أوهام نتنياهو بالنصر الاستراتيجي جعلته يتمسك بفرض السلام بالقوة وإبعاد مفاوضات الدولة الفلسطينية
Washington,DC, United States, April 7 2025, President Donald J Trump welcomes Israeli Prime Minister Benjamin Netanyahu to the White House
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|


أ.د. مصطفى صايج
أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم السياسية والعلاقات الدولية-جامعة الجزائر3
استند السلوك الرسمي الإيراني والإسرائيلي منذ الثورة الإيرانية 1979م، خطابًا وعملًا، في إدارة الصراع بين الطرفين على خيارات الحصيلة الصفرية في رؤية كل منهما للآخر، ووظفت الثورة الإيرانية القضية الفلسطينية كورقة استراتيجية لتعبئة المقاومة ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين والأراضي العربية المحتلة منذ 1967م، ويمثل فيلق القدس الذراع الأيديولوجي للثورة للتمدد الإيراني في المنطقة العربية، وعمل النظام الإيراني على الدعم الأيديولوجي واللوجستيكي لحزب الله في لبنان وأنصار الله الحوثي في اليمن وحزب الله العراقي والتيارات الشيعية التي احتضنتها طيلة الحرب الإيرانية-العراقية، كأدوات لتنفيذ العقيدة الأيديولوجية، بشعار العداء لأمريكا والموت للصهاينة. وبالمقابل، فإن نتنياهو ولمدة ثلاثة عقود وهو يحاول إقناع الإدارات الأمريكية المتعاقبة والأطراف العربية الموقعة على اتفاقيات السلام، بأن إيران تشكل تهديدًا وجوديًا لإسرائيل وللدول العربية، مما دفعه للترويج لبناء تحالف واسع أطلق عليه في فترة معينة، التحالف اليهودي-السني، في مواجهة التغول الشيعي في المنطقة العربية. وبعد فشل هذا المشروع، لاسيما بعد التقارب الدبلوماسي السعودي-الإيراني بوساطة صينية، صعد نتنياهو من خطاب التهديد النووي الإيراني مبرزًا خطره على الوجود الإسرائيلي بتوظيف أسطورة الهولوكوست النووي الإيراني الوشيك. فما هي الأهداف الحقيقية للعدوان الإسرائيلي-الأمريكي على إيران فيما سمي بحرب الاثني عشر يومًا؟ وما مدى تأثيرها على الداخل الإيراني وسلوكها المستقبلي تجاه المنطقة العربية؟ وما هي انعكاساتها على إعادة ترتيب ميزان القوى الاستراتيجي في الشرق الأوسط؟ وما هي السيناريوهات المحتملة لمسار الحرب الإسرائيلية الإيرانية؟
الحرب الإسرائيلية / الإيرانية بين النصر الاستراتيجي والصبر الاستراتيجي
بعد عملية الأسد الصاعد، روجت إسرائيل لنصر استراتيجي على إيران وبشرت بنظام شرق أوسطي جديد يقوم على مقاربة السلام بالقوة، ومن فرط التفاؤل بهذا النصر طلب وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، من دول الخليج والدول الأوروبية دفع التكاليف الاقتصادية للحرب على إيران، وقد تناغم المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، مع هذا الطلب واعتبر إسرائيل تقوم بالعمل القذر نيابة عن الغرب بأكمله. وإذا حاولنا أن نقيم مؤشرات النصر الاستراتيجي الإسرائيلي مقابل الصبر الاستراتيجي الإيراني، فإن الواقع يدلنا على الحقائق التالية:
أولًا، إن الأهداف الإسرائيلية المعلنة في عملية الأسد الصاعد، كانت ترمي إلى تدمير القدرات النووية والباليستية الإيرانية وإسقاط النظام عبر الفوضى الخلاقة، انسجامًا مع إدارة الصراع وفق الحصيلة الصفرية، لا مجال للمفاوضات أو المساومات مع النظام الإيراني، وبالتالي القضاء على مسار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية حول البرنامج النووي الإيراني، وإبعاد أي تقارب دبلوماسي إيراني / خليجي في فترة ما بعد الحرب، ونزع ورقة الضغط الأمني للمقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية.
ثانيًا، حققت إسرائيل قبل العملية العسكرية وما بعدها، بعض المكاسب الاستراتيجية في مواجهة إيران، بتحجيم بعض الأوراق التي تمنح صفة القوة الإقليمية لإيران، فضلًا عن تدمير قدراتها الباليستية والنووية، عملت على إضعاف وكلائها واغتيال رموزها، حسن نصر الله في لبنان، وإسماعيل هنية في طهران، وسقوط نظام بشار الأسد حليفها الاستراتيجي في دمشق، ولم يخف وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، هذه المكاسب بقوله:” إن إسرائيل تعاملت مع وكلاء إيران على مدار عام ونصف، لكنها الآن تتعامل مع رأس الأفعى نفسه”.
ثالثًا، تمتع إسرائيل بالتفوق في القدرات العسكرية الجوية، استخدمت في الضربة الاستباقية الأولى 200 مقاتلة استهدفت 100 هدف في مناطق جغرافية متنوعة بإطلاق 300 قنبلة، مسنودة بقدرات سيبرانية وتكنولوجية وعمل استخباراتي دقيق في تنفيذ العمليات العسكرية، لاسيما في استخدام الطائرات بدون طيار المدمرة من داخل إيران، لشل القدرات الدفاعية الجوية الإيرانية، وهو ما منحها امتياز الضربة الأولى، تطبيقًا لاستراتيجية الحرب الاستباقية ومبدأ بيغن في تدمير كل القدرات النووية للخصوم. وقد أثبتت هذه العمليات العسكرية استمرارًا للعمليات النوعية التي سبق تنفيذها والاغتيالات التي ألحقت بقيادات الصف الأول من حزب الله، وعملية الاختراق الأمني بما عرف بحادثة أجهزة النداء اللاسلكية في لبنان. وكلها تصب في محاولات تحقيق جبر الضرر المادي والمعنوي الذي ألحقته هجومات السابع من أكتوبر بالجيش والاستخبارات الإسرائيلية، وتجاوز تحطيم عقيدة القلعة الأمنية التي لا تهزم ولا تخترق.
رابعًا، الدور الأمريكي في دعم إسرائيل وحسم التفوق العسكري بمشاركتها المباشرة في الحرب على إيران، من خلال عملية مطرقة منتصف الليل، التي أثبتت القدرة العسكرية للإمبراطورية الأمريكية على تغيير الميزان الاستراتيجي للحرب لصالح إسرائيل، وأنها لاعب جيوستراتيجي في الشرق الأوسط، لا يمكن إعادة هندسته مستقبلًا دون استئذانها، مع القدرة على فرض الهدنة ووقف إطلاق النار، بإبعاد أي دور لمنظمة الأمم المتحدة أو الأطراف الأوروبية التي همشت في الملف النووي الإيراني، أو الجمود الصيني –الروسي، وهو ما يمنح حصانة أمنية ودبلوماسية لإسرائيل في اختيار توقيت الضربة العسكرية وتوقفها والاستعداد لضربات استباقية مستقبلية.
تأثير الحرب على الداخل الإيراني وسلوك إيران المستقبلي تجاه المنطقة العربية
تلقى النظام الإيراني ضربات موجعة في عمقه الأمني والعسكري والتكنولوجي، واتضح درجة انكشافه الأمني الجوي والاستخباراتي، أفقدته مكاسب معنوية ومادية، من حيث هيبة الدولة وقدرتها على حماية قادتها ومنشآتها الحيوية والحساسة، ومن حيث البعد الأيديولوجي التعبوي وحصانة رموز الحرس الثوري منذ اغتيال قاسم سليماني في بغداد والاغتيال الجماعي لقادة فيلق القدس في القنصلية الإيرانية بدمشق في أول أبريل 2024م، وألحقت إسرائيل أضرارًا معنوية بالغة باغتيال القائد العام للحرس الثوري، اللواء حسين سلامي، واستهداف هيئة القيادة العامة للحرس الثوري، واغتيال مجموعة من قيادات فيلق القدس التي تعد حلقة الاتصال مع حماس وحزب الله، كما استهدفت 14 عالمًا نوويًا إيرانيًا طيلة الحرب التي امتدت 12 يومًا، مع التلويح باغتيال المرشد الأعلى لإيران. وتهدف هذه العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى خلق الإحباطات الداخلية في إيران للتشكيك في قدرة وشرعية النظام السياسي على الاستمرار، وهي الموجة الدعائية الكبيرة التي صاحبت الهجومات العسكرية لتحريك الشارع الإيراني ضد النظام القائم، في ظل مؤشرات اقتصادية ضاغطة، توقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض النمو الإيراني إلى ناقص0.5 % من الناتج في نهاية السنة بسبب الحرب، مع تأثيرات مستمرة للعقوبات والحصار الدولي المفروض على إيران منذ الثورة على نظام الشاه، بلغ عدد العقوبات إلى غاية يناير 2025م، ما يقارب 5500 عقوبة، لاسيما في قطاع الطاقة الذي يشكل محرك الاقتصاد الإيراني، مما ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن الإيراني، بسبب التضخم الذي وصل إلى ما يقارب 43 بالمائة في 2025م، بعدما بلغ 33 % في سنة 2024م، وإجمالًا، فإن البيئة الاجتماعية والاقتصادية الضاغطة تشكل حاضنة مواتية لكل الاضطرابات الداخلية الممكنة والمحتملة بسبب الاحباطات وتآكل مشروعية النظام في تحسين جودة الحياة بكل متطلباتها. ورغم الاستقرار النسبي والحصانة الشعبية التي رفضت العدوان الإسرائيلي على إيران، فإن حالة الحروب اللامتناهية للنظام الإيراني الثوري منذ نشأتها، يطرح شرعية استمراريته في ظل الاخفاقات الأيديولوجية والتمدد الإيراني في الخارج على حساب أمن وتأمين الداخل، مما يؤدي إلى فرض مراجعة جذرية للحسابات الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة العربية، بإعادة صياغة بريسترويكا جديدة، تقوم على المصالح البرغماتية وتحييد أيديولوجيا الثورة، وتجربة الإصلاحيين في إيران المتجذرة في العمق المجتمعي منذ أبو الحسن بني صدر، وهاشمي رافسنجاني ومحمد خاتمي، تشكل نموذجًا للدفع نحو المفاوضات مع الغرب والتصالح والتقارب أكثر مع الدول العربية، خصوصًا بعد موقف التيار الإصلاحي المعارض للعدوان الإسرائيلي-الأمريكي على إيران مقارنة بالمعارضة المدعومة من الخارج، لاسيما بقايا نظام الشاه ومنظمة خلق. وكل الظروف مواتية لتراجع التيار الثوري الأيديولوجي بسبب فقدانه لأوراق الاستراتيجية داخليًا وخارجيًا، ويبدو تعيين علي لاريجاني، كأمين عام للمجلس الأعلى للأمن القومي، يحمل رسالة مزدوجة، خبرته في هندسة السياسة الأمنية الخارجية لإيران ومشاركته في المفاوضات النووية، من جهة، والاستعداد لكل خيارات الحرب المقبلة، من جهة أخرى.
انعكاسات الحرب على إعادة ترتيب ميزان القوى الاستراتيجي في الشرق الأوسط
أثارت الحرب الإسرائيلية-الإيرانية قضيتين أساسيتين، تحددان مستقبل الاستقرار الأمني وميزان القوى في الشرق الأوسط، القضية الأولى، تتعلق بالتكنولوجيا النووية في الشرق الأوسط بين الاستخدام السلمي والعسكري، ومدى هشاشة مؤسسات الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وشرعية اتفاقية حظر الانتشار النووي، حيث فرضت إسرائيل دورها في المنطقة كخصم وحكم في آن واحد، ومارست دور مجلس الأمن الدولي في تنفيذ الردع بالضربات الاستباقية، بما يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة لا سيما الفقرة الثانية من المادة الرابعة التي تمسكت بها إيران أمام الأمم المتحدة. وأمام عجز المؤسسات الدولية، يدفع مأزق الخوف المتبادل بعض دول المنطقة للسباق نحو اكتساب التكنولوجيا النووية بما فيها تخصيب اليورانيوم بالنسبة الأعلى كأداة للردع الاستراتيجي، ويطرح في هذا المجال نماذج، الهند، باكستان، وكوريا الشمالية، لأن تجارب العدوان الإسرائيلي المتكررة على بغداد ودمشق وطهران، تؤكد عدم الاقتناع بالنوايا الحسنة لإسرائيل في تعاملها مع أية دولة عربية وإسلامية مستقبلًا، تطمح لاكتساب التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، طبقًا لاتفاقية حظر الانتشار النووي.
أما القضية الثانية، تتعلق بمستقبل بناء السلام في الشرق الأوسط، حيث أوهام النصر الاستراتيجي الذي يتمسك به نتانياهو، يجعله وتحالفه الصهيوني الديني، متمسكًا بمقاربة السلام بالقوة، وإبعاد أي مفاوضات حول مستقبل الدولة الفلسطينية، وقد عبر، سموتريتش، عن هذا الاتجاه بقوله:” توسيع اتفاقيات أبراهام أمر رائع، ولكن بدون تهديد وجودي في تقسيم إسرائيل وتسليم أراض للعدو وإقامة دولة فلسطينية إرهابية”. وقد يصطدم هذا الاتجاه الصهيوني مع مقاربة الأرض مقابل السلام، وهو التأييد الذي أخذ يتسع دوليًا بعد المؤتمر الدولي رفيع المستوى للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين برئاسة مشتركة سعودية-فرنسية (28 يوليو 2025م)، وموجة الاستعداد الدولي للاعتراف بفلسطين في الدورة القادمة للجمعية العامة، أبرز هذه الدول، فرنسا، بريطانيا، استراليا، كندا، البرتغال. ويبدو أن ضغوطات الرأي العام الدولي وتحريك المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية ضد إسرائيل وقيادتها السياسية والأمنية، تقلص أكثر من دائرة المناورات الإسرائيلية تجاه حق الدولة الفلسطينية.
سيناريوهات مسار الحرب الإسرائيلية / الإيرانية
المشاهد المستقبلية تتأرجح بين السيناريو الاتجاهي والسيناريو الإصلاحي. السيناريو الاتجاهي، حيث الهدنة الهشة وقناعة إسرائيل وإيران بأن خيارات الصراع الصفري ستبقى تضبط سلوكهما، وتعزز قناعة نتانياهو بأن إسقاط النظام والتغيير الجوهري لبنية القيادة السياسية والعسكرية الإيرانية هو الهدف الذي يحقق له طموح السلام الإسرائيلي وبناء مشروع الشرق الأوسط بتوسيع دائرة السلام الإبراهيمي، يستند على الأدبيات الكلاسيكية المعدلة لشمعون بريز، التفوق التكنولوجي والعسكري الإسرائيلي في إطار التكامل مع المال والطاقة والأسواق العربية والإسلامية، بحلم الدولة اليهودية الخالصة والتطهير العرقي للفلسطينيين. وقد يعمق من هذا الاتجاه، فشل مسار المفاوضات الأمريكية-الإيرانية في الملف النووي، بسبب تمسك كل طرف بموقفه في قضية تخصيب اليورانيوم، بين خيار صفر تخصيب الذي يفرضه ترامب مقابل تشدد إيران بحقها القانوني في تخصيب اليورانيوم. والاحتمال الأكثر ترجيحًا في هذا الإطار لجوء نتانياهو لخيار شمشون، بصيغة علي وعلى أعدائي، مما يزيد من توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، يدفع الطرف الإيراني في حالة التهديد الوجودي لاستمرارية النظام القائم، باستخدام مضيق هرمز كورقة استراتيجية للضغط على التجارة العالمية وممرات الطاقة وفي أقصى التقديرات إعادة سيناريو الهجوم العسكري على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج العربي، محاكاة للضربة الرمزية على قاعدة العديد في قطر.
السيناريو الإصلاحي، يكون مرهونًا بتغيير النخب في إسرائيل، والرهان يكون على ما يسمى بالتيار العقلاني داخل إسرائيل الذي يؤمن بمقاربة السلام الاقتصادي وخيار حل الدولتين، وقد عبر عن هذا التيار بشكل واضح، عامي أيالون، مدير الشباك السابق، وجلعاد شير، مدير مكتب إيهود باراك، والناشط الاجتماعي، أوروني بتروشكا، في مقال مشترك بصحيفة نيويورك تايمز، مما جاء فيه:” أن مأساة إسرائيل اليوم أن قادتها لا يرون سوى الأهداف الحربية، وحان الوقت للانتقال من العمليات العسكرية إلى الحكمة السياسية، وأن وهم تشكيل الشرق الأوسط بتجاوز القضية الفلسطينية تبدد في السابع من أكتوبر2023″. وقد يدفع هذا التيار إلى الواجهة بدعم من دونالد ترامب الذي تضغط عليها جماعة مايغا التي ترفض انخراط واشنطن في حروب الشرق الأوسط المكلفة وذات العبء الاستراتيجي على مشروع أمريكا أولًا.
