المؤشرات تدفع المنطقة لمواجهة شاملة أو تحول الخارطة الجيوسياسية بولادة تحالفات إقليمية جديدة
Earth globe inside studio space with transferring lines, digital world connectivity background. 3d illustration
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


د. عمار سيغة
أستاذ الدراسات الأمنية والاستراتيجية، الجزائر.
شهدت الساحة الإقليمي ة تحولات جيواستراتيجية متسارعة على خلفية التصعيد بين إسرائيل و إيران، فما عرفته منطقة الشرق الأوسط مؤخرًا من عمليات عسكرية بأبعاد أمنية تتعدى الفضاء الإقليمي للمواجهة التي شملت المنطقة والتصعيد الخطير وغير المسبوق في الخطاب الرسمي وفي ميدان الحرب، ما قد يؤشر لتغيير موازين القوى على خلفية الاستقطاب الجيوسياسي الحاد مع المصالح المتضاربة بين فواعل إقليمية ودولية، يتسم الفضاء الإقليمي بالهشاشة و التوتر مما يؤكد مستقبلًا على فرضية توسيع المواجهة وانخراط تلك القوى في حروب مباشرة و بالوكالة ، و يحتم علينا تقييمًا دقيقًا و رصدًا لإدارة الأزمة و استنتاج أهم السيناريوهات المحتملة بعد الانتشار الرهيب للأسلحة غير التقليدية و مؤشرات تصاعد التطرف و الإرهاب و انفجار الوضع الإنساني بسبب تدفق اللاجئين، و تمهد لمراجعات جيوأمنية كبرى في ضرورة تنسيق أمني بين دول المنطقة العربية، و تمهد لميلاد تحالفات عسكرية من جهة، و من جهة أخرى تدفع إلى تكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء وضع اللاعودة .
خلافًا للاستراتيجية الإسرائيلي ة الكلاسيكية القائمة على ” الاحتواء الاستباقي ضد مهددات أمنها القومي ، شن الطيران الإسرائيلي غارات جوية غير مسبوقة على المصالح الاستراتيجية و الحيوية الإيراني ة في 13 يونيو 2025م، الماضي، تلك الضربات التي يمكن وصفها بالمنسقة خاصة وأنها حققت أهدافًا في البنية التحتية الحيوية المدنية والعسكرية على حقل الغاز جنوب فارس، مبنى التلفزيون و الإذاعة الإيراني ، وعلى مفاعل آراك للماء الثقيل و العمليات الجوية هندست لمتغيرات غير تقليدية في حروب الجيش الإسرائيلي الأخيرة، لتخفيف التكلفة البشرية- وهي أحد هواجس إسرائيل الحربية داخليًا وشعبيًا- ، غير أن الرد الإيراني ضمن عمليات ” الوعد الصادق 03″ بهدف تغيير موازين الكفة العسكرية ، كان واسع النطاق بهجومات صاروخية باليستية و صواريخ فرط صوتية كسرت حاجز القبة الحديدية، و غارات لمسيرات تركزت الهجمات على منشآت عسكرية ومقرات أمنية في عمق ” تل أبيب” و” رمات عان” ووسط المستوطنات في الأراضي المحتلة، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى تحييد جبهة غزة و جعلها ثانوية ضمن عملياته العسكرية .
تواصلت عمليات “الأسد الصاعد” الإسرائيلية باغتيال أرفع القيادات في الجيش الإيراني و الحرس الثوري، فالأهداف الفوق حربية للمواجهة هي إضعاف أركان الدولة وعزل المرشد الأعلى “علي خامنئي” عن التأثير القوي في مسار الحرب، و سياسيًا كسر المشروع العقائدي الشيعي العابر للحدود وقلب نظام الحكم، وتجنيد لفيف استخباراتي في العمق الإيراني ، بعد تولي إيال زامير رئاسة هيئة الأركان الإسرائيلية تبنت قيادتها مقاربة أمنية تعتمد “عقيدة الضربة الاستباقية”، ففي عام 2022م، نشر الأخير الذي كان حينها في قوات الاحتياط ورقة بحثية بعنوان :
“A long-Term Comprehensive : Confronting Iran s Regional Strategy ” في معهد “.washington institute ” ما يبرر استقدام الرجل على رأس هيئة أركان الجيش والحاجة إلى تغيير جذري في المقاربة العسكرية الإسرائيلية الكلاسيكية تجاه أعدائها في المنطقة .
نرى أن الصراع المتجدد في أبعاده المتشعبة والعميقة خلف تداعيات خطيرة وبات يؤشر إلى:
- تراجع مستويات الاستقرار الإقليمي ، وزيادة التوتر: يعد تراجع حرب الوكالة إلى المواجهة المباشرة في مشهد يشبه الانتقال من منطقة الظل إلى منطقة الصراع المباشر ، ويمهد مستقبلًا إلى نشوب حرب إقليمية قد تعصف بالمنطقة العربية، كما يمهد للتدخل الأجنبي و يفتح حلبة صراع دولي متجدد بين القوى التقليدية الفاعلة (أمريكا ، روسيا، الصين وقوى إقليمية صاعدة)، ما سينعكس على واقع الأمن القومي و الإقليمي العربي ويعظم القدرات العسكرية لوكلاء الصراع الحاليين، فإيران لن تتوقف عن دعم أذرعها في المنطقة (حزب الله في لبنان، الحوثي في اليمن، و الفصائل المسلحة في العراق و سوريا )، و يدفع بالضرورة الدول العربية لتعزيز قدراتها العسكرية للتصدي للتهديدات الأمنية للصراع الإقليمي الحاصل، و يرفع من ميزانية الإنفاق العسكري ويزيد من حدة السباق نحو التسلح على حساب التنمية، فالمنطقة برمتها باتت على حافة هوة الحرب الإقليمية الشاملة .
- تداعيات جيو-اقتصادية، وتهديد مباشر لأمن الطاقة الدولية: إن المشروع النووي الإيراني أعطى لإسرائيل الذرائع المتوقعة لتبرير عملياتها العسكرية و بالتالي ارتفع الدعم اللوجيستي الغربي لها، فاحتمال تجدد المواجهة لتدمير ما تبقى من المنشآت النووية الإيرانية وارد جدًا، هذا المأزق الأمني للمنطقة يؤثر بشكل مباشر في إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز و يزيد من المخاطر على الملاحة الدولية في باب المندب ، بالنظر إلى استمرار الصراع الروسي الغربي على الجبهة الأوكرانية وحاجة الأسواق الدولية لسد العجز الطاقوي، فالمتضرر المباشر هي اقتصاديات الدول العربية المنتجة للطاقة والمعادن .
- واقع مجتمعي متأزم، ومستقبل إنساني خطير: الأمن الإنساني أضحى هشًا بعد تدفق أعداد اللاجئين من مناطق الصراع وأعبائها الاقتصادية، تقرير الأونروا في ندائها الصادر في ديسمبر عام 2024م” حتى نهاية العام 2025م، يؤكد على الارتفاع الحاد في كل من سوريا والأردن ولبنان بسبب النزاعات المتداخلة بأكثر من 560 ألف لاجئ فلسطيني نازح لدى المنظمة، واليوم لايزال أكثر من 438 ألف لاجئ منهم 40 نازحون داخليًا غادر منهم الخمس وعددهم أكثر من 20 ألفًا نحو الأردن و23 ألفًا نحو لبنان”. هذه تداعيات الحرب الإسرائيلية على الأراضي المحتلة في فلسطين في أبعادها الإنسانية، كما أن الصراع الطائفي أسهم أيضًا في انقسام وزيادة مطردة في التوتر داخل المكون الاجتماعي المتنوع في المنطقة.
بالنظر إلى نتائج ما بعد الحرب الإسرائيلية / الإيرانية على الجانب الإيراني ، فالحرس الثوري فقد عددًا لا يستهان به من قادة بارزين بدءًا برئيس أركان الحرس الثوري الجنرال محمد باقري، والقائد العام للحرس الجنرال حسين سلامي، و قائد القوات الجو-فضائية للحرس الثوري الجنرال أمير علي حاجي زادة، و غلام علي رشيد، و علي شمخاني، خسائر الضباط الكبار في صفوف الحرس الثوري الإيراني أربكت السلم القيادي و أضعفت الجانب العملياتي، و قتل ما بين 78 إلى 90 فردًا منهم عسكريون ومدنيون و أصيب ما بين 320 الى 329 آخرون، و تضررت البنية التحتية العسكرية على مستوى منظومة الدفاع الجوي في قاعدة “ماهشهر” للصواريخ في محافظة “خوزستان” و مخزونات الصواريخ و أنظمة الدعم اللوجستيكي، و تعرضت قاعدة قم للصواريخ و منشآت الصواريخ في منطقة سمنان إلى أضرار جسيمة، و تشير تقارير إلى تعرض منشآت التخصيب في منطقة “نطنز و فوردو” ومجمع “أصفهان” إلى دمار في أجهزة الطرد المركزي بما في ذلك مرافق تحويل اليورانيوم المخصب، واستهدف مفاعل “آراك” للماء الثقيل ما سيلغي مستقبلًا مصدرًا مهمًا لمادة البلوتونيوم، ما تعرضت له البنية التحتية النووية الإيرانية سيزيد من الوقت اللازم لإعادة بناء المنظومة القاعدية بعد فقدان ما بين 6 إلى 9 علماء نوويين إيرانيين، و تعرض البنية التحتية المدنية من مساكن ومدن للدمار و انتشار الهلع في أوساط الساكنة، سترتفع فاتورة التكلفة الاقتصادية للإعمار بعدما أخذ الإنفاق العسكري حصة الأسد، الداخل الإيراني سيشهد استقطابا في المجتمع السياسي و سيرفع أصوات ناقدة و نقاشا حول الجدوى من سياسات الدفاع الإيرانية و خسائر البنية العسكرية، ما سيفتح و يمهد الى انفجار داخلي ممزوج بالغضب والرفض لتبريرات خسائر الحرب، وستكون التداعيات ورقة سياسية رابحة في يد المعارضة الإيرانية قد تشعل الشارع في مناطق الأقليات الطائفية و العرقية، و تدفع بالدعاية المضادة لإسقاط سردية تبرير الخسائر كجزء من مؤامرة إقليمية تعرضت لها إيران أو تصوير مشهد بطولي لانتصار المقاومة في حلقة من مسلسل طويل من الصراع مع الغرب، الفراغ القيادي سيؤثر حتمًا على الجانب الاستراتيجي و اتخاذ القرار والتنسيق القريب المدى، ويحتم على القيادة السياسية و العسكرية إعادة تقييم خطط الدفاع والهجوم بعدما التزمت إيران أسلوب ” الصبر الاستراتيجي ” ، لعقود ، بالمقابل فالدفع بجيل جديد من القادة أصبح حتميًا لتبني استراتيجيات وتكنولوجيا حربية حديثة، ومراجعات كبرى لمنظومة الاستخبارات بعد الانكشاف الرهيب وتهديد وجودي لنظام الجمهورية في الخارطة الجيوسياسية الإقليمية .
تقديرات الموقف تؤشر لحجم الخسائر العسكرية النووية الإيرانية، وتفرض مراجعة الخارطة القيادية من الداخل السياسي والعسكري والاقتصادي، وتعيد رسم إدارة الصراع المستقبلي مع إسرائيل والمنظومة الغربية، فالسيناريوهات المتوقعة لاستشراف الصراع الإقليمي في المنطقة متعددة ومتشعبة:
- بالنسبة لدول المنطقة العربية نتصور تشكيل تحالفات لاحتواء التهديدات، وتوسيع نطاق التنسيق الاستخباراتي والعسكري، غير أن مقاربة دول الخليج في تفضيل أسلوب التهدئة والحوار بمسار يخدم المصالح المشتركة سيخفف من التوتر واحتمالات التصعيد في حرب شاملة، فموازنة المصالح تفرض نفسها في ظل عالم بات يشهد اصطفافًا واستقطابًا دوليًا وإقليميًا، فعلى الجميع التزام الحياد وعدم الانحياز لأي محور لمواجهة جملة المخاطر والتهديدات.
- بالنسبة للمنظومة الغربية لها مبرراتها لفرض العقوبات وستستمر أمريكا في سياسة ” الضغط الأقصى” بفرض عقوبات اقتصادية والمزيد من العزلة على إيران وإجبارها بالقوة للتنازل عن سلوكها العدائي وبرنامجها النووي، فيما لا تزال مجموعة إقليمية (روسيا، الصين وتركيا، وحتى دول الخليج العربي) تتمسك بورقة المفاوضات كحل وسط أكثر دبلوماسية لاتفاق نووي يدفع طهران إلى المزيد من التنازلات، وباعتقادنا أنه صعب التحقيق في الوقت الحالي.
- في الجانب الإسرائيلي نرى أنها ستواصل منع إيران من تحقيق أهدافها وعرقلة مشروعها عن طريق حلفائها الغربيين وحتى الوكالة الدولية للطاقة النووية، ما سيبقي مخاطر التصعيد الإقليمي قائمة، كما سيدفع إلى توسيع التحالفات الإسرائيلية مع دول إقليمية تتقاطع معها في رفض النفوذ الإيراني في المنطقة – في إطار اتفاقيات أبراهام- و تبادل استخباراتي يخفف من هواجس الأمن القومي الإسرائيلي ، و تواصل التنسيق الأمني مع أمريكا لتعزيز قدرات الاستطلاع لكشف ومراقبة النشاط النووي و التطوير العسكري الإيراني .
خاتمة
ترتبط سيناريوهات المرحلة القادمة حسب المعطيات بطبيعة التطورات الداخلية الإيرانية وموقفها من الأجندة الإسرائيلية وتهديداتها، فمن جهة ترى المجموعة الغربية أن امتلاك إسرائيل للسلاح النووي هو دفاع شرعي وجودي وردع لأي تهديد لأمنها القومي، و تقف القوى الإقليمية والدولية الفاعلة أمام معضلة غياب حلول ترضي الأطراف، وجهود دبلوماسية تجنب المنطقة سيناريوهات أكثر خطورة وتخفض احتمالات نشوب حرب إقليمية شاملة، قد تؤدي إلى دمار واسع و نزوح جماعي للسكان، و تهدد الدول العربية بعدما أصبح مجالها الجوي مسرحًا لتبادل الهجومات الجوية من صواريخ ومسيرات حربية و سيادتها مستهدفة على خلفية وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيها، بشكل عام قد تدفع هذه المؤشرات إلى مواجهة شاملة مدمرة، أو تهدئة مؤقتة يتخللها استمرار التوتر السياسي، أو تحول جذري في الخارطة الجيوسياسية في المنطقة من خلال ولادة تحالفات إقليمية جديدة، فكل مسار يحمل في ثناياه فرصًا للانفراج ومخاطرًا للتصعيد، ويقوم على مستقبل مبني على خيارات تتبناها الأطراف الفاعلة في المنطقة وحتى خارجها .
