40% من حالات المجاعة العالمية في السودان وقصف سد جبل الأولياء وتدمير سد مروي جرائم حرب الدعم السريع
the Flag of sudan in the world map
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د. عباس محمد شراقي
أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية كلية الدراسات الإفريقية العليا – جامعة القاهرة -مصر
أدى الصراع الشرس في 15 أبريل 2023 م، بين الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان وقوات “الدعم السريع” بقيادة النائب السابق محمد حمدان دقلو (حميدتي) بتدمير البنية التحتية الهشة أساسًا في السودان، وأدت سيطرة قوات “الدعم السريع” على عدد من المواقع العسكرية في الخرطوم، وبعض الولايات السودانية خاصة الجزيرة، والسيطرة على سد جبل الأولياء، والتحكم في بعض قنوات الري، والأراضي الزراعية وقطع الطرق، والهجوم على محطات الطاقة، والجسور، ومنشآت حيوية مثل سد مروى، ومهاجمة بعض الأحياء إلى مقتل آلاف السكان، وتشريد الملايين سواء داخل السودان أو إلى الدول المجاورة أو الأجنبية، ودفعت العديد من السودانيين نحو شفا المجاعة، وتهدف هذه المقالة إلى إلقاء الضوء على الموارد المائية في السودان، وكذلك أهم المشروعات الزراعية، وتأثير الصراع الدائر عليها.
مناطق سيطرة الجيش والدعم السريع:
سيطرت قوات “الدعم السريع” على بعض المناطق في جنوب البلاد وغربها، وفي مختلف ولايات دارفور، وغرب وشمال كردفان، والجزيرة والنيل الأبيض، وأجزاء محدودة من الولايات الشمالية وشمال دارفور والقضارف وسنّار، ومنذ بدء الصراع على القصر الجمهوري في الخرطوم، والتي كانت تتولى حمايته قبل الحرب، وعدد من الوزارات، ويُحاصر المنطقة العسكرية وسط العاصمة ومطار الخرطوم الدولي، ومنطقة سد جبل الأولياء (شكل 1)، بينما يسيطر الجيش على معظم الولايات السودانية منها الولايات الشمالية (وبها سد مروى، ونهر النيل)، والولايات الشرقية (البحر الأحمر، وكسلا، والقضارف)، وولايات سنار وبها سد سنار، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق وبها سد الروصيرص، وولاية جنوب كردفان، ومع بداية العام الجديد 2025م، اقترب الجيش من السيطرة الكاملة على الخرطوم في تفوق واضح استرد فيه العديد من المواقع خاصة في الخرطوم بحرى، والجزيرة ودمدني في 11 يناير 2025م.
.png)
(شكل 1): خريطة سيطرة الجيش و”الدعم السريع” على ولايات السودان، وموقع سدي مروي وجبل الأولياء
المصدر: معدلة من موقع الشرق الأوسط في 26 سبتمبر 2024.
الموارد المائية في السودان:
الموارد المائية في السودان متعددة وتتكون من مياه الأمطار والمياه السطحية والمياه الجوفية، ويقدر كمية ما هو متاح من هذه المياه للاستخدام المستدام في السودان حوالي 30 مليار م3 سنوياً (20,5 مليار م3 من نهر النيل، 5,5 مليار م3 من أنهار أخرى، حوالي 4 مليار م3 من المياه الجوفية المتجددة (FAO, 2005)، وفى تقدير آخر 37,8 مليار م3 (FAO, 2015).
1-مياه الأمطار:
تتباين كميات الأمطار في السودان من الندرة في الشمال إلى الوفرة في الجنوب، ويقدر متوسط هطول الأمطار السنوي 250 مم، ولكنه يتراوح بين 25 مم في الشمال الجاف حتى 700 مم في الجنوب. تعتمد الزراعة في السودان على الأمطار بنسبة 89%، والري 11% وهي بذلك تحتل المرتبة الثانية في إفريقيا بعد مصر في الزراعة المروية، ومن الجدير بالذكر أن رغم قلة الأراضي المروية إلا أنها تمد السودان بأكثر من 50% من حاصلتها الزراعية (2010).
2-المياه السطحية:
يوجد بالسودان 6 أحواض نهرية هي:
- حوض نهر النيل: مساحة الأراضي السودانية التي تقع داخل حوض نهر النيل تبلغ حوالي 1,4 مليون ك م2 (69% من مساحة السودان و42% من مساحة حوض النيل).
- أحواض الشمال الداخلية تغطى 313,4 كم2 في الشمال الغربي من السودان، وهي تشكل 16,6% من مساحة السودان.
- حوض بحيرة تشاد في غرب السودان على طول الحدود مع تشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى، ويغطي 101 ألف كم2 (5,4% من مساحة السودان).
- حوضي الساحل الشمالي الشرقي: وهو ما يمثل قطاع طولي على ساحل البحر الأحمر بمساحة 96,5 ألف كم2 (5,1% من مساحة السودان).
- حوض نهر جاش عند كسلا شرق السودان على الحدود مع إريتريا.
- حوض بركة شرق السودان على الحدود مع إريتريا.
النيل الأبيض: يبلغ طول النيل الأبيض حوالي 970 كم، ويبدأ من بحيرة نو، جنوب السودان، حيث يلتقي نهري بحر الجبل وبحر الغزال ويتجه غربًا لمسافة 240 كم إلى أن يلتقي بنهر السوباط، ثم يتجه شمالاً مارًا بمدينة مكال بانحدار خفيف ومجرى ضيق وواضح لا يوجد به روافد أو بحيرات، ويتسع هذا المجرى تدريجيًا إلى أن يصل إلى 2 كم عند مدينة الخرطوم حيث يلتقي بالنيل الأزرق، ويصل إيراده السنوي عند الخرطوم 26 مليار م3 (31,5% من إيراد النيل السنوي عند أسوان).
النيل الأزرق: يساهم النيل الأزرق بحوالي 50 مليار م3 (60%) في مياه نهر النيل عند أسوان. ينبع النيل الأزرق من المرتفعات الإثيوبية، وتصل المياه إليه في الصيف فقط بعد الأمطار الموسمية على الهضبة الإثيوبية، ويقع في نهايته داخل إثيوبيا بالقرب من الحدود السودانية سد النهضة الإثيوبي الذي يحجز في بحيرته 60 مليار م3 منذ انتهاء التخزين الخامس في 5 سبتمبر 2024م.
نهر عطبرة: نهر عطبرة هو آخر الروافد النهرية الكبرى التي تغذي نهر النيل، وهو ينبع من شمال بحيرة تانا (إثيوبيا) بحوالي 50 كم، ويقطع نحو 830 كم حتى التقائه بالنيل الرئيسي عند مدينة عطبرة التي تقع شمال الخرطوم بحوالي 310 كم. يساهم نهر عطبرة سنويًا بحوالي 11 مليار م3 (13% عند أسوان) ويقع عليه مجمع سدي أعالي عطبرة وستيت في ولايتي كسلا والقضارف، وسد خشم القربة في ولاية كسلا.
مياه سطحية أخرى غير نهر النيل:
بالإضافة إلى نصيب السودان السنوي من مياه النيل (18.5 مليار)، فإن السودان يحتوي على العديد من الأنهار والروافد التي لاتصل إلى النيل مثل جاش وبركة على الحدود مع إثيوبيا، وأزوم وهوار مع تشاد، ويتراوح متوسط الإيراد السنوي من هذه الروافد حوالي 7 مليار م3، منها 5 مليار م3 من داخل السودان (2005).
المياه الجوفية:
توجد المياه الجوفية في أكثر من 50% من مساحة السودان، على أعماق تتراوح بين 40 إلى 140م. وتقدر كمية المياه الجوفية في السودان بنحو 260 مليار م3، لا يستخدم منها إلا حوالي 1% فقط في الوقت الحالي (Omer, 2010)، وتقدر كمية المياه المتجددة بحوالي 6 مليارات م3 سنوياً (FAO, 2007). ومن أهم خزانات المياه الجوفية في السودان خزان الحجر الرملي النوبي في الشمال الغربي (شمال دارفور)، بالإضافة إلى بعض الخزانات الأخرى في مناطق الأنهار مثل النيل الأزرق وعطبرة ومنطقة الجزيرة.
السدود في السودان:
يوجد حاليا 6 سدود كبيرة عاملة في السودان، الروصيرص وسنار على النيل الأزرق، وكلاهما متعدد الأغراض، بالإضافة إلى جبل الأولياء على النيل الأبيض، خشم القربة ومجمع سدى أعالي عطبرة وستيت على نهر عطبرة، ومروي على النيل الرئيسي، يصل مجموع المياه التي يمكن تخزينها في السودان حالياً 26,38 مليار م3 (جدول 1). تعاني جميع السدود في السودان (عدا جبل الأولياء) من الإطماء في الأنهار التي تأتي من الهضبة الإثيوبية، مما يؤدى إلى خفض السعة التخزينية للسدود والتي تتراوح من 34% عند سد الروصيرص إلى 60% عند سد سنار. تقع جميع السدود في مناطق يسيطر عليها الجيش السوداني عدا سد جبل الأولياء 44 كم جنوب الخرطوم على النيل الأبيض (شكل 1)، وتعرض سد مروي بالولاية الشمالية لهجوم بطائرات مسيرة من قبل قوات الدعم السريع في 13 يناير 2025م.
سد سنار:
يعد خزان سنار سد كهرومائي يقع في ولاية سنار على مجرى النيل الأزرق أحد أكبر روافد نهر النيل على بعد 300 كم من الخرطوم تم إنشاؤه في عام 1925م، لري الأراضي الزراعية في مشروع الجزيرة وإمداد الخرطوم بالكهرباء، وهو أقدم السدود المائية التي أقيمت في السودان. تبلغ سعة البحيرة نحو 390 مليون م3، يوفر الخزان مياه الري الانسيابي لمشروع الجزيرة والمناقل.
سد جبل الأولياء:
خزان جبل الأولياء هو سد حجري على النيل الأبيض، إنشي في عام 1937م، وظل تحت الإشراف الفني والإداري للحكومة المصرية التي قامت ببنائه في السودان وفق اتفاقية إنشاء خزان سنار، وتم تسليمه إلى حكومة السودان في عام 1977م، لاستخدامه في ري مشاريع النيل الأبيض الزراعية، وفى عام 2003م، تم إنجاز مشروع لتوليد الكهرباء في السد، مضيفًا له السعة القصوى لإنتاجه من الكهرباء وهي 30 ميجاوات (WRE, 2017).
(جدول 1): أهم المشروعات المائية في السودان.
| اسمالسد | تاريخ الانشاء | النهر | الغرض | سعة الخزان (مليار م3) | الكهرباء(ميجاوات) | ||
| عند الإنشاء | الحالية | نسبة الفقد % | |||||
| سنار | 1925 | النيل الأزرق | متعدد | 0,93 | 0,39 | 60 | 30 |
| جبل الأولياء | 1937 | النيل الأبيض | كهرباء | 3 | 3 | صفر | 30 |
| خشم القربة | 1964 | عطبرة | متعدد | 1,3 | 0,56 | 54 | 11 |
| الروصيرصبعد التعلية | 19662013 | النيل الأزرق | متعدد | 3,357,4 | 1,426,25 | 42,3 | 280420 |
| مروي | 2009 | النيل الرئيسي | متعدد | 12,5 | 12,5 | صفر | 1250 |
| أعالي عطبرة وستيت | 2017 | عطبرة | متعدد | 3,7 | 3,7 | صفر | 320 |
| المجموع | 26,38 | 2061 | |||||
المصادر: ((UNEP/DEWA/GRID, 2000; WRE, 2017 and Zoellner et al., 2017
يبلغ طول السد الإجمالي 6,68 كم، عند منسوب 381,5 م (فوق مستوى البحر) بارتفاع 22 م من القاع وسعة تخزينية 3 مليار م3، ويتراوح عمق الخزان من 5 م في مايو إلى 15 م في أغسطس وسبتمبر. ويبلغ عدد بوابات التصريف 40 بابًا، ولا يوجد في خزان جبل الأولياء مفيض، فاستعيض عنه بإنشاء 10 بوابات احتياطية. يتراوح حجم الفاقد من المياه 1-2 مليار م3 سنوياً نتيجة البخر. ظهرت بعض الآراء تدعو للتخلص من سد جبل الأولية وتوفير ما يفقده من البخر، ولكن للسد أهمية قصوى تكمن في تقليل حدة الفيضانات المتكررة سنويًا في النيل الأبيض، كما يقوم السد بدعم المشروعات الزراعية المرتبطة به، واحتجازه لأعشاب النيل وتغذيته للمياه الجوفية ودوره في النقل النهري والسياحة.
سد مروي:
يقع سد مِرْوِى عند الشلال الرابع على مجرى نهر النيل في الولاية الشمالية، على بعد 360 كم من الخرطوم (شكل 1). وهو سد خرساني أكتمل بناؤه في 3 مارس 2009م، ويبلغ أجمالي طوله 9,7 كم فيما يصل ارتفاعه إلى 67 م، وعرض 82 م، وسعته التخزينية 12,5 مليار م3 عند منسوب 290 م (فوق سطح البحر)، ويتراوح مستوى التشغيل بين 290 حتى 277 م (فوق سطح البحر)، ويبلغ منسوب النيل خلف السد 246 م (فوق سطح البحر)، بمسافة سقوط 31 -46 م لتوليد كهرباء مقدارها 1250 ميجاوات من خلال 10 تور بينات سعة كل منها 125 ميجاوات، وهو بذلك أكبر السدود السودانية تخزيناً للمياه وتوليداً للكهرباء. يتراوح البخر السنوي من 1,9 إلى 2,4 مليار م3 (2017).
يهدف السد إلى إنتاج الطاقة الكهربائية بطاقة 1,250 ميجاوات وري نحو 715 ألف فدان في ولاية الشمالية كما يهدف إلى حماية أراضي الولاية من خطر فيضان النيل، وإنشاء مشروعات صناعية وتعدينية تعتمد جميعها على بحيرة تخزين طولها 90 كم (2017).
الزراعة في السودان:
تشكل الزراعة أكبر قطاع اقتصادي في السودان، حيث يعيش نحو60-80% من السكان في المناطق الريفية، ويشكل الرعاة والمزارعون نحو 45٪، بينما الصيادون يشكلون 12% (FAO, 2005). تقع معظم الأراضي الصالحة للزراعة بين النيلين الأزرق والأبيض، وبين النيل الأزرق ونهر عطبرة، بالإضافة إلى بعض المناطق الأخرى مثل الأودية، حيث يتم استخدام الري على نطاق واسع، وفي وادي النيل الضيق (شكل 2).
شكلت الزراعة حوالي 51.5% من الناتج القومي الإجمالي عام 1960م، انخفض تدريجيًا إلى 30% في 2015م، ثم إلى حوالي 23% عام 2016م، حتى 2020م، بعدها انخفض الناتج القومي الإجمالي ومعه المساهمة الزراعية حتى وصلت إلى 5.47% عام 2023م، وساهمت الصناعة بنحو 5.12%، وساهم قطاع الخدمات بنحو 7.48% (2025).
1-الزراعة المروية:
طبقاً لتقديرات منظمة الأغذية العالمية (2005)، فإن مساحة الأراضي القابلة للزراعة في السودان نحو 260 مليون فدان (42% من المساحة الكلية)، والمزروع فعلياً يصل إلى 20 مليون فدان (7% من المساحة القابلة للزراعة، 3% من المساحة الكلية للسودان)، يروى منها نحو 5 ملايين فدان (شكل 2)، تشكل نحو 26% من الأراضي المنزرعة (1997) والأراضي القابلة للري في السودان تقدر بحوالي 7 مليون فدان آخذين في الاعتبار كمية المياه المتاحة (1997).
تأثير الصراع على سد جبل الأولياء:
أثارت كارثة إنهيار سد بوط في 29 يوليو 2020م، في ولاية النيل الأزرق نتيجة الأمطار الغزيرة إلى تدمير أكثر من 600 منزل بأحياء مدينة بوط وتشريد المئات، وانهيار سد الأربعات في 25 أغسطس 2024م، المصدر الرئيسي لمياه الشرب لمدينة بورتسودان، ولاية البحر الأحمر والعاصمة الإدارية الموقتة للسودان حاليًا، والذى أدى إلى جرف نحو 20 قرية بالممتلكات من مبان وأراضي زراعية وسيارات ومواشى، سادت حالة من الخوف الشديد على مصير عديد من السدود والخزانات السودانية التي تحجز أكثر من 26 مليار م3، خاصة مع انقطاع الصيانة الدورية عنها بسبب صراع قوات “الدعم السريع”.
سيطرت قوات “الدعم السريع” على منطقة سد جبل الأولياء في سبتمبر 2023م، حتى الآن، وأدى القتال إلى مقتل بعض المهندسين ومغادرة البعض الآخر مما أدى إلى ارتباك في إدارة السد وغلق البوابات وغرق كثير من المناطق الزراعية والسكنية جنوب السد، وتضرر آلاف السكان وعم نزوح الكثيرين هربًا من مخاطر الحرب.
.png)
شكل (2): توزيع الزراعة المروية في السودان (2015).
اعتاد الطرفان الجيش السوداني وقوات “الدعم السريع” منذ بدء الصراع في 15 أبريل 2023م، تبادل الاتهامات فيما يتعلق بتدمير البنية التحتية، فقد اتهم الجيش السوداني في 13 نوفمبر 2023م، قوات “الدعم السريع” بتدمير جسر سد جبل الأولياء، فيما أصدرت قوات “الدعم السريع” بياناً اتهمت فيه الجيش السوداني من جانبها بتدمير الجسر، وتكمن الأهمية الاستراتيجية لمنطقة جبل الأولياء في أنها تضم سد جبل الأولياء الوحيد في العاصمة الخرطوم، والذى يخزن حوالى 3 مليار م3 من المياه، وينتج 30 ميجاوات من الكهرباء، وجسر السد الذى يعتبر المعبر الرئيسي بين ولايتي الخرطوم والنيل الأبيض اللتين يقدر عدد سكانهما نحو 13 مليون نسمة يعيشون في نحو 100 قرية ومدينة، ووجود قاعدة “النجومي” التي تعتبر واحدة من أهم 4 قواعد جوية في البلاد، كما أن المنطقة تمثل المدخل الرئيسي لجنوب العاصمة الخرطوم.
تعطلت بعض بوابات السد عن العمل بسبب ضرب النظام الهيدروليكي للبوابات، نتيجة الاشتباكات العسكرية، كما انسحب عدد كبير من المهندسين والفنيين مما أدى إلى توقف معظم عمليات التشغيل، وارتفعت مناسيب مياه النيل الأبيض، وأظهرت صور الأقمار الصناعية فيضانات في الجنوب نتيجة غلق البوابات، وفى 22 ديسمبر 2024م، تم فتح كثير من البوابات بعد مناشدة من بعض المواطنين لقوات “الدعم السريع” إلى السماح للمهندسين بالعودة إلى عملهم في الخزان، ومع زيادة الإيراد القادم من بحيرة فيكتوريا حدث فيضان شمال السد أيضًا في غير الموعد المعتاد في أغسطس وسبتمبر من كل عام.
هستيريا قوات “الدعم السريع” بقصف سد مروي:
في تطور هستيري خطير في استخدام السدود في الحرب الدائرة من جانب قوات الدعم السريع، اتهم الجيش السوداني الاثنين 13 يناير 2025م، قوات “الدعم السريع” بقصف سد مروي بعدد من المسيرات استهدفت محطة الكهرباء لأكبر السدود السودانية والذي يخزن 12 مليار م3، وقدرة على إنتاج 1250 ميجاوات (40% من استهلاك السودان) مما تسبب في اشتعال الحرائق في محولات كهربائية، وانقطاع الكهرباء عن مناطق واسعة، دون تأثير على جسم السد.
الموقف الدولي من استخدام حرب السدود:
تنص المادة 15 من الباب الرابع “السكان المدنيون” في البرتوكول الإضافي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف المعقودة في 12 أغسطس 1949م، والمتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة غير الدولية والتي تنص على:
“لا تكون الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة، ألا وهي السدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربية محلًا للهجوم حتى ولو كانت أهدافًا عسكرية، إذا كان من شأن هذا الهجوم أن يتسبب في انطلاق قوى خطرة ترتب خسائر فادحة بين السكان المدنيين”.
انتاب القلق عديد من الدول على تطور الصراع على رأسها مصر، كما طالب مبعوث الرئاسة الأمريكي للسودان بضرورة وقف قصف المسيرات الانتحارية على سد مروي وكل المنشآت الحيوية. كما فرضت الولايات المتحدة الأمريكية في 8 يناير 2025م، عقوبات على قائد قوات “الدعم السريع”، وكشف بيان من الخارجية الأمريكية أن ميليشيا الدعم السريع قد ارتكبت جرائم حرب، وجرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي ضد السودانيين.
اضطراب تشغيل السدود في السودان نتيجة القتال الدائر أثار المخاوف في مصر من حدوث انهيارات أو فيضانات في اتجاه مصر فأخذت الاحتياطات الفنية اللازمة لحماية السد العالي.
الخسائر الزراعية
تشكل الزراعة في السودان وتربية الماشية أهم المصادر الرئيسية للدخل في البلاد، وقد أثر الصراع القائم على الإنتاج الزراعي بشكل كبير، حيث انخفضت الإنتاجية لجميع المحاصيل سواء الصيفية كالسمسم والقطن والحبوب الزيتية أو الشتوية كالقمح، وانخفضت المساحة الزراعية بنسبة أكثر من 50% كما ظهر جليًا من خلال صور الأقمار الصناعية خاصة في أكبر مشروع زراعي في أرض الجزيرة (شكل 3)، وقد أعاق الصراع وسيطرة قوات “الدعم السريع” على ولاية الجزيرة من استمرار العمليات الزراعية، وهجر آلاف المزارعين مزارعهم ونزحوا بسبب الحرب، وازدادت المخاوف من إنهيار كلى لمشروع الجزيرة الذى يوفر الغذاء لأكثر من 3.5 مليون نسمة يقيمون فيه بشكل مستقر، ويشكل مصدر الدخل الرئيسي لأكثر من 140 ألف مزارع، كما اتهمت قوات الجيش قوات “الدعم السريع” بانتهاكات شديدة في حق المدنيين، شملت نهب المنازل والمؤسسات، فضلاً عن سرقة نحو 60% من الماشية البالغ عددها نحو 11 مليون رأس.
.png)
شكل (3): انخفاض المساحة الزراعية إلى أكثر من 50% خاصة في مشروع الجزيرة بالمقارنة بالمساحة في يناير 2023
عاشت ولاية الجزيرة وضعًا مأساويًا من عنف وسلب ونهب وتشريد لمئات الآلاف من السكان، خاصة المزارعين، مما أدى إلى خروج مشروع الجزيرة عن الإنتاج الزراعي لأول مرة منذ 100 عام، وهو ما عمق الأزمة الإنسانية.
كما يعاني المزارعون في الحصول على الإمداد الكافي من المياه للزراعة بسبب سيطرة الدعم السريع على بعض قنوات الري، فضلًا عن المعاناة الكبرى في حصاد المحاصيل، ونقص التقاوي والمبيدات والأسمدة للرش بالمبيدات، وانتشار السرقات، وغياب الدور الإداري الزراعي، وعدم وجود إرشاد زراعي، ونقص في الآلات الزراعية.
خسائر الثروة الحيوانية
يعد السودان من أغنى الدول العربية والإفريقية بثروته الحيوانية، حيث يبلغ عدد الحيوانات نحو 103 ملايين رأس منها 30 مليون بقرة و37 مليون رأس غنم، وكذلك 33 مليون رأس ماعز و3 ملايين رأس من الإبل، يستفيد أكثر من 60% من السكان من قطاع الإنتاج الحيواني بصورة مباشرة، وتعتبر الثروة الحيوانية أحد أهم مصادر الدخل الأجنبي من صادرات المواشي والأبقار.
كان للصراع الدائر تأثيرًا كبيرًا على العاملين في مجال الإنتاج الحيواني حيث يعانون ظروفًا معيشية قاسية بسبب توقف حركة البيع والصادرات، إلى جانب تزايد عمليات السلب والنهب، ونفوق الحيوانات إثر تعرضها للقصف، فضلًا عن تعرض بعض الرعاة للقتل، كما ألحق الصراع أضرارًا بالغة برعاة الماشية في ولايات كردفان الثلاث التي تحولت إلى ساحة حرب، مما أدى إلى عدم التنقل في مناطق الرعي.
الأزمة الغذائية:
طبقًا لتقرير برنامج الأغذية العالمي في الأمم المتحدة (2025)، تزداد المجاعة على مستوى العالم، حيث يقدر عدد الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحاد في 2024م، بنحو 343 مليون شخص في 74 دولة، يقدر بنحو 1.9 مليون شخص على شفا المجاعة، وخاصة لشعبين عربيين في غزة نتيجة العدوان الإسرائيلي الغاشم بعد السابع من أكتوبر 2023م، وفى السودان الذي يعاني منذ عشرات السنوات من ويلات الصراعات الأهلية التي أدت إلى انفصال جنوب السودان 2011م، ودارفور، ثم جاء صراع قوات “الدعم السريع” ليجهز على ما تبقى من السودان.
نزوح السكان:
في غياب حل لأزمة صراع قوات “الدعم السريع” مع الجيش، وتدهور الأمن وانتشار نقص الغذاء، اضطر الملايين من الناس إلى الفرار بحثًا عن ملجأ ومساعدات أساسية، حيث حدثت أكبر أزمة نزوح داخلي في العالم بلغت 8.5 مليون شخص، بالإضافة إلى فرار 3 ملايين شخص آخرين إلى الدول المجاورة، تستضيف منهم مصر أكبر عدد (1.2 مليون)، تليها تشاد (712.288)، وجنوب السودان (190.280)، وليبيا (180.000)، وأوغندا (60.808)، وإثيوبيا (39.984)، ونزح إلى جنوب السودان 650.000 معظمهم من المواطنين العائدين الذين كانوا يعيشون في السودان كلاجئين (شكل 4)، ويعانى حوالى 834 ألف شخص من المجاعة في السودان حتى أغسطس 2023م، وهذا يشكل أكثر من 40% من حالات المجاعة العالمية، وأشد المناطق المتضررة هي دارفور الكبرى وكسلا والخرطوم وكردفان الكبرى طبقًا للتقرير العالمي عن أزمات الغذاء IPC, 2014))، وطبقًا لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) في 14 نوفمبر 2024، يحتاج نصف سكان السودان (حوالى 26 مليون نسمة) إلى المساعدات الإنسانية والحماية، وتواجه البلاد نقصًا حادًا في الغذاء والمياه والأدوية والوقود.
.png)
شكل (4): خريطة نزوح السكان (UNHCR, 2024).
