أوروبا مطالبة باستراتيجية استباقية تجاه السودان وخطوات عملية لدعم الجهود الإقليمية
waving colorful flag of european union and flag of sudan on a euro money banknotes background. finance concept. macro
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. كريستيان كوخ
مدير البحوث و مدير فرع مركز الخليج للأبحاث في بروكسل
لا يزال المجتمع الدولي يغض الطرف عن الحرب الدائرة في السودان، على الرغم من الخسائر الفادحة والتداعيات الوخيمة التي لا يمكن إنكارها. وحتى التصريحات التي تصدر بين الفينة والأخرى عن مسؤولين في الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء، والتي تؤكد على أن السودان يستحق المزيد من الاهتمام، لم تُثمر حتى الآن عن خطوات ملموسة للدفع صوب التسوية. وفي حين أن نفوذ الاتحاد الأوروبي وتأثيره المباشر على التطورات في السودان قد يكون محدودًا، فإن اعتماد استراتيجية استباقية ذات خطوات ملموسة في دعم الجهود الإقليمية، مثل جهود المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، قد يؤتي ثماره بنهاية المطاف.
العوامل والأسباب
ينبُع العنف المسلح والنزاع الأهلي المشتعل داخل السودان من مزيج من العوامل التاريخية، والسياسية، والاجتماعية. يمكن وصفه في الأساس بأنه صراع على السلطة بين فصيلين عسكريين متناحرين: القوات المسلحة السودانية بقيادة اللواء عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يتزعمها محمد حمدان دقلو، الملقب بــ “حميدتي”. وقد شهدت التوترات بين الجانبين تصعيدًا خلال شهر إبريل من عام 2023م، نتيجة خلافات حول السبيل الأمثل لدمج قوات الدعم السريع في منظومة الجيش الوطني. حيث أبدت قوات الدعم السريع، المُنحدرة من ميليشيات “الجنجويد” المعروفة بدورها في نزاع دارفور، مقاومة للاندماج سريعًا داخل الجيش، خشية خسارة استقلاليتها ونفوذها. مع ذلك، لم تنشأ موجة العنف الأخيرة من فراغ، بل يمكن إرجاعها إلى عدم الاستقرار السياسي الذي عانت منه البلاد في أعقاب الإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير في عام 2019م. حينما أدى فشل الحكومة الانتقالية في تأسيس إدارة مدنية مستقرة إلى خلق فراغ في السلطة، ليفسح المجال أمام حدوث انقلاب عسكري. ثم تطورت النزاعات المتواصلة بين قادة الجيش السوداني إلى الصراع الحالي الذي تعاني منه البلاد.
بمنأى عن الأحداث الأخيرة، تتيح المظالم التاريخية والتوترات العرقية واسعة النطاق بيئة خصبة لاستمرار الصراع داخل البلاد. على سبيل المثال، وُجِهت اتهامات لقوات الدعم السريع بارتكاب مجازر في حق المجتمعات غير العربية، بلغت إلى حد مزاعم بارتكاب أعمال تطهير عرقي وإبادة جماعية. وينبغي أن يُنظر إلى مثل هذه المظالم المتجذرة بعمق باعتبارها جوهر أسباب دوامة الانتقام والاضطرابات المستمرة. كما أدى شح الموارد وأزمة انعدام الأمن الغذائي المتفاقمة إلى تنامي حدة المنافسة بين المجتمعات، وتفاقم التوترات القائمة، وتغذية حلقة العنف المفرغة. لقد أسفرت المواجهات المباشرة الأخيرة بين الجانبين في مقتل ما لا يقل عن 150 ألف شخص، ونزوح قرابة 9 ملايين داخل البلاد، وفرار 3.5 مليون معظمهم إلى دول الجوار: مصر، وتشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا. اُتهمت قوات الجيش السوداني والدعم السريع بارتكاب جرائم حرب والتسبب في تفاقم معاناة المدنيين. ورغم التقدم الذي أحرزه الجيش السوداني في ساحة المعركة أوائل 2025، والذي قاد للإعلان عن تشكيل حكومة تكنوقراط جديدة في زمن الحرب، إلا أنه لا يلوح في الأفق نهاية وشيكة للنزاع حتى وقت كتابة هذه السطور. حتى وإن استطاع الجيش السوداني الاستيلاء على المزيد من الأراضي، فإن عدم معالجة القضايا الرئيسية المُغذية للصراع تعني استمرار العنف والمقاومة لسلطة الحكومة المركزية.
التبعات الإقليمية والعالمية
يشكل الموقع الاستراتيجي للسودان وموارده الغنية عامل جذب رئيسي لاهتمام القوى الإقليمية والدولية الأخرى، مما يؤدي إلى تعقيد المشهد السياسي. وعلى الصعيد الإقليمي، تبرز قضايا النزوح كأحد التحديات الملحة، حيث تتدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى المخيمات القائمة، مما يستنزف الموارد المحلية ويؤدي إلى تفاقم التوترات، فضلاً عن التحديات الأمنية المباشرة. مثلما حدث في منطقة وادي الشرقية في تشاد.
وفيما يتعلق بمصر، فقد استضافت البلاد أكثر من 500 ألف لاجئ سوداني، بما يفرض مزيدًا من الأعباء على مواردها وبنيتها التحتية. كما أن انخفاض المعروض من السلع السودانية، لاسيما في الصادرات الزراعية، ترتب عليه ارتفاعًا في أسعار مواد الغذاء داخل مصر، ليُفاقم من حجم التحديات الاقتصادية القائمة ويؤثر على تكلفة المعيشة للمواطن المصري.
وعلى صعيد آخر، فإن انعدام الاستقرار في السودان يضفي مزيدًا من التعقيد على المفاوضات الشائكة بين مصر وإثيوبيا حول سد النهضة الإثيوبي، مما قد يؤثر على مصالح مصر من الأمن المائي. وبعيدًا عن دول الجوار المباشر، فإن الأعباء الاجتماعية الاقتصادية المتزايدة تنذر بزعزعة استقرار منطقة الساحل الإفريقي الأوسع والتي تعاني بالفعل من أزمة النزوح، وانعدام الاستقرار، واستيطان الجماعات المتطرفة. كما سلط النزاع السوداني الضوء على المنافسات الدولية من خلال الصراعات بالوكالة والتدخل الأجنبي. حيث اجتذبت الحرب الأهلية في السودان مشاركة أكثر من 10 دول من مختلف أنحاء إفريقيا، والشرق الأوسط، وآسيا، لتتحول البيئة المحلية إلى ساحة تناحر إقليمي مُعقدة. على سبيل المثال، في الوقت الذي تورطت دولة الإمارات في تقديم الدعم العسكري، والمالي، واللوجستي لقوات الدعم السريع، قامت إيران بتزويد الجيش السوداني بطائرات مسيرة “مهاجر-6” التي كان لها دور رئيسي في استعادة الجيش سيطرته على مقر هيئة الإذاعة الحكومية بمدينة الخرطوم في مارس 2024م. وينظر إلى الدعم الإيراني باعتباره محاولة لكسب نقطة وصول إلى البحر الأحمر ومجابهة النفوذ الإماراتي داخل المنطقة.
على الصعيد العالمي، حمل اتفاق فبراير 2025م، بين السودان وروسيا بشأن إنشاء قاعدة بحرية روسية على ساحل البحر الأحمر تبعات جيوسياسية، وأثر بشكل مباشر على هياكل القوة وشكل التحالفات. ويعد ذلك تطورًا مهمًا لموسكو في ظل مسعاها لتوسيع نطاق حضورها العسكري وسط مشهد إقليمي تكتنفه الضبابية. كما أن إنشاء قاعدة بحرية سيوفر لموسكو بديلًا عن مُنشآتها داخل سوريا، التي يعد مصيرها مجهولًا بعد سقوط نظام حليفها بشار الأسد. فيما يقال إن مجموعة “فاغنر” العسكرية الروسية الخاصة تلعب دورًا نشطًا أيضًا داخل السودان من خلال مساندتها لقوات الدعم السريع.
على صعيد الجبهة الاقتصادية، فإن انكماش الاقتصاد السوداني بنحو 20 % وفقًا لبيانات النقد الدولي، يعني أيضًا أن الأسواق العالمية، لاسيما تلك العاملة داخل قطاعي النفط والزراعة السودانيين، قد تضررت أيضًا. وتوضح هذه النتائج مجتمعة الآثار بعيدة المدى للحرب الأهلية السودانية على الديناميكيات الإقليمية والجيوسياسية.
الاتحاد الأوروبي والسودان-أداء باهت
أوروبا هي واحدة من المناطق التي لها مصالح مباشرة في استقرار السودان وشرق إفريقيا الأوسع. ويعد الموقع الاستراتيجي للسودان وموارده الطبيعية الغنية أبرز الأسباب التي تدفع الاتحاد الأوروبي إلى متابعة التطورات في هذا البلد عن كثب.
أحد الشواغل الأوروبية الرئيسية يتمحور حول المد المتزايد للمهاجرين القادمين من السودان والدول المجاورة، نظرًا لأن السودان بمثابة بلد عبور ومنشأ للمهاجرين الحالمين بالوصول لأوروبا. ولطالما انخرط الاتحاد الأوروبي فيما سبق مع السلطات السودانية عبر الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين مثل “عملية الخرطوم”، وهي إطار يهدف للحد من الهجرة غير الشرعية والاتجار في البشر داخل منطقة القرن الإفريقي وصولًا إلى أوروبا. بالتالي، فإن تبعات العنف المتصاعد داخل السودان لم تقتصر فقط على زعزعة استقرار الدول المجاورة، نتيجة تزايد أعداد المهاجرين، بل أدى أيضًا إلى استمرار تدفق المهاجرين على الحدود الأوروبية. وفي ظل مناخ سياسي يسعى الاتحاد الأوروبي خلاله يائسًا لكبح جماح الهجرة الوافدة، تعتبر الصراعات التي تؤجج أزمة الهجرة تهديدًا للمصالح الأوروبية.
ثمة احتمالية لحدوث اضطرابات إقليمية أوسع نطاقًا في حال استمر الصراع دون حل. وفيما يتعلق بأوروبا، فإن الأولوية تكمن في العمل على منع الصراع من الامتداد إلى البلدان المجاورة مثل تشاد، وجنوب السودان، وإثيوبيا. فإن مثل هذا الوضع لن يؤثر فحسب على المصالح الأمنية الأوروبية من خلال زيادة تدفق المهاجرين، بل يخشى الكثيرون داخل أوروبا من أن يوفر ظروفًا مواتية لتنامي المد الإرهابي المتطرف.
هناك عامل آخر يتمثل في الوضع العام داخل منطقة القرن الإفريقي وباب المندب لاسيما فيما يتعلق بالأمن البحري، حيث إن اضطراب سلاسل التوريد يؤثر على سلامة الاقتصاد الأوروبي. وبينما لا يعد السودان شريكًا تجاريًا رئيسيًا للاتحاد الأوروبي، لكنه ينعم بموارد طبيعية نفيسة بما يشمل النفط، والذهب، والمنتجات الزراعية. ويَحول الصراع الدائر دون تطوير تلك الروابط التجارية ويحد من تدفق الاستثمارات إلى السودان.
تماشيًا مع النهج الأوروبي المعياري في التعامل مع أوضاع الصراع الدولية، تلعب قضايا المساعدات الإنسانية، والحماية المدنية، ودعم الانتقال الديمقراطي والحوكمة دورًا مهمًا للاتحاد الأوروبي. عام 2024م، حشد الاتحاد الأوروبي ما يقرب من 150 مليون يورو لدعم الجهود الإنسانية داخل السودان. كما دعا الاتحاد الأوروبي إلى حماية المدنيين والحاجة للتحقيق في الجرائم المرتكبة كوسيلة لضمان المساءلة عن انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكب داخل البلاد. ولحماية مصَالحه، شارك الاتحاد الأوروبي في مجموعة متنوعة من الجهود الرامية لمعالجة الأزمة السودانية بما في ذلك القنوات الدبلوماسية وسلاح العقوبات. في 16 ديسمبر، 2024م، فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الفريق صلاح قوش ورئيس عمليات قوات الدعم السريع عثمان حميد لتورطهمَا في جرائم الحرب المزعومة وتقويض مسيرة انتقال البلاد لسلطة مدنية.
على الجبهة الدبلوماسية، شملت مشاركة الاتحاد الأوروبي العمل مع جهات فاعلة مثل الاتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد)، من أجل الدفع نحو وقف إطلاق النار والمفاوضات. كما أيد الاتحاد الأوروبي منذ وقت مبكر محادثات السلام بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية وكان على استعداد لدعم جهود المملكة للتوسط في أي اتفاق.
مع ذلك، على الرغم من العديد من الاعتبارات المشار إليها أعلاه والتدابير المتخذة حتى الآن من قبل الاتحاد الأوروبي، يمكن المجادلة بأن أوروبا فشلت في أن يكون لها دور متسق وبارز في حل النزاع السوداني. ولم تثمر محاولاتها لمعالجة الأزمات السودانية عن طريق المشاركة الدبلوماسية، والمساعدات الإنسانية، والعقوبات الاقتصادية سوى عن نتائج محدودة. وفي حين أن الاتحاد الأوروبي ناشد الفصائل المتحاربة بوقف فوري ودائم لإطلاق النار، وإنشاء آليات للمراقبة، فضلاً عن دعم جهود التوسط الإقليمية والدولية، فإن أيًا من هذه الدعوات لم يُفضي إلى تدابير فعالة على أرض الواقع.
كما لعبت التعقيدات الجيوسياسية، والنفوذ الأوروبي المحدود على الجهات الفاعلة الرئيسية، والسياسات غير المتسقة، دورًا في كيفية تعامل الاتحاد الأوروبي مع الأزمة السودانية. على سبيل المثال، لم يكن للعقوبات الأوروبية تأثيرًا كبيرًا، وذلك ببساطة لأن الفصائل العسكرية السودانية تعتمد بشكل أكبر على الدعم الخارجي من القوى الإقليمية مقارنة بالمساعدات المالية أو العسكرية الأوروبية. وخلاصة القول إن الاتحاد الأوروبي يفتقر إلى النفوذ المباشر على كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، بما يعيق قدرته على الضغط على كلا الجانبين للقبول بالتسوية.
لقد غلب على دور الاتحاد الأوروبي في التعاطي مع الأزمات السودانية طابع رد الفعل، بدلاً من المبادرة الاستباقية لمنع تفاقمها. ورغم تحذيرات المحللين من مغبة تنامي التوترات قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023م، فشل الاتحاد الأوروبي في اتخاذ تدابير وقائية، هذا الافتقار إلى البصيرة جعل استجابته أقل فعالية. وقد تفاقم القصور بسبب السياسات غير المتسقة التي طبقها الاتحاد الأوروبي تجاه السودان.
وفي الوقت الذي يبدي فيه الاتحاد الأوروبي دعمه للحكم الديمقراطي والسلطة المدنية، يواصل التكتل تعاونه مع قوات الأمن السودانية للحد من الهجرة. هذا النهج المزدوج تسبب في تقويض مصداقية الاتحاد الأوروبية بين منظمات المجتمع المدني السودانية التي تعتبرها أوروبا لاعبًا أساسيًا في مسيرة الانتقال السياسي داخل السودان. وعلى غرار العديد من المجالات الأخرى المتعلقة بالمشاركة الدولية والسياسة العالمية، لا توجد جبهة أوروبية موحدة بشأن السودان، مما يؤدي إلى بطء وتشرذم الاستجابة الأوروبية. ومن اللافت أن الممثلة العليا الجديدة للسياسة الخارجية والأمنية للاتحاد الأوروبي، كاجا كالاس، لم تصدر أي بيان بشأن السودان منذ توليها منصبها في الأول من ديسمبر 2024. كذلك لم تصدر مؤسسات مثل “خدمة الأبحاث البرلمانية الأوروبية”، التي تخدم كمركز أبحاث لدعم أعضاء البرلمان، أية تقارير حول السودان في السنوات الأخيرة، وهو ما قد يشير إلى عدم استحواذ مثل هذه الموضوعات على الاهتمام أو الطلب داخل البرلمان الأوروبي.
عزز الافتقار إلى مشاركة أوروبية قوية التصور السائد بين الرأي العام العربي بأن أوروبا لا تتدخل في حل الأزمات أو مواجهة التحديات سوى عندما تستشعر تهديدًا مباشرًا لمصالحها. وأنها لا تُعير بالًا لمصالح أو مواقف القوى الإقليمية الأخرى بما في ذلك شركاء الاتحاد الأوروبي. وحتى عندما تشارك دول الاتحاد، يوجد قناعة بأن أداءها سيكون خجولًا ومتواضعًا في المبادرات الرسمية، التي غالبًا ما تكون إما خالية من الجوهر أو ذات تأثير ضئيل. ويعد هذا التصور مدعوما بحقيقة أن الاتحاد الأوروبي يعتمد في الأساس على المنظمات الإقليمية مثل الاتحاد الإفريقي وآخرين لتزعم جهود الوساطة. ورغم أهمية التعاون متعدد الأطراف، لم يضطلع الاتحاد الأوروبي بدور مستقل ملموس في تيسير إجراء محادثات السلام التي تشتد الحاجة إليها. هذا الاعتماد هو الذي جعل الجهود الدبلوماسية التي يبذلها الاتحاد الأوروبي أقل وضوحًا وأقل فعالية مقارنة بجهات فاعلة مثل الولايات المتحدة أو دول مجلس التعاون الخليجي.
خلاصة القول إن دور أوروبا الدبلوماسي محدود ولا يعدو كونه دور داعم، في حين أن القوى الإقليمية مثل مصر والمملكة العربية السعودية، والإمارات، والقوى الخارجية مثل الولايات المتحدة تلعب أدوارًا أكثر جدوى وفعالية عندما يتعلق الأمر بالصراع المشتعل في السودان.
الآفاق المستقبلية
يشير استمرار المظالم المتأصلة التي تغذي الصراع الدائر في السودان، وعجز الأطراف الفاعلة المحلية عن معالجة جذور النزاع بفعالية، إلى أنه من المستبعد أن نشهد انفراجة قريبة في الأزمة السودانية. وفي حين يسعى الاتحاد الأوروبي إلى الاضطلاع بدور في تسوية الأزمة من خلال الجهود الدبلوماسية والمساعدات الإنسانية والعقوبات الاقتصادية، فإن محدودية نفوذه تتضح جلياً في ظل الديناميكيات الجيوسياسية الإقليمية والسياسات غير المتسقة. وعلى الرغم من أن الاتحاد الأوروبي لديه مصالح واضحة في دعم استقرار السودان، مدفوعة بمخاوف تتعلق بالهجرة والأمن والاستقرار الاقتصادي، فإن استجابته لا تزال محدودة إلى حد كبير، وتعكس عجزه عن التأثير بشكل مباشر على الجهات الفاعلة الرئيسية في الأزمة.
مع ذلك، بإمكان المجتمع الدولي، بما يشمل ذلك، الدول الإفريقية الرئيسية والاتحاد الأوروبي، اتخاذ خطوات من شأنها أن تساعد في تحريك الصراع نحو إنهاء العنف وبالتالي خلق مساحة يمكن من خلالها معالجة القضايا الأكبر. ولتحسين دوره في معالجة الأزمة السودانية، ينبغي للاتحاد الأوروبي اعتماد نهج أكثر استباقية، وتعزيز التنسيق مع القوى الإقليمية، وأن يضمن توافق سياساته مع السلام والاستقرار على المدى الطويل بدلًا من التركيز على الحد من الهجرة على المدى القصير. حينها فقط، يمكن للاتحاد الأوروبي أن يرسخ مكانته كلاعب دولي مؤثر، ويساعد في حل واحدة من أشد الأزمات إلحاحًا داخل إفريقيا والمنطقة.
