الميليشيات تضاعف الفوضى والإرهاب وتهدد التركيبة الديموغرافية وتفسح المجال للمشاريع الانفصالية

image
Getting your Trinity Audio player ready...

 د محمد عصام لعروسي

مدير مركز منظورات للدراسات الجيوسياسية ـ الرباط ـ المغرب


إن الحرب الطاحنة في السودان بين القوات المسلحة السودانية و قوات الدعم السريع، تعد من الأزمات المفصلية في منطقة القرن الإفريقي والمنطقة العربية بشكل خاص، والتي تؤثر بشكل مباشر على استقرار هذا البد العربي الإفريقي وسيادته واستقلال قراره السياسي، كما تمتد الأزمة إلى باقي المنطقة العربية وتصل ارتداداتها إلى منطقة شمال إفريقيا، من جهة انتشار الجماعات والميليشيات المسلحة والمتطرفة، مستغلة واقع الاضطراب والفوضى في ليبيا التي تجمعها خطوط تماس مع السودان ودول الساحل مما يجعل من مقولة جيوسياسية الإرهاب تتحقق بشكل متماثل، بكل ما يعني من عبث مركبات الإرهاب بخرائط المنطقة.

 كل هذه القضايا المتداخلة تضع السودان في قلب اهتمام دولي متزايد؛ فالأبعاد الجيوسياسية لهذه الحرب أكبر وأكثر تأثيرًا على مجريات التحولات التي تطرأ على المنطقة بالنظر إلى موقع السودان الاستراتيجي، وتأثيره على باقي دول المنطقة بما في ذلك تهافت القوى الدولية على الممرات المائية التي تمر منها معظم سفن التجارة العالمية.

بالإضافة إلى التداعيات السيئة على حياة الملايين من المدنيين، فإن انعكاسات هذه الحرب مرتبطة على المدى القريب والمتوسط والبعيد بمعادلة الأمن الإقليمي لمنطقة القرن الإفريقي، وتأثر حركات التمرد والميليشيات المسلحة بهذا الصراع، ما يمكن أن يسهم في انتشار الإرهاب والتطرف في منطقة الساحل جنوب الصحراء ومنطقة شمال إفريقيا، وتأثير ذلك على موجات النزوح واللاجئين، والأمن المائي، وملف سد النهضة، فضلًا عن إمكانية تشكل تحالفات جديدة، أو تغير موازين القوى في المنطقة.

إن التنافس الدولي له تأثير سلبي في المشهد السياسي والعسكري في السودان، ورغم أن مواقف الدول المتدخلة في هذا البلد تبدو تكتيكية، وغير استراتيجية؛ فإنها تعكس في ذات الوقت ديناميات معقدة مرتبطة بالظروف المحلية، والإقليمية المحيطة بها، ذلك أن تنافر الدول الإقليمية في دعم قوات الردع السريع؛ أو الجيش السوداني قد يسهم في إطالة أمد الصراع، في حين أن المطلوب هو تبني نهج استراتيجي طويل الأمد يؤثر إيجابًا على التسوية السياسية في السودان، وبشكل جوهري في استقرار المنطقة بأكملها، وهذا ما يتعارض مع أهداف القوى الدولية المتربصة.

أولاً: التأثير المتعدد الأبعاد للحرب في السودان

يستمر الصراع بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023 في الانتشار في جميع أنحاء السودان، مما يؤثر على المنطقة ودول الجوار. ومن بين الآثار الجانبية للصراع، النزوح الداخلي وتدفق السودانيين عبر الحدود بحثًا عن الأمن والأمان في الدول المجاورة. وقد أجبرت ضراوة وشدة الصراع ملايين السودانيين على الفرار داخل وخارج السودان.

وفقًا لبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة (فبراير 2024م)، فقد خلق الصراع في السودان واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم داخليًا وخارجيًا منذ أبريل 2023م.  وقد أفادت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بوجود أزيد من 11 مليون نازح، منهم قرابة 3 ملايين لاجئ في تشاد وجنوب السودان ومصر وإثيوبيا وجمهورية إفريقيا الوسطى (مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، 29 سبتمبر 2024م). وقدر تقرير المنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين يصل إلى 10.8 مليون نازح، بما في ذلك 2.3 مليون في الدول المجاورة.

يبدو أن الحرب السودانية تفرض واقعًا جيوسياسيًا معقدًا، بوجود داعمين لطرفي الصراع حريصين على تزويد الأطراف المتصارعة بالأسلحة واستمرار الحرب بالوكالة، مما يحقق مصالح القوى الدولية والإقليمية التي تعتبر السودان نقطة ارتكاز استراتيجية بالنظر إلى غنى هذا البلد من الناحية الطبيعية والزراعية والمعدنية، وباعتباره أيضًا ممرًا بحريًا مهمًا يربط القارة الإفريقية والآسيوية والأوروبية.

ثانيًا: انهيار أسس الأمن الإقليمي الوجه الأبرز للحرب في السودان 

أثارت الحرب في السودان العديد من المخاوف الأمنية على طول الحدود السودانية، بما في ذلك مع البلدان التي تعاني هي نفسها من صراعات مسلحة مدمرة. ونظراً لعدم الاستقرار وانتشار الجماعات المسلحة في البلدان التي تشترك في الحدود مع السودان، هناك قلق متزايد بشأن الاتجار بالأسلحة أو تهريبها إلى منطقة أمهرة في إثيوبيا عبر الحدود السودانية.

وقد يؤدي هذا إلى تفاقم الوضع الأمني ​​في البلدان المجاورة، حيث يمكن أن تؤدي الأسلحة المهربة إلى تأجيج ونشر العنف من قبل الجماعات المسلحة ذات المصالح المتضاربة، مما يزيد من تعقيد الوضع في السودان أيضًا، وانتشار محتمل للعنف والمقاتلين عبر الحدود، مما قد يدخل المنطقة برمتها من الصومال شرقًا إلى أقصى نقطة في غرب القارة في دوامة من الفوضى والصراع.

وعلى الرغم من أن السودان كان يعمل كحاجز مانع بين المتشددين المتطرفين في الصومال في القرن الإفريقي وأولئك في منطقة الساحل، فإن الحرب الجارية قد تخلق أرضًا خصبة لإقامة تعاون بين الجماعات المسلحة المتطرفة في جميع أنحاء منطقة الساحل والصحراء الشرقية والغربية. وهذا الوضع قد يخلق ظروفاً مواتية لانتشار التطرف العنيف في المنطقة، وخاصة بالنظر إلى تاريخ السودان كمصدر سابق للصراعات العنيفة ذات الدوافع الدينية والأيديولوجية.

ولا يمكن أن يصبح انتشار التطرف والاتجار بالأسلحة مصدر قلق فحسب، بل إن تورط العديد من الجهات الفاعلة غير الحكومية هو احتمال وارد أيضاً، حيث تتراجع قدرة الحكومة السودانية على السيطرة على حدودها وإدارتها بسبب الحرب المستمرة. كما أنه من المرجح أن الأنشطة المتعلقة بالجريمة المنظمة عبر الحدود، بما في ذلك تهريب الأسلحة، ستستمر في الانتشار ما لم تُبذل جهود لاستعادة السلام واستقرار المؤسسات الحكومية في السودان.

رابعًا: تداعيات الحرب على أمن منطقة القرن الإفريقي وشمال إفريقيا

إن الأزمة السودانية لها تأثير كبير على معادلة الأمن في منطقة القرن الإفريقي والمناطق المجاورة لها، نظرًا لموقع السودان عند مفترق الطرق الجيواستراتيجي للقرن الإفريقي ومنطقة الساحل، وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، والشرق الأوسط، وإطلالته على البحر الأحمر. كما تشترك حدوده مع العديد من البلدان، بما في ذلك جمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد ومصر وإريتريا وإثيوبيا وليبيا وجنوب السودان، ولهذا تهدد الحرب بآثار جانبية عبر الحدود في جميع أنحاء المنطقة.

إن عدم استقرار السودان يجعله ملاذًا آمنًا للجماعات المتطرفة في القرن الإفريقي والساحل (مثل حركة الشباب في الصومال وتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي) لإنشاء شبكات وتنسيق عملياتها عبر الحدود المشتركة. ونظرًا لتاريخ السودان في التسعينيات من القرن الماضي في دعم الجماعات الإسلامية المتطرفة واستضافة أسامة بن لادن، مؤسس وزعيم تنظيم القاعدة، إلى جانب موقعه الجغرافي المهم وضعف إدارة الحدود والمراقبة، فإن الصراع في السودان من شأنه أن يقوض الجهود التي بذلتها الجهات الفاعلة الإقليمية والدولية لمعالجة الأنشطة الخطيرة للمتشددين المتطرفين في المناطق الفرعية الجيوسياسية المذكورة أعلاه.

إن زيادة الحركة وتراجع مراقبة الحدود بسبب الصراع في السودان، من شأنه أن يخلق ظروفًا مواتية لانتشار الجريمة المنظمة، بما في ذلك تهريب الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة، وتهريب المخدرات، والاتجار بالبشر، وغسيل الأموال، والتي قد يكون لها تأثير جانبي عبر القرن الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء.

وقد يتحول الصراع في السودان إلى حرب بالوكالة في ظل المنافسة والتنافس بين القوى الدولية والإقليمية على النفوذ والوصول إلى منطقة القرن الإفريقي. وقد تتورط بعض الجهات الخارجية في دعم أي من الجانبين المتحاربين في الصراع في السودان، الأمر الذي من شأنه أن يعقد عملية صنع السلام في البلاد.

خامسًا: ليبيا المتضرر الأكبر ضمن دول شمال إفريقيا

انعكست تداعيات الحرب في السودان على الداخل الليبي لتزيد من تعميق أزمته الداخلية، وذلك من خلال مظاهر واضحة أهمها: تدفق اللاجئين السودانيين بأعداد ضخمة نحو الجنوب الليبي، بالأخص مدينة الكفرة، حيث وصل عددهم على أقصى تقدير 400 ألف لاجئ، في وقت لا تمتلك فيه الدولة الليبية بنية تحتية تستطيع من خلالها تقديم الخدمات الأساسية لكل هذه الأعداد.

من جهة أخرى، هناك احتمال انتقال الاشتباكات للداخل الليبي، وإن كانت طفيفة وغير مؤثرة في الوقت الحالي، لكنها مرشحة للتصعيد والانتقال لمرحلة أعقد مع الاستمرار المتواصل للمعركة في دارفور على الحدود مع ليبيا. وأخيرًا، فإن الضغوط الدولية من خلال مندوب السودان في مجلس الأمن، والذي اتهم حفتر وقواته بتقديم الدعم اللوجستي والعسكري والنفطي لقوات الدعم السريع، قد تسهم في جعل ليبيا في وضع الحياد وتحول دون تحولها إلى مسرح جديد من الصراع في ظل حالة الانقسام والاستقطاب الذي يعيشه هذا البلد.

هذه التطورات يجب أن تدفع كل الفرقاء الليبيين على المستوى الرسمي والشعبي، في شرق وغرب البلاد، التزام الحياد للتوقف عن تقديم هذا الدعم الذي يؤجج الحرب في دولة جوار، بما يهدد الأمن القومي الليبي وبالتالي تهديد أمن منطقة شمال إفريقيا.

ومن المرجح أن تنعكس هذه الحرب بشكل أكبر في الفترة المقبلة على الأمن القومي الليبي، مع اشتداد المعارك في دارفور، حيث سيصبح جزء كبير من الجنوب الليبي مسرحًا لهذه الحرب. كما أن سيطرة ميليشيات كيفما كان نوعها على دولة جوار لا يصب بالتأكيد في صالح ليبيا، وسيجعل الأخيرة وكل المنطقة في حالة عدم استقرار، لتحول دون تحقيق أي تقدم سياسي أو اقتصادي لدول المنطقة.

سادسًا: زيادة دينامية الجماعات الإرهابية في شمال إفريقيا

إن استمرار الأزمة السودانية قد يدفع الجماعات الإرهابية إلى تكثيف أنشطتها في المناطق الحدودية بين تونس والجزائر. وتتمركز هذه الجماعات في جبال الشعانبي في تونس وعلى طول المناطق الحدودية الجزائرية الليبية حتى شمال مالي.

 وفي ظل هذه الظروف، تزداد احتمالات وقوع هجوم مماثل لذلك الذي وقع في عام 2013، والذي استهدف منشأة للغاز في منطقة تيقنتورين الجزائرية. وللعلم فإن نقطة انطلاق المهاجمين لهذه العملية كانت المنطقة الحدودية بين النيجر وليبيا. وتستشهد الجماعة الإرهابية بالتدخل العسكري الفرنسي “سرفال” في مالي كمبرر لهذا العمل الإرهابي. إن حل الأزمة السودانية لابد أن يتم من خلال تجنب أي تدخل عسكري أجنبي، وهو ما يعتبر أحد الأسباب الرئيسية لتفاقم الأزمات المختلفة في المنطقة.

للتذكير فقط، فإن انتشار هذه الجماعات الإرهابية أصبح أمرًا متيسرًا في ظل الحرب السودانية، حيث بإمكان العديد من التنظيمات الإرهابية كداعش والقاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وحركة الشباب الإسلامي وبوكو حرام وكذا بعض الجماعات الانفصالية كجبهة البوليساريو أن تستفيد من واقع الفوضى وانتشار الأسلحة والتنسيق مع المجموعات الإجرامية واستغلال هشاشة الحدود وصعوبة مراقبتها للقيام بدعم شبكة خلاياها الإرهابية والإجرامية واحتمال قيامها بعمليات ارهابية واسعة النطاق.

خاتمة

إن تحقيق مقومات السلام وعودة الاستقرار للسودان يكمنان في تعضيد الوحدة الوطنية وتجاوز حالة الحرب والصراع، على أساس أن الكل خاسر في السودان وأن الشعب السوداني هو من يدفع ضريبة تهافت الفرقاء السياسيين على السلطة بإيعاز وتدخل من الدول الأجنبية.

لا شك أن الحرب السودانية تسهم بشكل واضح في تعزيز النظرية الانقسامية أو الانشطارية في المنطقة، بل وتمتد انعكاساتها السلبية على منطقة دول الساحل جنوب الصحراء، ودول شمال إفريقيا، حيث أن كل التوقعات تصبح ممكنة في غياب دول قوية مركزية قادرة على تقديم الخدمات لشعوبها وعلى مراقبة الحدود كما هو الشأن بالنسبة لغياب مؤسسات سياسية وأمنية موحدة في ليبيا.

إن سيادة منطق الميليشيات في الإقليم من جراء الأزمة السودانية، قد يضاعف من حجم الفوضى في دول شمال إفريقيا، خاصة مع احتمال تسلل الجماعات المتطرفة و مجموعات الجريمة المنظمة عبر الحدود الخارجة عن نطاق السيطرة، واستمرار تدفقات اللاجئين، مما يشكل تهديدًا مباشرًا للتركيبة الديموغرافية لهذه البلدان، و يفسح المجال للمزيد من مشاريع الانفصال كما حصل في السودان، مما يعرقل كل ممكنات التنمية في هذه البلدان، ناهيك عن الطموحات الغربية و مخططات بعض الدول الإقليمية كإيران وإسرائيل للعبث بخرائط الإقليم مع إعادة انتشار الجماعات المسلحة و المتطرفة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *