5 خطوات لخروج السودان بأقلّ الخسائر وانقاذه من الانهيار أو تشـظي وانقسـامٍ محتمل
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


السفير جمال محمد إبراهيم
سفير سوداني سابق ــ كاتب ومحلل سياسي
بعد إسقاط نظام “الإنقاذ” في السُّودان ذي التوجّهات الإســلاميـة، والذي سـيطر على البلاد لثلاثة عـقـود، وأنهـتـه هـبّة شــعبية في ديسمبر من عام 2018م، فإن عــدم الاستقرار صار السّمة الغالبـة التي لوّنت السّــنوات الخمـس مـن 2019م، وإلى ساعة نشوب الحرب الأهلية الداخلية المتواصلة منـذ أبريل من عــام 2023م، دون أفق واضح لنهايتها، وقد قضت على أخضر السّـودان ويابسه. أمّا سكان البلاد فهـم بيـنَ قــتـلى وجـرحى بالآلآف، ونازحـين في الداخـل ولاجـئـين بالخارج يحصون بالملايين، هـرباً من قتالٍ لا يـد لهم فـيه، إلى ملاذاتٍ ظنّوها أمـنـة داخل البلاد، فتعرّضوا لمخاطــر السـقـم والجوع.
يحيلنا ذلك الواقع بالضرورة للتقصّي عن جــذور تلـك الأزمــات المتتالية التي عصفت بالسودان منذ أن استقل عـام 1956م، وأوصــلـتـه الاضطراباتُ وعــدم الاستقرار، إلى حربٍ مدمّرة منذ منتصف أبريل 2023م. ولعلّ عــدم الاســتقرار التاريخي في بنية الدولة السودانية الحــديثة، عائد إلى طبيعة التمـازج المتعـثر في حزام السودان التاريخي بين مستعربين، ومجتمعات إفريقية . كانت للمجتمعات السودانية التي تساكنت حول وادي نهـر النيل، امتــداداتها في الشــمال الإفريقي بثقافاته العـربية والإسلامية، مثلمـا كان لمجموعات أخــرى امتداداتها أواسط القارة الإفريقية. تلـك أوضاعٌ أفرزتْ واقعاً لثنائية تجذّرتْ في جغرافـية السودان كما في تاريخـه.
نشأ قبل نحو خمسة قرون تحالف ثنائي بين طوائف من مستعربين وأفارقه، متساكنين في قلب وادي النيل، “مملكة سِـنَّار” التي تشكلت منذ 1505م، واستقر حكمها لثلاثمائة عام (2 يوسف فضل)، وكانت نهايتها بيد قوات بعث بها محمد علي باشا عام 1820م. وقتها تشكل الكيان الجنيني للسودان الحالي. سيطرت مصر بإسم الخلافة العثمانية على السودان، بثنائية مصرية ـ تركية، حكمت البلاد لنحو ستين عامًا. ولكن بعد ثورة السودانيين على المستعمر التركي ـ المصري، نجح الإمام المهدي في إنشاء دولة المهدية المستقلة، ولكن تمكنت مصر بالاستعانة ببريطانيا على استعادة السيطرة على السودان من جـديد، في عام 1898م.
وهكذا ومنذ عام 1898م، بقي السودان تحت “الحكم الثنائي” ، شــراكة شبه شكلية بين بريطانيا ومصـر، ولكن بقيت السيطرة الفعـلـية لبريطانـيا. تلـك كــانت حـقـبة “ثنائية مصر وبريطانيا” التي استمرت لستين عامًا وانتهت بنيل السودان استقلاله عام 1956م.
تلك ثنائيات تجلت بوضوح في تاريخ الـبلاد، خلال القـرون الثلاثة الأخيرة، هي التي تشكّل مفاتيحَ تعـيـن في فهـم طبيعة الإضطـرابات التي أخذت بخناق السَّـودان من أزمة إلى أخرى، وتقلبت خلالها أنظمة حكمه بين مدنيين وعسكريين حتى ساعة اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023م.
سنعرض لمسيرة السودان، اضطراباته وأزماته، وننظر في أخطرها، وهي الحرب التي اندلعت في أبريل عام 2023م، والتي بقي المجتمع الدولي وإعلامه منشغلاً عنها بحروب أخرى، واكتفت بعض أطرافه باهتمام خجول بوقائعها، فيما السودان مهدد بالتفكك والانقسام، وسنرى في خاتمة تحليلنا، إن كان ثمّة مخرج.
ثنائيات واضطرابات متـوالية: -2
مع أنّ السودان من أوائل الدول الإفريقية جنوب الصحراء التي نالت اسـتقلالها عام 1956م، لكن لحق بتركيبة مجتمعاتها وثنائياتها المُربكة، اضطراب وعــدم استقرارٍ لم يقفا عند نهاية. في العقود الثلاثة الأخيرة اســتولى الإسلاميون على إدارة البلاد في عام 1989م، وامتدتْ لثلاثين عاماً، نظاماً شمولياً قابضاً إلى ساعة إسقاطه عام 2019م. حفلَ نظام “الإنقـاذ” بسوء إدارة وفســاد وحــروبات، انفصل بعدها جنوب السودان في عام 2011م. لحق بأزمة دارفور التي بدأت في 2003م، تصعيدٌ مع أطراف في المجتمع الدولي ومع منظمة الأمم المتحــدة والمجتمع المدني غير الرسمي. فيما عجــز نظام “الإنقـاذ” عن حلحـلة أزمــاته ومال أخيراً لمواجهة معارضيه بالعنف المفرط وبألة الحــرب دمارًا داميــاً في دارفـور . إعـترف رئيس البلاد في تعبير عفوي أن عـدد ضحايا حــرب دارفــور، تجــاوز الثلاثمائة ألــف مــن سـكان الإقلـيم، فأدت جسامة ذلك الاعتراف إلى تشديد الضغوط لملاحقة رئيـسه الجنرال عمر البشير للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية، بتهـمة شن حـرب إبادة جماعية في دارفور. ذلك الجرح الدامي غــربي السودان ترك البلاد عرضة لانفصال جديد.
إنّ انسداد أفق الحلول للأزمات الماثلة -وأهمها أزمة دارفور-ومع سوء إدارة البلاد والقمع المُفــرط للحريات وتفشّي الفســاد، دفعت جميـعـها بالسُّـودانيين إلى ثـورة شـــعبية، حاصرت نظـام “الانـقاذ” بالتظاهـرات والعصيان المـدني منـذ أواخر عــام 2018م، وبعد انحياز ضباط كبار في الجيش وفي “الدعم السريع”، نجح في إقصاء الجنــرال البشير عــن رئاسة البلاد في أبريل من عام 2019م. تلــك كانت بداية تلاقي القـوى المدنية مع القــوى العسكرية لاستشراف فترة انتقاليـة لإدارة البــلاد.
3 -إستعصاءات الانقلاب على مدنية الثورة:
بعد نجاح تلك الثورة الشعبية، تمّ التوافق بمساعٍ من ممثل الاتحاد الإفريقي وممثل الحكومة الأثيوبية، على وثيـقـة دستورية مؤقتة في أكتوبر من عام 2019م، تولى بموجبها ممثلو المكوّن العسكري بقيادة الفريق البرهان مجلس السيادة في السودان، فيما تولى المكوّن المدني حكومة رئيسها خـبير دولي سوداني مستقل هو الدكتور حمدوك. ودون الخوض في تفاصيل ما وقع بعد ذلك من عدم تجانس بين المكونين العسكري والمدني، بعدت الشقة بين الحكومـة المدنيـة والمجلس السيادي الذي يرأسه الفريق البرهان. قام قائـد الجيش بانقلاب أبيض حلّ بموجبه الحكومة المدنية في 25 أكتوبر عام 2021م، وألغى فعلياً تلــك الوثيقـة الدستورية المؤقتة التي فصّلت إدارة الفترة الانتقالية. من تداعيات ذلك الانقــلاب الأبيـض، أن بعُـدت الشقة بين الجنرالين ثم أعقبها مسلسل عزلة السودان، إذ أعلن الاتحاد الإفريقي وفق ميثاقه تعليق عضوية السٌّــودان في الاتحــاد بعدها دخل السودان إلى النفـق الأسود باتساع دوائر الخلافات بين المكوّنين المدني والعسكري. شهدت العاصمة الخرطوم تظاهرات مناهِضة للإنقــلاب، نظمتها أطراف في المكون المدني يقودها “تحالف قوى والتغيير”، وهو كيان سياسي ضم أحزابا تقليدية ومنظمات واتحادات مذنبة في مناهضة قوية لانقلاب قائد الجيش. ثم احتدت الخلافات بين الجنرالين قائد الجيش وقائد مجــندي “قوات الدعم السريع”.
خــلافات الجنــراليـن: – 4
تداعى وسطاء في الداخل والخارج لتلافي الانشقاقات بين مكوّنات السـاحة السياسية في السودان بين مدنييها وعسكرييها، بجهود حادبة من سفارات وسـفراء من دول عربية شقيقة ومن دول غربية ومبعوثين من الولايات المتحدة، لكن ظلّ التعثّر ملازماً لمساعي كلٍّ من الاتحاد الإفريقي ومنظمة “إيقـاد” المعنية بالتنمية في شــرق إفريقيا، مثلما خفـَتَ صوت الأمم المتحدة وأيضاً صوت الجامعة العربية. لكن حين اقـتربت المساعي للتقـليل مـن حدّة الخلاف والتوصل في أواخــر عام 2022م، لتوافـق حول اتفــاق إطاري، قُـدّر له أن يعيد الروح لمقــرّرات الـوثيقـة الانتقالية لاستئناف مسيرة الفترة الانتقالية، إلا أنّ ذلك التوافــق اصطدم بعـقـبة كؤود تتصل بكيفية دمج جميع القوات المسلحة، لكي يكون للبلاد جيشٌ وطني واحد. تصاعد الخلاف وتوترت العلاقات بين الجنرالين: الفريق البرهان قائد الجـيش الرسمي، والفريق “حميدتي” قائد مجندي “قوات الدعم السريع” غير النظامية.
خرج الصراع الخفيّ بينهما إلى العلن، ولم تفلح وساطات النوايا الحسنة من الداخل ومن الخارج في احتوائه . خلال فترة التصعيد، سـعى خلالها الجنرال غــير النظامي “حميدتي”، إلى تعزيز وجود قواته في مواقع سيادية حسّاسة في العاصمة، كما بادر بالقيام بزيارات خارجية باستقلالية لم تغب عن نظر قائد الجيش، مثل زيارة قام بها قائد “قوات الدعم ” وهو نائب البرهان، إلى موسكووهي منشغلة بالحرب ضد أوكرانيا.
ثم احتدم الصراع بين الجنرالين، ليتحوّل بعد منتصف أبريل من عام 2023م، حرباً ضروسًا بينهما… أما قائد الجيش فقد واصل تعزيز قبضته السياسية على إدارة الدولة، دون شرعية وأجبرته الحرب المدمرة للخروج إلى مدينة بورتسودان ميناء الدولة لتكون عاصمة بديلة للبلاد، لكنه عجز عن تشكيل حكومة تدير البلاد وبقيت في عزلة شبه دولية وإقليمية خانقة. وهكذا بقيَ السُّودان لأكثر من عشرين شهراً بلا حكومة، فيما وقفت مساعي المجتمع الدولي والإقليمي ومنظماته تراوح مكانها، لتزيد معاناة السّـكان الذين توزّعوا على دول الجوار نزوحًا ولجوءًا، ومن بقي بالداخل طحنتهم الحرب، وترديهم قلة الغذاء والعلاج في أوضاعٍ إنسانية مريعة. أما المهتمين في المجتمع الدولي، فقد تراجعت في قائمة أولوياتهم واهتماماتهم، خاصة بعد اتساع رقــاع الحرب في روسيا وفي إسرائيل. تراجعت حرب السودان إلى أدنى أولويات المجتمع الدولي لانشغال أجهزته وقنواته بمتابعة مجريات الحربين في روسيا وإسرائيل. صارت بعدها حرب السّــودان “حرباً منسية”، لا مبررات سياسية تنهيها ولا تدخلات إنسانية تنجح في وقف حربٍ مدمّرة أهلكت الآلاف وشردت الملايين، بأكثر ممّا حصدت حرب روســـــيا وأوكرانيا من أرواح، وما شــرَّدت من نازحيــن ولاجئين.
5– أدوار المجتمع الدولي والإقليمي
لقد التحق السودان عضواً فاعلًا في الأمم المتحدة فوراستقلاله في ينــاير من عــام 1956م، وكان أول مبادر لإنشاء المجموعة الإفريقية داخـل الأمــم المتحدة أوائل ستينات القرن العشرين. كان للسودان دور بارز وإيجابي في تنفـيـذ قـرار الجمعية العامة المعـروف بالرقم 1415 للقضاء على ظاهرة الاستعمار، وأقرّ حــق الشـعـوب في تقرير مصائرها ونيل استقلالها لموقع السّـودان الاستراتيجي في إقـلــيم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد استثمر ثنائية انتمائه المزدوج، فكان فـور اســتقلاله تاسـع دولة تنضم لجامعة الدول العربية عام 1956م، كــما كان من مؤسّسي منظمة الوحـدة الإفريقية في أديس أببا عام 1963م، تلك أمثلة لنعـمــاء فعالية السودان في إقليمه.
لكن كيف تنظر الأمم المتحدة وهي المنظمة الأممـيـة الأولى-ومعها هـاتان المنظمتان الإقليميتان-لأوضاع السودان الذي استغرقته الأزمات والاضطرابات منذ استقلاله، ولم يبرأ من عثراته إلى الساعة، ثم هو يغرق في حرب أهلية تركته عرضة لأطماع طامعين في الداخل والخارج؟
من التطورات المؤسفة لبلد مثل السودان، والذي نال اسـتقلاله في السنوات الوسيطة من القرن العشرين، أن تشهد أحواله تشظٍ مُحتمل وهو من بين أكبر دول القارة الإفريقية مساحة، وأكثرها سكانًا، بل وأغناها موارد وثروات طبيعية. يقع ذلك التشظي بأيدي سودانية، وأيضاً بتورّط بعض الســودانيين وكلاء عــن طامعين غرباء. لكن ماهو أخطر هو ما قد يترك ذلك من آثار على بلدان أخرى في الإقليم، تنتقل إليهاالاضطرابات وتتسع بما يهـدد السّـلم والأمــن في الإقليم.
الأمم المتحــدة: دور آفـل: أ)
فيما يستعيد المجتمع الدولي في عام 2025م، الذكــرى الســبعين لمؤتمـر باندونج” بإندونيسيا عام 1955م، الذي جمع زعماء العالم الثالـث، بما عـرف تاريخياً بكتلة عدم الانحيــاز. كان ذلك عاماً التقى فيه ضعـفاء العـالـم فكانوا صنو أقويائه. لكن كأنّ إرادة المجتمع الدولي لضمان تضامن أطرافـه وتماسك تعاونه، قـد ولــدت عاطلة كسيحة، إذ ما أن نال ضعـفاء وفقراء العالم استقلالهم وتخلصوا من قيود الاستعمار، حتى استفحل ذلك الكساح فقلل من قوة ضوابط المجتمع الدولي وفعالية آلياته لضبط الأمن والسلم الدوليين،عبر حقبة الحرب الباردة وما تلاها من حقب ساخنة .
في السنوات الماثلة، تجلّى ضعف أداء الأمم المتحدة ومجلس أمنها مؤخراً حيال الحروب الثلاثة التي شهدها العالم ولا يزال، في كلٍّ من أوكــرانيا (فبراير 2022م) والسُّـودان (أبريل 2023م) وفلسطين المحتلة (أكتوبر 2023م).
إن تواصل القتال في هذه الحــروب الثلاثة لأشــهر طوال، يؤشّــر- ليــس لضعـف إرادة المجتمع الدولي وقدراته لاحتوائها فحسب – بل لأنه يضمر استخفافًا بميثاق الأمم المتحدة ومبادئه وقراراته وأدواره يقف المجتمع الدولي وتحت بصر الأمم المتحدة، أمام حالٍ عادتْ فيها غطرسة أقــوياء العالم على ضعفائه من جديد. إنّ حرب روسيا التوسعية ضد أوكرانيا، تغذيها مطامعها في ثروات جارتها، وحرب السودان الملتهبة تزيد نيرانها أصابع أجنبية طامعـة، ثمّ حـرب تشنها إسـرائيل لتقتل الرجال والنساء والأطفال وهي لا تزال طامعة في إبادة ما بقيَ من الشعب الفلسطيني المشرّد منذ سبعٍ وسبعين عامًا.
لقد كانت للآمم المتحدة أدوارٌ إيجابية محدودة في السّودان، خاصة في ملف مشكلة جنوب السودان، لكن كانت لمشاركة أطراف أخرى من المجتمع الدولي، مثل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا والولايات المتحدة والنرويج، أدوارٌ أكثر فعالية.
ولقد بذلت الأمم المتحدة جهودًا لإيقاف القتال الناشب في دارفور بين قوات الحكومة والحركات المسلحة المعارضة لها، لكن ظلـت أزمة دارفـور تراوح مكانـها. أمّا دورها في الفترة الانتقالية لاستعادة الحكم المدني بعــد إسقاط نظــام “الانـقـاذ”، فيكفي أن نشير إلى أن الجنرال البرهان كان له دور في صراعه مع الحكومة المدنية فقام بطرد ممثل الأمم المتحدة الذي استقدمته تلك الحكومة إلى السّودان لمساعدة ترتيبات الفترة الانتقالية.
ب) -دور الاتحاد الإفريقي:
كان للاتحاد الإفريقي دور إيجابي بعد سقوط نظام “الإنقاذ” في أبريل من عــام 2019م، إذ بعث بممثل له عالي المستوى لتقريب بين الطرفـين المدني والعسكري وجهات النظر حول ترتيبات إدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية التي قدر لها أن تعيد الحكم المدني في السودان.
لعب ممثل الاتحاد الإفريقي بصحبة ممثل إثيوبيا دوراً مهمًا في السودان لإجازة الوثيقة الدستورية المؤقتة في أكتوبر 2019م، لإدارة الفترة الانتقالية .
غير أن اضطراباً شاب أداء الدولة في السودان، بسبب ضبابية اكتنفـتْ الوثائق الدستورية والقانونية التي صيغـتْ لحكم الفترة الانتـقالية، ممّا أسفر عن ثغرات وتوتراتٍ وتضاربٍ واختلافات، خاصّة فــيما يتصل بإحلال السلام في ربوع البـلاد، وباقي الملفات الأمنـية والاقتصــادية المتصلة به. تلك الضبابية تركـتْ كلا المكـوّنين يسعيان لإخفاء ذلـك الاضطراب، فيما لم تحقق مساعي الوسطاء الآخرين نتائج تذكر.
- جـ) دور الجامعة العربية:
لم تكن الجامعة العربية أفضل تفاعلًا مع الحالة السودانية بعد انقــلاب 25 أكتوبر في السودان. لم تظهر دورًا إيجابياً يذكر، فيما سارت الأمور إلى تصعـيـد ترك السودان غارقاً في صراعاته وتنافــس أطرافه على السيطرة السياسية، والتي تحولت إلى حربٍ ضروس في عام 2023م. ظلَّ السّودان حاضراً في اجتماعات الجامعة العربية وقممها الراتبة، ولكن لم يتجاوز دورها المناشدات والنداءات لوقف الحرب التي ظل يدفع ثمنها الشعب السوداني . غير أن لبعض أعضاء الجامعة العربية، مثل السعودية وقطر والإمارات، مساعٍ في الشأن السوداني، لكن بقي دور دولة الإمارات ملتبساً لاتهام الحكومة السودانية القائمة بأمر الواقع لها بمساندتها لـِ “قوات الدعم السريع” التي يصفها الجيش بأنها متمرّدة على الجيش الرسمي للدولة.
د) دور دول الجوار السوداني
بالرغم ما لمصر من علاقات تاريخية عميقة مع السّـــودان، إلا أن القاهـرة التزمت بموقف المراقب الحذر وإنْ ظلت على تواصل مع القيادات السياسية والعسكرية في السودان. ربما لحساسية ملف “ســد النهضــة” التي تسارع الجارة إثيوبيا لإنشائه في منطقة منابع النيل الأزرق في أراضيها، لكن ظلت كل من مصر والسودان تبديان تحفظات حقيقية حوله. لربما لم تُظهـر مصر حماساً للتواصل في الشأن السوداني الداخلي وهي ترصد مساعي إثيوبيا للتوسط خلال عام 2019م، في حلحلة الأزمة في السودان.
إكتفتْ مصر وقتذاك بتقديم نصحٍ ناشــدتْ بموجبه جمـيع الأطــراف السودانية، ألا تجنح لتصعيد الخلاف فيما بينها. لقد كان لافتاً بعد انقـــلاب الجنرالات على المكوّن المدني، أن صدرت بيانات لادانته من العديد من الدول الغربية، تصدرتها الولايات المتحـــدة، وذلك بعد أن أبدت دولٌ عربيـة منها الممـلكة العربية السعودية ودولة الإمارات، رفضها لما وقع في السودان والدعــوة للحــوار والرجوع للوثيقة الدستورية المؤقتة، غير أن مصر لم تكن جزءاً من الحراك.
ظلت مصر في موقف المراقب الحذروعلى مسافة من تطوّرات الأمـور في الســودان، ولم يتبلور لها دورٌ مُباشـــر في مساعي البحث عن الاستقرار في ذلك البلد، وكأنها تستحضر خطأ مسارعة القاهرة لتأييد إنقلاب الإسلاميين في الذي وقع في عام1989م، فانساقت أكثر الدول ترى أحوال السودان بمنظار مصري للترحيب بانقلاب السودان. بعد أن تكشفت طبيعة ذلك الانقــلاب فراجعت مصر موقفها منه، وبلغ الجفاء وفتور العلاقات في تسعينات القرن الماضي أقصاه. .
أما إثيوبيا الجار الشرقي للسودان فقد كان لها الدور اللافت مع ممثل الاتحاد الإفريقي الذي سبق ذكره ، في التوسط لإجازة الوثيقة الدستورية المؤقتة. أما بعد اندلاع الحرب بين الجيش الرسمي للدولة مع قوات الدعم السريع”، فقد استقبلت إثيوبيا أفواجًا من السودانيين الذين أجبرتهم تلك الحرب على النزوح واللجوء في بلدان الجوار. لكن المشاكل الحدودية التاريخية بين البلدين ألقت بظلالها وبان ذلك في تراجع اهتمام إثيوبيا بأزمة السودان، علاوة على انشغال القيادة الإثيوبية بصراعاتها الداخلية. ظلت بقية دول الجوار الأخرى، وهي ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى ودولة جنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا، تستقبل أفواجاً بالآلاف مــن السودانيين الفارّين جرّاء تلك الحرب الطاحنة.
مصر مؤتمر الجوار السوداني: هـ)
بادرت القاهرة بالدعوة لمؤتمر قمة دول الجوار السوداني في يوليو من عام 2024م، للتداول حول إيقاف الحرب في السودان والتنبيه بخطورة الأوضاع الإنسانية المتردية في السودان. شاركت الدول الست المعنية ومصر صاحبة الدعوة وبحضور كلٍّ من رئيس الاتحاد الإفريقي وأمين عام الجامعة العربية. تم التاكيد على سيادة السودان ووحدة أراضيه وعدم التدخل في شؤونه الداخلية، كما أكد على أهمية الحفاظ على سلامة الدولة السودانية ومؤسساتها. نوَّه بيان القـمــة على النواحي الإنسانية وتشجيع الحوار السياسي، كما قضى المؤتمر بتشكيل آلية من وزراء خارجية دول الجوار لمتابعة مقررات المؤتمر. لكن تفاعلات الحرب لم تترك مجالاً لمساعي بلدان جوار السودان لبلورة إجراءات عملية ، ولم تسفر بلدان الجوار من فعالية تفضي لاجراءت ملموسة .
6- ما يتطلبه الظرف الماثل : رؤية
نوجز فيما يلي، ومن واقع تطوّرات الأزمة السّـودانية والتي تركت هذا البلد على شــفير انهيار كامل، وربّما تشـظٍّ وانقسـامٍ محتمل، قــراءة للـمـاثل والمآل، لتعزيز الخروج بأقلّ الخسائر من مثل هــذه الصراعات والحروب التي عصفت به:
أولًا: لقـد عكست الأزمـة السُّودانية الحالية عمق وتعـقـد حالاتها، بما يحيلـنا إلى ضرورة النظر في تاريخ تشكّل الدولة السودانية المستعصي، وفي تعدّد مكوّنات مجتمعاتها وثنائيات تحولاتها. ولقد أوضحنا ما اكتنف ذلك التنوّع من ضبابية لم تتح للنخب الحاكمة خلاله استبصار نعماء ذلك التعدّد والتنوّع، فأفضت إلى نقمة من تشكّلٍ سـلبي بين انتمائين إفـريقي وعربي، فلم يهتـدِ السودانيون عبر مسيرة في التاريخ والجغرافيا، إلى ما يجمعهم ليكونوا أمّـة ليست عربية أو إفريقية – بل أن تميّز نفسها “أمّــة سودانية” متماسكة فحسب.
ثانيًا: لا بدّ أن تدرك النخبُ السّودانية أنّ ظاهرة الازدواجية والثنائية التي صبغت تاريخ بلادهم، لن تساعد بيـن يوم ولـيـلة في تشكّلِ الإحساس بالانتمــاء لأمّــة “سـودانية”غرقت في تصارع مكوّناتها، وأن ذلك لن يتحقق إلا عبر مسيرة تتعاقب فيها أجيال بعد أجيال، ونخب بعد نخب. تكفي نظرة لحال الأمم المستقرة في أوروبا وأمريكا وآسيا فإنها أكملت تماسكها أممًا راسخة بعد مجاهدات وصراعات وحروب وقتال.
ثالثًا: إنّ للتعاون الدولي الذي يجمع الدول والبلدان، قيمًا مثالية ترجمت لاتفاقيات ومواثيـق دولية ملزمة. إلا أنّ العـيش المشترك قد يتأثر سلبًا في ظـلِّ تحدياتٍ وقضايا تواجه العالم بأسره ، مثل تحوّلات المناخ والاستحرار وتزايد السّــكان وتناقص الموارد الطبيعية وغيرها. إمّا وقع تقاعسٍ عن التعاون لمعالجة هـذه الملفات لربما ينفتح الباب لتنافس دولي وإقليمي، تتسع جراءه الشّـقةُ بين أقوياء العالم وضعـفائه فتقع صراعات مهلكة. لن يسلم بلــد مثل السُّـودان كما هو الحال في الحرب الماثلة فهي وجه من حروب الموارد والتنافس على النفوذ .
رابعاً: إن العالم مقدم على مرحلة تراجعت فيها القـيادات الملهمة، مثل تلك التي أوقفت الحرب العالمية الثانية عام 1945م، وأعادت الأمن والسلام باعتماد قـيـم راسخة ومباديء مستدامة لتعاون دولي مثمر، إلا أنّ التحولات التي اجتاحت العالم من انفتاحات وعولمة، ستحيلنا لمراجعات لازمة تضبط سلبيات ذلك التعاون وتحدَّ من تغولات وتنافس وصراعات من أطراف في ذلك المجتمع الكوني.
خامساً: يبقى على السُّــودان، إنْ كُتبَ له أن يبرأ من جـراحـاته، أن تكــون له القــدرة على التـفاعل الإيجابي لاستبصار مصالحه قبل مصالح الآخـرين، فيكون “التعارف” بين الشعوب في معـناه الـديني والدلالي الأوســع الـذي جـاء في القرآن الكـريم ، تبـادلاً متوازناً وتعـاوناً مشتركًا، لا نهـباً فيه لـمـوارد بـلـد، ولا استخفافاً فيه بشعب أو أمّـة.
