التطرف يصيغُ صورًا وقوالب جاهزة تجاه الآخر ويعزز ثقافة الاحتراب والعنف المحلي والدولي
Rome, Italy - September 22, 2022: Attendees hold Brothers of Italy, League and Forza Italia flags during a general election campaign rally by a right-wing coalition.
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د. حميد الهاشمي
أستاذ علم الاجتماع في الجامعة العالمية بلندن ــ عضو معهد تشارتر للغويين عضو المعهد الملكي الأنثروبولوجي لمملكة بريطانيا وآيرلنديا
يتناول هذا المقال ظاهرة أحزاب وحركات اليمين المتطرف في أوروبا ، ودورها في عرقلة مساعي الاندماج الاجتماعي المحلية في تلك الدول من جهة، واندماج المجتمع الدولي عامة. على أننا لا نعني هنا بعملية الاندماج الانصهار الكامل للجماعات الاجتماعية أو الأقليات في كنف المجتمع الأكبر. كذلك لا نعني بها انضواء الدول الصغيرة في محور دولي، أو تحالف دولي معين، إنما عمليات التواصل والتفاهيم وتسهيل الاتصالات والتعاملات التجارية والدبلوماسية والتنقل وما إلى ذلك بين الدول، وتقليل حدة التوتر، والاتفاق على معايير موحدة وأخلاقيات تحترم حقوق الإنسان، بغض النظر عن انتمائه القطري. ويركز المقال على مفاهيم محورية في ظاهرة اليمين المتطرف مثل الكراهية والعنصرية وزينوفوبيا أي كراهية الأجانب، وإسلاموفوبيا. فضلاً عن ذلك، يلقي المقال الضوء على ديناميات حراك أحزاب اليمين المتطرف في أوروبا ، وصعودها إلى سدة الحكم في بلدانها، وكذلك حصدها لعدد من المقاعد في البرلمان الأوروبي.
مقدمة مفاهيمية:
بادئ ذي بدء لابد من التذكير بأن السلوك المتطرف يقوم على كراهية الآخر. وأي كان سببها فالكراهية فكراً وممارسة، هي الفكرة المحورية في منهجه. فقد تكون كراهية الآخر مبنية على أسس عنصرية (عرقية)، أو دينية، أو مذهبية، أو قطرية أو جهوية. والكراهية مصطلحٌ مشتق من (كُره أو كِره)، والكراهية تعني الحقد والمقت والغضب، حسب معجم المعاني. فالكراهية أذن تعبر عن مستويات من عدم تحمل أو تقبل الآخر سواء فرداً أو جماعة. ومن ضمن ذلك كراهية الأجانب. ويتطور عن ذلك التخوف منهم وهو ما يعبر عنه بـ (زينوفوبيا Xenophobia). وهو مصطلح يشير إلى: كراهية أو تحيز ضد أشخاص من بلدان أخرى. أو هو معاودة ظهور لتيار العنصرية وكراهية الأجانب. ويُلاحظ أن خطاب كراهية الأجانب أو زينوفوبيا، غالباً ما يُصَوِّر المُهاجرين على أنهم مجرمون، كسالى وغير متعلمين. وقد تطلب بعض الجهات في مجتمعات المهجر استيعاب/ تمثُّل المهاجرين لثقافتها، مما يؤدي إلى العزلة، والارتباك في عواطف المهاجرين فيما يتعلق بهويتهم الثقافية.
وهكذا فالكراهية، فعلٌ تمييزيٌّ بشتى أشكاله، وخاصة العنصري منه الذي يعتبر أحد أكبر المشكلات التي تواجه مواطنين آخرين أو مهاجرين في تلك البلاد الحاضنة للهجرة. والتمييز سواء باعتباره سياسة مرسومة من قبل جهات رسمية أو مؤسسات أي كانت، أو على صعيد أفراد، فهو خطر على المجتمع بصورة عامة مثلما هو خطر على المُستَهْدَف نفسه مهما كان. فيحدث استهداف المهاجر عنصرياً مثلاً، من خلال التمييز ضده، إما مادياً (physically)، وذلك بالاعتداء عليه، أو استخدام أي نوع من العنف، أو الإساءة، لعل بضمن ذلك الكتابة على جدران بيته، أو سيارته أو محله مثلاً، أو أية مؤسسة أو رمز مادي مثل أماكن عبادة أو جمعيات ثقافية، وما إلى ذلك. أو أن يكون التمييز والاعتداء بصورة معنوية، على سبيل المثال أن يكون عنفاً رمزياً، كالسب والشتم، أو السخرية من مظهره، أو أية رموزٍ دينيةٍ أو ثقافيةٍ يلبسها أو يحملها، أو السخرية من معتقده الديني، أو لغته أو لهجته. أيضاً التمييز والتحيز ضده، يمكن أن يكون بحرمانه من فرصة وظيفة، بتفضيل غيره من مواطني البلد الأصليين مثلاً، رغم أن ذلك الشخص مستوفيٌ لكل شروط الوظيفة. كل هذه تعتبر مؤشرات على كراهية الأجانب عموماً وخاصة المهاجرين الجدد. بذلك فهي عقبة كبيرة أمام اندماجهم.
ويطلق على الجهات المتبنية لسلوك الكراهية وعداء الآخر، والتي تنظم أنفسها بحركات سياسية أو اجتماعية اسم (اليمين المتطرف far right)، وعليه فاليمين المتطرف يحمل فكر كُره الآخر المختلف سواء عرقياً أو دينياً أو مذهبياً، أو قطرياً.
بينما يعني الاندماج المبادئ التي يتم من خلالها احتواء أفراد أو فاعلين مرتبطين بمجتمعٍ ما، ويُشير نسق الاندماج إلى العلاقات بين أجزاء المجتمع أو النسق الاجتماعي. وقد عرّف مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية (WSSD) الاندماج الاجتماعي بأنه عملية “رعاية مجتمعات مستقرة وآمنة وعادلة، وتقوم على تعزيز، وحماية جميع حقوق الإنسان، وكذلك على عدم التمييز، والتسامح واحترام التنوع والمساواة في الفرص، والتضامن وتوفير أمن، ومشاركة جميع الناس، بما في ذلك الفئات المحرومة، والضعيفة، وباقي الأشخاص عموماً”.
وهكذا يتضح أن نقيض الإندماج هو العُزْلَةُ وهي: الانْعِزالُ، ابتعاد عن الآخرين، وحدة، انقطاع عن العالم. وهي الإنزواء وعدم الاختلاط مع الآخر. وعليه فالعزلة سلوك سلبي بالتأكيد. وبهذا الحال مع الكراهية والنظرة السلبية والصور النمطية تجاه الأجانب، فإنهم يصبحون مدفوعين إلى العزلة إلى حد كبير.
اليمين المتطرف وضرب عملية الاندماج:
يؤثر نهج ومواقف وتصرفات اليمين المتطرف بالضرورة سلباً في عملية الاندماج الاجتماعي التي تعتبر مبتغى ومطلب حكومات ومؤسسات بلدان التعددية بأنواعها بضمنها التعددية الثقافية (multiculturalism)، وكذك البلدان المستقبلة للهجرة، خصوصاً البلدان الغربية. في حين أن التأثير ذاته يمتد إلى علاقات الدول نتيجة سياسات أحزاب وحركات اليمين المتطرف، سيما إذا ما تسلمت السلطة في بلدانها. فالأحزاب اليمينية التي تعادي الإسلام خصوصاً، سوف تشكل عائقاً كبيراً في علاقات بلدانها ببلدان العالم الإسلامي عامة والعالم العربي خاصة. فالكراهية والصور النمطية المسبقة، وأساليب الاستفزاز لابد أن تكون عائقاً أمام صيغ التواصل فضلاً عن أي نوع من التعاون الدولي أو الحوار الحضاري الذي تكون طرفاً فيه تلك الحكومات المتطرفة.
وهكذا يمكن أن تنتج الكراهية نتيجة تلك التصورات، وتخلق أفعالاً وردود أفعال، وبالتالي تؤدي إلى إنتاج دوامة من عدم تقبل الآخر وتخلق حواجز أمام أية تفاهم أو حوار ممكن أن يحصل بين الثقافات والحضارات المختلفة. ما يعني بالنتيجة عدم الاندماج.
ومن المؤكد أن لهجة التمييز العنصري موجودة في كل مكان. فعلى سبيل المثال شعر الأفارقة القادمون من جزر الكاريبي مبكراً بالتمييز العنصري، وبالنبذ الذي تتعرض له الأقليات العرقية في بريطانيا. الأمر الذي جعلهم أكثر ارتياباً من الآسيويين في مدى إخلاص واستقامة المؤسسات البريطانية. بل إن هذا الارتياب امتد إلى ما تتوقعه الأقليات العرقية من أرباب العمل ومن رجال الشرطة في تعاملهم مع الأقليات، وذلك بحسب دراسة وُضعت عام 1982م. وقد ساهمت الاعتداءات العنصرية وخصوصاً التي وقعت ضد البنغلاديشيين في شرق لندن في الثمانينيات، بالإضافة إلى أزمات التسعينات، بزوال هذه الأوهام، وتحديداً ما يتعلق منها بتصرفات الشرطة. وامتدت مشاعر الخيبة إلى القرن الحادي والعشرين. ومن الراجح أن هكذا مواقف وتوترات قد نجم عنها تكريس المزيد من عزلة بعض الأقليات، وبالتالي انقطاع العديد من فرص وسبل وأشكال التواصل والتفاعل الاجتماعي، ما يعني الإضرار بالحوار الحضاري.
فعلى سبيل المثال يتم عادة الربط بين الإسلام والعرب، وذلك بحكم الصلة الوثيقة والهوية المشتركة للأغلبية من العرب. وبحكم الصور النمطية التي تكونت حول الإسلام خلال العقود القليلة الأخيرة، نتيجة التطرف والإرهاب وخصوصاً بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م. عقب تلك الظروف، بات المسلمون ومن بينهم العرب بطبيعة الحال، يواجهون تحديات عديدة، في الغرب من بينها:
أولاً: صعوبة الإندماج، فرغم تمتع الجاليات الإسلامية في الدول الغربية بالعديد من الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية، إلا أنها تواجه العديد من الصعوبات، التي تعرقل بشكل أو بآخر اندماج أفرادها في مجتمعات هذه الدول في ضوء أمرين:
- تصاعد شعار الدمج القسري للأجانب، نتيجة الخوف من افتقاد تجانسهم العرقي والديني، الأمر الذي يُهدد بإلغاء خصوصية المسلمين، المقيمين في تلك المجتمعات.
- ظهور نزعات التطرف العنصري في أوروبا بشكل كبير في الفترة الأخيرة، وصعود أحزاب اليمين التي ترفض الاعتراف بالمجموعات العرقية، ومن بينها الجاليات الإسلامية، وتصر على ضرورة أن يتشرب المهاجرون الثقافة الغربية، بل إنها وفي أحيان كثيرة تهدد بطردها من البلاد. وفي نفس الإطار تعاني الجاليات الإسلامية في الغرب من ظواهر أخرى لا تساعد على تعزيز دورها في المجتمع وتمثل عائقًا بارزاً أمام اندماج أفرادها في المجتمع.
ثانياً: ضعف الفاعلية والتأثير في الحياة السياسية: ويرجع ذلك بالأساس إلى أن الجاليات الإسلامية في الغرب، لا تشكل وحدة واحدة، ولا يوجد تنسيق مشترك بينها، بل يمكن القول بأنها متصارعة، ومتناقضة في توجهاتها وأفكارها، بشكل يزيد من تشويه صورة المسلمين.
من اللافت أن اليمين المتطرف في أوروبا قد حقق بعض المكاسب الملموسة، وصعد إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة مستغلاً الأزمات التي حصلت في بلدان ومناطق قريبة أثرت على أوروبا، لعل أهمها تدفق الهجرة إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. ولأن اليمين المتطرف يزدهر دائمًا خلال الأزمات المتعلقة بالمهاجرين وكراهية الآخر. فقد واتت فرصته مع تدفق الهجرات من الشرق الأوسط والقرن الإفريقي خاصة، بما يجعله ينظر بعين الريبة، ويحذر من الخطر المزعوم، المبني على تهديد الهوية الثقافية والاجتماعية لتلك البلدان خصوصاً مع شيوع ظاهرة ما يسمى بالهرم الديموغرافي المقلوب في بلدان أوروبية عديدة. فضلاً عن ذلك، فقد ساهمت الأزمات الاقتصادية خصوصاً خلال وبعد أزمة فايروس كورونا (كوفيد 19)، والأزمة الاوكرانية، وما يرتبط بها من تداعيات اقتصادية وسياسية، ساهمت بارتفاع أرصدة أحزاب اليمين في العديد من بلدان أوروبا . إن فلسفة اليمين المتطرف الحالية تقوم على كراهية الأجانب (xenophobia)، وخصوصاً ذلك المختلف ثقافيًا ومثل المسلمين، وبعدها المختلف عرقياً. ويكون المحرك لديناميات عمل اليمين المتطرف هو الاقتصاد عادة، حيث ارتفاع الأسعار ونقص الخدمات المتعلقة بالصحة والتعليم، ليقوم بتوظيفها محرضاً على خصومه من جهة، ورافعاً منسوب كراهية الأجانب من جهة أخرى. ولهذا السبب شهدنا تنسيقاً بين أحزاب اليمين في بعض دول الاتحاد الأوروبي مثل هنغاريا وإيطاليا وبولندا، والنمسا وهولندا التي ارتقت فيها أحزاب اليمين إلى السلطة، وشكلت ائتلافاً باسم (أوروبا الأمم والحريات Europe of Nations and Freedom)، وهي المجموعة السياسية التي تأسست قبل سنتين داخل البرلمان الأوروبي، خلا الدورة (2015-2019م)، وكانت متكونة من 37 نائباً برلمانياً. وقد اعتبرت نفسها أنها بمثابة حزب واحد يرتكز عملها على التعاون في أوروبا عامة، وليس حصراً داخل أطار الاتحاد الأوروبي. وفي هذا المؤتمر الذي رفع شعار “من أجل أوروبا للأمم صاحبة السيادة”. وتضم هذه الأحزاب، أبرز قادة اليمين المتطرف في أوروبا، من بينهم زعيمة اليمين المتطرف الفرنسي مارين لوبان، والنائب اليميني الهولندي خيرت فيلدرز، ولورنزو فونتانا من رابطة الشمال الإيطالية، وغيورغ ماير من حزب حرية النمسا، وبين المشاركين أيضًا البلجيكي جيرولف انيمانز، والبولندي ميشال ماروسيك، وماركوس بريتسل من حزب البديل من أجل ألمانيا، وجانيس أتكينسون التي كانت عضوا في حزب استقلال المملكة المتحدة (Ukip).
ومن جهة اخرى صعدت من نشاطات الكراهية والأعمال العدائية ضد الأجانب كما حصل في المملكة المتحدة خلال شهر تموز/ يوليو الماضي، حيث شهدت مظاهرات واعتداءات على مصالح لافراد من الجاليات المسلمة أو حتى مصالح تجارية بريطانية، ما يشير إلى مستوى كبير من عدم الانضباط لدى هولاء وأرجحية استخدام العنف لديهم بأية لحظة، وهو ما يدق ناقوس الخطر في الداخل الأوروبي عموماً، ولدى البلدان العربية والإسلامية التي ينبغي أن تنظر إلى جالياتها على أنها جزء من مصالح خارجية ترتبط بها إن لم تكن تتبع لها. بمعنى أن تلك الجاليات ينبغي أن تحظى بنوع من المتابعة من قبل البلدان العربية والإسلامية متى ما كان هناك تهديد وخطر عليها، ومتى ما كان هناك تهاون في حمايتها من قبل تلك بلدان المهجر. وهذا لا ينفي ولا يناقض دعواتنا المستمرة لتلك الجاليات بالاندماج في مجتمعاتنا الجديدة متى ما وجدت فرصها بالعيش الكريم وعدم التمييز. كذلك فإن صعود تيار اليمين المتطرف في المملكة المتحدة ضمن موجة مشابهة في أوروبا عموماً وهي رد فعل لازدياد الهجرة، وتبعاتها المتعلقة مثل ازدياد ظاهرة رهاب الأجانب (Xenophobia)، ورهاب الإسلام (Islamophobia)، والتوظيف السياسي لهذه القضية من قبل الأحزاب السياسية عموماً، واليمين المتطرف خصوصاً.
الخلاصة:
إن التطرف مهما كان، يُشكّل حواجز نفسية واجتماعية أمام عملية الاندامج الداخلي لأي بلد كان، مثلما يقف عائقاً أمام أي حوار بين أبناء الثقافات، فضلاً عن تفاعل أي إيجابي وثقافات بين الشعوب، والجماعات الاجتماعية. فالتطرف سواء كان مبنياً على دوافع عنصرية، أو دينية، أو مذهبية، أو جهوية، أو فكرية/ آيديولوجية أو غيرها يعمل على خلق حواجز ذهنية ومادية أمام صاحبه، ويقطع طريق الاندماج الاجتماعي بين أبناء البلد الواحد، وكذلك بين شعوب المعمورة سواء ثقافات أو دول أو مؤسسات وما شابه. فالتطرف يصيغُ صوراً نمطية، وقوالب جاهزة تجاه الآخر، وفقدان الثقة عادة، وبالتالي بناء مواقف مسبقة تحول دون الحوار، وتقف عائقاً أمام أية فرصة للتفاهم، هذا إن لم يكن باعثاً على الاحتراب أو العنف وعدم الاستقرار المحلي أو الإقليمي أو الدولي.
