاني والفيلسوف برتراند راسل وهربرت سبتسر وغيرهم، كما لعبت هوليوود وأفلامها السينمائية دورًا مهمًا في خدمة السياسية الأمريكية، وغالبًا لم يكن كثير من الكتاب والمفكرين يعلمون أنهم يشاركون في مشروعات وأعمال تمولها الاستخبارات الأمريكية، لأن التمويل في أغلبها يكون بشكل سري، وبعضهم اعتزل العمل والكتابة في هذه المجلات والمشاريع عندما اكتشف أنه يسخر من المخابرات الأمريكية. يقول راجان مينون “قليل من الأمريكيين يقدرون إلى أي حد ساهمت برامج التبادل الثقافي وشرائح المستمعين لصوت أمريكا في إعلان وفاة الشيوعية “، لأن الخصم السوفيتي نفذ صيته الأخلاقي من خلال سياسات وتدخلات مدانة كما خسر ريادته في قطاعات ثقافية وفنية ورياضة تقليدية. والواقع أن جميع الفنون في الولايات المتحدة تسيست وتم تعبئة العلماء والسينمائيين والمثقفين والصحف والإذاعات لرفع شعار الحرية والديمقراطية وتمجيد نمط الحياة الأمريكية.
|
|
كما واجه الاتحاد السوفيتي هذه الحرب الثقافية بعدة وسائل من نشر الكتب والمجلات واستخدم الثقافة وسيلة للإقناع السياسي، بل أنشئت في فبراير 1960م، جامعة باتريس لومومبا التي تحول اسمها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى جامعة الصداقة بين الشعوب والتي تخرج منها أكثر من 70 ألفًا من 150 دولة، وأصبح عدد كبير منهم رؤساء دول وحكومات ووزراء وفنانين في دولهم. وتحرص روسيا حاليًا على أهمية الثقافة ففي وثيقة السياسة الخارجية الروسية التي اعتمدها بوتين 2013م،” أن القوة الناعمة باتت جزءاً لا يتجزأ من السياسة الدولية المعاصرة، ولذلك أنشأت شبكة إعلام متواصل (روسيا اليوم) بالإنجليزية والعربية والإسبانية بالإضافة إلى منتدى فالداي السجالي ومؤسسة روسكي مير ( العالم الروسي) 2007م، التي أوكل إليها الحفاظ على اللغة الروسية ونشرها في العالم عبر المراكز الثقافية أو بواسطة الوكالة الاتحادية للتعاون الإنساني الدولي التي تأسست 2008م، كما تنظم روسيا النشاطات الرياضية الدولية لتأكيد دورها الثقافي المنافس .
وتسعى الدول الكبرى لاستقبال الطلاب الأجانب للدراسة فيها لتحقيق الأهداف المادية لفائدة الجامعات ولكن الأهم هو تأثير الثقافة الأمريكية أو الأوروبية في هؤلاء الطلاب العائدين إلى بلدانهم بل تقدم المنح الدراسية للطلبة الأجانب للاستفادة منهم في مجالات تخصصاتهم واستقطابهم للعمل فيها أو في حالة عودتهم يمكنهم نقل الثقافة إلى بلدانهم، وكان دور الطلاب الصينيين الذين درسوا في الولايات المتحدة فعالاً في المظاهرات التي حدثت في بكين في ساحة تيانانمين 1989م، والتي كشفت وثائق لوزارة الخارجية البريطانية أنه أسفر عن مقتل عشرة آلاف شخص عندما اقتحمت الدبابات الصينية الساحة التي تجمع فيها الطلاب.
الثقافة العربية كنز استراتيجي
إن القيم تخلق القوة، خاصة عندما تكون جذابة لغيرها، وعندها يكون الإقناع وتبنيها، والقيم هي المحور الرئيس في الثقافية، قيم العدل والمساواة بغض النظر عن اللون والجنس، ولذلك تغنت فرنسا بقيم الثورة الفرنسية الحرية والمساواة كما أن الولايات المتحدة أقامت تمثال الحرية في واشنطن باعتبارها عماد الثقافة الأمريكية، ولكن عندما ينظر لهذه الشعارات على أرض الواقع وتصبح إزدواجية المعايير هي التي تمارس عمليًا، تتراجع جاذبية الثقافة للشعوب الأخرى وبالتالي تؤثر على دورها الخارجي، ولهذا نشاهد الحوار في الولايات المتحدة بين النخب السياسية والمفكرين حول القيم الأمريكية التي تراجعت وبالتالي أثر على دور الولايات المتحدة عالمياً والانقسام الداخلي بين الشعب الأمريكي خاصة بعد تولي ترامب السلطة والشعارات التي مارسها والتي رفعها مؤيدوه حول تفوق الرجل الأبيض والشعارات التي رافقت أوباما باعتباره أول رئيس أسود .
وإذا نظرنا إلى الثقافة العربية فإنها عبر التاريخ ثقافة تتميز بقيم عالمية جذابة تقوم على العدل والمساواة ونبذ العنصرية والانفتاح على الآخر واحتواء الثقافات الأخرى لأن الثقافة أساسها مبادئ الإسلام، ولذلك كانت ولا زالت تجذب الأخر وانتشرت لأن أساسها القيم الإسلامية، وقوتها في تحدي حقبة التاريخ الاستعماري وتصدت له، ورغم استعمار فرنسا للجزائر لأكثر من قرن ونيف إلا أن الثقافة العربية الإسلامية أثبت رسوخها في الجزائر رغم محاربة اللغة العربية وحتى الاستعمار البريطاني رغم دهائه لم يستطيع النيل من أسس الثقافة العربية، وعبر التاريخ، كان الإبداع والاختراع والترجمة في الثقافة العربية حتى تأثرت أوروبا بها فكانت مقدمة ابن خلدون مثالاً فقد ترجمت للغات غربية.
أما في العصر الحديث فقد شهدت الثقافة العربية الإبداع في مجالات متعددة لها تأثيرها في الأدب والفنون بأشكالها والسينما والغناء والتمثيل، ومثال فالقاهرة عاصمة القوة الناعمة العربية في القرن العشرين، تشهد الفنون المتعددة ومشاهير الفنانين كأمثال أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب كما شهدت بعض الدول العربية النشاط الفني في بيروت، وكما كان يقال مصر تكتب وبيروت تطبع والعراق يقرأ ، ولكن التراجع في المنطقة العربية سببه الأزمات السياسية، وعدم تطبيق أسس الثقافة العربية من العدل والمساوة والحرية والتكافل والتضامن.
وشهدت المنطقة العربية، مراكز الإشعاع الفكري في العالم العربي من مكة والمدينة التي جذبت لها المسلمين من بقاع الأرض إلى القاهرة حيث الأزهر الذي له تأثيره العلمي والزيتونة في تونس والقرويين في المغرب، كما تميز القرن الماضي بكتاب وأدباء لهم مكانتهم الفكرية والعلمية، وترجمت مؤلفات عربية للغات متعددة من قصص نجيب محفوظ الذي حصل على جائزة نوبل للآداب، وأفلام سينمائية عالمية كفيلم الرسالة الذي عرض للرسالة الإسلامية وكان مثالاً للإبداع الثقافي وكذلك فيلم أسد الصحراء (عمر المختار) والذي شارك فيهما الممثل الاًمريكي أنطوني كوين، وحتى على المستوى العالمي كثير من العلماء العرب أسهموا في الثقافة الغربية وكتبوا فيها ولهم مؤلفات بلغاتها .
ورغم التراجع السياسي للعالم العربي وانهيار النظام الإقليمي العربي، فإن المفكرين الغربيين ورجال السياسة يحذرون من قوة الثقافة العربية الإسلامية، وعندما أصدر صموئيل هنتنجنون كتابه عن صدام الحضارات، كان تركيزه على التحدي الخطير الذي يواجه الحضارة الغربية من الحضارة الإسلامية لأنها الثقافة التي استمرت منذ قرون وما زالت تحتوي عناصر قوتها، وعندما شعر فرانسيس فوكوياما بنشوة النصر بانهيار الماركسية واعتبره انتصارًا للديمقراطية الليبرالية الغربية وكتب عن نهاية التاريخ وأن المبادئ الليبرالية هي التي ستسود العالم إلا أنه تراجع فيما بعد عن هذه النشوة لأزمة الديمقراطية الأمريكية وانهيار المبادئ التي تقوم عليها ، وتشهد الولايات المتحدة عنصرية وانقسام الشعب الأمريكي، مما دفع كثيرًا من المفكرين للدعوة للعودة إلى القوة الناعمة الأمريكية ولإعادة الاعتبار لها، لأن الاحتلال الأمريكي لافغانستان والعراق أساء لهذه القيم. هذا الانهيار في القيم الليبرالية الغربية أدى لأزمة حضارية يشهدها الغرب الرأسمالي في ثقافته من فرنسا إلى الولايات المتحدة وروسيا التي تشهد هي نفسها أزمة في مصداقية الثقافة بجرائم روسيا في سوريا.
وإذا كانت الثقافات الغربية في أزمة فإن الثقافة العربية تشهد إقبالاً عليها من الغرب والشرق، من الصين شرقاً إلى الولايات المتحدة الأمريكية غربًا، الاهتمام بدراسة اللغة العربية والتراث العربي فالجامعات ورجال الصحافة وحتى الدبلوماسيين ورجال السياسية الذين يستقرون في المنطقة يهتمون باللغة والتراث وتمت ترجمة عدد من المؤلفات الأدبية للصينية فالضعف السياسي في المنطقة العربية يقابله اهتمام بالتراث واللغة لأنها قائمة على الأسس الإسلامية ، وفي ظل المخاض العسير للتنافس والصراع والأهمية الاستراتيجية للمنطقة العربية يهتم بها لغة وتراثاً ثقافيًا، وتتحدى الثقافة العربية الثقافة الغربية الرأسمالية كما تحدت من قبل الثقافة السوفيتية ومن بعدها الثقافة الروسية.
إن القيم الغربية في مأزق لأنها لم تعد توفر لها الإشباع الروحي وسيطرة المادة عليها ، وأصبح الإنسان في الثقافة الغربية كأنه سلعة، ورغم شعارات حقوق الإنسان والحرية الفردية فهي منتقاه تتجاهل الشعوب الأخرى، وهذا ما يحدث في فرنسا وموقفها من الثقافة العربية الإسلامية واحترام الزي واللباس وحرية العبادة، رغم شعارات الثورة الفرنسية والقيم الإنسانية التي تنادي بها، كما أن ظهور اليمين المتطرف يمثل أزمة إضافية تواجه المجتمعات الغربية. إن الثقافة العربية منفتحة على الثقافات الأخرى وتحترم الآخر ، كما تعيش الأقليات في الوطن العربي كما في الخليج وبقية الدول العربية وتمارس ثقافتها وحريتها الدينية، نجد اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة يرفض التعايش وله موقف سلبي من المهاجرين الذين يبحثون عن الأمن، وأخذ الرئيس ترامب أثناء فترته الرئاسية بعمل جدار حاجز بين الولايات المتحدة والمكسيك كما تفعل إسرائيل بالجدار الحاجز في فلسطين، إنها أزمة حقيقة تؤكدها صحوة الغرب في الجامعات والمؤسسات العلمية والإعلامية في زيف الدعاية الصهيونية واليمين المتطرف وهذا ما تؤكده حركة مقاطعة إسرائيل BDS أي مقاطعة للبضائع والشركات الإسرائيلية وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، فالتسامح في الثقافة العربية واحترام الإنسان تتغلب على ثقافة العنصرية والاضطهاد وتزييف الحقائق، كما تحاول إسرائيل تبني بعض معالم التراث الثقافي في فلسطين وتنسبه لها ؟
الثقافة في الخليح الدور الإيجابي والإبداع
إن الثقافة في الخليج العربي جزء رئيس من الثقافة العربية فالمبادئ الأساسية للثقافة العربية منبتها الخليج حيث مهبط الوحي في مكة المكرمة، ولكن هناك ثقافة فرعية داخل الثقافة العربية الإسلامية، قد يكون هناك عادات وتقاليد تختلف أو لهجات ولكنها ثانوية، ولكن دول الخليج تسهم بشكل فعال في الثقافة العربية في الفكر والإبداع والإعلام التي أصبحت القنوات الإعلامية الخليجية رائدة في العالم العربي بما تتوفر لديها من إمكانيات تسهم في دور كبير في الثقافة العربية في مختلف المجالات وهذا يسهم في الوعي في المجتمعات العربية ويزيد من الترابط بين الشعوب العربية من خلال ما تبثه في الفضاء الإعلامي في جميع الجوانب الثقافية كما أنه موجه للشعوب الأخرى.
وقد أسهمت الكويت بشكل فعال من خلال منشوراتها في الثقافية العربية فمجلة ( العربي) التي صدرت 1958م، واستمرارها كانت إسهامًا يكتب على صفحاتها خيرة العلماء والكتاب من مختلف الدول العربية، كما أن كتاب عالم المعرفة الذي يصدر شهرياً بثمن رمزي يشكل أيضًا إسهامًا بالتعرف بالفكر العربي والأجنبي للقارئ العربي، كما انتشرت في الخليج العربي وبشكل مؤثر مراكز الدراسات الاستراتيجية والأبحاث وهي ظاهرة ثقافية تستحق الاهتمام لأن هذه الدراسات التي تصدرها تعزز الوعي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، كما تهتم دول الخليج بشكل كبير بالتراث الشعبي الذي هو جزء مهم من الشخصية العربية وخاصة الخليجية، مثل مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة والذي بدأ 1405 هجرية (1985)، وتتعدد اقامة المهرجانات في دول الخليج وخاصة الإمارات العربية من مهرجانات دبي للخيول إلى دبي السينمائي الدولي ومنتدى الإعلام العربي ومهرجان الطهي، كما سلطنة عمان تهتم بالتراث مثل مهرجان الظفرة يجمع ملاك إبل الخليج العربي. ولكن التحول الثقافي في الخليج العربي يواجه عدة تحديات.
تحديات الثقافة في الخليج العربي
إن دول الخليج العربي لها ثقافة متجانسة بسبب التداخل القبلي والاجتماعي بشكل عام ، ولكن هذا التجانس والثقافة في هذه الدول يواجه عدة تحديات وهي العمالة الوافدة التي تحمل معها ثقافات مختلفة، فهذه العمالة لها ثقافتها وبالذات لها لغاتها والأخطر دور الخادمات المنزلية وتأثيرها على ثقافة الأطفال، إضافة إلى فروع الجامعات الأجنبية وما تحمله من ثقافات وتأثيرها في الجيل الجديد في دول الخليج، وتأثيرها على الترابط الاجتماعي والعادات والتقاليد وما تحمله من اتجاهات فكرية من الاتجاهات الليبرالية والحرية التي تتجاوز تقاليد الخليج .
إن التحول الثقافي يكون بالتدريج وما يتوافق مع تراث الدولة وقيمها، والانفتاح الثقافي بدون انضباط وقيود له آثاره السياسية لأنه قد يحدث شرخاً في المجتمع يهدد التلاحم الاجتماعي والاستقرار السياسي على المدى البعيد، فهناك قيم مستوردة قد تهدد القيم الوطنية ومنها تحدث خلافات تبقى كامنة قد تخرج في فترات تالية، ونجد أن الدول التي عانت من الانفصام الثقافي واجهت تحديات الصراع الاجتماعي كما في تيارات الفرانكوفونية في بعض الدول التي يعلن ولاءه للثقافة الفرنسية، أو انتشار الثقافة الليبرالية في بعض الدول وتحدي الثقافة الوطنية مما يحدث خلافات اجتماعية وسياسية .
إن دول الخليج العربي لديها الإمكانات المادية لنقل ثقافتها وقوتها الناعمة للخارج من خلال إقامة المراكز الثقافية على غرار المجالس الثقافية للدول الغربية، ومثال دارة الملك عبد العزيز بالدار البيضاء مثالاً رائعًا بما يقدمه من خدمات في مجال الثقافة لما يحتويه من خدمات مكتبية يقدمها للباحثين وطلاب الجامعات وعامة الشعب وخاصة توفير الخدمات الألكترونية، كما يمكن أن تقدم دول الخليج برامج للعمالة الوافدة مجاناُ لتعليم للغة العربية وتاريخ البلاد وحضارتها، فعندما أرادت إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تسوية أمور العمالة المهاجرة فرضت تعلم اللغة الإنجليزية ومعرفة عامة بالتاريخ الأمريكي وفتح أبواب بعض المؤسسات للتعليم المجاني . وحيث أن اللغة العربية الوعاء الثقافي للأمة في ظل هجوم اللغة الإنجليزية وغيرها من اللغات، تحتاج إلى اهتمام كبير بها لما له من تأثير على المحافظة على التراث الثقافي فلغة الأمة هي هويتها وشخصيتها القومية.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*أستاذ العلوم السياسية بجامعتي الملك عبد العزيز والحسين بن طلال سابقاً
::/fulltext::
::cck::5824::/cck::
